رمز الأب وأبعاده في قصة «مساء في أواخر فبراير» ليوسف المحيميد (٭ )

 

عثمان صادق شريحة


أولت الدراسات اللسانيّة الحديثة حيّزا هاما لقضيّة الرمز باعتباره ناشئا عن آليّات التواصل اللغوي ، ولعلّ الروائي وهو يشكّل أنساقه الرمزيّة  يسعى إلى اختراق حدود الدلالة المباشرة للتوليف اللغوي ليحقّق دلالات حافــّـة يستطيع القارئ بما تهيّأ له من أدوات تفكيكيّة حلّها والتوصّل إلى المعنى المقصود ، لذلك استثمرت مقاربات التحليل النفسي النظريّة والاكلينيكيّة(١) على حدّ سواء ما توصّلت إليه الدراسات اللسانيّة في اشتغالها على الرمز .

 ومن أهم ما يتميّز به الرمز عن الخطاب المباشر تشبّعه الدلالي رغم الحيّز النصّي القصير الذي يحتلّه في فضاء الأثر الإبداعي، فكثافة الدلالة  فيه تتجاوز الحدود الضيقة للعبارات لذلك يمكن الجزم أن الرمز ينشئ في إطار العمل الإبداعي إبداعا إضافيّا يسهم في تشكيل قدرة الإنتاج الفني على إثارة القارئ وتحقيق ما يصبو إليه من إمتاع وهو في كل  ذلك منشدّ إلى المبدع يسائله المعاني الحافـــّة بنصّه .

ويبقى الرمز أكثر الأنساق السيميائيّة حاجة إلى رابطة مشتركة بين المبدع والمتلقّي ، فالترميز يصاب بالعطالة متى انعدمت هذه الرابطة ، ذلك أنه مشروط بخاصيّة التواضع المشترك بين طرفي العمليّة التواصليّة على الدلالات التي يحيل عليها ، بمعنى آخر تظلّ الطاقة الإحاليّة للرمز محكومة بقدرة المتلقّي على فهم مقاصد المبدع ، وإن تعذرت هذه القدرة خلا الرمز من قوّته الأدائيّة «فالرمز في الحقيقة لا يشير إلاّ إلى الأشياء المتعارفة شأنه في ذلك شأن اللغة ، ولأن ما يحيل عليه الرمز من أشياء أمر مشترك بين الناس متعارف عندهم ، اكتسب رغم انطلاقه من خصوصيّة الأنا صفة الاشتراك وحصل على قوّة التأثير» (٢ )

ومن اكثر الرموز تواترا في الآداب العالميّة رمز الأب بما يحيل عليه من ضوابط اجتماعيّة وثقافية وأخلاقيّة وحضاريّة ، فالمسرح الاغريقي قدّم نموذجا فنيّا فريدا من خلال أسطورة أوديب التي أحيـــتها الأعمال الأدبية المعاصرة و من ذلــك مســـرحيّتا انــدريه جيد وتـــوفيق الحكيم ، وإذ كنّا لا ندفع بعض مستويات الالتقاء بين صورتي الأب في هذه الأسطورة الخالــدة وقصّة «مساء في أواخر فبراير»  فإننا  نقف في عمل يوسف المحيميد على تلوينات بديعة لهذه الصورة تجعلها جليّة فيما تحيل عليه من دلالات حافــّة ، ذلك أن الفعل الروائي ينفتح في القصّة ببيان حال الأب وهو ما يدفع الحركة السرديّة قـــدما من خلال الاستبطان النفسي الذي يقوم به الراوي انطلاقا من ترجمة هذه الحال «يباغتني أبي عابسا وكأنّه يشير بيده الضخمة ذات الأصابع الطويلة نحوي ، أو كأنّه قائد سريّة يؤشّر لبدء معركة فاصلة»(٣ )

وتكتسب صورة الاب زخمها الترميزي بوصف ملابسه العسكريّة انسجاما مع أحداث الخارج الموضوعي الذي تطغى عليه هدير الطائرات ، فتتحقق عندئذ أقصى درجات المماهاة والمشاكلة بين العالم الحسّي المرجعي والعالم النفسي الاستبطاني بموجب عمليّة الإسقاط التي قام بها الراوي ، وليس الفنّان عند فرويد ويونغ إلاّ ذلك الانسان الموهوب القادر على إسقاط الرموز من لا وعيه (٦ )

والمثير في رمز الأب في «مساء في اواخر فبراير» أن الراوي يغرق في تصوير الهيئة الجسديّة بالحركة خالقا ضربا من التجانس العجيب بين اهتزاز الشارع تحت وقع أنين الطائرات وغاراتها المتجددة من حين لآخر وسريان الحركة في تقاطيع الصورة«أحس بعدها أن يد أبي الممدودة صارت تتراقص ، ورأسه بطاقيته الزيتية المحفوفة أماما بشماسة بلاستيكية سوداء كأنه يهبط ويمشي بخفّة»(٧ )

 ويــشيع فعل الأب جوّا من الاحتفالية الأسطوريّة في فضاء الأحداث ، فالاشتراك الذي تفيده صيغة الفعل ينزع عن الأشياء المحيطة بالراوي طمأنينتها ويعمّق الإحساس بالأنين المتواصل الذي يقضّ هدوء الشارع .

ولمّا كان نسق الترميز مرتبطا بالحركة السرديّة تهيّأ للراوي أن يصعد بوتيرة هذا النسق إلى الدرجة القصوى من خلال تعديد الأفعال المسندة إلى الأب (يهبط/ يمشي/عاد/ قفز / سيأخذني/ سيحكي/ شارك/ يرفع/ يدحرج/ ينحر / يسدّ.....)، ويسعفنا هذا الكمّ الهائل من الأفعال بتعيين خصائص هذا الرمز ، فهو بطل خارق شارك في معارك الجنوب الذي كان على مرّ تاريخه مسرحا لها ، وهو البطل الفاعل الذي يصنع التاريخ بإرادته القويّة رافضا الانصياع لإرادة الآخرين وإملاءاتهم ، وأقرب ما تكون هذه الدلائل والإحالات إلى الضمير الجمعي الذي ينتمي إليه الراوي ، وهو ضمير الهزائم والنكوص في حياتنا المعاصرة ، فالأب ليس إلا ذلك الماضي الذي صنعته العزائم فاستوى تاريخا مشرّفا منقوشا على الصخور التي كانت تهوي من هامة الجبل فتباغت الأعداء .

 وتترسّخ هذه المقاربة التأويليّة لرمز الأب في قصّة «مساء في أواخر فبراير» بالنظر إلى الفعل الحكائي الذي انغلقت به الأحداث «كان أبي يمد يده نحوي مشدودا داخل الاطار إلى الجدار»(٨ )  فالمشهد يوحي بدلالاته المباشرة والحافــّـة على حد سواء بالاسترسال الزمني بين جيل الأب وجيل الإبن في ضرب من التفاعل البنّاء المؤسس لتجاوز الحالة الراهنة التي غلب عليها الاستسلام والانكفاء والاستيلاب والمبشّر بخلاص الإنسانية من فوضى الدّمار والخراب ، إنّه على ما يبدو الزمن المأمول الذي تطلّعنا إليه كثيرا بأحداق لم تكفّ يوما عن تأويل إشراقات الماضي ، وبين الحاضر والماضي تتحقق مغامرة النصّ الإبداعي في ارتداده طورا وانفلاته طورا آخر من ربقة المعايير الزمنيّة ، وفي أتون هذه المراوحة العجيبة يطالعنا الرمز بوصفه «عقدا وحصارات ومركّبات تسعى إلى الظهور وتبرز كلّما أتيحت لها الفرصة» (٩ )

لقد تمّ توظيف الرمز في قصّة «مساء في أواخر فبراير» من خلال فعل التذكّر وهو استجابة عاطفيّة عقلانيّة في آن واحد يبرّرها انسداد الأفق الموضوعي الواقع تحت طائلة الموت الذي لم يبق شيئا «العمارة خالية من أهلها والدكاكين أبوابها مقفلة والشارع يخلو من ناسه»( ١٠) ، وهذا الخواء الوجودي الخارجي يرتدّ إلى ذات الراوي فيبعث فيه شعورا موثوقا باقتراب النهاية «مشيت نحو النافذة هاجسا بالمادّة الخانقة التي ستجعلني أتمدّد مثل بهيمة ساقطا من طولي الباذخ»(٠١) ، ولمّا لم يجد البطل أيّة وسيلة فعليّة للانفكاك من سطوة هذا الواقع الجنوني الذي لا محيد عنه ترك العنان لأخيلته تلتقط ما به يتمكّن من كسر الطــّوق المفروض عليه ، فالتذكّر قيمة محوريّة في تطوير الفعل الحكائي وصياغة النسيج السردي .

إنّ الراوي وهو يشكّل عوالمه الفنيّة من خلال التذكّر ينزع إلى إقامة العالم المقدّس على أنقاض العالم المدنّس بأشلاء الموتى ورائحة الجثث العفنة ونوس الذباب ، فالعتمة الكائنة في أغوار الذات المتلبّسة بالقتامة تأذن ببعث جديد في خضمّ الموت الزّؤام الذي اكتنف المكان من أدناه إلى أقصاه «ابتسمت وأنا أهمّ بإغلاق النافذة»(١١)، ولأنّ ديدن الراوي أبدا إنشاء القيم الجماليّة الخالدة فإنّه يحرص أشدّ الحرص على توسيع أنظمة التقبّل الجمالي لدى القارئ وذلك تحديدا ما تمكّن منه الراوي في هذه القصّة .

وباعتبار قيمة التشبّع الدلالي التي تكتنف الرمز يظهر الأب رغم حضوره الفعلي المنحسر في القصّة شخصيّة غنيّة بعمقها النفسي في انفعالاتها وأفعالها وفي انقباضها وامتدادها فهي المحدّد الذي يستقطب ما يدور حوله من حيثيّات ، وتكتسب حركة يده الممدودة باتجاه الراوي بعدا إيحائيّا تتجلّى من خلاله أنظمة العلاقات بين الحضور والغياب من جهة وضميري «انا» و «هو» من جهة أخرى ، فالأب غائب جسدا حاضر إلهاما وأخيلة و«الأنا» ، أي الراوي  فاعل قولا منفعل حركة ، وتبرّر قوّة حضور الأب في المشاهد السرديّة المختلفة عدم تمسّكه بالحياديّة تجاه العالم الخارجي ، وتسهم مجموعة من الوظائف الحكائيّة الفرعيّة في توضيح خصائص الرمز المحور ، فالجنوب الذي شارك الأب في حروبه هو من أثر الإسقاط لواقع العلاقات القائمة بين العالم المتقدّم تكنولوجيّا والعالم المتخلّف التابع حضاريّا الذي لا يخرج من حرب إلاّ ليدخل في أخرى ، لذلك تتعلّق تطلّعات الراوي بالرحلة المأمولة من الجنوب إلى الشمال .

لقد تمكّن يوسف المحيميد الذي امتلك ناصية الفعل الروائي من التجديد في طرق بناء الرمز وتوظيفه في الكشف عمّا يختلج الذات الفرديّة والجمعيّة من هواجس ألهبتها روح التغيير المتجذّرة عبر تاريخ نضالي طويل ، لذلك حمل على الذائقة الفنيّة التقليديّة دون هوادة وأرسى دعائم مشروع تحديثيّ في الكتابة بكلّ أبعاده ومستوياته  .

الهواش :

٭ يوسف المحيميد : «مســاء في أواخر فبراير»، ص103 ـ ١١١ «من مــجموعة «لغط موتى» ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، ٢٠٠٠.

(١ ) سيغــموند فرويد : التحلــيل النــفسي والفــنّ ، ترجمة سمير كرم ، دار الطليعة ، بيروت ، 1975 .

(٢) حسين الواد : في مناهج الدراسات الأدبية ، دار سراس للنشر ، 1975 ، ص٨ .

(٣ ) «مساء في أواخر فبراير» ، ص 103 .

(٤ ) هربـــرت ريد : حاضـــر الفنّ ترجمة  ، سمير علي ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد ، ص ٩٣ .

(٥ ) «مساء في أواخر فبراير» ، ص 108.

(٦) المصدر نفسه  ، ص ١١١.

(٧) حسين الواد ، نفس المصدر ، ص ٨ .

(٨) «مساء في أوخر فبراير»  ، ص ١١٠ .

(٩) المصدر نفسه ، ص ١١٠ .

(١٠) المصدر نفسه ، ص ١١١.


تصميم الحاسب الشامل