«الكونتراباص» مسرحية باتريك زوسكيند الوحيدة حماقة العزف المنفرد والعيش المنفرد

 

ماهــر شــرف الديــن


الذي لا تجد له حديثاً صحفياً واحداً، أو صورة منشورة في جريدة، أو كتاب، والذي لا يعرف أحد عنوانه: باتريك زوسكيند، صاحب رواية «العطر»، الذي لم ينشر بعد ذلك سوى قصتين طويلتين هما: «الحمامة»، و«حكاية السيد زومر»، ثم ثلاث قصص قصيرة، قبل أن يصمت مطلع التسعينيات... بات في إمكاننا قراءة مسرحيته الوحيدة «الكونتراباص» (ترجمة وتقديم سمير جريس)، بين دفتَي كتاب صدر حديثاً لدى «المشروع القومي للترجمة».

في ما يشبه السيرة الذاتية لآلة الكونتراباص، يكتب زوسكيند مسرحيته (1980)، التي لا تتطلب سوى ممثل واحد يجهل المشاهد اسمه، من دون أن يحوّل العمل الأدبي مساحة لاستعراض المعلومات الجافة حول الموسيقى الكلاسيكية وتطور الأوركسترا وأعمال مشاهير الموسيقيين، كما فعل غونتر غراس مثلاً في «سنوات الكلاب» لدى حديثه عن العمل في المناجم (كان زوسكيند قد استعرض معلومات دقيقة عن الروائح وعن فرنسا في القرن الثامن عشر في رواية «العطر»). أيضاً، على العكس من كبار الروائيين الألمانيين، الذين لا يمكن تخيّل مكان أعمالهم خارج ألمانيا: «آراء مهرج» لهاينريش بُل، «أيام عام» لأوفه يونسون، «حصة اللغة الألمانية» لزيجفريد لنتس، «السماء المقسمة» لكريستا فولف، «الطبل الصفيح» لغونتر غراس... تأتي أعمال زوسكيند «متسامحة» مكانياً، في معنى إمكان تخيّلها جارية في أي مكان في العالم، لابتعادها عن التماس المباشر مع السيرة الذاتية للكاتب.

الجسد المائع

لا يدع زوسكيند صفة أو وصفاً لهذه الآلة يفوتانه، متقلّباً بين شعورين يفرضان انتخاب الصفات والأوصاف. فهذه الآلة، من جهة أولى، ليس في وسع الأوركسترا الاستغناء عنها، في حين يمكن الاستغناء عن كمان أول، وعن آلات نفخ، وعن الطبل أو الأبواق، وحتى عن المايسترو، «لندع ذلك الواقف في الأمام يرسم بعصاه في الهواء كما يريد، ونحن نخبط بأحذيتنا على الأرض». ولدى سؤال أي عازف في أي أوركسترا: متى تعوم في عرقك؟ يكون الجواب قطعاً، عندما لا يستطيع سماع الكونتراباص. بالطبع، لا أحد يعترف بذلك صراحة، لأن عازف الأوركسترا غيور بطبيعته، «كيف ستواتي عازف الكمان الأول الجرأة على الاعتراف بأنه، من غير كونتراباص، سيقف على المسرح مثل القيصر بلا ملابس - رمز ساخر لانعدام الأهمية والاختيال في آن واحد». أيضاً، الكونتراباص أعمق الآلات الوترية، لجهة أنه يستطيع النزول إلى أسفل درجات السلّم الموسيقي، أي إلى قرار الـ «مي». ناهيك بأن بيتهوفن، الذي حطّم آلات بيانو عدة، لم يمس أبداً آلة كونتراباص. لكنه أيضاً لم يكن يعزف عليه...

في المقابل من ذلك، تحتاج هذه الآلة الكف بكامل اتساعها لعزف نصف تون ثلاث مرات، «انظروا إلى أصابعي. انظروا! الأنامل وعليها هذه الطبقة السميكة من البشرة (...) بهذه الأصابع لم أعد أشعر بشيء (...) تشويه ذاتي. ليس هناك أصابع بهذا السمك، ولا أصابع الحدّاد». أي أن الأمر له علاقة بالعضلات لا بالمهارة. كما أن جسد الكونتراباص شبيه بجسد عجوز بدينة: الأرداف هابطة جداً، الخصر يدعو للرثاء، بسبب علوّه، وعدم ضيقه كما ينبغي... والسبب في ذلك يعود إلى أن الكونتراباص هو في الأصل «آلة مائعة. في الأسفل مثل كمان كبير، وفي الأعلى مثل آلة جامبا كبيرة. الكونتراباص هو أفظع وأغلظ وأقبح آلة موسيقية تم اختراعها. خليط ممسوخ من عدة آلات». عدا عن أن صولو الكونتراباص يثير الضحك، أما الكونشرتو كاملاً فإنه يثير البكاء... ذلك كله، من دون مأثرة جلوس عازفه في الصف الثالث، والتي تؤكد أن الترتيب الهرمي في الأوركسترا صورة طبق الأصل للمجتمع البشري، فحتى الانقلابات التي حدثت في نظام الجلوس لم تغير شيئاً بالنسبة إلى آلات الكونتراباص، لأنها بقيت في الخلف. ولكي يكتمل المشهد، يكون التهليل والتقدير من نصيب المايسترو، الذي يشدّ على يد عازف الكمان الأول على الأقل مرتين، و«في بعض الأحيان ينهض الأوركسترا كله، ولكن حتى عازف الكونتراباص لا يستطيع النهوض بطريقة لائقة».

أثناء ذلك يقيم زوسكيند مقاربات عدة بين هذه الآلة وغيرها من الآلات: فالتشيللو لا يفرض نفسه مثل الكونتراباص، ولا يستعرض عضلاته بين اثنين يتبادلان الغرام. كذا البيانو الذي يبدو كقطعة أثاث، يمكنك إغلاقه وتركه. حتى الطبل الكبير فإنه يتمتع بمدى أوسع، فعندما يقرع العازف طبله، يصل الصوت حتى الصف الأخير، وكل واحد يقول: آه، الطبل. ولكن عندما يعزف الكونتراباص، لا يقول أحد: آه، الكونتراباص! مع أن الطبل بأنغامه الأربعة ليس آلة على الإطلاق...

ثأر موسيقي

المسرحية التي بُثّت أولاً كتمثيلية إذاعية، قبل أن تجد طريقها إلى خشبة أحد مسارح ميونيخ عام ١٩٨١، محققة نجاحاً ساحقاً، اعتمدت، على الممثل الوحيد، لازمة وحيدة: «لكن ليس هذا موضوعنا». هكذا ينتقل الممثل مفتتحاً ومنهياً مقطعاً استغرق ناحية معينة من «شخصية» هذه الآلة، ومن شخصيته هو نفسه: إذاً، في وسعنا القول أننا أمام ممثلَين. فالكونتراباص يحضر كشخص، يصح فيه الحب والكره: «في البرد يعوجّ. عندئذ يحتاج، على الأقل، إلى ساعتين قبل العزف حتى يتأقلم على درجة الحرارة (...) مرة تعطّلنا في الطريق بسبب عاصفة ثلجية. ساعتين ونحن ننتظر خدمة إصلاح السيارات. تخلّيت عن معطفي له. دفأته بجسدي. في الكونسير كانت درجة حرارته مضبوطة، أما أنا فكانت بذرة الانفلونزا قد نبتت داخلي». وفي أحيان كثيرة، يكون التبلّي والتجنّي من نصيبه: «منذ عامين لم ألمس امرأة، والمذنب هو هذا».

بين هذين، الحب والكره، نقبض على ذلك التهريب المتبادل بين الشخصيتين، إلى درجة التماهي العفوي في زلة لسان: «هذا هو أنا - أعني هذا هو الباص - الكونتراباص»، أو في زلة يأس: «أنا صنايعي. لست موسيقياً (...) هل يضايقك لو كان هناك ربما شخص آخر يفرغ صفيحة الزبالة أفضل منك؟».

أثناء ذلك يسطّر الكاتب تحليلاً سيكولوجياً طريفاً لهذه الآلة: كراهية الأب جعلته يقرر ألا يصبح موظفاً، بل فناناً. وثأراً من الأم التي عشقها، يختار أكبر الآلات الموسيقية حجماً، آلة لا يستطيع الإمساك بها، ولا تصلح للعزف المنفرد. وإمعاناً في طعن كبريائها أكثر، وركل الأب في قبره: «أصبحتُ أيضاً موظفاً - عازف كونتراباص في أوركسترا الدولة، الصف الثالث. وبوصفي عازفاً أغتصب أمي يومياً في شكل الكونتراباص، أضخم الآلات الموسيقية الأنثوية (...) هذه الكارثة الأخلاقية محفورة على جبين كل عازف كونتراباص».

في خضم هذا «السِفاح» الموسيقي، أو الثأر، وهذا اليأس «الهَرَمي» والعاطفي، يقرر العازف، لكي يلفت نظر محبوبته المغنية سارة إليه، أن ينتظر انقطاع أنفاس الجمهور قبل بدء العزف بثانية، كي يصرخ: سارة. «سيكون ذلك فعلاً بطولياً أمام رئيس الوزراء. الشهرة لها، والطرد لي. شيء لم يحدث من قبل. صرخة عازف الكونتراباص».

عُصاب التأمين والأماكن المغلقة

عود على بدء: ما يجمع بين الكاتب الألماني الذي يعيش عزلته، وهروبه من الضوء من جهة أولى، وعازف الكونتراباص الذي تجبره آلته على العيش مغموراً من جهة ثانية، هو: العيش في الظل. المقاربة مرتبكة بالطبع، طالما أننا لم نعطف على ذلك مشهدين اثنين وردا في هذه المسرحية:

الأول، المكان التي تجري فيه المسرحية، والذي يصفه الممثل بالقول: «بطّنت كل البيت بألواح عازلة للصوت، الجدران، السقف، الأرضية. الباب مزدوج ومحشو من الداخل. الشبّاك مزوّد بلوحين من الزجاج الخاص، الإطار عازل للصوت. كلّفني هذا كله ثروة طائلة. لكنه يمتص أكثر من ٩٥٪ من الأصوات. هل تسمعون شيئاً من المدينة؟ أنا أسكن هنا في قلب المدينة».

الثاني، وهو إتمام للأول، حال التأمين التي يحياها العازف، ابتداء من التأمين في المرض، إلى الحصول على راتب التقاعد، والترقية الروتينية. هو الشعور بالأمان إلى درجة «أنني لا أجرأ على الخروج من البيت. إلى هذا الحد أتمتع بالأمان (...) أشعر بخوف مريع من هذا الأمان، إنه يشبه الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة، عصاب الخوف من الوظيفة الثابتة».

ليست النباهة هي ما نحتاجه، بعد ذلك، للربط بين حال العيش في الظل، وعصابَي التأمين والأماكن المغلقة. أيضاً، التساؤل عن دقة «التشبيه» بين حال زوسكيند المشهور، الذي يعيش متخفياً عن الأنظار، وبين غرفة العازف المحكمة الإغلاق في وسط ضجيج المدينة: الوحدة في مكان مزدحم؟

 ذلك لا يمنع بالطبع استعمالنا جملة بعينها كقول أخير، ومجازي: «العزف المنفرد على الكونتراباص حماقة كبرى».


تصميم الحاسب الشامل