|
|||||
|
ما الذي يجعل قارئاً يكتشف بورخيس بهذا الظَفَر الراهن في كل مرة؟ لعله «إخلاص الكاتب للأحلام وليس للظروف» هو ما يمكّنه من الإدهاش حتى حين يأتي الفكرة نفسها من منافذ متعددة. هو بورخيس الذي لا يسعك أن تفهمه، أو على الأقل أن تكون على الموجة نفسها معه ما لم تستأجر نظرة الهنود غير التاريخية إلى فلسفتهم. عليك، في معنى آخر، أن تكون ضد - تاريخي، بالقدر الذي يسمح لك بأن تجسّ حرارة ما يتدفّق تحت الكلام، تماماً كما تلمس الكلام نفسه. في هذا المعنى، قد يكون كتاب «صنعة الشعر» الصادر أخيراً في العربية لدى «دار المدى»، ترجمة صالح علماني، أسهل السبل وأقصرها إلى خورخي لويس بورخيس. إليه هو، كما يخترع نفسه من خلال كتاباته، لا إلى هذه الكتابات نفسها. هذا ما يخيّل إليك على الأقل، حين تقرأ المحاضرات الست التي تشكّل «حالة وسطية بين الكلام والكتابة»، كما ورد في المقدّمة، أي التي تشكّل حالة مثالية للتعبير عن مكفوف بارع جداً في استخدام «ما تبقى»: اللسان والمخيّلة. يتألف هذا الكتاب إذاً من محاضرات، ألقى بورخيس معظمها أثناء زياراته للولايات المتحدة، وظلّت منسية خلال أكثر من ثلاثين سنة من دون أن تجد طريقها إلى النشر، بينما كان الغبار يتراكم على أشرطة التسجيل التي حُفظت في قبو إحدى المكتبات، إلى أن تمّ اكتشافها ونشرها: المحاضرة الأولى عنوانها «لغز الشعر»، تتناول الطبيعة الأنطولوجية للشعر، المحاضرة الثانية عنوانها «الاستعارة»، تبيّن كيف استخدم الشعراء عبر القرون الاستعارات النمطية نفسها، الثالثة عنوانها «فن حكاية القصص» وهي مكرّسة للشعر الملحمي، الرابعة عنوانها «موسيقى الكلمات والترجمة»، تأمّل بارع حول ترجمة الشعر، الخامسة عنوانها «الفكر والشعر» حول طبيعة الأدب، والسادسة عنوانها «معتقد الشاعر»، نوع من الاعتراف أو الشهادة الأدبية يقدّمها بورخيس «في منتصف طريق الحياة». هذه المحاضرات التي تبدو متكاملة، على الرغم من المسافات الزمنية التي تفصلها، تكشف النقاب عن بورخيس المتواضع، صاحب ذاك النوع النادر من العبقرية الأنيقة والمنظّمة، اللاتيني ذي اللكنة الإنجليزية العتيقة الفجّة، والمحدّث البارع الذي يعرف كيف يخاطب الجمهور من طريق بثّ إشارات ودّ لا يلبث شعور العنفوان القومي أن يلتقطها (كقوله، وهو يتوجه هنا إلى جمهور أميركي، إن سكان الولايات المتحدة احتفظوا بحسّ التصنيف بين خير وشرّ من بين شعوب الأرض قاطبة، وبالتالي فإن هوليوود هي المكان الوحيد الذي لا يزال يغذّي العالم المعاصر بالملاحم). من هوميروس إلى فيرجيل وبيوولف، إلى أساطير الإيدا الاسكندينافية، إلى شكسبير وويتمان وسرفانتس وبو، يبرع الكاتب والناقد الأرجنتيني في تذكيرنا بعظمة الأدب والشعر. ولكي أكون أكثر تحديداً: بملحمية الشعر. لنقل إنه يبرع في بعث عالم قديم أعاد تركيبه مستخدماً عناصر من مكوّنات ذاكرته السحرية، العالم الذي أنتج أساطير البشرية كلها تقريباً، العالم الذي كان فيه البشر لا يزالون قادرين على الحلم. حين يتعلّق الموضوع بعمل لبورخيس، لا يمكن المرء عدم الانجرار إلى كتابةٍ شخصية: بورخيس مرتبط بأدبه على الدوام. إنه غالباً أهمّ من مخلوقاته. فالمؤلفات القديمة والموسوعات و«ألف ليلة وليلة» والكتب المقدّسة لا تستعيد ألقها إلا حين «تمشّطها» ذاكرته الاستثنائية، طالما أننا نتحدّث هنا عن أحد كبار القرّاء في هذا العالم. في سلسلة المحاضرات هذه يطلعنا بورخيس على آليات ذائقته الأدبية، يجعلنا مجدداً نشعر بنبل الكلمة حين تخرج من محارب إنجليزي، أو من متصوّف فارسي، كما يجعلنا نصدّق أن شخصية مثل دون كيشوت موجودة بغضّ النظر عن سرفانتس، لأننا في حاجة إلى وجودها، وبالتالي فإن أحداً ما كان سيخترعها لو لم يفعل الكاتب الإسباني. ربما نستطيع القول إن بورخيس يقطّر الشعر في محاضراته هذه لاستخلاص روحه الصافية، تلك النبتة الخالدة المجرّدة من جذورها التاريخية، والتي لا يمكن وصفها بكلمات، ويُشرك القارئ في ذلك كله. وفي السبيل، يستخدم حيلة الشعر شبه الوحيدة: الاستعارة، لترجمة مشاعره الشخصية تجاه ما يُقرئنا إياه. من أجل تعريف ما لا يُعرَّف، أي الشعر، ينصب بورخيس مجموعة من الشراك، على شكل عبارات: «تجربة جديدة»، «فرصة للجمال»، «تعبير عن الجمال بكلمات محبوكة في صورة فنية». ليصل إلى الإعلان عن العجز. يقول بورخيس: كما نحن عاجزون عن تعريف مذاق القهوة، واللون الأحمر أو الأصفر، أو معنى الغضب، الحب، الكراهية، الفجر، الغروب، أو حب بلادنا، وكل الأشياء المتجذّرة فينا بحيث لا يمكن التعبير عنها إلا بهذه الرموز المشتركة التي نتداولها، كذلك نحن عاجزون عن إيجاد تعريف للشعر. ويتوّج الكاتب هذا التعريف - اللاتعريف، بقولٍ للقديس أغسطينوس: «ما هو الزمن. إذا لم تسألوني فإني أعرفه. وإذا ما سألتموني ما هو، فإني لا أعرفه». لكنه يعود بعد ذلك في المحاضرة الأخيرة، إلى استنتاج يفيد بوجود طريقتين لاستخدام الشعر: إحداهما استخدام كلمات عادية وشائعة وتحويلها بطريقة ما إلى غير عادية، أي استخلاص السحر منها، والأخرى هي الإفادة من قوة الكلمات الساحرة في حدّ ذاتها. يسمّي بورخيس ذلك بالأسلوب السلس والأسلوب المشحون. لكنه يعتبر أن المهم في النهاية هو الشعر نفسه: إما أنه يولد حيّاً أو يولد ميتاً، بغضّ النظر عن الأسلوب البارد أو الحار الذي أنتجه. ثم ينتقل إلى مسألة بالغة الأهمية هي مسألة الاقتناع: فالشرط الأساسي للتفاعل مع الشعر هو الإيمان بكاتبه. أي بلوغ تلك «الدهشة الإرادية في عدم التصديق والشك»، التي يتحدّث عنها كولريدج. في مكان آخر، يحاول بورخيس حصر الاستعارات الشعرية في أنماط محددة، منطلقاً من «أم الاستعارات»، أي تلك الاستعارة التي استخدمها الصينيون للتعبير عن العالم: «العشرة آلاف شيء» أو «العشرة آلاف كائن». الصينيون الذين عددهم مليار ونصف مليار، يكنّون عن العالم بـ«العشرة آلاف شيء». لماذا اختار بورخيس هذه الاستعارة كنقطة انطلاق؟ ربما للقول إن الاستعارات المتعددة تنويعات على استعارات أصلية محدودة، مشيراً إلى كون الكلمات كلها استعارات في النهاية. على أن أنماط الاستعارات الأساسية تنحصر في دزينة أو أقل مثل: العيون- النجوم، النساء- الأزهار، الأنهار - الزمن، الحياة- الموت، الموت - النوم، المعارك - الحرائق. وعلى هذا المنوال يمكن المرء أن يكمل، بحسب بورخيس، للعثور على أنماط تقدّم لنا استعارات الأدب كلها. أما «الألعاب الاعتباطية» التي تُطبّق على هذه الاستعارات، فإنها توحي لنا كونها حاذقة وغير تقليدية، فمنها ما يقوم على نفي استعارة أصلية ومنها ما يقوم على الالتفاف حولها. لكن، وفي هذا الإطار، لا ينفي بورخيس وجود شواذات مذهلة مثل الاستعارة الاسكندينافية التي تشبّه المعركة بـ«شبكة الرجال»، أو تكنّي عن حدود القرية بـ«حبل كلاب». هذه الشواذات تبيّن كيف يمكن استنباط أنواع أخرى من الاستعارات دائماً. بعد ذلك يعرّج بورخيس على موضوع ترجمة الشعر، مشيراً إلى المفهوم الألماني للترجمة الذي يقوم على نسج قصيدة انطلاقاً من قصيدة أخرى. ربما يجب أن نختم من نقطة البداية: الإخلاص للأحلام. ما الذي يعنيه أن أكون كاتباً؟ بورخيس يجيب: يعني ببساطة أن أكون مخلصاً لمخيّلتي. |
|||||
|
|||||