شعرية اللغة وتجلياتها في الرواية العربية دور اللغة في تشكيل حداثة الرواية

 

مفيــــــد نجــــــــــم


اقترن ظهور اللغة الشعرية في الرواية العربية، مع ظهور الرواية الحديثة التي جعلت، من هذه اللغة علامة، من علاماتها البارزة. وقد ترافق ذلك مع التحول، الذي طرأ على الأدب بصورة عامة، وعلى الرواية بصورة خاصة، في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، حيث شهدت هذه المرحلة تفاوتا واضحا، في مستويات وأشكال هذا التحول، الذي عملت هزيمة حزيران عام 1967، على تعميقه والدفع باتجاه تطويره. وقد استخدمت الرواية الحديثة، هذه اللغة الشعرية بهدف استخدام سحرها وجماليتها وتوترها للتأثير في المتلقي، من خلال السحر الذي تمارسه هذه اللغة عليه، كما يقول الناقد الروسي باختين مؤكدا، على دور هذه اللغة في إخفاء البعد الأيديولوجي فيها، والتمويه عليه في الرواية. ومع التوسع الذي شهده هذا الاتجاه في الكتابة الروائية العربية، كان لابدَّ من البحث في أسبابه، وأشكال تجليه لا سيما على مستوى جماليات، هذه اللغة ومظاهرها ووظائفها المختلفة، التي تقوم بها على مستوى لغة السرد الروائي. ويعد كتاب ناصر يعقوب مساهمة هامة، في هذا الاتجاه، نظرا لمقاربتها هذه اللغة، من منظور كونها تشكل نصا كاملا، وتلعب دور العمود الفقري على مستوى التحول، الذي شهدته الرواية العربية الحديثة، بدءا من مرحلة الستينيات في القرن الماضي .   

يكشف الكاتب في بداية الكتاب، عن أهداف الدراسة التي يلخصها، في الكشف عن اللغة الشعرية وتجلياتها في الرواية العربية، بعد أن أضحت هذه اللغة معلما بارزا، من معالم الحداثة في هذه الرواية. وقد ساهم خلو الساحة النقدية العربية، من الدراسات اللغوية المتخصصة، وتجاوز الدراسات الموجودة للبعد الجمالي، لهذه اللغة لشعرية في التحفيز على الالتفات، إلى هذا الجانب ومقاربته، باعتبارها تشكل نصا كاملا يتلمس بداياته، على أساس العلاقة القائمة بين الرواية والواقع، باعتبار الرواية الجنس الوحيد، الذي لم يكتمل بعد، في حين لا يعرف الواقع الثبات. وتمثل الرواية الجنس الأدبي الأقدر، على الالتصاق بالواقع. وقد مرّ قرابة قرن حتى انجلت طبيعة اللغة الروائية وطبيعة الشعرية الروائية، وقبل أن يحاول استجلاء هذه الطبيعة، يقدِّم تعريفات لعدد من النقاد العرب لمفهوم اللغة، في الرواية الشعرية، كما يحاول الكشف عن العوامل التي ساهمت في حداثة الرواية، وبروز شعرية اللغة فيها، وعن هذه العوامل المؤثرة الدور، الذي لعبته الرواية الجديدة، في فرنسا وتأثير الاتجاه الرمزي في أوروبا، إضافة إلى تأثير الاتجاه الرومنسي في الأدب العربي، وفي مقدمته أدب المهجر .

يربط الدارس بين ظهور، هذه اللغة والانكسارات الفادحة والعميقة، التي كان يشهدها الواقع العربي في تلك المرحلة، وبين الحداثة اللغوية للرواية، وما تتميز به من شفافية وبين المواضيع التي انشغلت بها هذه الرواية، حيث تشكل رواية حليم بركات ستة أيام التي ظهرت عام ١٩٦١ الرواية العربية الأولى، التي أسست لهذا الأسلوب الشاعري، في الكتابة الروائية، ثم جاءت رواية عبد الحكيم قاسم أيام الإنسان السبعة، التي تميزت بتكثيف لغتها الرمزية، ولغتها الوصفية للمكان واستخدامها الواسع للمجاز والتشبيه، لتدعيم هذا التحول في لغة الرواية العربية، التي واصلت صعودها، مع توالي الأعمال المعمقة، لهذا الاتجاه كرواية تلك الرائحة لصنع اللة إبراهيم، التي ركزت على شعرية المجاز، وشعرية التفاصيل في لغتها السردية، وكذلك رواية حيدر حيدر الزمن الموحش، ورواية ألف ليلة وليلتان لهاني الراهب، وغيرها من الأعمال الروائية الأخرى .  ينطلق الدارس في تناوله لشعرية الرواية، من ثنائية الشعر والنثر ويعرض للآراء التي  قدمها النقاد والكتاب الغربيون، الذين تناولوا فيها العلاقة بين الأجناس الأدبية، حيث تميزت هذه الآراء  بالتفاوت فيما بينها على صعيد الرؤية إلى تلك العلاقة، ينتقل بعدها إلى استعراض آراء، ومواقف الكتاب والنقاد العرب، أمثال أدوار الخراط وعبد الرحمن منيف، اللذين حاولوا الكشف عن الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر، مبيِّنا أن التحول في لغة الرواية العربية، حصل بشكل أحالت فيه الرواية لغتها، من كونها مجرد مسيلة للتبليغ المباشر، إلى نظام وظيفته التبليغ غير المباشر، وهو ما يسمي الدارس بالوظيفة الجمالية للغة. وللكشف عن العلاقة بين الجنس والصيغة، يستعيد ما قدمه جيرار جينت حول تصنيف الرواية، وإقراره بثنائية الشعر والنثر المستمدة من الجانب الشكلي لنظريته، وفي النهاية يؤكد أن مفهوم الجنس الأدبي وخصوصيته، تبقى قائمة بالرغم من الدعوات، إلى نفي مفهوم الجنس الأدبي، بعد أن تداخلت الأجناس الأدبية، بما فيها الشعر والنثر منذ القدم، واستفادت من بعضها البعض .

وفي الفصل الذي حمل عنوان الشعرية، والعلاقة بين الرواية والنثر، يعود لتقديم مفهوم الشعرية كما قدَّمه عدد من نقاد الحداثة، تمهيدا للقول بأن لغة الرواية، هي لغة وسط بين لغتين المطابقة، في بعض الأجزاء، والإيحاء في بعض الأجزاء الأخرى، لأن لغة الرواية تنسخ على لغة ذات بعدين، هما لغة الاستعمال اليومي والمألوف، التي تتميز بأحادية الدلالة والمرجع، واللغة الشعرية التي تتميز بالإيحاء والرمز، وتعددية الدلالة والانزياح، عن مقاطع البنية الروائية ذاتها . ويوضح الدارس منهج الدراسة، في هذا الكتاب والذي سوف يعنى بالمقاطع الأكثر شعرية ذات التعددية الدلالية والتي تخلق مساحة أوسع للتأويل دون أن تهمل لغة الرواية المألوفة المتعددة ومن المفاهيم التي يناقشها مفهوم الانزياح في اللغة والاختلاف الحاصل في وجهات النظر حوله ثم يقدم وجهة نظره القائلة بأن الانحراف أو الانزياح في معظم  الروايات العربية يأخذ معلما سياقيا ثم يستعرض مفهوم الشعرية ووظائفها عند ياكبسون والشكلانيين الروس وفي النقد العربي القديم في الوقت الذي أشار فيه تودوروف إلى تداخل الشعرية مع الأسلوبية في دراستها لغنائية الخطاب.

بداية يتناول الدارس شعرية العنوان انطلاقا من العلاقة القائمة بين العنوان والمبدع والنص  ويعرض أولا لاختلافات آراء النقاد حول كتابة العنوان قبل كتابة النص أو بعده، وتأكيدهم على الترابط العلائقي بين العنوان والنص، انطلاقا من كون العنوان يرتبط من الناحية السيميائية بعلاقة ارتباطية عضوية مع النص، ليشكل بنية تعادلية كبرى، تتألف من محورين هما العنوان/النص إذ يصبح العنوان هو المناص، الذي يستند إليه النص الموازي. لكن عملية استقبال العنوان، التي تسبق النص، وإن كانت تجعل منه مفتاحا تأويليا، فإنها لا تلغي الجانب التأويلي، من قبل المؤلف قبل المتلقي، بسبب كون المبدع، يتأول العمل لوضع العنوان، أي أنه يختزل ويكثف معناه الدلالي، في هذا العنوان، بحيث يتحول إلى عتبة أساسية، للدخول إلى عالم النص .

وبعد أن يكشف عن وظائف العنوان، التي تتأت في طليعتها الوظيفة الإعلانية، عن محتوى العمل والتي تتداخل مع الوظيفة الإيحائية، على مستوى البنية العميقة للدال، ينتقل للحديث عن علاقة العنوان مع القارئ، والتي يكون العنوان فيها فقيرا على مستوى الدال، في حين يكون كثير الغنى على صعيد المدلولات، إذ تدخله الدلالة على أكثر، من صعيد في الحضور والغياب، مع دالات ومدلولات أخرى، مما يستوجب الانتباه إلى دور العنوان، في تشكيل اللغة الشعرية، ليس من خلال كونه، يكمل ويدل على النص، ولكن من حيث علاقة الاتصال والانفصال، التي يقيمها، فهو وضع ليكون عنوانا لنص محدد، كذلك هو يشتغل بوصفه علامة، لها مقوماتها الذاتية مثل غيرها من العلامات، التي تنتج دلالة العمل عند تأويله مع العنوان . ويرى أن العنوان الروائي يتسم بالاتساع، بسبب كثرة الخيارات المتاحة أمام الروائي، والمرتبطة بجنس الكتابة الروائية، الأمر الذي قد يجعل العنوان، لا يمثل إلا جزءا من العمل، كما يحاول استجلاء علاقة التعالق القائمة بين العنوان، والنص والسياق، الذي يستحضره معه، من خلال المخزون القار بين المرسل والمتلقي لكن ذلك لم يمنع هدف العنوان الروائي، من العمل على خلخلة، وكشف البنى والتصورات الذهنية القارة للقارئ، ورؤيته إلى العالم .

وكالعادة ينتقل الدكتور ناصر، من الجانب النظري في الدراسة، إلى الجانب التطبيقي، فيدرس عنوان رواية السفينة لجبرا إبراهيم جبرا، باعتباره يشير إلى دلالة مكانية، ويشكل نواة بنية دلالية تقوم بالاستقطاب الدلالي، ثم يتناول مدلولاته وتداخله مع المتن الروائي. ومن العناوين الأخرى التي يدرسها،عنوان رواية النهايات لعبد الرحمن منيف، الذي يحمل دلالة الجمع، مما تدلل عليه الرواية التي تحتوي على مجموعة من الأحداث، وكذلك عنوان رواية الوجوه البيضاء لإلياس خوري. وفي نهاية الفصل، يعود لدراسة العنوان في ضوء البنية الدلالية للنص وشخوصه الروائية، كما تجلت في رواية براري الحمى لإبراهيم نصرالله، ورواية المعجزة لمحمود طرشونة، إضافة إلى دراسة التجليات الدلالية للعنوان، في النص السردي بعد أن أصبح العنوان، يتميز بعلاقة عميقة مع النص، جعلت منه بنية دلالية موازية للنص، عبر علاقة تشابكية تقيمها معه .

وينتقل البحث في الفصل التالي، من شعرية العنوان إلى شعرية لغة السرد الروائي، عبر مجموعة محاور تتناول النعت، الذي يعد مظهرا أساسيا للغة الشعرية، من خلال الانزياحات السياقية سواء على مستوى اللون، أو الزمن أو المكان أو الشخصيات أو الحدث. وفي البداية يدرس الدلالات المتعددة للون، في السرد الروائي في عدد من الأعمال الروائية، لاسيما دلالات اللون الأبيض والأسود، حيث يحمل اللون الأخير دلالات متعددة، لا يمكن مقاربتها دون الحديث، عن  دلالة اللون الأبيض، بسبب التعارض الحاصل بينهما. والروايات التي يخصها بالمقاربة هي نفس الروايات السابقة، التي يتخذها مجالا للبحث والدراسة، في جميع فصول الكتاب، وهي رواية السفينة لجبرا إبراهيم جبرا، والنهايات لعبدالرحمن منيف، والوجوه البيضاء لالياس خوري وبراري الحمى لإبراهيم نصرالله. وعلى غرار البحث السابق، يتناول الباحث العلاقة بين النعت والزمن، كما تجلى في هذه الروايات إذ يجلي النعت التاريخي، وينقل السرد من الخارج إلى داخل الشخصيات، عند جبرا في حين يسهم في تشكيل امتداد للسخرية والتهكم في رواية خوري. أما على مستوى العلاقة مع المكان، فهي تعكس الضدية بين الداخل والخارج، وتمثل إشارة أيديولوجية إلى الفوضى وغياب العدالة. وعلى مستوى الحدث تتداخل الصفة مع الموصوف، لتبيان حالة الشخصيات، واستكمالا لهذا البحث يدرس التشبيه الحسي والمجرد والصورة التشبيهية وأهميته، التي لا تظهر إلا في السياق، كما يدرس ظاهرة التكرار اللغوي، والروابط النصية ولغة المجاز، التي تستند دراسة معناها للشعرية، التي توسع القراءة إلى ما وراء البنى الداخلية للنص حيث ارتبط الانزياح اللغوي في السرد الروائي، بدلالات المناخ الروائي .

وعلى الرغم من أهمية لغة الوصف أو اللغة الواصفة،في السرد وفي تطوير أحداثه وتوضيحه، إلا أن الدراسات النقدية لم تهتم بدراسة المظهر التخييلي، أو الحكائي في الرواية، ربما بسبب اعتبار المكان أقل شأنا، أو فعلا في النسيج الروائي، الأمر الذي يجعله يستعين بقول جينيت بأن الوصف أكثر لزوما للنص من السرد، لأنه أسهل علينا أن نصف دون أن نحكي، والسرد يؤسس كيانه بعزل عن الوصف، والوصف يسهم في تسليط الأضواء، على موقف أو حدث ما،مما يؤدي وفق قول ريكاردو إلى توليد المعنى اللاحق. وقد دفع ذلك بالباحث إلى التركيز على دراسة الوصف المكاني، وتحديد المواقف المختلفة منه، وعلاقة الانفصال والاتصال بين المكان الواقعي والمتخيل،إضافة إلى العلاقة بين وصف الأمكنة والدلالة، ودور الوصف في الرواية في إقامة دراسة سيمولوجية فعلية وفي خلق قيمة رمزية وإيديولوجية تتصل بتجسيد المكان في الرواية.

ويعود الباحث مرة أخرى لدراسة هذا الوصف، في رواية السفينة لجبرا إبراهيم جبرا، كما تجلى في الزمنين الحاضر والماضي، وفي ثبات المعنى الحقيقي والمجازي للبحر والسفينة في الرواية، ذلك أن المشهد البحري بتشكيله الفني بصريا ولغويا واحد لا يتغير. ويأتي المقطع الوصفي في رواية النهايات لعبد الرحمن منيف مستحضرا للتمثيل من خلال عرضه للتصوير المكاني، ولذلك فإن التصوير المكاني، لا يستند إلى مرجعية واقعية، بسبب الاعتماد على المكون اللغوي الإيحائي، أو ما يمكن تسميته بالدلالة الإيحائية الانفعالية. ولعل ما يميز الوصف، في هذه الرواية أن الراوي، يلجأ فيها إلى تعبيرية الأشياء متعديا معنى المجاز والاستعارة، من أجل خلق جو نفسي لدى المتلقي. وفي رواية الياس خوري (الوجوه البيضاء)، لا يأتي الوصف من خلال التماثل التام، بين المكان الموصوف والمكان الواقعي، بل يعمل على إكساب اللغة جماليات الوصف، عن طريق إكساب الوصف حركية الفعل، ومنحه بعدا في الرؤية الحقيقية، في حين أن المكان، في رواية (براري الحمى) لابراهيم نصرالله لا يقدم من خلال الوصف دلالته، بوصف مكانا وحسب وإنما يكتسب من الزمن دلالات أخرى، فالزمن يتحرك من خلال البعثرة، التي يعجز المكان عن احتوائها وتجميعها،فهو يعيش ثابتا معزولا عن حركة الحياة، كما أنه يقدم بوصفه مكونات صحراوية للصحراء/ الفكرة الأبرز للمكان.

وتظهر لغة المكان، في رواية ( المعجزة) لمحمود طرشونة، عبر ثنائية وصف الليل والنهار،التي تأخذ مساحة أوسع في السرد، في الوقت الذي تتجلى فيه لغة الوصف المكاني في الليل، ولا تبتعد لغة الوصف المكاني في النهار عن البعد الإيحائي، حيث كشف هذا الوصف، عن العلاقة الوثيقة مع البنية الروائية ودلالاتها. وفي نهاية الكتاب، يلخص نتائج الدراسة، حول مفهوم الجنس الروائي، وخصوصيته ودور العنوان، في تشكيل اللغة الشعرية، ومظاهر تلك اللغة في لغة السرد الروائي العربي، ووصف المكان الذي باتت وظيفته رمزية دالة، في إطار بنية العمل الروائي ككل، مما جعل للتأويل قيمة أساسية، في مشاركة القارئ في بناء معنى العمل الروائي.


تصميم الحاسب الشامل