|
|||||
|
ا- موجهات القراءة : نفضل أن نمهد لهذه القراءة في ديوان الشاعر الإماراتي سعد جمعة: «دون مرآة ولا قفص» (١) بالتوضيحات الرئيسية التالية : أ - يتركز كل وكدنا على تقديم دراسة موضوعاتية تتغيا ملامسة محتوى الوعي - وحتى اللاوعي - لتحليل الدلالة الضمنية تحليلا يهدف إلى تأويل العمل الأدبي بإظهار موقف الأديب من العالم، دون إغفال دور المحيط الخارجي في إنتاج هذا الموقف. وهو يقوم على المعالجة المحايثة، فينبني بذلك على التحليل النصي، دون أن يحول هذا بينه وبين استثمار منظورات بحثية أخرى، وفي مقدمتها المنظور النفسي. على أن القاعدة الأساس هي الكشف عن الرؤية انطلاقا من ملفوظات النص ومكوناته الفنية، لا بإسقاطها عليه. ب - نتعامل مع قصائد الديوان، وكأنما هي قصيدة واحدة مكونة من مقاطع متعددة، بالنظر إلى كونها تعكس تجربة ذاتية منسجمة، مثلما سيتبين لنا من خلال التحليل، حتى وإن اختلف الضمير النحوي في التعبير عن هذه الذات. ج - الحديث عن «التجربة الذاتية» يقتضي منا التأكيد على أن الكلام سيظل مرتبطا دائما، وعبر مسار هذه الدراسة، بذات الكاتب الضمني، أي بذلك الوجود الذي يبدأ وينتهي مع النص، وليس عن المؤلف الملموس L'AUTEUR CONCRET . أو لنقل بأن التحليل سينصب حول «ذات» تبلورها قصائد الديوان، ذات متجذرة في الواقع دون أن تكون تجسيدا مباشرا لشخص المؤلف، وأكثر ما تستطيع أن تكونه، هو أن تعبر عن وجوده خلال لحظة الإبداع التي هي مجرد جزء من وجوده المتعدد. ٢ - عتبات الرؤية المأساوية : ننطلق في وقوفنا عند عتبة العنوان من أمرين : أولا : افتراض أن صيغته المثبتة في الغلاف : «دون مرآة ولا قفص» هي متأخأ Rhème متعلق بمتقدم Thème ضمني، يمكن البحث عن تحديده عبر سلوك طريقين، هما الربط بين العنوان واسم العلم الدال على المؤلف، بوصفه معينا صارما Désignateur Rigide حيث أن العنوان كتب تحت اسم الشاعر مباشرة، بما يجعلهما - وإن كتبا بلونين مغايرين - وكأنهما جملة واحدة، يكون فيها المتقدم ( اسم الشاعر ) موصوفا، والمتأخر صفة له. ومن المفيد الإشارة في هذا الإطار، إلى اعتماد الشاعر لعبة التعالق بين العتبات في ديوانه السابق، حينما جاء العنوان : «الراقص» بعد اسمه، ليكونا بذلك الجملة التالية : سعد جمعة الراقص. أما الطريق الأخرى، فتخص العلاقة التناصية ما بين العنوان وقصائد الديوان، والتي يتم سلوكها من خلال تتبع مواطن استعمال الكلمتين المفتاحيتين : «المرآة» و «القفص» في هاته القصائد، والوقوف عند الدلالات المختلفة لتوظيفهما، وتؤكد هذه العلاقة «التناصية» ما افترضناه بخصوص تشكيل العنوان وفق تركيب مبني على الحذف. كما تدل على ذلك الجملة الوحيدة في الديوان التي وظفت عبارة العنوان حرفيا، وجعلت منها مقطع القصيدة الأخير Clausule، معطية إياها بذلك موقعا هاما في حركة النص، ولتعزز العنونة بعد ذلك قيمة هذه العبارة، وتوسع أفق الدلالة فيها عبر الحذف، الذي حررها من قفص القصيدة، ونقلها إلى رحابة الديوان. والمقطع المذكور هو : «صباحا ستغنين عليه / دون مرآة / ولا قفص» في. ص ٣١. ويؤدي هذان الطريقان معا : طريق التعالق ما بين عتبتي المؤلف والعنونة وطريق التناصص ما بين العنوان والمتن إلى نقطة وصول واحدة تصبح فيها الكتابة تعبيرا عن ذات الشاعر، ذلك المتقدم المذكور / المحذوف، وذات من يكون عليه الغناء في المقطع الشعري السابق. والقول بتعبير هذه المكونات عن الذات - في إطار المعنى الذي حددناه أعلاه - تعززه معمارية النوع الأدبي المختار هنا في سياق ثقافي محدد، حيث أن الشعر عند العرب فضاء ذاتي بامتياز، ثم طبيعة التجربة الشعرية عند سعد جمعة والتي تجعل من الذات محورا لها. ويمكننا أن نوسع، فيما بعد، العلاقة التناصية لتربط ما بين ديواني الشاعر : «دون مرآة ولا قفص» و «الراقص»، بحثا عن تحديد أدق لدلالة الكلمتين المفتاحيتين. ثانيا : استنتاج الدلالة المتصلة بالتركيب اللغوي لعبارة العنوان وفيه ننطلق من صيغة النفي الذي بنيت عليه، لأن الحرف العاطف ( الواو ) كرر فاعلية السلب المرتبطة بالأداة ( دون )، المرادفة في هذا السياق لمعنى «خارج». وبذلك سوى العطف ما بين «المرآة» و «القفص» في الدلالة. ولنا أن نمر بعد ذلك إلى دور موقع المكونات اللفظية في السياق التفاضلي لجملة العنوان. فالقفص المؤخر في ترتيب الجملة قدم إضاءة أولى لدلالة المرآة، حيث سحب عليها معنى «تقييد الحرية» المرتبط به، مما يجعل المرآة كالقفص موضوع رفض. إلا أن الحدود الدلالية لهذين المركبين لن تتعين سوى عبر الوقوف على مواضع استخدامها في قصائد الديوان. وربما يكون الرجوع إلى التداول اللغوي والثقافي العربي (٢) للفظ «المرآة» أداة مساعدة على تبرير جعلها موضوع قيمة مرفوض في بعض جوانب هذا التداول. فالاشتقاقات المرتبطة بجذرها المعجمي تعكس بعدا سلبيا، يصلها بعالم آخر هو عالم الجن، والجنون، وبعالم النوم، لا عالم الصحو والوعي، فالرئي(بكسر الراء) أو الرئي (بفتح الراء) الجني يراه الإنسان، وأرأى الرجل إذا تبينت الرأوة في وجهه وهي الحماقة. والرؤيا ما يراه المرء في المنام.وقد تكون هذه الدلالة مشتركا إنسانيا يخترق لغات أخرى، نمثل له بجانب مما يشير إليه اللفظ الفرنسي Miroir المقابل للمرآة في العربية، حين يدل به على السطح المضخم، والمشوه، والخادع. ولا تبتعد قصائد الديوان عن التقييم السلبي للمرآة، مما يتبدى أولا في ربطها بالأداة السالبة «غير»، والتي هي بنفسها، كما يقول ابن سيده، كلمة في معنى التحقير، بالإضافة إلى ما تستعمل له للتعبير عن التقصير في الغاية، أو الدلالة على الخساسة والحقارة. ونستجلي أمر هذا التقييم السلبي من خلال المقطعين الآتيين : ١- الأرض بلا جاذبية الآن / طيري محدقة في المرآة / سترين عيونا حملتني إلى فمك حتى نفضني الغباء / (... ) / حدقت كثيرا وصرت ساذجا أراقب الليل في المرآة / وارتجاف القلب أمام الحمقى. ( في غابة العيون. (الصفحات : ١٥-١٧) ٢- في المرايا تسقط الوجوه / على حالها / في المرايا العتيقة الوجوه/ ثابتة بالألم ( ظل. ص ٧٧ ). إن الحديث عن المرآة، هنا، لا يقتضي الكلام فقط، كما يقول أ.ذ: محمود رجب عن علاقة ما بين طرفين هما السطح العاكس والشيء المعكوس(٣)، بل وكذلك عن فعل الرؤية الذي لا تظهر العلاقة ما بين الصورة والأصل إلا من خلاله. وهكذا نسجل كيف تؤدي الرؤية بأفعالها الدالة على تعميق النظر والمبالغة فيه (محدقة، حدقت، أراقب) إلى السذاجة. وكيف يكون المنظور مجرد ليل، وقلوب مرتجفة، ووجوه ترسخ فيها الألم، في محيط غير طبيعي، يفتقد إلى الجاذبية، فيصبح فعل الانعكاس المرآوي فيه سقوطا، مثلما يفتقد إلى العقل حين يضج بالحمقى. وتحضر «المرآة» في ديوان سعد جمعة السابق «الراقص» أيضا بقيمة سلبية فترتبط بالاختلاط والتلبس، حين يقول الشاعر في سياق يتحدث فيه عن تزلزل الكراسي وعن الهذيان، بأن «المرايا تلبكت»(٤) مثلما ترتبط بالرعب كما في المقطع الآتي : «أثر النار في جسدك مرايا مفزعة»(٥). إن المرآة تعكس في هذه الحالة مقدار الأذى الذي لحق بالذات، وكيف أنها خرجت من حالة الجهل ( الموت الطويل) إلى حالة الوعي (الرؤية)، لتقف على مقدار ما أصابها، دون أن يتحدد لا فاعل الألم ولا فاعل التحويل من حالة اللاإدراك إلى حالة المعرفة - سواء أكان ذاتا عاقلة (من) أو حدثا (ما) - واللذان هما موضوع السؤال في المقطع. ولنلاحظ كيف أن الاستفهام عند الشاعر بدون علامة ترقيم دالة عليه. أما «القفص» فلا نعثر على توظيفات مباشرة له في قصائد الديوان عدا ذاك الاستعمال اليتيم في المقطع المستشهد به سابقا (في - ص٣١ )، ولكنه يحضر من خلال ما يمكن أن يشير إليه، ويعبر عن دلالته، سواء أكان فضاء مفتوحا ( الغابة، الشارع... ) أو كان حيزا محدودا مثل الغرفة، التي تصبح كأنما هي زنزانة، إذ تشعر فيها الذات بالقيد، فلا تفكر إلا في الهرب «أنت مكبل بين الجدران الموصدة / تحدق في المفر» (هل تفر - ص ٢٢ ). يعكس الاستفهام - وهو غفل من علامة الترقيم الخاصة به - في صيغة عنوان القصيدة التي أخذ منها التنصيص الأخير، تمزق الذات ما بين الخضوع للالتزامات الاجتماعية، وبين تلبية الميولات الذاتية. ذلك أن الغرفة، وهي تعبر عن مؤسسة البيت أو الأسرة، توجد في تعارض مع فضاء آخر هو الحانة. إذ يصور البيت على أنه سجن، بينما يقدم الثاني على أنه فضاء الانطلاق والحيوية والبهجة. فالشاعر يصف رجوع الخمسيني من الحانة «وهو يعود آخر الليل إلى البيت بروح الحرية المتوهجة في كل / أحشائه» (الخمسيني، ص ٢٨). غير أن البيت ليس إلا جزءا من النسق الدلالي المؤسسي الذي تجعل منه قصائد الديوان موضوع رفض. فالحياة كما تنظمها قوانين المجتمع، وتدخلات الآخرين تصبح قفصا خانقا يضغط على الذات ويتعبها فيه إدراكها لمحنة الخلاص : «كلما لمس أعماقه، لم يعد يطيق النظر في الكائنات وهي / تمارس واجباتها اليومية / تبحث عن خلاص دون أن تدري أن الذهاب / بلا عودة أبد» ( هل تفر. ص ٢٢ ). وتتوضح محنة اليأس من الوصول إلى الحرية بتحول كل شيء إلى سجن يحكم الآخرون طوقه في قول الشاعر : «يمتلأ العالم بالرعب / سوف نموت جميعا وتبقى الأزمنة يرعاها غيرنا / سوف يقطعون الأثداء بالمناجل، ويجولون بالحب أمتعة رخيصة / في الأسواق، والحرية ستبقى بعيدة كحالها مدثرة مريضة / (... ) / رعب في الشوارع كلها : / كرسي العمل، ديني، وتقاليد البلاد» (في غابة العيون). ص ١٦. هكذا، إذن، يكون القفص هو كل مفردات النسق الاجتماعي والمؤسسي : الأسرة، العمل، والدين، والواجبات اليومية. وكل ما يعبر عن الإحساس بافتقاد الحرية، وبالرعب، وما يولد الرؤية المأساوية، والرؤية المأساوية - كما يختصر ج. لينهارت J . Leenhardt تعريفها - تتمثل في «استحالة تحقيق حياة مقبولة أو مشروعة في العالم» (٦)، بما يولد الرغبة في البحث عن عالم جديد. وستوضح لنا المراحل المقبلة من القراءة عناصر هذه الرؤية. ٣ - الجرد التشخيصي : تبدو الذات غارقة في بحر كبير من التعاسة، يفقدها شهية العيش. وهو ما يجليه الجدول التالي : الحالة التنصيصات الشقاء الشيخوخة التشاؤم العزلة - ما الذي يشعل الفرح في راسك ؟ (ص ٤٥) - تحت ملابسه ركام من الأسى (ص ٤٩) - تسقطين أيتها البهجة (ص ٦٠) - سأبقى أحمل أطنانا من الرماد / مقوسا أسير. ( ص ٥٥ ) - من يأتي لينتشل الزمان المنهك على وجهي / وأنا لم امض حتى إلى الأربعين ( ص ٦١ ) - ما الذي يجعلني انظر إلى قاع الجدار ( ص ٢٤ ) - الحياة رغبة منتهية ( ص ٢٤ ) - لا رغبة لدي في شيء ( ص ٣٠ ) - أفكر بالحياة كحلم بادر بالتحية... وغادر. ( ص ٦٠ ) - تجتهد بإمعان أن تكون وحيدا / لقد اجتهدت كثيرا/ كي لا يعرفني أحد / اجتهدت لأن أختفي / لأذوب.( ص 45 ) - أنت وحيد مهما امتلأ البيت بالأصدقاء / أو بالعائلة.( ص ٦٠) وتمنحنا الصورة التي تشكلها الذات عن العالم الخارجي، وطبيعة العلاقات التي تربطها بالآخر، مفاتيح فهم حالتها النفسية. ويتمثل العالم الخارجي في إطاره العام في اللحظة التاريخية المعاصرة التي يتقدم فيها العجوز نحو العولمة ( الضجيج، ص ٦٣ ) وفي زمنها العنيف الذي توجه فيه إلى المساكين رصاصة مليئة بالحضارات (الناجي، ص٤٥). كما تجسده في إطاره القومي خيبات الحلم المغدور بالوحدة العربية، الذي تنبح في «طريقه الكلاب، وتنهق الحمير» (رائحة من الذاكرة، ص ٧١). أما إطاره الخاص فهو المجتمع الإماراتي، وما يعيشه من تحولات بسبب العامل النفطي، إذ يشكل ظهور النفط مصدرا من مصادر معاناة هذه الذات، فهو واحد من الحرائق التي عددها الشاعر، حين أشار إلى : «حريق الأهالي الذين فر أبناؤهم / إلى حقول البترول / ولم نعد نراهم» (فزع الجدران، ص٥٥). فإغراء العمل في حقول البترول عامل تفكك لنمط العلاقات العائلية التقليدية، مثلما هو سبب في تدفق الوافدين والغرباء. وأشد ما يظهر ذلك في «العاصمة» حيث : «تسقط اللهجات في أذنيك واللغات / ترى الوجوه الصفراء، السوداء، البيضاء / والحمراء / ولا يبقى في الأذن شيء، ولا الذاكرة / (...) / والوجوه الكثيرة كلما قررت إفساح الطريق / نهشت ككلاب متشردة قلب النجم الذي هبط / ليشم رائحة البلاد القديمة وأهلها» (العاصمة، الصفحتان: ٦٦-٦٧). فالآخر الوافد - هنا - ليس مصدر إغناء للمجتمع والذات، فهو إما ذكرى رهيبة يقترن فيها خراب الحاضر بخراب الماضي، كما يستشف من الخطاب الموجه إلى الساقي الانجليزي في حانة بيكاسو: «وبقيت وحيدا تعشق كل خرابنا، فيما البلدة توجه / الرصاص بعد رصاص أجدادك نحو قلوبنا» (الأحمر بينهما... ص٢٦). أو أنه حضور غير مجد «لا إغراءات تنفع / ولا تشذيب وجهك عند الحلاق الباكستاني» (تحد، ص٤٦). غير أن ما يؤلم الذات هو أن تحولات المجتمع يصاحبها ضياع لروحه لا يشعر به غيرها، فتحس أن «عيون البلاد مضت / دون أن يدري أحد أن جمالها يتوهج» (كرة الصخر، ص٦٠)، يدفعها في ذلك حنين إلى الماضي، وهو حنين غير مفهوم بالنسبة لذات يكتسي التمرد عندها بطابع خاص، وتبدو علاقتها بمحيطها طبيعة، ومجتمعا ودولة علاقة رمادية. فهي من جهة ترتبط به، وتتحرك فيها مشاعر تعاطف تجاه رموزه كالعالم والنخلة. مشاعر تمتزج فيها مرارة التفجع بصرخات التنديد الصامت، فـ«العالم الذي ترتعش أمامه شعيرات جسدي مصاب / بالغبن» (لا تظنوا، ص٩١). وقد يخالط هذه المشاعر قدر كبير من الخوف من / وعلى محيط لم يعد كما كان، إذ «النخلة تحولت عقربا/ والعشب مسامير مات عليها التاريخ العجوز» (العاصمة، ص٦٧). وهي من جهة أخرى تنظر إليه بشكل اختزالي يصبح معه الوطن مجرد مساحة من الرمل تسير إلى الغرق (لا تظنوا، ص ٩٢). أو تجعل إيمانها ينصرف إلى ما هو أكبر منه، كما يتجلى في الاستهلال الذي صدرت به قصيدة (لن يسيح) : «إنه لا يؤمن بالأوطان، والمساحات، الحيز هو وطنه» (ص٨٥). ويمكننا أن نتوسع أكثر في رصد علاقة الذات بالعالم الخارجي عبر رصد موقفها من بعض مكونات النسق الدلالي الاجتماعي المؤسسي Institutionel، ونقصد بالتحديد: المدرسة، والدين، والأسرة، والعمل. فالذات لا تخفي موقفها من كل هذا، فتعبر عن هذه المواقف تارة بالوضوح الشديد، وتارة بالمرونة المناسبة، والتي لا تدفعها إلى التخلي عن نزوعها إلى التعبير الكاشف عن حقيقة مقاصدها، أو ما يشير إليه الإهداء بالرقص في العلن (ص٩). وقد قدم الشاعر مفتاح فهم الموقف منها جميعها في أول قصائد الديوان حين قال : «رعب في الشوارع كلها / كرسي العمل، ديني، وتقاليد البلاد» (في غابة العيون، ص١٦). يترجم الرعب، في ما يخص الموقف من المدرسة إلى ألفاظ مثل : العذاب، الصدأ، الإحراق، بما يجعلها في الحصيلة النهائية لمحور الاختيارات الجدولي هذا موضوع قيمة مرفوض، فالذات مستعدة لتقبل حر الشمس ومعاناته على تقبل المدرسة، فـ«الظهيرة فرح / والمدرسة عذاب آخر» (رائحة من الذاكرة، ص٧٠) في نظرها وهي حينما تتذكر الماضي الطفولي تسترجع بنوع من الحنين، وربما انتشاء لحظات الانتصار الرمزي على المدرسة بإحراق كتب الدراسة، أو بركنها في زوايا الإهمال يفترسها الصدأ (ظل، ص٧٨). أما الدين، فالذات - أو بالتحديد صفتها الأخرى المعبر عنها بضمير الغائب (هو) - تجد فيه تارة، بكل وعي وإرادة ملاذها، كما تجد هذا الملاذ تارة أخرى في العدمية : «إنه في قدره الذي يختاره دائما، أحيانا في الإيمان، وأحيانا أخرى في اللاشيء» (حتى لو قتل الوقت نفسه... ص٩٠). غير أن الذات واضحة في موقفها المعري لمن يتخذون الدين قناعا لسلطتهم : «لكن الذي يلبس الأديان» : ولا يحدق في السوط الساقط قسرا / في أذنيه - / له قسوة الوجع.../ - هل سترعاه الأديان ؟ «(لن يسيح، ص٨٦). وقد سبق للشاعر في ديوانه «الراقص» أن عبر عن موقفه من التربية الدينية، لأنها قائمة على القسوة والعنف، فلا تؤدي بسبب ذلك إلى غرس قيم التدين في شخصية الطفل، الذي سيتسلم عند كبره مفاتيح الليل عوض مفاتيح المعابد، ويعبر عن ابتهاجه بالأولى، وتخلصه من الثانية : «منذ الصبا / كنا نقفز بشقاوة أقدامنا / الملطخة برمل ظهيرتك الحارقة / وصرنا نلمع عند مواقيت الصلوات / حيث ركلنا ركلا / إلى أبواب المعابد / ولكننا / فلتنا / صارت مفاتيح الليل كلها / قلادة حول أعناقنا / نحملها بحنية وابتهاج» (٧). ويمكننا كشف طبيعة العلاقات التي تجمع الذات بالأسرة والعائلة، عبر تحليل الحقل العاطفي Champ affectif ومضمون الروابط التي تعقدها الذات مع أفراده وأولهم الأب الذي لن يكون بمنجاة من شرر الرقص في العلن، بل العكس، ربما يكون موقعه هذا ما يجعله هدفا للشرر، فلا تتحرج الذات من التجرؤ على سلطته، كما يفهم من السؤال الآتي - والذي يحمل في سياق القصيدة دلالة رفض، وتشكيك في صدقية الأب - : «فلم أيقظتنا في الصباح الباكر للصلاة ؟ / فيما الديناميت بفتيله تحت السرير / والسماء تمطر على الطريق المؤدي / إلى حتفنا» (... )، ص ٧٤. ونسجل أيضا أن الذات حين تتحسر على الطفولة تسترجع ذكريات معينة، بشكل ربما يخفي التحسر فيه التذاذا بإزعاج الأب وهو في إحدى لحظاته الحميمية : «فبكيت الزمن الأبعد منها / فيه عاد كلبي إلى البيت / وأفزع أبي في الحب» (رائحة من الذاكرة، ص ٤٧). وعلى خلاف ذلك، تستحضر الأم وهي موضوع تعاطف «حريق الأم بوحدة الرضيع الذي في حضنها». فزع الجدران، ص٥٥). أو موضوعا للافتقاد («دخنت كثيرا واشتقت إلى أمي». الضجيج، ص٦٢). وبهذا الاشتياق قد تسوغ الذات رغبتها في الانتحار حين تصبح العودة إلى الأرض عودة إلى الأم، حيث يكون الدخول في الموت دخولا إلى «الرحم الكبيرة» (عودة، ٨٠). أي رحم الأرض الأم. وتمثل الزوجة صورة أخرى للأم، فهي من يرأف بالشاعر، إذ تقوم من نومها العميق، وتنتشل القلم من أصابعه، ثم تقوده إلى السرير (الليل، ص٩٣). كما تشكل الضمير الآخر الذي يقنع الذات بأن البوهيمية وارتياد الحانات خرجات ضياع، وهي لذلك تستحق الاعتراف والامتثال من ثم لسلطة تأتي من الداخل «(إنك ذهب حياتي/ إنك الكلام الذي يقوله قلبي». وجودك، ص٩٧). أما الأطفال، فهم موضوع محبة، يعبر عنها الخوف عليهم من رعب المحيط سواء أكانوا الأطفال الذين ليست للشاعر صلة مباشرة بهم، فيخاف عليهم ممن «ينظفون النياشين/ ويسرقون نظرات الأطفال وأحلامهم» (لا تظنوا، ص٩٢)، أو كانوا أطفاله: سعود وريما اللذان سبق له أن أهداهما ديوان «الراقص»، وعبر في هذا الديوان عن خوفه عليهما من رعب تمنعهما حداثة سنهما من إدراكه، فسعود «يكبر أمام هذا الخراب الذي يسقط في الخليج/ كل يوم... «وريما» لا تعرف شيئا عن الحريق في الطابق السادس عشر» (قلبي وسعود وريما، ص ٩٨). وأخطر ما يكون عليه رعب الواقع حين يؤثر لا في أطفال الحاضر - وعموم ناسه - بل حتى على القادمين منهم، فيصيب الجميع بالعصاب، ويقدم الشاعر بنفسه هذا التشخيص السيكولوجي حين يقول : «البلاد تكبر بالشظايا/ والأمهات في المشافي/ بطونهن/ يسكن فيها العصاب الأشد منها» (آخر ما تبقى في الكأس، ص ٥٣). فهل يكون هذا العصاب النفسي Psycho-nèvrose جزءا من آليات درء الخطر عن الذات، كما أوضح ذلك فرويد منذ أول عرض له ( 1894 ) لفكرة الدفاع في مجال الأمراض النفسية ؟ ٤ - الميول التدميرية وترميم الذات : لا يمكننا تقييم علاقة الذات بالآخرين تقييما يقارب درجة مقبولة من الدقة إلا عبر استكمال تشريحها، وإضاءة صلتها بنفسها. وهكذا سنلاحظ أنه إزاء رعب الواقع الخارجي ستعمد الذات إلى تدمير نفسها كوسيلة لترميم ما يخربه هذا الواقع فيها. فالتدمير يشكل تيمة سيكولوجية جلية Thème psychologique manifeste ستتكشف لنا في ما يأتي عناصرها التي تتمظهر عبرها. البوهيمية والجنون : إن التقدير الذي لمسناه أعلاه تجاه الأم والزوجة والأطفال، سيتراجع أمام إصرار الذات على عالم الليل والخمر :( إذا / حتى لو سرقتم الخمرة / وأدخلتموها الأبواب العتيقة / وغضبت الزوجة / وفر الأطفال / السرير سيقول لهم : انه ثمل». لن أخبىء الجريمة في جيبي، ص 157)، ولا يحتاج التنصيص الأخير إلى كبير تعليق، ففيه يظهر بوضوح كيف تتقدم لذة الخمر على قداسة الأم، أو من على صورتها ( الزوجة )، إلا أنه يدفع إلى طرح السؤال عن السبب الذي يجعل الذات تتحدى الآخر المحبوب من أجل الخمرة مفضلة حضورها عليه، وإن كان فيه غضبه وغيابه. وإذا كانت علاقة الساقي بالخمر تتحدد بإطار العمل، كما يؤكد ذلك قول Paul الساقي الانجليزي : «امتلكت حياتي بين القناني والكؤوس» (الأحمر بينهما... ص٢٦)، فإن الذات تجد فيه عالمها البديل الذي لا تشعر بالانتماء إليه. وهي تعي خصوصية هذا الانتماء، ففي الوقت الذي سجلنا فيه من قبل إصرارها على الحديث بالضمير المتكلم المفرد والتأكيد على الرغبة في العزلة، ورفض المجتمع وقيمه، سنلاحظ جنوحها إلى الكلام بالضمير العائد على المتكلم الجماعي( «كلما تطردنا الحانات عدنا إليها/ نحن من متحف لم يشيده إنسان/ ولا دول». الأحمر بينهما... ص٢٧). غير أن الانتماء إلى جماعة كهاته لا يمحو فردانية الذات وتفرد صلتها بالمشروب العجيب، فهو بالنسبة لها سلاح توجهه إلى العالم الآخر «أملك بندقية مملوءة بالكحول» (الضجيج، ص٦٣) مثلما هو إكسير يمنحها النشاط والحيوية، ومن ثم قوة الانطلاق والخلاص «: (أعيدوا الخمرة إلى كأسي / كي أقدر على الطيران قربك». القاع، ص٢٥)، ويحرك فيها قوة الإبداع فيحل عقد الكلام وقيود القول(«أجمل ما يقول عندما تلمع الكأس على فمه». القاع، ص٢٥). ولكن الذات لا تملك رغم كل التمجيد الذي يلهج به لسانها حول الخمرة ومحبتها إلا أن تعترف بالألم الذي تتسبب فيه هذه اللذة:( «خمرتي صداع قوي عند الاستيقاظ، ووجبة/ الإفطار خيوط بلاستيك في معدتي». لا تظنوا، ص ٩١). ولذا فهي تفكر في ضرورة الإقلاع عنه، رغم عجزها عن ذلك:( «ومن جديد تعود إلى هنا تحاول التوقف عن الكحول».من تلك السنين، ص 137). فهل هو العجز أم اختيار الانتحار؟ |
|||||
|
|||||