|
|||||
|
تمثل تجربة الشاعر المغربي حسن نجمي نقلة نوعية في صرح الشعر المغـربي المعاصر، إذ تؤسس لحداثة شعرية متميزة عـبرمجاميعـه الشعرية والتي نخص منها: ـ «لك الإمارة أيتها الخزامى» (1982). ـ «سقط سهوا» 1990. - الرياح البنية بالا شتراك مع الفنان محمد القاسمي 1993. ـ «حياة صغيرة» ط١ 1995 دار توبقال للنشر. ويعتبر ديوان «حياة صغيرة» لحسن نجمي مـرحلة جد متقدمة في نضج رؤيته الشعرية وتبني خطاب الشمولية والإستمرارية في بعث الأسس الجديدة للشعرية المعاصر على ركائز ودعامات قوية تمتح من التجـدد المواقف لدى الشاعر وخلق بدائـل جـديدة لــفهم العالم والإنسان. «حياة صغيرة» مشروع الحوار الشعري بيـن رواد الحداثة في المشرق والمغرب من خلا ل استحضارأعلام الحداثة الشعـرية كأدونيس والخـمار الكنوني ومحمد بنيس ومحمد الطوبي وغيرهم. يزخر الديوان «حياة صغيرة» بكل تمـفصلات الجـسد في أبعاده الفـلسفية والتاريخية والاجتماعية والإيروسية لتصبح الرؤيا للعالم مكتملة في الديوان مفسرة لكل التيمات المسكوت عـنها من خلال علاقة الذات بالآخر وعلاقة الإنسان بالطبـيعة وعلاقـة اللغة بالــفكر. فالديوان ومنذ البداية يفتح توهجه الشعري عـلى ايقاعات الحزن الكامنة في الذكريات والصور والإسترجاعات واستحضار كل المحـطات الإنسانية المحسوس منها والمجرد، الواقعي والاستيهامي. لذلك سعت هــــــذه الدراسة النقدية المتواضعة لديوان «حياة صغيرة» للشاعر المغـربي حسن نجمي إلى رصد معالم شعرية جديدة في شعـرنا المغربي المعاصر، من خلال تمفـصلات الجسد كرؤية وكـفن وكحـضارة وكـفلسفة وكــتوجه لاكتناه أبعـاد هذا الجسد وتفاصيله الكبريو الصغرى، وتبيان مطارحاته الميثولوجية والسوسيولوجية في تحويل خطاب الجسد الى مصطلح «جسدنة» الذي وظفه محمد بنيس في أطروحته الجامعية «الشعـر العـربي بنياته وإبدالاتها» والذي استقاه من المتصوفة خصوصا ابن عربي. وحتى تظل المقاربة وفية لشعرية الخطاب، اعــتبرنا «الجسد» في الديوان ليست مجرد دلالة سطحية/ لغوية/ تركيبية تتراص في اتجاه أفـقي، لكنها كشفت أن الجسد مفهوم إجرائي خالص يمتح من مرجعيات سيميائية كما هو الأمر عـند عبد الكبير الخطيبي في كتابه «النقد المزدوج» في حديثه عن الجسد والوشم، ومرجعـية جمالية فلسفية (الاستطيقا عند هيجل وسقراط وأفلاطون) ومرجعية شعرية عند أدونيس والـمجاطي وأمل دنقــل وسعدي يوسف وعبد الله راجع، وقد تداخلت هذه المرجعيات في «حياة صغيرة» لتكـبر الدائرة فيصبح الجسد الأصل/ الكل، والحياة الفرع/ الجزء. الجسد كخطاب إديولوجي ديماغوجي يستـقطب كل السلط/ معرفية/أركيولوجية/سيكولوجية يمحورها، يكيفها ويمططها ويكثفها في قوالب مشيئة تفتـقد القدرة والإرادة على الاحتجاج والتساؤل وإعادة ترتـيب الأوراق إنه أي (الجسد) لا يترك للعقل الفرصة في التفكير والتدبير. يقول حسن نجمي: وهذه الفصول تتناوب على جسدي لا تكلم بعضها ولا تكلمني(١) إن تداخل الطبيعي بالإنساني من خلال رجة الفصول وتحولاتها الفجائية عـلى امتداد الجسد، لا تكون مجرد انطباع على مسار حولي/ دائري، وإنما تجعـل من الجسد مشهدا/ خريطة لا ختبار المواقع وتناوب مجريات الوشم. الخريف/والشتاء / الربيع والصيف لا تفجر لغة الجسد، وإنما تكـتشفه/ تعريه، وبالتالي تدمره وتفقده مبدأ النعومة وتستبدله بالتفجر الدامي حيث يعيش الجسد رتابته/ تكراره/ روتينيته على مر الفصول. سيتغــذى دود العـتمة بآخر أوهام نفضت جسدي لم أنس لابد من لعنة تليق بالمقام العالي وبي لست مجرما إنما أرجع الطين على طينه(٢) ص٠٢ . مصير الجسد الانحلال والتفسخ، ما قيمته إذا ماكان الموت مآله وقدره الحتمي، الدود المنتـثر عبر هذا الجسد، العظام النخرة مشهد يثير التـــــقزز والغثيان. صورة الجسد الملقى/ الجسد المرتبط باللحد/ ذاك مكانه الـنهائي والأخير. هي طيات روحه تعيد ترميمي وها أنا أنذر له جسدي(٣) ص ١٢ . بلاغة الجسد كامنة حينما ينقاد إلى أفكاره الخاصة،لأن للجسد أفكارا مروحية تحلق من خلال النفس. الروح تـقدم للجسد/معناه/صورته/أصـله/ انبهاره/ إنها بصيـغة أخرى تعيد ترميمه. الجسد في غياب الروح مجرد شبح/ظل/ طيف/خيال/ يتهاوى/ يتساقط كأوراق الخريف. في دمي بعض من مطر يتمك جسدانا من ريح تحن إلى ينابيعها ونتآخى في الغيم(٤) ص٢٧ ـ تـــتــقارب الأجساد الشعرية/ الشاعرية في بوتـقة واحدة تهتـدي ببوصلة الشعر والشعراء. الجسد الشعري/ النجمي (نسبة للشاعر) يتناسخ/ يتمازج/ يتواصل مع الجسد الشعري البنيسي. رؤية شاعرين يمتلك الأول«هبة الفراغ» مرورا بـ«مواسم الشرق» ويمتـلك الثاني «لك الإمارة ايتها الخزامى» حتى «الرياح البنية» يتمدد الجسدان في انصهار شعري/ تنقيحي يؤولان حـقيقة المشهد الجسدي أمام رداءة الحياة وصغرها وقزميتها الشوكية ليتحدا في القيم. ها أنا اطفو في العتمة هل ينجو جسد غريق من كل هذه المتاهة؟ (٥) ص٦٣. يتماهى الجسد مع المتاهات،يسبح في العتمة حيث الظلام والدياجير،الرؤية مستحيلة والتمويه والتضليل حاضر،والغرق مسترسل، لكل أيد تطلب الخروج من اللجة الـى سطح الماء حيــث الحياة والهواء. جسدان يغتمضان من أي نافذة في قلبك ستطلين علي؟ قمرا خلف السحاب أنا جيك كيف أتحرى قبلتي إليك؟ لا تعتجل جسدي أشلاء وأنا بك سكرى(٦) ص٣٩ . إن الجسد المعلن عنه في «حياة صغيرة» جـسد/ لذة/ جسد/شبق جسد/ إيروسية جسد/متعة، وهي أجساد تحيلنا على النواسيات والفرضيات (ابن الفارض) وامرؤ القيس وعـمر بن ربيعة. جسدان يمتلكان حق الإتصال والتوحد في مجالس الجذبة والحضرة والسكـرة والشطـــحات والابتهالات. جسدان على محفة الشوق والوصال والاتصال، والرغبة في الإنصهار والانبهار ومعانقة الكائن والممكن والمحال. الجسد المطل/ الجسد المنتظر، جسد من؟ ينتظر جسد من؟ فليفة الجسد المؤرق/الساهر/ اليقظان/ تجربة تـؤكد للجسد أن العشاق لا ينامون وأن الجسد يتملى برؤية نفسه في عذابات المكتوين بنار الصبابة والــوجد والوله وباقي المقامات الأخرى. الجسد الذي أضمر في الخفاء تحويل الجد الى هزل والمتـناهي الى لا متناه والمنطق الى لا منطق. ليل جسدك يغتمض علي . وهذه الكأس متعطشة لفمي. جسدك الذي من رخام.(٧) (ص٤٠) بلاغة الجسد/غامضة/زئبقية / تلبس لكل حال لبوسها تشرئب فيها الأعناق إلى عطش حقيقي لم تلحقه آخر الأفواه الظمأى وارتباط بجسد/ بض/مثير جذاب تـتناسل فيه الصبابة بالعـشق الابدي وعلى هيكل الحب تذبح رخامية الجسد/ انكشافه/ عـريه الكينوني/ المنـفتح للضوء والعلامة. ....أوه كم خف جسدك كم خف جسدي؟ هل تطير الآن؟ وأين. جسدان ينامان في حلم.(٨) ص٤٢. يخف الجسد عـند الانتشاء فيطلب التحليـــق في الأعالي، لاشيء يوقظه، رضا الجسد من رضا النفس، الطمأنينة تشع في حبور، راحة الجسد انبجاس آخر لــتجاوز جسد آخر مستفز/ قلق/ لا يحلم كجسدين يطلبان المتعة والسكينة. بلاغة الجـسد الارجوانيــة تستسلم للـواقع/ للتجربة/ للحس/ لتؤسس للصورة الشعرية المتعالية، توليد الاستعــارة من «شعــرية المتخيل» كما يقول جون بورغوس صاحب كتاب Poetique de l'imaginaire قلت أنام قليلا لكن هذه المدينة جاءت تستلقي على جسدي(٩) ص٦٧ . أنى لهذا الجسد أن يعـرف الى النوم سبيلا، فالمدينة بصخبها ومعاناتها وآلامها وأحلامها تركت مخدعها وكبرياءها لتحل في جسم الشاعر. الاستلقاء لا يأتي عادة بعد تعب شديد ومشقة أكبرلتكون المدينة مشجبا عــلقت عليه آمال وآلام جسد شاعر/عليل /منهك. إن الجسد بتلويناته العضوية والحسية المتآلف منها والمتــنافر يوخر بآفاق كبيرة قابلة للتحليل والتفكير والتعليق منها ماهوسيكولوجي/سوسيولوجي ومنها ما هو انثــربولوجي. بناء الجسد نحت لصورة مكشوفة/غامضة جماليتها لا تتم إلا وفق أنســقة هندسية/ تقليدية/ وأخرى حداثية. لقد تم توظيف الجسد داخل الديوان «حياة صغيرة» وفق تــقابلات ضدية يمكن تحديدها على الشكل التالي. الجسد الكامل يقابله الجسد الناقص. الجسد النموذج يقابله الجسد العشوائي. يمكن اعتبار الجسد في شعرية الخطاب أنموذجا تركيـبيا معقدا يحكمه تهافت التهافت من خلال الجسد/ المتعة في بحث دائم عن الجسد/المعرفة. واعتبار الجسد كما جاء في الديوان مبحثا فـلسفيا للتـأمل والتـدبر والتفكير من خلال استقراء الجسد/الموت انتقالا الى الجسد /المعرفة/ كونه جسدا بيولوجيا. الخجل الذي يؤهل جسدا للكلام الكلام الكاتم الصوت. (١٠) ص ٤٦ . على الجـسد ترتسم علامات الخجل، وحــده الخجل قادر على اخراج الجسد من صمته المطبق، يكشف عن تفاصيله التي انزوت تحت دائرة الـمسكوت عنه،في كل جسد تتحول الرموز والإشارات إلى متاهات متعددة المقاصد مختلفة الأشكال. الخجل يتخذ من الجسد فـزاعة تتحول مستويات فتـنتها كما النساء فـي الفراش. الجسد يجسد الضوء المشتعــل،وبدون بصمات الخجل لا تستوي الحكاية،والخجل من الأوصاف المعـنوية التي تهيئ للجسد السفر في قوافل تتــقاطر جــنباتها بألف حكاية وحكاية. عند المشهد الجسدي يتوقف الكلام وتتكلم العيون والقلوب والمشاعر. الجسد الذي يحركه الخجل تــتماهى بداخله رواسب الفجوة التي تستعد للانعتاق في كل مرة من تمفصلات الخجل المتواصل الفعـل وردود الفعــل. في ليل عينيك. لاضوء يسعفني سوى مصباح جسدي بأي ساق سأراقصك وكل النايات خرساء في جسدي؟ (١١) ص ٤٧. عبر العيون في زمن الليل يتمدد الجسد عاشقا متوهجا، ومن ضوئه الــفطري يتخذ الشاعر قبسا، به ينير ويستنير، يضئ ويستضئ، يحول الحياة من الظـلمة إلى الـــنور، فلاشيء يسعف العاشق غير مصباح الجسد، الجسد/ القنديل/ الجسد/ المشتعل/ الجسد/ المتوهج/ الجسد/ المنير/الجسد/الضوء/ الجسد/ المتـقد. يشتعل الجسد،يتراقص/ يرقص / يتمدد/ يتـــــقلص/ ينفتح/ ينغلق/ يتوهج/ يخبو/ يندفع/يتراجع/ يقدم/ يحجم/ يظهر/ يختفي/ يفور/ يغور/ يواجه/ ينكص. يحتفل الجسد بإيقاعات الرقص، ولـكن أي ساق ستـــراقص هذا الجسد الذي تتآكل بداخله كل هرمونات الاحتفال وتــدمر في أحشائه كل مكامن القـوة والتوهج. لماذا دفق الكلام؟ ودفق الصمت...كيف أمحوه من جسدي كل شيء ينمحي في لو انمحي. لا شيء يبقى بعد انمحاء جسدي. إلا هو: جسدي.( ١٢) ص٥٠. ٭ تتحول دلالة الجسد من معـــناه المادي المحسوس إلى جسد متخيل غير مرئي يستشف أبعادا أخرى للإنسان في تمتلاثه الفـــيزيقية واللامرئية، وهم مايجعل من هذه الصورة التخييلة للجسد ملاذا آمنا لترسيخ رؤى اللاوعي ونسج إطارات هلامية لهــذا الجسد،مما يجعل المعنى الشعري يرتــقي إلى خلق تجليات متعـددة لبنية القـصيدة ككل. يقول أدونيس» البديل الــــــشعري للانهاية هو التخــييل أو التصور، فالتخييل هو الملمح الأساسي الرابع في الحركة الشعـرية العربية الجديدة، وأعني بالتخييل القوة الرؤياوية التي تستشف ماوراء الواقع، فيما تحتضن الواقع، أأي القوة التي تـــطل على الغيب وتعانقه فيما تنغرس في الحضور. تصبح القصيدة جسرا يربط بين الاضر والمستقبل، الزمن والأبدية، الواقع وماوراء الواقع، الأرض والسماء» (١٣) (أدونيس، مقـدمة للشعر العــربي، دار العودة ، بيروت ١٩٧١ ص 132. والانمحاء والمحو للجسد تحتل الصدارة الأولى في اعــتبار الجـــسد قابل للا نحلال للتشظي والإندثار، الجسد يفقد حقيقته بعد انفصال الروح عنه،يتلاشى وتختــفي حقــيقته النسبية. الجسد ينتــقل من الوجود إلى العـدم، من الحركة إلى الخــمول والجــمود. والمحو لفظ تداوله كثــيرا عــند المتــصوفة كـ(ابن عربي ـ والنفري ـ والحلاج ـ أبوالقاسم الجنيد.....) والمحو لغة أخرى صوفية/ زهـدية/ تستبدل العـــقل بالذوق والإحساس بالنظرة الإشراقية/ النورانية/ المتوهجة، ليصبح معنى الجسد تخييلا/ مجردا/ لايقاس الجــسد بالحس بل بالمعرفة الذوقية. والجسد كما في القصيدة ليس ذلك المشهد العيني المباشر بل أنه مــقام مجرد مورس عليه المحو حتى لايبصر إلا من ذوي الرؤى الإشـــراقية/ الصوفية. يقول ابن عربي «ونحن، في تواليفنا، لسنا كـــــذلك.إنما هي قــلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية، مراقبة لما ينفتح له الباب، فقيرة، خالية من كل علم،لوسئلت، في ذلك المقام عن شيء(ل) ما سمعت: لفقدها إحساسها. فمهما برز لها، من وراء ذلك الستر، أمرت بادرت لا متـــثاله، وألقته على حسب ما يحد لها في الأمر. فقد تلقي الشيء إلى ما ليس من جنسه، في العادة والنظر والــفكر....إنه يلقى إلى ذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهولا يعلمها في ذلك الوقت، لحكـمة إلهية غابت عن الخلق»(١٤) (محيي الدين بن عربي«الفتوحات المكية» تحـقيق وتقديم د.عثمان يحيى،تصديرومراجعة د إبراهيم مدكور،الهيئة المصرية العامة للكتاب،السفرالأول القاهرة1972 ص264 ـ265. وانسي الجسد البارد في السراديب. كم من سكارى في جسدي. وأستفيق كي أراك،وأراك فيتقد وجهي.( ١٥) ص52 يتحول الجسد المعـــزول/ المنفي إلى جسد مؤنس يستبعد هلاميات الوحشة،يجعل الجسد من جسده ملاذا آمنا ضد ظلمة السراديب والدهاليزوالدياجيــر والظلمات. في الجسد البارد يسكن السكارى المعـــربدين/ الماجنين/ المارقين/ الخارجين عـن سلطة الدين والمجتمع والدولة. في جسد السكارى وسكارى الجسد تنبت فــلسفات وتنـشأ تيارات،وتصبح رغبة الرائي في مشاهدة المرئي أمرا يحتاج إلى أكثرمن وسيلة وأداة لا ستــكمال النظرة وتحـقيق الغاية. فـرؤية السكارى في الجــسد مفـرد بصيغــة الجمع، في الجـسد الواحد يتناسل السكارى/ المغمورين/المشـــردين/ المتيمين بغـــواية الإنتساب إلى جوقة الباحثين عن أسرار الرؤية المـتميزة/ المنتـقاة/ المشتهاة/ والتي لايعرف بواطــنها غير هـؤلاء السكارى. كان رامبو يرى أن« الدراسة الأولى للإنسان الـذي يريد أن يــكون شاعرا هو معرفته الشخصية، الكاملة. يبحث عن روحه، يراقبها، يختبرها، يتعلمها.... أقول إنه يجب أن يكون رائيا، أن تجعل من نفسك رائيا... فالشاعر يجعــل من نفسه رائيا عن طريق تــشويش طــويل، عريض ومدروس، للحواس جميعها» مساء يعبرنحو ليلك كما تعبرظهيرة بشمس أغنية. ولا تتعب . كأنك بلا جسد. ويرتعش الوقت قرب روحك.( ١٧) ص٥٦. من فضاء السراديب حيث يسكن الجسد إلى إطلالة المساء العــابر نحو الليل، فالعلاقة بين الجسد والليل ذات روابط غير متناهية ومطلقة وتتميز بنكهة خاصة ونزعة فريدة ، فزمن الليل هو زمن البوح والاعــتراف والمكاشفة والمواجهة والمجابهة، الليل هــو بوصلة الهدى ومنارة الضوء والعلامة، الليل سراج المحبين وكتاب العاشقين، فيه تــمارس طـقوس الشطحة والجذبة والحضرة، وفي فضاءاته الرحبة تكتب القصائد وتروى الحكايات وينظم الشعــر وتسرد الروايات الطويلة، وتغنى سمفونيات الوله والعشق عـلى مقامات (الحجازي والبياتي ومقامات راحة الأرواح والعراقي..) والعـبور نحو الليل يشبه عبور إطلالة ظهيرة بشمس أغنية تنفتح على هذا الكون وترسم في ظلال العروق متكأ للراحة والسكينة والهــدوء، فالليل يلبس الجسد، والجسد يلبس الليل، ولاوقت للتعب أو الكلل. على محفة الشوق تتعالى الطقوس السرية، ومحـكوم على طالب التوهج الروحي أن يبقى بلاجسد، يخرجه من مخيلته، يلفظه كالنواة بعـد أكل التمرة. وعندما تحقـق شرط التخلص من الجسد تصفى الروح ويتم التقـرب منها. هذا التجاوب الإيقاعي بين الجسد والليل يحمل دلالات الـبحث عن الذات . يقول أسعد رزوق« المشكلة هي البحث عـن الذات وتعيـين هوية الذات الحضارية. إنها بكلام آخر، مشكلة تحديد موقف هذه الذات من القضايا الكيانية الكبرى وإيجاد الـقيم التي يتحتم على هذه الذات، أو يجد بها أن تعتـنقها وتتبناها، وهي بالتالي تتعـــلق بمسألة هذه الذات الحضاري والقيمي ورصد اتجاهاتها ونزعاتها. وفي هذه المشكلة تــتجلى أزمة هذه الذات وكأنها أزمة حضارية وأزمة كون»(18). (أسعد رزوق «الأسطورة في الشعرالمعاصر» م،س ص 21 ـ ٢٢. «.... أنصاف أجساد في أشرطة العميد. عاشقان على الرصيف الأيمن.( ١٩) ص»٦٤). يمتلك الجسد عدة إمكانيات للتحول، جسد هو نصف جسد في زمن العاشقين.. يرشف من لذة الشوق والاحتياج. الجسد ينزاح من زمنه العام إلى الزمن الخاص.. يؤثت للمشاهد المتعددة ويحصي كل الرغبات الدفينة، يستسلم ويقاوم، يردد لازمة العشق مرات متعددة، يعتلي منصة المجد والخلود ويهبط منها إذا اكتوى بنار الخيانة والانحراف. الجسد مرآة للحياة/ للذة/ للانــفلات من قـيود السلطة.. سلـطة الدين والــمجتمع والأسرة. للجسد قناعات أخرى غير قابلة للكشف والمكاشفة.. على الرصيف الايمن.. على الرصيف الأيسر.. في السهل والجبل في الظاهر والباطن في السر والعلن.. وحده يؤلف صورة الإيروسية والشبق. فتعددية دلالة اللفظ «جسد» في الديوان يدفعنا للقول مع لوري لوتمان «التناغم ليس هو التجاوبات المثالية لأشكال نهائية في السابق، بل هوابتداع تجاوبات جديدة» (20) هي ذي قدم حافية والجسد العاري يمر على جسدي أرتديه. أستدفئ برجفته وأمشي. وهذا الوجه الجائع أخفيه في شراييني وأغذيه» (21) ص79. ترتبط علاقة الجسد بالقــدم الحافية في الميتولوجيات القديمة بصفاء الذات..وحميمية اللقاء في أرقى أوجهه...والجسد العاري يلهب أشواق جـــسد آخر...يشعره بالدفء والسكينة والطمأنينة. من داخل الجسد تتوزع الإمدادات وتسترسل كل إمكانيات التخاطب والتحاور..شكــــل الشبع يمد من الجسد..وفي الشرايين الممتلئة تنتهي ملامح الوجه الجائع. يقول محمد بنيس «ينزع النص الشعري المعاصر إلى تــوسيع حقل اللعبة النصية، فالكلمات التي تشكل مطالع الأبيات أو الكلمات التي لها وضعـية النعــت(الجائع) تـكون في السياق النصي، مستعدة لنتائج احتراق الإيقاع لها، فينـقلها من الدلالة العامة إلى الدلالة المنبثقة عن الاستعمال النصي، وهي بذلك تنحل لتتركب من جديد، بهيئة مجـهولة قـبل سكونها إلى ماء الإيقاع.» (ص165). (٢٢). وهذا ما نلاحظه في البيت الشعـري «والجسد العاري يمر على جسدي أرتديه. أستدفئ برجفته» الذي يعبر عن دلالة استعارية تجعل الجسد يمشي كما الإنسان. فالدلالة التركيبية والبلاغية في البيت الشعري تجعله مفتوحا على جميع الاحتمالات والتأويلات. نضحك لأن الجسد لا يملؤه السحاب(٢٣) ص 91. في الضحك يجد الإنسان انفراجا نسبيا... الضحك غير مطلق،لكنه ضروري على كل حال.. يرسم علامات الغـبطة عــلى الوجوه والشـفاه ، لكنه يمحو أقــنعة الحزن والكآبة. الجسد بطبيعته كما يعتقــد الشاعر لا يملؤه السحاب.. هو واضح وجلي... مفتوح ككتاب مقروء. الجسد يكون مساره الخاص ويحدد العـتبات التـي لا يعبرها إلا من سلم قياده لسلطة الجسد. فالجسد باعتباره يدشن لخطاب اللذة ويفتــح الباب على مصراعيه للمتعة ، يجعلنا نستحضر ما كتبه الباحث فهد عكام في بحث أكاديمي حول أبي تمام إذ يقول «خطوة مدهشة إلى أمام، وحقيقة مدهشة تحفز إلى الأعين باهرة جلية، فما كان ضبابا غـير محدد يتضح كل الوضوح. فالعملية الخلاقة تعبر عن ذاتها وكأنها حدث، وتجري في اللذة الحسية، ولكنها لــذة نسبية تتوقف على صفات المبدع. وبتعبير آخر، الخلق الشعري تجربة رفيعة تحدث في فرح النـــشوة، وهدفها تحقيق متعة المبدع نفسه، فانظر كيف يصور أبوتمام هذه الصلات الجنسية بين الشــعر وصانعه: والشعر فرج ليست خصيصته طول الليالي إلا لمفترعه. (٢٤) (ص٩٨ ـ٩٩) الهوامش: (١) ـ حسن نجمي« حياة صغيرة» دار توبقال للنشرط١ ٥٩٩١ ص١. (٢) ـ نفسه ص٠٢. (٣) نفسه ص٢١. (٤) نفسه ص27. (٥) نفسه ص38. (٦) نفسه ص39. (٧) نفسه ص40 . (٨) نفسه ص٤٢ . (٩) نفسه ص٦٧. (١٠) نفسه ص ٤٦ (١١) نفسه ص٥٤ . (١٢) نفسه ٥٠ (١٣) (أدونيس ، مقـدمة للشعر العــربي، دار العودة ، بيروت ١٩٧١ ص 132. (١٤) محيي الدين بن عربي «الـــفتوحات المكية» تحـــقيق وتــقديم د.عــثمان يحيى، تصدير ومراجعة د إبراهيم مدكور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، السفر الأول القاهرة1972 ص264 ـ265. (١٥) حسن نجمي «حياة صغيرة» دار توبقال للنشر ط١ ص52. (16) Guy michaud du symbolisme. librairi Noizet. paris message poetique 1947 p136-137. (17) حسن نجمي« حياة صغيرة» نفسه ص٥٦. (18). (أسعد رزوق« الأسطورة في الشعرالمعاصر» م،س ص ٢١ ـ ٢٢. (19) « حياة صغيرة» ص٦٤. ٢٠ - « حياة صغيرة» ص٧٩ . ٢١- la structure du texte artistiqueLouri lotman.» (٢٢) محمد بنيس «الشعـر العــربي الحديث ـ بنياته وإبدا لا تها( الشعر المعاصرالجزء الثالث) دار توبقال للنشرص 165. (23) « حياة صغيرة» ص ٩١. (٢٤) فهد عكام« قدم الدراسة كأطروحة لنيل دكتوراه الدولة من جامعة السربون باريس ٣ تحت إشراف د.جمال الدين بن الشيخ. والجزء المشار إليه منشور في مجلة الموقف الأدبي. اتحاد الكتاب العرب،دمشق 1963 العدد 1983 ١٤١/142/143 ص٢٦٦. |
|||||
|
|||||