|
|||||
|
في لغة شاعرية، لغة تجمع النقد الساخر والهجائي حينا، والمتسائل حينا آخر، تكتب رجاء بكرية روايتها الجديدة «امرأة الرسالة»، جامعة في الرواية بين قضيتين أساسيتين، الأولى هي الحب والعلاقة «الرجل/ المرأة» أو «الذكر/ الأنثى» بكل متعلقات هذه العلاقة المعقدة من خيانة وشوق وجنس وهجران... الخ، والثانية هي الاحتلال الذي يعيش هذا الحب في ظلال حرابه وحواجزه وآثاره المدمرة لروح الفلسطيني وعلاقاته.. منطلقة من ثنائية التخلف الاجتماعي وظروف الاحتلال، ومن أن مقاومة التخلف تساوي مقاومة الاحتلال أو تسير في موازاته. الراوية «نشوة» هي «امرأة الورق» وهي «امرأة لا تؤمن تماما بالحضارة ولا بالعولمة، بل ربما بالعودة قليلا إلى الخلف..»، وهي تقول في رسالتها التي تسخر فيها من «الحب» المصطنع، الذي- منذ أصبح علما مستقلا ومعقدا «جلس في أحذيتنا اللامعة ومشى معنا إلى كل مكان خلاف المكان المخصص له»- تقول «لذلك قررت في يوم الحضارة هذا أن أصبح امرأة تمتهن التخلف بفنية عالية وتكتب لك بأظافرها المتسخة هذه الرسالة». هي امرأة فلسطينية من عرب 1948، وهي «طيارة» لا تحب الاستكانة لعلاقة، تكتب رسالة لرجل- فنان مسرحي فلسطيني «طيار»، عاشت معه فترة من الزمن وافترقا، ثم عادت إليه ليلة قبل أن تهجره وتعيش وحيدة ما بين هايدن وكورساكوف وماياكوفسكي وبيتهوفن وموتسارت وماركيز، وتجول «مثل فرس بلا رسن»، ثم تهاجر، بصورة مفاجئة، إلى أوروبا لتلتقي صديقا عراقيا قديما. رواية بكرية تشتغل- عبر صيغة الرسالة- على أحوال المرأة العاطفية والروحية والنفسية، وتقلباتها في علاقتها مع الرجل- الفنان وتقلباته. فهي رسالة مطولة تبث فيها المرأة شكواها وتشرح تفاصيل أيامها ولياليها، بل ساعاتها ودقائقها وثوانيها، فيما هي تراوح بين رغبة في العلاقة ورغبة في الهروب منها والضياع بعيدا عن الرجل. رسالة تنطوي على أسرار المرأة وقلقها وضياعها بين حب هذا الرجل في لحظة، وكرهه في لحظة أخرى، وبين كونه شهيرا تطارده النساء، عدا عن كونه مرتبطا بعائلة وأبناء يعود إليهم. هذا الالتباس في العلاقة مع الرجل يوازيه التباس في العلاقة مع دولة الاحتلال، التباس في الهويّة الملتبسة لامرأة الرسالة كفلسطينيّة تعيش في دولة اليهود. يحضر هنا الرجل وسلطة الاحتلال معا. تقول الراوية- البطلة مخاطبة نفسها «هموم شعبك وقلبك تعضك» وتتحدث عن «الشوارع الحرة في دولة محتلة» وعن «العصافير اللاجئة»، وعن اليهودي تقول «قوميته ودولته بألف خير، ماذا يريد من قيامتي ومخيماتي، أتؤذيه مشاعري المهزومة لهذا الحد»؟ وحول هذا الالتباس تقول رجاء بكرية «لا أرفض الهوية الإسرائيلية كتأشيرة انعتاق مؤقتة من علب سجائرنا الصغيرة، لكنني أرفض رعونة منطقها. برغم أننا ندفع ثمن كل خطوة نخطوها معها. ادخل مطارا إسرائيليا، وستفهم أنها بطاقة تذويب للكرامة وتفتيت للكبرياء في فنجان القهوة الذي يعرض عليك داخل غرف التفتيش». أسئلة كثيرة تأتي في صورة سرد غير تقليدي، سرد ليس سرديا- حدثيا بقدر ما هو هذياني أو نوع من التداعيات الحرة للكلمات والعبارات والفقرات، تصور الذات المشوشة والمضطربة لامرأة الرسالة ولرسالة المرأة. المرأة التي ترى «رَجُلها» فوق خشبة المسرح أو في المحكمة أو في شقته أو تتخيله مع زوجته ومع نساء أخريات، وتراه في ظل دولة الاحتلال أو في التوازي معها، فتهتز الذات المشروخة وتسقط في الضياع، لتعود «امرأة الورق» المتمردة. امرأة تريد أن تسجل يومياتها مع يافا وحيفا وعكا، مع البحر والحافلة وصندوق البريد وحواجز الاحتلال التي تقطع الوطن. وخصوصا يومياتها مع «غسان: الإسرائيلي الخائن لدولة اليهود. عفوا، الفلسطيني الإسرائيلي المتورط بنقل قنبلة بشرية من مفرق الكابري إلى قلب عكا الجديدة، شارع بن عامي تحديدا».. والذي سينال حكما بالسجن خمس سنوات بالتهمة الملفقة بعد اكتشاف قنبلة في حافلة، رغم شهادة «نشوة» بأنه كان معها في لحظة حب على البحر. نشوة التي تتأمل في واقعها المزدوج بين كونها فلسطينية تعيش الاضطهاد العنصري في دولة تقوم على التمييز بين العرب واليهود، بل بين يهود ويهود أيضا، وكونها تعشق رجلا مزاجيا يخونها. تقول بكرية على لسان راويتها- البطلة «لا أعرف إذا كان الفلسطيني هنا محسوبا على دولتهم كإنسان.. لم أشعر لحظة واحدة أنني داخل تعريف المواطنة التي منحوها لنا منذ رفعنا الأعلام البيضاء. ولا أنت تعرف. وبطاقتي الزرقاء لم يقرأوها على الحدود دون أن يصنفوني ضمن خلية الإرهاب التي يدرسون أوصافها وفق معايير العرق والدين والانتماء.. وأنت. ألم تقل إنهم ذبحوك على حدود المغادرة بسكاكين عصرية.. في المطار يفعلون كل شيء ولا يعترفون بشيء، وعلى جسر وادي عربة، جسر السلام الحداثي مع العرب، يفعلون ويتفاعلون معا، وبكل شيء». وتبلغ الحال بالبطلة حد القول «ذات يوم تمنيت أن أصبح ذبابة كي أجتاز الحواجز دون تفتيش بعد أن ألقي بصاقي السام في عيونهم». خصوصا حيال الحشود المتظاهرة «المنادية دون خجل: الموت للعرب». هذا رغم أن نشوة ليست متعصبة لقوميتها، لكنها لأسباب تتعلق بتشويه أمريكا للهوية العربية تضطر لهذا التعصب، وتستغرب كيف يجلس حبيبها في مقهى يسوق المنتجات الأمريكية، فتخاطب الحبيب «لا أذكر كيف تعصبت فجأة لهويتي وعروبتي، وشعرت أنني المضطهدة الوحيدة في العالم، ولو لم ينقذني قمرك الجميل الذي وقف مكتملا فوق رأسي وناداك لنشجت مثل متشردة حقيقية. لمحتني بعد وقوف مضن فلوحت لك بيدي، أجبتني بتلويحة مماثلة ودعوتني بإشارة مستغربة للدخول»، لكنها ترفض الدخول وتأخذه في نزهة إلى البحر. وتظل البطلة تتقلب بين حب وكره للبطل، فلا تقر على قرار، تخاطبه «كرهتك بصدق، أجل يا سيد ورقي، كما أحببتك بكثير من الصدق وقليل من الندم»، معبرة عن القلق العميق الذي يجتاح روحها وكيانها في علاقة تشهد تقلبات كثيرة، فتمسك قلمها وتكتب عن «عهر الرجال»، كما تقرر أن تمضي رغم تأكيدها إعلان حبها إذ «بهذه الطريقة المتوحشة يجب أن أغادرك. فحين نحب أحدا يجب ألا نؤلمه كثيرا.. العشق مثل الحرب قضية ربح أو خسارة، ويبدو أنني خسرت معك آخر مواقعي.. ». وفي انتقالها بين غسان ووائل وكاظم خيبر تظل نشوة تتقلب على نار أنوثتها في العلاقة مع الذكورة المقززة، فتصف كاظم بأن «صوته يصدر عن شخص يجلس خلفه. حتى شكله ظل بالنسبة إليها مشروع صمت. ربما لأجل ذلك ازدادت قناعة أنه كتلك الحشرة المدببة التي يعلو أزيزها كلما تضاءل حجمها»، هذا وهي تقول إنها «ستدحرجه إلى أول رصيف تصادفه حين يلبسها عشق غسان ويفقدها صوابها»، والأنوثة هنا تتوزع بين أمور جنسية وأخرى لها علاقة بالطبخ وصنع الحلويات لإرضاء الرجل. هي رواية تجريبية على صعيد مغامرتها اللغوية، وعلى مستوى الشخوص التي تعاني اضطرابات نفسية وعاطفية ووطنية مدمرة، خصوصا شخصية «نشوة» التي تمثل قمة الاضطرابات والانفلات من المواصفات المحددة للشخصية الروائية، والكثير من التفاصيل التي تؤثث بها رجاء روايتها، من شوارع حيفا ويافا وعكا، في ظروف متعددة ومختلفة، منوعة في أساليب السرد والتأمل والتداعيات والتذكر والاستشراف لما هو قادم، لتؤكد حضورها في الزمان والمكان، وغيابها عنهما في الوقت ذاته، لتصف حال «الرجل في غيبوبة فسق عميقة، والمرأة في طقس انفتاح سافر»، حيث امرأة الرسالة، ورسالة المرأة، تعبير عن العلاقة الشائكة بين الرجل والمرأة. |
|||||
|
|||||