|
|||||
|
دون مقدمات أو تمهيد يدخلنا الروائي والشاعر خليل صويلح إلى عوالم روايته الجديدة «دع عنك لومي» الصادرة عن دار الآداب وفيها يشتغل على مكاشفة زاوية ما من المشهد الثقافي السوري المعطوب والغارق في سخافات وتلفيقات شتى وهو يظهر ذلك من خلال رصد حيوات مجموعة من الكتاب المتأزمين لكن يبدو انهم نموذجَ لشريحة اكبر من المثقفين المعطوبين العاجزين عن أيجاد ذاتهم في محيطهم الثقافي والاجتماعي، وصويلح يرصد طرائق حياتهم ونمط عيشتهم بدقة إلى درجة يبدو معها هؤلاء الكتاب الواقعيين حسب ما يتبين للقارئ المطلع في سياق الرواية مستمرين في عرض سخافاتهم وتلفيقاتهم يلقبهم الكاتب بـ«شلة الثعالب» وصاحب «وراق الحب» و«بريد عاجل» يلفت النظر بشكل قوي وبعد ثلاث روايات متتالية إلى انهماكه بشكل خاص ومتفرد كمشروع جديد في الرواية السورية المعروفة بثقل وزنها وعدد صفحاتها الضخمة التي يصل فيها التمهيد في بعض الأحيان تقربياً إلى ما يعادل حجم رواية «دع عنك لومي» كاملة. تتداخل رؤيته الخاصة كمثقف بحساسية المعاش والواقع الذي يرصده بعيون تلتقط المحدوث في طيات الحياة مستفيداً من كل خبراته الحياتية والثقافية وبحرفية عالية ومتفردة يدرجها ضمن الأحداث بدون أن يقع في إطالة مملة مترهلة أصبحت هي السمة المشتركة بين معظم الروايات المكتوبة بالعربية فشلة «الثعالب» مجموعة كتاب فاشلين يعيشون الحياة متخبطين بين إفلاس مادي وآخر روحي ويروجون لأنفسهم على أساس انهم نجوم في الإبداع والادب، يعيشون بطولات ودونجوانيات وهمية. سمير شكري مثلاً هو المرجعية الأدبية للشلة وهو شاعر يسوّق نفسه بشكل دائم إلى درجةٍ يريد معها أن يقنعك بأنه اهم شاعر في الكون بينما هو في حقيقة الأمر ليس أكثر من سافل يعيش حياة مصطنعة منتقلاً بين البارات والجلوس على أطراف طاولات الآخرين فقط ليدفعوا عنه ثمن كاس عرق مر، أما أنس عزيز فما هو سوى شاعر تافه وسخيف يقول عن نفسه بأنه أصدر مجموعة شعرية وحيدة بناها على قصة حب فاشلة، وهو ابن أسرة دمشقية تقليدية وشخص ضبابي مشتت بين انتمائه العائلي الذي أورثه أمراضاً نفسية مزمنة منها انفصام بالشخصية. يلجأ انس إلى التنظير من خلال استعراض بعض المقولات المنسوبة لفلاسفة ما بعد الحداثة ( إيكو ، فوكو، باشلار، داريدا ...) مردداً تلك الديباجات كغطاء يمارس من خلاله خطابه شبه الفلسفي ليثبت عكس شخصيته تماما التي يكشفها سلوكه التقليدي في البيت لذلك تظهر خطاباته هشة ركيكة وغير منسجمة مع ذاتها كونها ليست سوى مراوغة بائسة للتغطية على حالة الفصام وتعويضاً عن النقص الذي يعانيه في ذاته كملك للعادة السرية بامتياز كما يصفه سمير شكري. أما ماهر غزال العائد من الخليج العربي والعضو غير المؤسس في الشلة والذي ادعى أنه كان يعمل في الصحافة قبل أن يكتشف الأستاذ سمير شكري أنه كان مجرد محاسب سرق شيكات بعض الكتاب العرب وعاد بها لتكون جواز التحاقه بالشلة فهو مثقف انتهازي وكاتب الحداثة التي ما بعدها حداثة، يكتب بيانات ساخنة وفارغة في الوقت نفسه متأرجحاً بين وجود هزيل ووجود خيالي رافضاً في الوقت نفسه الانسلاخ عن عشائريته. يشرف ماهر غزال على موقع الكتروني اسمه «حافة الهاوية» يدعي التحضر والعصرنة وفي لحظات النقاش الحادة يعود إلى أصوله البدوية بكل ما تحمله من بدائية ووحشية. العضو الثالث في شلة الثعالب هو «عماد معصراني» المؤلف والمخرج المسرحي الذي ليس سوى سارق وضيع محتال وحقير يجيد قليلا من الفرنسية كما هو حال أنس عزيز الذي يجيد الإنكليزية بشكل ركيك، ومعصراني أكثرهم دونية واحترافاً للسرقة والنصب والاحتيال، يسرق مرة جهاز موبايل من خروف كويتي كما يصفه المعصراني نفسه وأخرى يسرق مائة يورو من كريستين الفتاة التي أقام معها علاقة حب وفي حادثة ثالثة يسطو على كمبيوتر محمول مع غنيمة إضافية هي نص مسرحي لأحد الهواة يحاول معصراني أن يرفع به شأن ذاته ويروج أنه مسرحي عالمي لكن الشلة لا ترى فيه سوى قزمٍ تافه وكحولي يقدم ولاءه الدائم لسمير شكري ويمثل دور التابع الذليل له. هؤلاء المثقفين وهم الواجهة الأمامية للثقافة السورية يبدلون مواقعهم بحسب الغنيمة التي يمكن السطو عليها ومسرح لقائهم الأساسي هو بار «الكهف» وطاولتهم الثابتة في ركن بعينه يقوم فيه الثعالب بنصب فخاخهم وقنص الزبائن الجدد، يتعرفون مرة على شيخ خليجي يقيمون معه علاقة صداقة ويتحولون على يديه إلى (الجبوري، العنزي، الطائي...) ويطرحون عليه أفكار مشاريع خيالية كموقع» صهيل دوت كوم «ويراودون في الوقت نفسه الكاتبة المتحررة من عقدة الجسد التي تؤلف قصصاً ايروتيكية فاضحة وفاشلة والتي تعلق على جدار غرفتها المستأجرة في باب توما عبارة «لكل جسد توقيع» ولكن صديقهم انس عزيز لا يفلح في التوقيع على ذلك الجسد حتى توقيعاً عابراً. يمثل بار الكهف بما فيه من صراعات وتحولات مجتمعاً هو صورة مصغرة عن الواقع بكل تفاصيله وهى ( تنقد بطرافة وخفة الوضع القائم في سوريا اجتماعيًّا واقتصاديًّا وتفضح غرق الثقافة السائدة في وحل ما بعد الثقافة). يشتغل خليل صويلح في رواية «دع عنك لومي» على معايشة الشخصيات ذاتها ويفسح لها المجال كي تظهر بصورة حقيقية يتسابق أصحابها في تأليف الأكاذيب تلو الأكاذيب مستفيدين في ذلك من إنجازات الصورة التي تقوم على فكرة المحو المتواصل ما يظهر قدرة الراوي على كشف خدعهم وأكاذيبهم ضمن سياق من آليات السرد الكتابية التي تبدو وكأنها مرايا سحرية تكشف أعماق شخوصها عارضة اعترافاتهم من خلال أحاديثهم الحميمة عن تكوينهم الحقيقي: (أصابني ارتباك شديد في التقاط بوصلة فريق الثعالب، بسبب من الإلغاء المستمر للصورة الأولى، إذ إنهم ينسفون على الدوام ما كانوا يروونه في الأمس، أو إنهم يضيفون حوادث على الدوام لم تروَ سابقاً، وببعض التوابل تتحول الخسائر إلى انتصارات، والإفلاس المادي، نعيم روحي، أو خيار وجودي، بحسب تعبير أنس عزيز). والراوي يوزعها بطريقة فنية اقرب إلى المونتاج السينمائي وهي عبارة عن مشاهد قصيرة تربطها ببعضها نكهة ساخرة لكل واحدٍ منها عنوانه الخاص عميق الدلالة (فكاهة متخيلة، ركن دائم في الكهف، فضائل المحمول، استعادة موقع، أسباب الراوي، قشور الذهب، في مديح الكسل، خرائط الفلسفة، طلاسم الجنوسة، خصاء وجودي، قصف تمهيدي، أسباب إضافية للراوي، طرائد مؤجلة، اليوم خمر وغداً خمر، مدوّنة مرتبكة، بصحبة بينلوبي كروز، ملاءة بيضاء منقّطة بالبرتقالي، حياة ديجيتال، تصعيد كحولي، حافة الهاوية، صهيل دوت كوم، بصحبة الأعمال الكاملة لأبي نواس، اقتفاء أثر، دع عنك لومي، أحوال الراوي التي لا تسرّ، محاولة تفسير). أخيراً نستطيع القول بكل بساطة أن خليل صويلح استطاع إيجاد شكل سردي خاص وجديد في الرواية السورية وربما في الرواية المكتوبة بالعربية عموماً من حيث أصالة عمله كشكل غير مطروق سابقاً يستوعب ويناسب الزمن المعاش بكل جرأة وشجاعة سيصفها من يجد في نفسه شبهاً بأحد أبطالها انها وقاحة لا أكثر. |
|||||
|
|||||