|
|||||
|
عبد العزيز الفارسي صوت متميّز في القصة العمانية ، وأكاد أقول العربية الحديثة . يجبرك على الإصغاء إليه ومتابعته ، على الرغم من غرابة شخصياته وموضوعاته ، وما تنطوي عليه من تكرار في ثيماتها الرئيسية التي يشكّل الموت نواة أساسية فيها، وتجاوزها أو عدم التزامها بأساليب السرد التقليدية . فقصصه تتوفر على قدرمن الحميمية والتجانس ووحدة الهويّة من النادر تحقّقه في سواه من المدوّنات السردية العمانية المعاصرة . تحقيق شخصي محموم ، وبحث فريد عن وجوه الحقيقة الإنسانية تبدو معه هذه القصص كما لو كانت رحلة طويلة وشاقة لاكتشاف الذات ، ومعرفة الكينونة الإنسانية في علا قتها الملتبسة مع الموت والخطر الكامن في قلب الذات وجرثومة الحياة البشرية نفسها . وقلق عبد العزيز الفارسي الغريب حول الموت ، كما يظهر في مجموعاته القصصية كلها ، يبدو قلقا لا وجه ولا تفسير واضح وصريح له غير أن القاص يعيش مأساة الوضع البشري ، ويتحسس طبيعة الشرط الإنساني بكل عبثيته ولا جدواه على نحو استثتائي . وحين يلجأ راويه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة إلى طرح بعض الأسباب التي تبرّر شعوره بالتعاسة وتفضيله الموت على الحياة ، فإنه لا يلامس ، في الغالب ، غير بعض الأسباب الخارجية لهذا الواقع البشري الذي يصوّر لنا في القصة على أنه بعيد عن السعادة . فرؤية بعض الأحداث المؤلمة في الحياة ، واختلال العلاقة مع الحبيبة أو غيابها ، وزيف بعض العلاقات البشرية ، ووجود بعض أشكال التفاوت الطبقي ، وسفالة بعض الرجال ونذالتهم ، وفقدان الحب ، وغير ذلك من أمور يواجهنا بها هذا الراوي في كل مرّة وهو مثقل بها أو ببعضها ، يمكن أن تبدو طبيعية أو محتملة في حياة بشر آخرين ، ولا تكفي لإقناعنا بعمق الأزمة التي يعاني منها البطل ورغبته المتكررة في معانقة الموت ووضع حدّ لحياته . مما يشير إلى أنّ التجربة الداخلية لحياة هذا البطل تبقى وراء ذلك بعيدة وعصيّة على التبرير . وحتى بعض الأسباب الميتافيزيقية لهذا القلق كتلك التي تتبدى في مثل قول الراوي : « لا مستقرّ لأي شيء على سطح أرض تدور حول نفسها ملايين السنين دون أن يصيبها الغثيان » . أقول حتى مع وجود تبريرات وأسباب مثل هذه ، نجد أنفسنا مجبرين على القول بأن بعض أشكال التعبير عن هذه التجربة تصدر عن التباس مزدوج يكون فيه الراوي ، مثل قارئه ، ضحية من ضحايا سوء الفهم والتقدير . فهذا الراوي الذي ما يفتأ يطالعنا وهو يفكّر بالموت ويحاول الانتحار أحيانا ولكنه يفشل فيه ، يقدم ، عبر تفاصيل أخرى ، نموذجا وشاهدا حيّا على رغبته العارمة في الحياة . وهو ما يشعرنا أحيانا بأن بعض المسارات السردية للحدث القصصي تعمل على تضليلنا لأنها تقودنا نحو أهداف أخرى تقع خارج الخارطة الداخلية للمبدع ولا تلامس حقيقة تجربة المعيش اليومي في حياته . فليس هناك شيء يعادل حبّ بطل عبد العزيز الفارسي للحياة ورغبته العارمة في التمتّع بها وعيشها حتى الامتلاء . فـ«الوجود جميل» كما يقول في قصته (نسيان). غير أن استراتيجيته في التعبير عن كل ذلك داخل نصوصه السردية ربما اختلفت قليلا عن المعهود في مثل هذه الحالات . و حديثه الذي لا يكاد ينقطع عن الموت ربما ألّف نوعا من أنواع الدفاع عن الذات عن طريق الهجوم . وكانّه يتمثّل ، بطريقته الخاصة ، قول أبي الطيب المتنبّي ( مع الفارق في التشبيه ) : وحبّ الجبان النفس أورده التقى وحبّ الشجاع النفس أورده الحربا أعني أنّ حبّ هذا البطل الزائد لذاته هو الذي يدفعه لدخول حمّى هذه الحرب التي لاهوادة فيها ضدّ موت الحياة ، والعبث بالقدر الإنساني ، وتشويه صورة الحب ، وافتقاد العلاقات الاجتماعية النظيفة . وهي أمور يمكن أن تكون طبيعية وعادية في المجتمع الإنساني الراهن ، لولا أن حساسية القاص الزائدة سرعان ما تحوّلها إلى شؤون وشجون شخصية لا يمكن احتمالها بسهولة ، حتى إذا كانت بعيدة عنه وليس لها صلة مباشرة بحياته . وما يقوله السارد في إحدى قصصه « إن لم يكن لك هدف تحيا له ، فجد لنفسك هدفا تموت من أجله » يكتسب بعدا خاصا ضمن هذا السياق المبلل بالموت ، على الرغم مما يبدو عليه من روح تحد ومقاومة ورفض للإستسلام . وليس هناك شك في أن مهنة الكاتب كطبيب ومواجهته اليومية مع المرضى ورؤيته لبعض الحالات الإنسانية الصعبة كالسرطان من شأنها أن تفاقم هذا الإحساس بالموت المتربّص بالأحياء لقتلهم دون تفريق بين رجل وامرأة أو كبير وصغير . وراوي عبد العزيز الفارسي بإنسانيته الزائدة وحساسيته الاستثنائية يبدو عارفا بذلك وواعيا به ، وهو يتحدّث في بعض نصوصه عن مهنته كطبيب بهذا الشكل : «لست أدري أي شقاء كتبته على نفسي باختيار هذه المهنة التي لا تفارق المآسي : موت ، إعاقات ، عاهات ، مستديمة ، سرطان ، وأشياء كثيرة أعرف تشخيصها وأتوصل إليه لأصعق المريض ثم أتركه دون أي أمل في أن يتعافى . لا يوجد علاج للكثير منها فكيف أصارحهم بذلك ؟ أف ، تعبت ، أحس بأشياء كثيرة تخنقني ، كنت أعتقد بأن الشجاعة في مواجهة المرضى خاتم في أصبعي » . ( قصة « حتى إشعار آخر » من مجموعة « جروح منفضة السجائر» ص٦٣ ) وكل ذلك يبدو كما لو كان أمرا مفروضا على الراوي ، ولا علاقة له باختيار موقف المتشائم الراغب عن الحياة ، لولا ما يبدو على هذا الموقف أحيانا من مبالغة ذات مصادر داخلية غير معروفة في حياة هذا الراوي ، تجعله يبدو مجبرا على وضع نظارة سوداء على عينيه . وهو ما جعل بعض أصدقائه مثل سليمان في قصة ( حيث انعطاف الذاكرة ) يلومونه على ذلك ويطالبونه بإزاحة هذه النظارة ، وتغيير نظرته المتشائمة للحياة . «هذه السماء الزرقاء ، وتلك الأشجار الخضراء الرائعة ، وهذا الهواء ، وتلك الشمس الذهبية ، وهذا القمر المنير ، وهذا الحب ، وهذه الأحلام .. الألوان كثيرة .. فقط أزح النظارة السوداء عن عينيك » (ص ٧٢ ) ورغم أن الراوي لا يبدو مقتنعا في حينها بما يقوله سليمان هنا ، ولا يتخلى بسهولة عن نظرته السوداوية « لأن الموت ينخر في جنبينا » كما يقول ، فإن مجمل القصة تبدو كما لو كانت محاولة للبحث عن يقين يجسّده صديقه سليمان الذي تختلط في شخصيته الحقيقة بالوهم . فقد التقى السارد بسليمان هذا في منعطفات الذكرى ، وليس في العالم الواقعي ، وأدار معه أحاديث عن أشياء كثيرة ، أقنعته بضرورة العودة إليه والبحث عنه المرّة بعد المرّة ، على نحو يشعرنا بأن السارد يبحث بذلك عن نفسه ويدير حوارا مع ذاته ، وليس مع آخر غريب عنه . أي أن الحوار في هذه القصة أقرب إلى (المونولوج) الداخلي الذي يجرّد فيه الراوي ذاتا من ذاته ، وليس (الديالوج) الذي يتمّ الحوار فيه مع ذات ثانية وآخر خارجي مختلف عنها . الأمر الذي يحرم بعض النصوص السردية من التعدد البلفوني واختلاف زاوية الرؤية تبعا لهذا التعدد الصوتي ، دون أن يفقدها خصوصيتها ودفء بثّ راويها الفرد وشاعريتها وجمال لغتها . وهو نفس ما يفعله السارد في قصة أخرى حين يضع كلماته نفسها على لسان صديقته (دانه) التي تكتب له رسالة في البريد الإلكتروني تقول فيها : « قالوا إنك تهدي نزعة الموت إلى الحلم . ألا تؤمن بقدرة الحلم على انتشالنا من المساحات الضيقة ؟ ألا تؤمن بالحياة من أجله ؟! » (تلاشى الحنين .. اغتيال البنفسج ، جروح منفضة السجائر، ص٢٨) وواضح أن هذه الانتقالة الواسعة من الموت إلى الحلم ، أو من الحلم إلى الموت ، كما تصفها صديقة الراوي ، لاتترك ، إذا كنا قادرين على فهمها ، كبير مجال لوساطة الرؤية الواقعية أو الموضوعية للأشياء . إذ إن حياة الراوي المشدودة بين طرفي الموت والحلم ، تبقى وفقا لهذا المنطق معطّلة لا دور لها في الإبقاء على قدر معقول من التوازن المطلوب في الشخصية القصصية . ومحاولة عبد العزيز الفارسي المتكررة التحديق في وجوه الميّتين ، أو الأحياء الموضوعين على قائمة الانتظار منهم ، وقراءة ملامح الوجوه والتعرّف على معنى وجودها قبل موتها ومغادرتها هذه الحياة الدنيا هي ،في الواقع ، محاولة متكررة لقراءة الذات والتعرّف على ماهو خبيئ وغير ظاهر من أسرارها ووجودها المتعيّن في الزمان والمكان . وهناك ، بطبيعة الحال ، الكثير من التفاصيل التي يتعيّن على قراءة نقديّة مثل هذه أن تقوم بها للبرهنة على ذلك عن طريق المرور على بعض النماذج القصصية ذات العلاقة . وهي نماذج موزّعة على مجموعات القاص الأربع التي صدرت حتى الآن ، ولا تقتصر على واحدة منها دون غيرها. غير أن من المهم أن يتبيّن القارئ الرؤية ويعرف الطريق منذ البداية ، فلا يدع لغبار بعض الكلمات والعبارات وحتى الأحداث السردية الزائدة أن تشوّش عليه مجال هذه الرؤية وتحرمه من تحديد الاتجاه الصحيح . ونحن نعرف ، كذلك ، أن بعض نصوص عبد العزيز الفارسي غير مبرّأة ، هي الأخرى ، من الشعر بمعناه اللفظي الزائد عن حاجات القصّة وضرورات السرد الحديث ، وإن كنا نعرف أيضا أن بعض هذا الشعر لا يظل خارجيّا طافيا على سطح النص ، وإنما يأتي ملتحما بنظام الكتابة و ممتزجا مع البنية الداخلية للسرد ، كما سنرى ذلك فيما بعد . ويعدّ الوصف ، الذي غالبا ما يأتي شاعريّا ، لبعض مظاهر الطبيعة والواقع المحيط ، والحديث الذي لا ينقطع إلى المرأة وعنها ، والحوار المتوتّر مع بعض الشخصيّات ، مظاهر وتنويعات على هذا التعلّق بالحياة والرغبة فيها والانغماس في شؤونها والحنين إليها ، وهوس الارتباط بكل ماهو خيّر وجميل فيها . وهو يشير في حصيلته النهائية إلى مدى سموّ ذات المبدع وعمق ما ينطوي عليه من نبل وروح إنساني . وعلى الرغم من أنّ (الخبزة الأولى محروقة ) ، كما يقول القاص في أحد عناوين قصصه ، فإن مجموعته الأولى ( جروح منفضة السجائر ) كانت ناضجة مكتملة إلى حد بعيد . إذ مع ما يبدو على بعض أطرافها من حروق صغيرة نتيجة الحرارة الزائدة للمشاعر والعواطف البشرية الملتهبة ، فهي تنطوي على المزايا الأساسية لأسلوبه في الكتابة . سلامة في اللغة وضبط في العبارة وطريقة متميّزة في الصياغة النحوية وبناء الجملة ومراعاة التوازن الصوتي والدلالي وبراعة في التصرّف في الأدوات الفنيّة ومعرفة لا شك فيها بطرائق السرد الحديث ، وغير ذلك من مزايا من شأنها أن توفر على القارئ الانشغال بأمور أخرى من أجل التفرّغ لمعاينة تقنية الكتابة السردية وجماليّاتها الخاصة . ومن هذه المزايا ما أشار إليه المرحوم خليل السواحري ناشرهذه المجموعة من قدرة القاص على المزج بطريقة بارعة بين حركة الحدث الخارجي وانعكاساته على الحياة الداخلية لشخوصه ، واستجابتهم الواعية وغير الواعية لهذا الحدث . والمجموعة تنطوي ، في مستوى الدلالة العامة للبنية السرديّة ، على خميرة الموضوعات الأساسية التي ستواجهنا في مجموعات عبد العزيز الفارسي اللاحقة . وأول هذه الموضوعات موضوع الموت الذي يمثّل ، كما أسلفنا ، بؤرة مركزية وعنوانا يلقي بظلّه على جميع مجموعات القاص تقريبا ، مع تفاوت في درجة التركيزوطريقة التناول . ولئن تمثّل هاجس الموت والنظرة الخائفة على الحياة والأحياء في هذه المجموعة الأولى بأشكال وصور عديدة مثل محاولة فاشلة للإنتحار في القصة الأولى، وموت طفلة صديقته القديمة بالسرطان في قصة ثانية ، وجروح حقيقية ومجازية غائرة في الصدر الذي تحوّل إلى منفضة سجائر في قصة ثالثة ، فإن هاجس الخوف من هذا الموت والتوجّس منه يتخذ في المجموعة الثالثة ( لا يفلّ الحنين إلا الحنين ) شكلا أكثر خطورة ، لأنه يتغلغل في نسيج السرد ، ويكاد يسد على القاص آفاق الرؤية ويغلق المتخيّل السردي دون أيّ شيء غير صورة الوجود الإنساني المنذور للموت بأشكال وصور مختلفة . ومنذ مطلع هذه المجموعة التي يؤلف فيها النص القصير (يد البداية المرتعشة) ما يشبه النشيد الافتتاحي : «زمن مضى أيتها الروح الضائعة ..مرحى ليديك المرتعشتين تمتدان نحو الخلاص . مرحى للصباح المفعم بنكهة بحرية يصطاد ما تبقى من ظلام ، ويمشط بالملح أركانك المتباعدة . زمن مضى لم تعرف البدايات فيها إلا البتر . تكاثرت أنصاف الوجوه . تكدست الأقنعة حتى اتخذ القناع قناعا ، وتفاقم الفقد . مات نصف الغرباء من كمد ، وأوشك كل غريب أن يلحق بالغريب . مرحى لقشعريرة البداية ، والأقفال تكسر . تتصاعد أصواتهم من الداخل ، تطرق الجدران ، وأناشيد العودة تعلو : « من الموت أتينا أيها الكون.. من أقاصي الرحيل » لا أبواب مغلقة على الروح أو نوافذ الآن . ينداح الغرباء نحو الكون ويتشبعون نورا ، يتناثرون مني باتجاه الشمس ، وينفضون غبار سباتهم . » اقول منذ هذا المطلع الذي يشبه النشيد الافتتاحي تتحدد الملامح الأساسية لهذه المجموعة التي تتخذ من الحنين والأداء ذي الطبيعة الشعرية وسيلة من وسائل السرد ، مهما تكن طبيعة الموضوع الذي تعالجه . أما إذا كان هذا الموضوع يتصل بالموت نفسه بصورة مباشرة ، كما هو الحال في كثير من القصص في هذه المجموعة ، فإن وسائل هذا الحنين ورسائله تكتسب صلاحية أكبر لمعالجة الموضوع وتتماهى مع لغته التي اعتادت على هذه «الزرقة المشوبة بعتمة الحواجز» على حد تعبير الراوي في القصة الأولى المسماة ( أخائف أنت من الموت يا أبا هاجر؟! ) . وهي واحدة من نماذج القصص الواقعي الذي يحاول بطله المصاب بالسرطان وراويه الذي يعمل طبيبا في نفس المستشفى أن يخففاےےن ےےع الےےےےالوشيك عن طريق التعلّق بالوهم وبےےداےےےےة شعرية أو شاعرية تحاول أن تمد الضحية التي اسودت عروقها من أثر العلاج الكيماوي، ورفيقها الذي يتجاوز مهنته في القصة كطبيب ليشارك في حمل أسر عملية التوقّع المأساوية للموت الوشيك وعيشها مع الضحية لحظة بعد لحظة .. أن تمدهما بطاقة روحية وغنائية لابديل عنها في حالات من هذا النوع . وكأنهما كانا يرددان قولة وليم بليك «حين تطبق الكهوف على الفكر فإن الحب سيبعث جذوره حتى في أعماق الحياة المظلمة». وفي قصة ( ملامح ) هناك محاولة من السارد لتسجيل ملامح البشر قبل أن يغيبوا . والفكرة التي تنهض هذه القصة على أساسها هي أننا نتذكر البشر ونحاول ، دون جدوى ، القبض على ملامحهم والتعرّف على معنى وجودهم بعد أن يموتوا ، وليس قبل ذلك . ولكننا غالبا ما نفشل في ذلك ، فلا يتخلّف بين أيدينا غير شعور داخلي أسيف لا تفسير له في غير أن هاتف الموت يطرق علينا الباب أيضا ويهددنا بالمصير نفسه ، حتى إذا كان الموتى غرباء وبعيدين عنا . فإبراهيم موظف الاستقبال الذي باشر عمله قبل شهر فى المؤسسة التي يعمل فيها الراوي يموت في حادث سير ، دون أن يفلح الراوي في تذكّر ملامحه ومعرفة لون عينيه وما إذا كان طيّبا ، وغير ذلك من تساؤلات لا تفي صورة الميت الموجودة في إرشيف الموظفين للإجابة عنها . وخميس بن سرحان جار الراوي لسنتين يغيب هو الآخر بصورة مفاجئة ، دون أن يترك في ذهن الراوي شيئا من علامات وجوده. والطفلة زينب صديقة ابنته الصغيرة تفعل الشيء نفسه فتموت وتختفي من دون أن تترك لهذا الراوي فرصة لرؤيتها والتعرّف عليها بطريقة أفضل . ومحاولة هذا الراوي التالية للقبض على (ملامح) الوجوه والتعرّف على أصحابها قبل أن يغيبوا ويخلوا المكان من كل أثر لوجودهم السابق ، تبقى طريفة ومثيرة للاهتمام . فهو يوقف النماذج البشرية التى يعرفها ولا يعرفها لمعاينتها والتقاط ما يشبه الصورة التذكارية لها قبل أن يفقدها ويغيّبها الموت إلى الأبد : « في الصباح التالي استيقظ مبكرا ، تأمل في المرآة طويلا بعد الاستحمام ، خرج من منزله . صادف بائع الجرائد ، فتوقف ليشتري جريدة كعادته . حدّق كثيرا في وجه البائع الذي تساءل: - أثمة أمر يا سيدي ؟ - لا شيء ؟ ما اسمك ؟ كم عمرك ؟ أين تسكن ؟ - لماذا كل هذه الأسئلة يا سيدي ؟ أهناك شيء ؟ - لا .. لا شيء أراك كل يوم ولا أعرفك حتى الآن . توقف عند حارس الوزارة وحدّق في وجهه . حادثه لأول مرّة وتعرّف عليه . سلّم على موظف الاستقبال الجديد وحاوره عشر دقائق . أنهى المحادثة بدعوة الموظف إلى منزله مساء نفس اليوم . وصل المكتب ، وطلب من العامل كوب شاي ، وحين أحضر جعل يحدّق في وجه العامل ، ويملأ عينه بملامحه . حادثه ربع ساعة قبل أن يأذن له بالانصراف . تناول الشاي على مهل ثم بدأ يستقبل المراجعين واحدا تلو الآخر ، وصار لا ينفك يجاذبهم أحاديث طويلة ، وينظر إلى وجوههم بتركيز . » ( لا يفل الحنين إلا الحنين ، ص ٣٧ ) وكل ذلك يوحي بالثيمة الأساسية في كل كتابة عبد العزيز الفارسي القصصية وهي أن هؤلاء البشر منذورون للموت ، وأن حياتهم الراهنة مجرد لحظة عبور نحو الجانب الآخر غير المعروف من الوجود ، وأن ما يبدو عليهم من ملامح وعلامات حياة أمر مؤقت ، وخادع ، وليس هناك ما يكفي من الوقت للتعرّف إليهم وإجراء حوار جدّي معهم قبل أن نفترق عنهم أو يفترقوا عنا . دراما بشرية مروّعة لا يكاد أحد يشعر بها أو يفكّر فيها بالطريقة التي يفعلها هنا راوي عبد العزيز الفارسي . فهو ما يفتأ يصرخ لتنبيهنا إلى بعض فصولها المأساوية ، ويشير إلى تلك الفكرة غير المفكّر بها ، كما ينبغي ، من قبل الآخرين ، وهي أن هذه الحياة لا معنى لها ولا قيمة ما دام الموت والعدم متربصين بها بهذه الطريقة الغادرة . وإذ ذاك لا يبقى أمام المرء غيرالذكرى والحنين الذي لا يفلّ إلا بالحنين . لا يبقى لنا ، كذلك ، غير أن نردّد مع الراوي هذا النشيد المتوسّل الباكي في نهاية المجموعة ، حتى إذا رأينا أنه يختلف قليلا عن ذلك النشيد الذي افتتحت به: « تمهل يا غياب .. لم نرتب بعد فصولنا التائهة ، ولا نعرف أيا من أي منا أحق بالدمع . لم نكفكف أرواحنا المتعبة ، ولن نجرّب شهوة الشمع ، فعلام تستلّنا بغتة ؟! » ( ما هكذا تنتهي الحكاية ، ص ٨٥ ) فهي هنا تبدو خائفة مستسلمة ، لا تملك غير الدعاء ، والإقرار بالعجز ونفاد الحيلة ، فيما كانت متحدّية ، قادرة على المقاومة ، ولو عن طريق الإيمان بحياة أخرى مصنوعة من كلمات واستبصارات شعرية جميلة . ولا تتحرّر المجموعة الثانية من سطوة الموت الذي يضرب ضحاياه في كل مكان ويثقل بمشاعره الجنائزية على مخيلة الراوي ، كما سنرى ذلك فيما بعد . على الرغم من أن هذه المجموعة تكرّس عددا من نصوصها لبحث في انثروبولوجيا مدينة الكاتب (شناص) وجغرافيتها البشرية وبعض نماذجها وشخصياتها التي وقرت منذ الطفولة في مخيلة القاص وذاكرته وصادفته في حياته السابقة داخل العائلة وبين الأصدقاء والبيئة المحيطة ، على نحو يمكن القول معه إنها محاولة لكتابة تاريخ من نوع ما ، يسجل فيه القاص وفق جماليات سرديّة خاصّة جوانب من واقع المدينة وذاكرتها الداخلية الخصبة . غير أن مدينة القاص لا تقدّم في النهاية إلا بوصفها حقيقة شعرية مغلّفة بالحكايات والأخيلة الغريبة . في المجموعة الثالثة المهمة ( العابرون فوق شظاياهم ) ، حيث يتغلغل الروح الشعري في نسيج السرد ويغذّي مجمل الأفعال في الحكاية ، ويرافق تطورها وصياغتها اللسانية ، دون الإحساس بوجود تعارض بين جسد الكتابة وروحها . وهو ما يوفّر نصوصا نثرية نادرة المثال في القصّة العمانية على صعيد الضبط ، وتكامل الأداء من النواحي الشكلية والدلالية جميعا . ولا أظن أن قصة قصيرة جدا تشبه المقطوعة الشعرية مثل قصة (الأنثى والريح) قابلة للظهور بغير الصورة التي ظهرت عليها في المجموعة . فالاستعاري الذي يكمن في قلب الذات يجعل هذه العلاقة بين الأنثى والريح كما رأيناها في الوعي المنثال من ذهن السارد ، تبدو ممكنة وقابلة للحياة داخل السرد . ومع ذلك ، لا بدّ من الإعتراف بأن الفعل في القصّة التي تكتب على هذا النحو يكون فعل تمثيل ومحاكاة ، وأنها لاتكتب ما وقع وإنما ما يمكن أن يقع أيضا . أعني أن المعنى في مثل هذه القصص خاص بعلاقات داخل اللغة ، وليس بإحالة إلى خارجها . وهي ، مثل الشعر، تحاور شخصيات غير موجودة أو يؤلف الغياب جزءا من وجودها . فهي تستعيد ذكرى الحدث وتعلّق عليه وتدور حوله ، أكثر مما تمارسه وتتطور على أساسه بصورة مباشرة . وهي تنجح في أن تضعنا في أجواء رمادية رهيفة معذّبة مملوءة بالحنين والأشواق والانخطافات الروحية والانجذاب نحو كل ما هو غريب وغير عادي . وهي تنطوي ، كذلك ، على تعميق للحركة الزمنية وخلط الحاضر بالماضي من خلال تجربة العيش في الزمن تراجعيّا ، والاستعادة المتواترة للحدث أو الأحداث والشخصيات الماضية وجعلها كشروط واحتمالات تجعل الواقعي الذي يمثّل نهاية السرد وحده ممكنا وحاضرا مع عدم حضوره . الأمر الذي يجعل النص السردي محكوما بنوع ما من فلسفات الحضور التي عرفت لدى فلاسفة مثل نيتشة وهايدغر ، حيث الوجود الحر من أجل الموت هو ما يعطي الآنية هدفها كاملا ويدفع وجودها إلى تناهيه ، وحيث الكائنات الإنسانية موجودات زمانية تعاني وتقاسي من عبء التحوّل الزماني . والطبيعة الزمانية لوجود الإنسان كما ترتسم صورته في مثل هذه القصص محددة بالميلاد والموت . ولكي يعيش المرء الزمانية المتناهية يجب عليه ، كما يقول هايدغر، أن يعرف الطبيعة المحددة للزمن الإنساني ، وهو ما يعني أن التعرّف على الموت هو ، في الوقت نفسه ، حد وشرط للمشروعات الإنسانية ، وهو بالتالي حدّ وشرط لمشروع القصة التي تنطلق منه وتفكّر فيه . ولذلك لا يكون غريبا أن تغيب التفاصيل عن أغلب قصص عبد العزيز الفارسي وتحضر، بدلا منها ، المعاني والأهداف المتحققة من وجود الشخصية الممتد بين الميلاد والموت . وما نراه من نزوع للإنغلاق وعزلة البطل النسبية في هذه القصص راجع إلى طبيعتها الذاتية وتغليبها الفردي على الجماعي ، على الرغم مما يبدو عليها من انفتاح وقابلية للحوار مع الآخر ورغبة فيه . وثمة فرق بين إنسان يرغب بالحديث مع الآخرين وهو يضع نفسه في سجن انفرادي ، وبين إنسان يختلط بهم وينحدر معهم في التيار الاجتماعي ، ويكون واحدا منهم . ولذلك لا نجد من الغريب أن تتحول مجموعة القاص الرابعة المسماة (مسامير) إلى حشد من العبارات القصيرة الذكية القائمة على مفارقات لفظية ومعنوية صغيرة . إنها تصلح ، مثل المسامير ، لتثبيت الأوجاع أو تعليق التعب ، أو أنها تستخدم للدقّ في نعش الكاتب نفسه ، إذا لم تكن لها فائدة أخرى !! فهل يعني هذا البيان الموضوع في صدر المجموعة الأخيرة الاعلان عن تعب الكاتب وموت الكتابة ؟ نشك في ذلك ، ولكنّ نظرة الراوي الدائمة إلى الوراء ربما تنسيه حقيقة أن الحياة تعاش في العادة بالاتجاه إلى الأمام وليس بالرجوع إلى الخلف . وكما يقول كيركيغارد ، كلما تفكّر الإنسان مليّا في هذا ازداد قناعة بأن الحياة في وجودها الزماني لا يمكن أن تكون معقولة إذا كان بوسع المرء في أية لحظة اتخاذ موقع النظرة المتراجعة إلى الخلف. وجوهر المفارقة التي أردنا التنبيه إليها في هذه القراءة النقدية هو أنه إذا كانت الحياة معقولة في السرد بالشكل الذي قدّمها فيه عبد العزيز الفارسي في مجموعاته القصصية المختلفة ، فإنّ من الصعب أن تكون معقولة على صعيد الواقع المعيش . وهو ما يحيلنا إلى استذكار الرأي القائل بأن القصص تروى ولا تعاش ، والحياة تعاش ولا تروى . وربما كانت قيمة المرويّات القصصية والفن عموما تكمن في قدرتهما على أن يضيفا إلى الحياة التي تعاش شيئا يكمل هذا العيش ويسد النقص في وجود الإنسان ويجعله ذا معنى . وإذا كانت القصة التي تشبه الحياة وتحاكيها تبتعد ، بحكم الضرورة الفنية ، عن هذه الحياة ولا تؤلّف نسخة منها ، فإنها لا تقوم بتشويهها أو إعطائنا صورة لا توسّع في مداركنا عنها ، وتعمّق رغبتنا في مواصلة العيش فيها . وهو ما لم تفعله قصص عبد العزيز الفارسي بالتأكيد ، لأنها نجحت في أن تقدم لنا صورة عزيزة المثال عن الوضع البشري ، واحتفلت بالحياة ومباهجها السرية بطريقتها الخاصة ، حتى لو جاء ذلك بصورة معكوسة أحيانا . |
|||||
|
|||||