|
|||||
|
عاصمة السهوب طلع الفجر علينا في الفضاء. لاحقنا الليل المتمادي غرباً، منذ البارحة. ساعات عديدة ونحن نطارده، دون أن نلحق به. الطائرة العملاقة التي انطلقت بنا من «مدريد»كانت تقع خارج الليل، ومع ذلك لم تُدرك منه شيئاً.لكأن الليل يسابق الروح ليدور حول الكوكب الأرضي. وخلال هذا السباق الآلي المتبجّح، ستحس أن الحقيقة الإنسانية ليس أكثر من خيال. أخيراً، أنا في نصف الكرة الجنوبية. حلم قديم تحقق الآن، في هذه اللحظة العابرة، كالحلم. أنظر حولي باستغراب. كنت أحسب أن العالم ينحصر في نصفها الشمالي الذي ولدت فيه. وعندما خرجت من المطار في «بوينس إيرس»، رأيتُ نور الأرض. ضياء خافت في الفجر، وكأن الطبيعة تخجل من الكشف السريع عن جمالها. الندى المصاحب لنسيم الفلق القارص يجعل الكائن يرتعش دون أن يعرف لماذا. شيء صامت وعميق يحوم في الفضاء المهيمن على الكون. وجوه البشر فرحة وسعيدة، وهو ما يتناقض مع وجوه أهل الشمال حيث أقيم. ست ساعات من الانزياح الزمني بين «باريس» و«بوينس إيرس» تجعل الطبيعة تتبدل إلى هذا الحد؟ تطفئ علامات الحداد الشمالية، لتشعل نور الفجر اللاهي في الجنوب. ترصّع وجه القاع ببؤر وفصوص. أقف في فضاء الفجر لاهياً عن نفسي. أتابع أرتال البشر التي تضجّ بالحياة. ست ساعات من الانزياح الزمني بيني وبيني، الآن، وهو ما يعني للطبيعة شيئاً كبيراً.سأرى شروق الشمس في «بوينس إيرس»، في نصف الكرة الجنوبي، في «التحت».أنظر: وهج الغبار خفيف، والنور بطيء. أشرقت الشمس، منذ قليل، أمام عيني. وحرت إلى أي الجهات أبدأ السير. أحاول أن أجد العلامات في السماء. كان كل شيء بلا ثقل، وكأنه الريش. خفة العالم تبدو جلية هنا. لكأن ثقل النصف الشمالي الباهظ اختفى من على «البسيطة»! وأجدني أُفكر عميقاً في هذه المفردة العربية المركَّبة التي لا أفضل منها لتعريف الكوكب الأرضي. الضوء هو الذي يُنشئ علاقة الكائن بالكون، ويحددها. هذا ما يتجلّى لي، الآن، بوضوح، وبخاصة عندما أُقارن فضاء الأرض هنا، بفضائها هناك.ما هي الميتافيزيقا، في هذه الحال، إنْ لمْ تكن تكَثُّف الضوء، وانحناءات النور على تضاريس الأرض؟ أحس بالسعادة عندما أكتب عن الكون. عندما أصير أُميّز بين ضوء وضوء. وأبصر الفُرَيْقات بين نور ونور.صرت أعرف أن الأرض هي التي تشعل النور وتُطفئه. وهو ما يدفعنا إلى التمعّن كثيراً في «أفكارنا المسبقة» عن العالم، وعن ذواتنا. لنحاول أن نفهم شيئاً جديداً. «بوينس إيرس» سهل. سهل بلا جدود. تحيط بها المراعي الفاسِحة والغابات.عاش الرعاة الجُلْف في فضائها قروناً. وأسسوا لأنفسهم مناهج وغايات. منهم ظهر ثوريون كبار، قادوا على أحصنتهم المطهمة طلائع ثوار التحرر من الاسبان . فيها تحس نفسك في فراغ، في فراغ لذيذ. لماذا هذه الخِفّة الكونية، والشمس لمّا ترتفع، بعد؟ وهذه المقابلة المفاجئة مع هذه الطبيعة اللينة والهادئة تأسر القلب حتى قبل أن تستقر في المكان. علام عودنا الغرب البائس (أقصد غرب المتوسط)، والشرق الأكثر بؤساً؟ على التوتّر الفارغ، والانحياز إلى الإحساس الكاذب بالحياة. سأنتظر قليلاً قبل أن أمنح قلبي لهذه السهوب والغابات. ولكن لِمَ هذا البَتْر المفاجيء لشعور الغبطة التي ولدت في أعماقي للتَوّ؟ لكأني أنوء تحت عبء ثقيل، وأريد أن أتخلّص منه عند أول لقاء. لِمَ هذا الشعور البغيض الذي يجعلني أتخلّى، رأساً، عن مقاصدي وأفانيني؟ هذا ما يملأ قلبي بالحزن. لِمَ لا أرتمي، مثل يتيم، بلا خوف، فوق أكتاف هذه الأرض المليئة بالأسرار؟ فضاء السهوب، وبساطة الطبيعة، ووسعة الأرض، هي العوامل التي تجعل هذه المدينة لا تعرف العبوس. تسوّي منها مدينة شفافة، ومليئة بالحياة . سيشرح الدليل السياحي الكثير من أسرارها، ومن مزاياها، ولكني لن أسمع مما يقول شيئاً. سأتابع زيارتي المستقلة لها، وكأني وحدي. سأراها كما أريد. كامينيتو في حي «كامينيتو» سألتقي بالحياة. بحياة أخرى. أبنية منذ أوائل القرن الماضي. بناها المهاجرون القادمون من أوروبا، ومن أصقاع الأرض الأخرى، وبالخصوص من «جنوا» في ايطاليا. مهاجرون غامروا بكل شيء ليحطوا الرحال هنا. بنوا بيوتهم من بقايا المواد التي يشتغلون عليها: فصارت خليطاً من المواد والاشكال. خشب ومعادن وتنك وصفيح وخردة والومنيوم وقذارات. دهنوها كما يدهن الراعي قطيعه ليحميه من الجَرَب، حتى غدت أعجوبة من أعاجيب الأرض. أشكالها تثير الدهشة والسراب. كل حائط لون. وكل جدار مكون من مواد، أحياناً، لا يمكن خلطها. ألوانها الحادة تمسك بتلابيب الرائي إلى أن يعترف بمفرداتها وجمالها. في هذا الحي الشيطاني يعرض الفنانون الهامشيون أعمالهم الصارخة الألوان، التي تدور رحاها حول فن «التانغو». يعرضونها في الهواء الطلق، ويبتسمون لك وأنت تمر، بهدوء، وكأنهم يشكرونك على النظرة التي تلقيها، عابراً، على أعمالهم. الموسيقى الشاغفة في كل ركن، ورائحة الشواء الأرجنتيني، كما يفعل الرعاة الجلْف في البراري، تعطّر الجو الذي صار مصْيَدة للجائعين. الناس فرحون وسعداء. من أين ستأتي الكآبة في هذا الفضاء المُسَوّر بالروائح والألوان؟ وهذا الحي جزء أساسي من الحي الأكبر:«لا بوكا»، حيث يوجد ملعب كرة القدم الأول، في الأرجنتين. ملعب كرة القدم الشهير الذي تعلّم فيه «رقص الكرة»، النجم «مارادونا»، وأخوته. ومنه، من هذا الملعب، وفي هذا الحي الشعبي العريق: لابوكا، انطلقت بطولات الأرجنتين الكروية، كلها. سندور حول الملعب الاسطورة بحذر وتواضع، عارفين أن آثار الأقدام لا تمحى، بسهولة. وهي مثل آثار الأفكار تنحفر على وجه الأرض. من هذا الحي، البائس، انطلقت رقصة «التانغو» الشهيرة. رقصة المهاجرين ، الغرباء الأبديين، الذين أضاعوا أهلهم وأوطانهم، مرة واحدة وإلى الأبد، فلا العودة ممكنة، ولا التمازج والقبول ، عند وصولهم، مع الاهالي، كان ممكناً. رقصة الحنين الملتهب باللوعة، والجوع المشبع بالآمال، التانغو، التي صارت «لا وعياً جمعيا»، بامتياز. نهر السُهوب «ريو دو لا بلاتا»، أو نهر السهوب، حيث تقع على ضفافه العملاقة «بوينس إيرس»، ليس نهراً بالمعنى المألوف، إنه «نهر-بحر».عرضه عشرات الكيلومترات، فيه تبخر السفائن والأساطيل. وعلى ضفافه تقوم المرافئ والاستحكامات. إنه نهر الهنود المقدس، وهو يشبه «نهر الغانج» بالنسبة للهند، لكنه أضخم منه بكثير. يتكون هذا النهر الاسطوري من التقاء نهرين عملاقين (تماماً كما هي الحال في الرافدين، الدجلة والفرات، وثمة أمكنة وأنهر هنا بهذه الاسماء، للعلم.):نهر الأوروغواي، ونهرستارانا، وهما نهران ضخمان يلتقيان ليشكلا هذا البرزخ المائي الهائل والجميل. وقد حسبه الاسبان عند استيلائهم على البلاد قطعة من البحر، وأذهلهم هدوء مائه، وصفاؤها، وقد تلوّثت الآن بألف لَوْث، حتى صار لونها حليبياً، ومحبباً، من شدة التلوّث والامتزاج. على ضفاف هذا الملتقي النهري الذي يشبه بحراً، أقام الاسبان المدينة الأولى، حوالي عام ؟؟؟؟. لكن السكان الأصليين للبلاد، الذين سُمّوا بالرغم منهم «هنودا»، نتيجة الاعتقاد الخاطئ للفاتحين الذين حسبوا أنهم وصلوا الهند، دمّروا هذه المنشأة الأولى، وأبادو الكثير من الاسبان. لكن الفاتحين لم يستسلموا، فابتعدوا قليلاً عن المكان الأول، لينشئوا في هذا المكان، المدينة التي أمشيها، الآن، واسموها:«بويرتو دي سانتا ماريا دو بوينس ايرس»، ما يمكن ترجمته بـ«ميناء القديسة ماريا، قديسة الريح الطيبة»، الريح الصالحة التي دفعت بسفنهم عبر المحيطات ليصلوا إلى هذه الجنة الفسيحة، والتي سيستميتون، منذ الآن، في الدفاع عنها، والتشبّث بها. هنا، ستبقى قائمة «بوينس ايرس»، المدينة المنبسطة، ذات الشمس الباهية، والابتسامة الدائمة. لكأن الأرض لم توجد إلا لتقوم فوقها هذه المدينة المليئة بالمفاجأت والهدوء. من أين ينبع هذا الشعور المستمر بالسعادة عند أهلها، وهل ستنتقل عدواه إليكَ؟ لم تَنَمْ منذ البارحة، وهأنتذا تمشيها بحبور. تبحث في أفنائها عن دمشق، مدينتك «الأم» التي غدت رماداً في الذاكرة. وتستعيد نشيد «بيسوّا»: «التذكّر خيانة للطبيعة»، كما يقول في قصائد «راعي القطيع». وتضيف من قلبك: «والذاكرة خيانة للواقع». ولكن، لا هذه، ولا تلك، تشفي الغليل. وأحسك تريد أن تستعيد كل شيء. تريد أن تمارس فعل الخيانة الجميلة، في هذا الضحى المنفتح على الأهاويل .أنت تعرف أن «جويس» رفض أن يزور مدينته «دبلن» بعد أن غادرها، ليظل يكتب عنها. يكتب عنها من الذاكرة الخائنة. لكن الشمس الخافتة التي بدأت تدفئ صباح بوينس ايرس، ستلقي بك بعيداً، من جديد. ولن تجد أمامك إلا قدميك الحالمتين، اللتين سيقودانك، برسن الرغبة، إلى حيث المجاهيل. اللعنة على الذاكرة. ما يعطي صورة أخّاذة عن هذه المدينة، هو السهل الذي أقيمت، منذ البداية، فوقه، والسهول الشديدة الاتساع، البعيدة المدى، المحيطة بها. وتلك المراعي التاريخية التي نشأ في جنباتها الرعاة الجْلف الرائعون: «الغوشو»، ذوو التمرد العفوي، والذين لا ينصاعون لأية سلطة كانت، وبخاصة عندما لا توافق أهواءهم. رعاة فرسان وشجعان صاروا في النهاية ملوك السهوب اللامحدوة. وغدت، اليوم، وجباتهم القديمة مطلباً للزائرين: لحوم الأبقار الطرية كالعجين، وهي تُشوى على نيران الاخشاب البرية، مبَهّرَة بعطور النباتات البعيدة، وهو ما يُضفي عليها مسحة من الأساطير. تأكل فتحس نفسك راعياً، أنت الآخر. وقد كنت كذلك بالفعل. أي سرّ يجعل الكائن الذي ابتلى بالضغينة طيباً إلى هذا الحد، غير الطراوة والطيب؟ من هؤلاء الرعاة المتوحشون، الذين لا يعترفون بأية سلطة غير سلطة الأرض والريح، والذين لا يعرفون من الجهات سوى مراعي أبقارهم، وعلى ظهور خيولهم ينامون، مدججين بالأسلحة الخرساء، ظهر رؤساء، وقوّاد ثوريون، ساندوا نشوء الجمهورية، وحاربوا المستعمرين. ومازالت أساطير«الغوشو» تؤجج خيالات الناس هنا مثل نسيم يحمل عطر البراري البعيدة. وفي السهوب القصية تتراءى خيالاتهم مثل سراب جميل. خيالات كائنات لم يقبلوا التنازل عن حريتهم، ولم يبدّلوا أساليب حياتهم القاسية، إلى الآن. كنت سعيداً، وأنا أرى أحصنتهم ترغل التراب بحوافرها القاسية، وكأنني في حماد «الجزيرة»، ما زلت. وعندما تركض الخَيالات، في الآفاق النائية، التي تتراءى لي مثل غلاف من الماء المبتعد نحو الفناء، أحسها تريد أن توقظ الذواكر الميتة. ولكن هل للسهول ذاكرة؟ تانغو أرجنتيني في «فييخو ماسينا»، أو الدكان العتيق، وهو من أشهر أمكنة التانغو في بوينس ايرس، أقضي مسائي الأول في الأرجنتين. مساء الحَشْر بين الأجساد، لضيق المكان، «بالطبع». محشوراً بين مئات الأجساد المتراصة مثل حُمول التمر في الجزيرة،أنتظر البدء: بدء الحركة والإحساس. أتطلّع حولي: لا أحد يضحك، ولا أحد يحكي. الكل يتطلّع إلى غلاف العسل النازل من السماء. الغلاف الذي يخفي خلفه أجساد الراقصات والراقصين. أجساد أهل الفن الملائكي، الذين سيلهبون الأحاسيس بعد قليل. وُجوم القوم يذهلني أنا القادم من ثرثرات الطرق والمحاذير. كنت، في نوادي «الحسكة»، وملاقيها، لا أكف عن التهذّر والكلام، بانتظار ظهور الأزلام الذين سيقومون بأدوار مصطنعة، ومثيرة للضحك، ومع ذلك، كنا لا نحلم إلا بلقائهم. وعندما كبرنا، ورأينا الآخرين، أدركنا كم كانت طموحاتنا بائسة، وكم كانت مواهبهم ضئيلة. فجأة، يسقطون من السقف. يهبطون من سماء «الدكان القديم»، مثل ملائكة الشغف والبهجة. أجساد مسكوبة مثل الرصاص الحامي. وأطراف رائعة التكوين، مثل جذور النباتات المنزوعة، للتوّ، من القاع. عيون صقرية. وأذرع لينة مثل الحرير. للصدور حركة، وللأعجاز حركة معاكسة، وهما معاً، يجعلان الجسد في حالة هُلامية مثيرة للإضطراب. عندما يرقصون التانغو، لا يرون أنفسهم الهالكة، ولكنهم يحسونها خالدة. الخلود هو المحرك الأساسي لراقصي التانغو الأسطوريين. تانغو . رقصة السيارات العتيقة المسروقة، المسطو عليها، بالأحرى، رقصة الهامشيين الذي فقدوا، فعلاً، كل شيء، رقصة المحرومين الذي لم يبق لهم من وسائل الاتصال بالعالم غير أجسادهم التي يريدون أن يصنعوا منها وسيلة جديدة لعبادة الحياة. عندما يرقصون يعيشون الحياة بكل أبعادها، حسياً وحركياً. ينتقمون من الإهمال الممارس في حقهم ظلماً، وبلا سبب. ولذا تأتي حركاتهم ملتهبة، وملامساتهم ملتهمة. هم لا يريدون المحافظة على المرقوص معه، وإنما يحلمون بمضغه حياً. تانغو. رقصة الثأر والهذيان. ثأر الحياة الغادرة التي لا يمكن الإمساك بها. عنصران حاسمان في التانغو الارجنتيني: النظرة والساق. هذا المساء اكتشفت، أمام النظرات الملتهمة، والخطرات الرشيقة، اللازّة، الملتزّة، للأرداف والأطراف، مدى إهمالنا ، نحن العرب، لأجزاء أجسادنا التي تبدو وكأنها خالية من الإحساس باللذة. لكن هذه المقارنة تبدو مبتسرة، ولا تعبّر عما أريد أن أقوله. فمقارنة النار بالماء عند مَنْ لم يجربهما ليست إلا تجريداً خالياً من المعنى. عندما تلتفّ الساق على الساق، وتتباعد الفخذان إلى أقصى مسافات لينهما، تبدو الكائنات التي تقوم بهذ الحركات البسيطة، وكأنها تحاول أن تتشقّق، وأن تتعدد، لتبتلع المحاصَرَ بحسيتها وحنانها. التانغو ليس رقصاً، وإنما عبادة. عبادة الجسد المملوء بالشبق، والرغبة، وهما ليس في متناول الجميع. إنه تعبير أخير عن الحاجة الملحة إلى الآخر، ليس من أجل ممارسة الحب معه، ولكن من أجل «أكله» حياً. ألم يخلِّف المهاجرون أهلهم هناك؟ ومن هم هؤلاء الذين يراقصونهم، غير «موضوعات» لنهَمِهم الظميء، وسبباً من أسباب تركهم لمجاهل طفولتهم، وقد اكتشفوا ، للتو، مدى الوهم الذي قادهم إلى هنا، وخطورته. راقص التانغو، وراقصته، لا يرقصان للمتعة، فحسب، وإنما للدفاع عن الذات. الذات التي أصبحت في «مهب الريح». دفاع عنها لا ضد الكائنات، وإنما ضد أهوال الحياة الغاشمة التي لا قلب لها، وقد خدعتهم «بطيبتها الكاذبة». ولذا تتشابك سيقانهم في الأسفل والأعلى، وكأنها تتحد، بوعي وإصرار، لتصير واحداً مثنّى، علّه يكون أقوى من الواحد المفرد. هنا، تدرك أن الأقدام ليست للمشي، فقط، وإنما هي عنصر حسيّ أساسيّ. إنها أقدام الفن الذي يعطي الحياة الكئيبة بعض بهجتها. ولذا تحسهّا تلتوي لتحيط بالمراقِص كالأفعى الفخورة بصيدها. أقدام مبجّلة، مملوءة بالحركة والنور. آه! بين أيدي مَنْ ستستسلِم، راضية، هذه الأجساد؟ مقهى «تورتوني» صباحاً، سأمشي، من جديد، شارع «مايو» من أوله، ضائعاً في تزاحم الكائنات. في «أفيندادا دي مايو» أتنَسَّم هواء «بوينس إيرس» الصباحي المنعش. مدينة في سهل بلا حدود. شوارعها عريضة ومستقيمة، مثل ظهور الخيل. البشر يتناثرون فيها براحة وعفوية وكأنهم في بيوتهم، حتى ولو كانوا من الواصلين. أمشي، وأتطلّع، وأفكّر، وأتحسس ذاتي. أريد أن استطْعِم العالَم. أن أذوقه. أن أحمله معي إلى حيث مشيت. في مسيرتي الصباحية، هذه، كنت أبحث عن أول مقهى نشأت في بوينس إيرس: مقهى «تورتوني» العريقة. تورتوني المقهى التاريخي في بوينس إيرس، يقع في قلب المدينة، في أعرق شوارعها، وأكبرها.وهو بحد ذاته تحفة كونية. عمره أكثر من قرنين، وما زال يحتفظ برونقه الأصيل،وبعظمته. وهو ملتقى كبار الأدباء والمثقفين، وكذلك أهل السياسة والسائحين. فيه، سأجلس بالقرب من تمثال الأرجنتيني الكبير: خورخي لويس بورخيس، منحنياً على عصاه، ومحدقاً في فضاء بلا نور، برفقة صديقه: «كارلو غارْدين»، مغني التانجو الشهير، وبينهما الشاعرة الأرجنتينية، ذات الشهرة العالمية: «الفونْسينا ستورْني».إلى أين تريدونني أن أذهب، بعد الآن؟ صرت أتمنى لو أن باستطاعتي أن أعود إلى «دمشق» لأرى مقاهيها العتيقة، كيف غدت. لأقارن هذه بتلك، والمقارنة كما يقول الفلاسفة أصل العلم. ومع ذلك، أتساءل : مالذي يشدّني إلى مثل هذا الارتكاس، والعالم لا حدود له. بلى! حدوده هي حدود عواطفنا. اللاعودة إلى «إيتاكا»! أضيع. أدع المدينة، تقودني إلى حيث تشاء. هذه الشوارع المستقيمة، ذات الفساحة العالية، وهذه الأبنية المختلطة النماذج والأشكال، بجمالها الخاص النابع من أركانها، تحت شمس سبتمبر، في نصف الكرة الجنوبي، تجعل الكائن ينسى«مصيره»، ويكتشف، بشكل عفوي تقريباً، عمق السعادة، وبهجة الحياة. هنا، تكتشف «أطروحة» هوميروس العظيم حول «ايتاكا»، مكان «أوليس» الأول الذي غادره ليشارك في حروب «طروادة»، والذي قضى سنوات عشراً في طريق الرجوع إليه. رأى فيها من الأهوال، والحب، والفراديس، ما لم يره أحد من قبل، ومع ذلك، أصرّ على الرجوع إليه. لكن «هوميروس» ، أبا شعراء الكون أجمع، لم يُجْزه على العودة إلا بالصمت، وخمول الذكر، وافتضاض العالم من حوله. وحتى بينيلوب التي قضت أيام شبابها بانتظار تلك العودة، اكتشفت عند حدوثها، أنها لم تكن إلا وهماً! وأن ما يمضي من الحياة لا يعود، حى ولو عاد الكائن إلى موطن شبابه. لماذا أتحدث عن الشام، إذن؟ لأن «أوليس»لم يرضَ بديلاً عن مكانه الأول، لا الجنة، ولا الجحيم. لا الفراديس أنسته المكان، ولا البحور المتلاطمة حوله. لا الأهوال أغرته بالبقاء خارج المكان، ولا الخلود الذي منحته له آلهة البحر التي عاشرته زوجاً لسنوات عديدة. كان يريد أن يعود إلى «ايتاكا»، وأن ينعم بقرب «بينيلوب»، حبيبته الأولى، برغم أنه أحب الكثيرات ، في طريق عودته. ما هو «البديل» الذي رفضه أوليس، في هذه الحال؟ هو ليس البديل العيني، الفيزيائي، كما يمكن أن توحي به الترجمة العربية، إنه، كما أتصوّر، «تاريخ الكائن الشخصي» الذي يقضي العمر بحثاً عن الخلاص منه، وهو، أي الخلاص المزعوم، لا يمكن أن يتحقق إلا بالعودة إليه. وهي عودة غير ممكنة، أصلاً. من هذه الزاوية، لا تتجلّى لنا عودة أوليس مأساة لأنها قامت على الحركة والأنفعال. على التجربة والتحدي. لكنها تلقي الضوء الساطع على مأساة بينيلوب المبنية على «أسطورة الإخلاص اللامجدي»! أسطورة الثبات اليقيني، والعالم مبني على اللايقين. هي تعرف أن أوليس سيعود، لكنها لم تكن تعرف أنه لن يعود... أيضاً. ما معنى أن يعيده «هوميروس» إلى إيتاكا، بعد أن عاش الحب والحرب والقتال والأهوال. بعد أن مارس العالمين: النعيميّ، والجحيميّ؟ إنْ لم تكن العودة تعني النهاية المسالمة للكائن. تعني التخلّي، أخيراً، عن «تكوين المصير»، وتدبيره. بمعنى آخر ، إنها الموت. الموت في مكان الولادة. المفهوم الذي يعذب الأنسانية منذ ذلك الحين. وهو ما أدركه، ولا شك، مؤلف «أوليسيس»، جيمس جويس، الذي رفض أن يعود إلى «دبلن»، بعد أن غادرها، أبداً. لنقلب الصفحة، إذن. مدينة المتناقضات أمشي شارع «مايو» إلى نهايته. إلى أن أصل مبنى الكونغرس الوطني الأرجنتيني، الذي يسد الطريق، من بعد. صارت بوينس إيرس العاصمة الإتحادية للبلاد، بعد حروب ومنازعات، بين الوحدويين والإتحاديين. وبسبب تعدد الحقب والأجناس، تبدو وكأنها مدينة المتناقضات. فهي غير متجانسة، وكل حي منها يكاد يكون مدينة «أخرى». لا يملّها الزائر لتعدد وجوهها، واختلاف أنحائها. مساحتها هائلة تتجاوز مئات الكيلومترات المربعة، وبخاصة إذا أضفنا إليها الضواحي القريبة منها، المتصلة، عملياً، بها. وهي مدينة نظيفة، لا تلوّث فيه. مقاهيها واسعة ومنيرة. مناخها رائع وخفيف. أهلها ودودون، ويحبون الكلام والسؤال. لا تمييز عندهم بين الأجناس، وهم الخليط الأممي المهاجر. في منتصف شارع «ج خوليو»، وهو أعرض شارع في العالم، كما يقولون، إذ يتجاوز عرضه المائتي متر، أجلس على حافة إحدى النوافير الجميلة، وأتفرّج على الحياة. فضاء لا متناه من الاختلاط البشري الجميل، يسبح برقة في المكان اللامحدود. أفق مملوء بالنور، وكأن الكون ولد للتو. حركة مستمرة بلا إزعاج، في نوء هادئ ومثير. هنا، لا تسقط الشمس عمودية، كما في «الجزيرة»، بل تميل وهي تجيء مثل امرأة تبالغ في الوصل. ولذا تظل محتَمَلة، رغم نورها الباهر، وشدة حرها. إنها شمس نصف الكرة الجنوبي، النصف الذي يغطس رأسه تحت الارض. شمس بيضاء ملأت الشارع الفسيح بضوئها الناعم، وكأنها انغسلَتْ، للتو، بماء المحيطات. أحب أن أظل جالساً في شمس النهار. الأهالي على وجوههم الغبطة والانشراح. لم أرَ عابساً، ولا متأففاً. لكأنهم غير معنيين بمشاكل الكون التي لا تعنيني، أنا الآخر، إلا شكلاً، ومع ذلك تؤرقني باستمرار. ما علاقة هذه الشمس البديعة بمثل هذا السلوك ؟ لا، لم أعد كما أنا منذ أن هبطت إلى النصف الجنوبي للكوكب الأرضي. سأعود إلى تحفة المقاهي الكونية: مقهى تورتوني،لأتغدى تحت سقفها الرائع الذي يشبه سقوف كنائس القرون الوسطى. بين جدرانها العالية، المليئة باللوحات، والرسوم الأصلية، والتزايين، أجلس مغتبطاً، مثل كركي حطّ، للتوّ، على وُحول الجزيرة، وهو يعرف أن منقاره الحاد سيقبع الدود الطري من تحت قشرة الأرض التي ليَّنَتْها الأمطار. أجلس مغتبطاً وسعيداً، وكأن «الريح الطيبة» توجد، فعلاً، في هذه الناحية من الكون. كيف عرف الاسبان ذلك، قبل قرون؟ من سوء حظنا، نحن العرب، أن حوض المتوسط العتيق، اختصر عالمنا النفسي والمكاني، وأكاد أقول العقلي، أيضاً، أو شغل القسم الأكبر منه. حتى لنكاد نهمل بقية الأمكنة، حتى صارت علاقتنا بهذا الحوض وحيدة البعد والاتجاه، كالزوج المخلص، تماماً! وما لم نتحرر من هذه العلاقة المميتة، ما لم نخنها، سنظل سجناء وهمنا الكوني عن العالم. حواس اللغة لا أحد يتكلم لغة أخرى غير الاسبانية، هنا، ومع ذلك، يتم التفاهم مع الأهالي بشكل مقبول. يبدو أن الجنس البشري صار يتفاهم بلغة «جديدة» خارج اللغات المعروفة. ما أجمل هذه الللغة، وما أغناها، لغة السفر والمسير.لغة تشترك الحواس، كلها، فيها. لغة لا تحتاج، فقط، إلى كلمات، وأقل أدواتها أهمية، هو اللسان. البارحة، مساء، تعشينا في «المخازن القديمة». مخازن المرفأ العتيق التي غدت مطاعم من الدرجة الأولى في «بوينس إيرس»، بعد أن أنتقل المرفأ إلى مكان جديد. هنا لا يقدمون سوى اللحوم. لحوم الابقار ذات االشهرة العالمية. يقدمون قطعاً عملاقة منها مشوية على نار الخشب الحمراء كالجمر، وعلى طريقة الرعاة «الغوشو»، يضعونها في أطباق خشبية مسطحة، وحولها بعض الفتات من الخس، والجرجير. وإذا أردت يضيفون لك نصف قطعة من البطاطا المشوية، هي الأخرى. أكل اللحوم هنا، مقدس. وأحسب أن علاقة الرعاة الأوائل بمواشيهم وبالنار والمطر هي التي أسست لمثل هذه التقاليد الأكلية. وهي ما زالت معروفة بنسبتها إليهم: «بيف شوريزو»، و«بيف لومو» ولا تختلفان إلا في ثخانة القطعة وعظمتها. كانت متعة لا مثيل لها بالنسبة لي، أنا الراعي القديم، شَوّاء اللحم على الجمر في الجزيرة. لحم الثعالب والغزلان، وأحيانا، لحوم الطير والجرابيع. أكتشف، هنا، أن جمال الكون يكمن في اللقاءات التي لا نتصور أننا سنعثر عليها. لقاءات المودة والأسفار. وأكاد أدرك لِمَ كان أبي «يدوخ» عندما يقعد عن السفر، ولو لمدة محدوة. كان يقول بلوعة: «صار لي مدة لم أسافر. رأسي مُشَوَّشْ مثل التارك الدخان. لا تقربوا مني». كان هذا البارحة، مساء، أما اليوم فسنستقل الطائرة، فالارجنتين شاسعة، للذهاب إلى مقر مؤتمر الجراحة، في مدينة «كوردوبا»، أو قرطبة الأرجنتينية، إذا شئتم. «كوردوبا» في وسط الأرجنتين، في قلب السهوب «الجنوبية» التي لا حدود لها. وهي مدينة شبه اقطاعية، مسكونة بالجامعات وأهل العلم. وفيها المدارس المشهورة، والأديرة، والكنائس التاريخية. وبالقرب منها، بيت طفولة «الثائر الكوني»، «تشي غيفارا». فيها سألتقي، بالتأكيد، بأراض أخرى، وببشر آخرين. قبل أن نسافر، سأعود صباحاً باكراً إلى شوارعي وحاراتي في بوينس إيرس. صرت آلفُ الأمكنة أكثر من الكائنات. صرت أحب أن أضيع في المدن الغريبة، في المتاهات الكونية، التي تجعل الكائن لا يشعر إلا بضآلته. تعيده إلى تواضعه الإنساني الأصيل. تجرده من أسطورته المحلية، ليندمج في الرعيل الكوني النائس بين الولادة والموت. صرت أحب هذا الضياع. أبحث عنه. هو وحده الذي يعيد إليّ «وجودي» الذي أضعته في المكان القديم. الضياع، في هذه الحال، ليس غياب العلامات، ولا مسخها، وإنما البحث، في الفضاء الجديد، عن مكان بديل. وهو ليس ممكناً بالطبع. من هنا تنبع غواية التذكّر والحياة. لذتهما، ومتعتهما أيضاً. لكننا لم نعد نبالي بما تحقق، ولكن، فقط، بما سيتحقق. شمس بوينس ايرس اللامعة، المحببة، هذا الصباح، تجعل المسافات متعادلة وقريبة. وغياب التضاريس يجعل الفضاء فسحة للروح. ولأن البحر فيها نهر كبير، يصير احتمال الضياع، بحد ذاته، متعة، وهجْر المكان ضرباً من الألم العميق. أريد أن أظل واقفاً في هذا المكان، تحت هذه الشمس التي تذكرني بشمس «دمشق». آلِفُ الأمكنة، سريعاً، وكأني لن أتركها، أبداً. وعندما أرحل عنها، لا أنساها. تملأ فراغ قلبي ، وتُؤنس وحشته. أعود، هذا الصباح ، عاجلاً، إلى مقهاي : «تورتوني»، وأجلس، متهللاً في حضرة «بورخيس»، و«الفونْسينا ستورْني»، قبل أن ينفّذ المصير حكمه القاهر: الرحيل. يستميلني هذا الفضاء الباهر ببراعة تكاد تنسيني موعد السفر. لكن النسيان، في هذه الحال، يعادل السكون. يساوي كون المرء لم يغادر مكانه الأول. لا ينسى، في الحقيقة، إلا الكائن الذي لم يسافر. أتذكر كل شيء، ولذا يملؤني إحساس بالشوق المقبل إلى هذه الفضاءات. ولكي أعيش هذا الشوق، من جديد، عليَّ أن أغادر المكان، الآن. كوردوبــا كوردوبا، ثاني مدينة في الأرجنتين.تقع في الوسط. في القسم الشمالي منه. هنا، تحس نفسك في ريف الجزيرة، وفي سهولها الشاسعة التي كانت مزارع للقمح والقطن. الشمس هنا، مدهشة. لكأنها تخشى اللوم والعتاب. هي شمس هادئة ومليحة. بسيطة، قريبة من العين والقلب. لا يخشاها الناس، ولا تذيب الكائنات عند الهاجرة. أتذكر شمس الجزيرة الحمراء التي كانت تحرق الحقول. كانت السعيرة المنطلقة من شرارات القيظ تلتهم الزروع اليابسة كما تلتهم الأحياء البسيطة التي تدب فيها. وحتى قبة السماء تبدو قريبة، وفي متناول اليدين. الأفق فيها مدوّر وأريب. وهو لا يحمل بعداً ميتافيزيقياً كما في شرق المتوسط العتيق، وفي غربه. مَنْ أعطى لهذه الارض كل هذا الجلال؟ يمكن أن أمدح الطبيعة، هنا، كل الوقت. ولأول مرة أحس أن علاقة الكائن بالعالم «علاقة طبيعية» بحتة، حتى في أشد صورها تأملاً، وحُلولاً.وهي، بهذا أقصد، مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالحواس. أقصد بنوعية إدراك حواسه لهذا العالم. أكاد أطير من البهجة: إنه فصل الربيع، هنا. فصل الربيع في نصف الكرة الجنوبي، والوقت عندنا شتاء. ربيع بهيج وآسر. منذ متى لم أرَ الربيع؟ لم أرَ ربيعاً في سهول واسعة وهادئة. لا جبال تحد البصر، ولا وديان توجع القلب. لا غيوم تدثّر الشمس، ولا ظلال على الآفاق البعيدة. واستشعر، فيزيقياً، لأول مرة، رائعة البحتري: «أتاك الربيع الطلْق يختال ضاحكاً / من الحُسْن حتى كاد أن يتكلّما». «وقد نَبَّه النيروز في غسق الدجى / أوائل ورد كنَّ بالأمس نُوَّما». وأصير أتساءل: لماذا لم نتعلم من تاريخنا الثري غير السذاجة والبلادة؟ لماذا ألغينا بُعْدَه الفيزيقي الرائع لنتشبّث بالبعد اللافيزيقي البائس (ولا أقول البعد الميتافيزيقي، لأننا لم نتمرّس به ثقافة وسلوكاً)؟ مَنْ يدلُّني على الشمس؟ «كوردوبا»، أو «قرطبة»، أسسها الاسبان عام ؟؟؟؟. وهي تقع في منتصف المسافة بين المحيطين: الأطلسي، والهادئ. تتوسط السهوب التي تشغل القسم الشمالي الأوسط من الارجنتين: «لا بامبا»، التي كانت مراعي وموائل للهنود، والنعام، واللاما. وهي حيوانات شبه مقدسة عند السكان الأوائل للبلاد. وهذه المدينة السهلية، كانت في الاصل تابعة للبيرو. وضمّها الاسبان بعد حروب التحرير. من كوردوبا سننطلق شرقاً، لنرى الفضاء المحيط بالمدينة. سنذهب الى أبعد نقطة في الأفق، ولا نرى سوى الخلاء. أية عظمة تتبدّى للعين والعقل؟ في البعيد تُرى بعض الأهاضيب التي يسمونها جبالاً. لكأنهم يحلمون «بالجبال». أهاضيب يحيط بها السراب مثل ثوب العاشقة في «الجزيرة». التي لا يمكن للعين رؤيتها إلا لمحاً وبشكل غائم وقصير. السماء هنا هي التي تهبط نحو الأرض. نحو الأرض البعيدة، لتخرّ ساجدة فوقها. وهي ظاهرة تعاكس ظاهرة صعود الغانج، وارتقاء شطآنه، نحو السماء، في صباحات «بيناريس»، مدينة الهند المقدسة. في الطريق إلى الأهاضيب، مراع، وأساطير. هواء يابس ومنعش. شمس خفيفة تذوب كالسكر في ماء العيون. نباتات شبه صحراوية تملأ وجه القاع. على أغصانها المتبتّلة أزاهير أول الربيع، التي بدأت تتفتّح. تُرى، لو كنت أعمى، كيف يمكن لي أن أتأكد من الربيع قد بدأ الآن، هنا؟ أكاد أدرك أن كل ما نقوم به، ونمارسه، ليس إلا مقدمة للحياة. لحياة أخرى لم نعرفها، بعد، ولن نعرفها، أبداً: الموت. لكن ذلك، بحد ذاته، ليس مأساوياً منذ أن ندركه. |
|||||
|
|||||