|
|||||
|
عندما انتقل إلى هذا البيت، كان يظن أنه سينجو مما كان فيه : إزعاج جيرانه المتغطرسين كما كان يراهم، من همجيتهم، وأسلوبهم الفج في التعامل معه هو بالذات.. كان يعتقد أنه قد تخلص للأبد من ذكرى زوجته التي كانت كل يوم تصرخ في وجهه سائلة إياه عن المصروف الذي لا ينتهي، وقاذفة في وجهه بقائمة عريضة من الطلبات التي لم يكن يرى أنها ضرورية أو مهمة للبيت! واعتقد أنه سيتخلص من التهمة التي ألصقت في رقبته من أنه هو قاتل زوجته البغيضة، وليس لصا عابرا أعاقته هذه المرأة عن أداء مهمته الليلية وغير الشرعية، بصراخها وصوتها الحاد كما استقر في ذاكرته.. لم يكن الناس يعرفون ذلك، أو يدركون أن هذا اللص قد قام بدفن جثة القتيلة / الزوجة في فناء المنزل الخلفي.. ولكن الحفرة لم تكن عميقة، ولا الدفن كان جيدا، ولذلك بعد أسبوعين من التهمة عثروا على الجثة المتعفنة، وعثروا على الدليل الذي يدين اللص القاتل، الذي لم يكن شخصا غريبا عن المنطقة، بل كان أحد القريبين الذين يكونّون جيرانه! كان يظن أنه سيرتاح من تلك الذكرى، ومن رائحة العفن التي لم تغادر المنزل مدة طويلة.. كانت تنتشر كالأشباح، حتى بدأت في الليالي المقمرة تتراءى له خيالات الزوجة القتيلة وهي ترمي في وجهه بتلك القائمة الطويلة من الطلبات التي ليس لها داع.. كان يعتقد أن كل ذلك سيزول، سينصهر في سلة الذاكرة المنسية، ولن يعود له من أثر.. لا جيران يفيق على إزعاجهم المستمر ( كان الزوج ينظر إليه بحنق، خاصة عندما تبتسم زوجته وهي تفتح النافذة المقابلة لباب بيته، وهو يخرج صباحا متوجها إلى عمله، وتزداد حنقا عندما يعود قرابة العصر، ليجد أمامه فتاتين تشبهان بعضهما إلى حد كبير، ناضجتين، بصدرين بارزين، وابتسامتين غائمتين، يجدهما تبحلقان فيه، ووالدهما، الزوج الحانق الذي تصطك أسنانه غضبا، ينظر بحقد عال جدا، وتكاد عيناه تنفجران وشفتاه كذلك تقولان له دون كلمات «أنت رجل مائع!!» غير أنه رجل هادئ الطباع، حساس، ولا يجيد التحدث كثيرا، ويشبه إلى حد كبير رجلا مصابا بالتخلع في جسده، وبالوهن المثير والشهي، النوع الذي تفضله بعض النساء، خاصة إذا كان يملك نظرة تخترق الحواجز، رغم أنه لا يتعمد ذلك.. ولذلك كان جاره دائم الإزعاج، بشجاره المستمر مع زوجته صباح كل يوم، ومع ابنتيه عصرا!!) انتقل إلى هذا البيت الجديد، بعد أن باع منزله السابق بسعر رخيص، أو بالأحرى بعدما يئس من التخلص من تلك الخيالات التي صارت تقض مضجعه كل مساء، حيث شبح زوجته يخترق المكان.. وبعدما تشاجر ذلك الجار الغاضب مع زوجته شجارا حادا في مساء بارد، وخرج الكلام إلى أذنه هو الواقف في شرفة يتنفس الهواء النقي، ويحاول أن يهرب من خيال يطارده كلما أوغل دخولا إلى المنزل.. جاءت الكلمات ساقطة كالزجاج الحاد : - أنت امرأة ساقطة! - وأنت رجل غبي لا تعرف شيئا! وبين كل تلك الكلمات جاء ذكره هو الذي لم يكن يدرك بعد أنه سبب حقد جاره عليه، وأنه سبب هذا الشجار الكبير الذي شب بين الزوجين.. قالت بصوت حاد : لو أردت أن أضاجعه لفعلت، ولن تستطيع أن تمنعني، فأنت إنسان جبان! سمع لطمة عنيفة، ثم اسمه ينحشر وسط الزوبعة.. قال : هذا المخنث الذي يقطن جوارنا، هذا البغل الذي لا يعرف شيئا، تمتدحينه أمامي، تتجرئين على التفوه بفسقك أمامي.. هذا الأجرب الذي تآمر على زوجته الخائنة، الذي لا يعرف الفرق بين «ذكره» و«فتحة الأنثى».. تتجرئين وتقولين ذلك ؟!!.. كانت الكلمات عالية وحادة تتساقط كقطع زجاج محطم على أذنه، تختلط بصوت اللطمات، والصراخ، وبكاء حاد يعلو من غرفة مجاورة! عندها تراءت له النجوم ككتل توشك أن تسقط فوق رأسه.. لم يكن البدر حاضرا.. سقط رأسه إلى الأرض.. دخل المنزل وأغلق باب الشرفة!! وفي الصباح قرر أن يبيع هذا المنزل.. قرر أن يستقيل ويرحل بعيدا، إلى حيث لا يعرفه أحد.. وخلال أسبوع واحد فقط، استطاع أن يدبر مكانا جديدا له، وأن ينقل أوراقه إلى هذا المكان الريفي المنعزل، رضي بأن يعمل في مخزن تابع للمؤسسة، وأن يكون مؤرشفا لملفاتها وأوراقها التي كان يعتبرها بلا فائدة كما أوضح بذلك لزميله السابق في عدة مناسبات!! وباع منزله الواقع في منطقة استراتيجية قرب تقاطع للشارع العام، ليشتري هذا البيت الجديد، الذي بدوره يقع ضمن ثمانية بيوت صغيرة وقديمة، ويبعد عن المدينة قرابة المائة كيلومترا! كان البيت الجديد يبدو من ظاهره أنه نظيف تحف بعض جوانبه بقع مترسبة منذ سنوات ولم يستطع اللون الأبيض الذي طلي به أن يزيله، وغير ذلك كان كل شيء يبدو هادئا ومميزا ولطيفا.. فلا إزعاج، ولا زوجة، ولا جيران، ولا ضوضاء تخترق رأسه الضئيل.. غير أن اكتشافه هذا لم يدم طويلا، والهدوء الذي بدأ يخيم على روحه اكتسابا من المكان، بدأ يختفي شيئا فشيئا.. فبعد مضي أسبوع وليلة، بدأت نوازع القلق والحزن تخيم على نفسه مجددا.. في ليلته التاسعة استيقظ بعد منتصف الليل، فزعا.. إذ كان شيء يتحرك فوقه، فوق لحافه، البطانية التي يتدثر بها.. قفز وأشعل الإضاءة.. رأى شيئا سريعا يعدو إلى تحت سريره.. فتح عينيه بقوة.. انحنى يرى هذا الزائر الذي ضيع عليه نومه، هذا الذي اختفى أسفل السرير.. وفغر فاه عندما رأى فأرا يعدو إلى جحر منزو في زاوية ضيقة!! ارتجف جسده قليلا.. تذكر كراهيته للقوارض، وكيف أنه لم يحب أي حيوان عدا أسماك الزينة، سيما السمكة الذهبية بالذات.. كما تذكر طفولة بائسة هي طفولته.. كانت الفئران تشاركه في طعامه، مما يضطره أن يظل لعدة أيام ملقى في مستوصف صحي يماطل فيه أن يظل حيا، ولحسن حظه آنذاك أن طلق أبوه أمه، فانتقل مع والده إلى المدينة النظيفة!! لم يستطع ليلته أن ينام.. خرج إلى باحة البيت.. استنشق الهواء، وقرر أن يحضر ما يقضي به على هذا الفأر الذي عكر عليه نومه الهادئ، وأعاد إلى ذهنه ذكرياته عن طفولته البائسة.. في اليوم التالي، كان اشترى سما قال عنه البائع بأنه أقوى السموم على الإطلاق.. وبسرعة عاد ليجهز قطعة جبن عفنة واضعا عليها كثيرا من السم، ومقسما إياها إلى عدة أجزاء، وضعها أسفل السرير في عدة مواقع، وبالذات قرب الجحر الضيق الذي يخرج منه ذلك الفأر اللعين! ونام.. لكنه كليلته التي سبقت، أفاق بعد منتصف الليل، ليفاجأ بأن الفأر لم يمت بعد! أشعل الإنارة، ونظر.. كان الفأر يتجول بحرية على السرير.. انتابته حالة من القرف، وكاد أن يتقيأ.. عض على شفتيه، ولعنه «لماذا لا تأكل جبنتك أيها القذر! » لكنه تفاجأ بمنظر آخر، حينما رأى فأرين آخرين يتقافزان فوق سريره، ويتجولان كزميلهما بحرية، وبترقب وحذر! ارتعد.. وارتد إلى الوراء.. ثم ركض إلى السرير مصدرا صوتا كالزئير، حمل المخدة بسرعة، وراح يطارد الفئران الثلاثة.. غير أنها كانت سريعة جدا.. واختفت في جحرها قبل أن ينظر أسفل سريره كي يجد القطع التي وزعها مازالت على حالها سليمة وغير ممسوسة.. اغتاظ.. وعندما جاء ليرفع رأسه ارتطم بحد السرير.. زفر غضبا.. ولعن نفسه، ثم خرج.. تأمل أن ليلته الحادية عشرة ستختلف، إذ تخيل أن الفئران قد أكلت القطع، وماتت.. ابتسم لكنه تقزز إذ تذكر أن عليه أن ينظف الغرفة من بقاياها، ومن عفونة الجبن.. ولم ينم في غرفته تلك الليلة.. نام في صالة الجلوس، حيث كان يشاهد فيلما قديما عن حكاية حب أصابته بالنعاس، ولذلك نام ولم يطفئ جهاز التلفاز.. لكنه أفاق على حركة ما قريبة من وجهه.. وجد أن الجهاز والإضاءة مفتوحين.. بحث عن مصدر الحركة، وعقد حاجبيه عندما رأى فأرا بلون أبيض، يجول بالقرب من أسلاك التلفاز.. ينهشها بتلذذ.. تصاعد الدم إلى أعلى رأسه.. صرخ بغضب.. حمل فردة حذائه يحاول قتل الفأر الجديد والذي يتميز بلونه الأبيض! لكنه اختفى.. ركض إلى غرفته، ليجد أن الفئران الثلاثة لم تمت بعد.. وأنها كانت تلهو بسريره، تمرح فوقه مصدرة صوتا فئرانيا حادا.. هز رأسه.. وأسرع في الخروج.. قرر ألا ينام في البيت حتى يحضر من يستطيع القضاء على فئرانه الأربعة.. أشار عليه صباحا زملاؤه الجدد في العمل، بعدة حلول ساخرة : قال أحدهم «أحضر قطة، وجهز حفلة شواء جيدة لها!» وقال آخر «لماذا لا تحرق البيت فتقضي على الفئران؟!» فيما أشار عليه ثالث وهو يزيل ما تجمع أسفل أنفه من مادة مخاطية بأن البيت الذي تكثر فيه الفئران لا يصبح نظيفا إلا بوجود امرأة! وأشار عليه أن يحضر إحدى بنات الليل كي تسكن في بيته «وهي الوحيدة التي ستقضي على الفئران، إذ أنها ستقيم كل ليلة حفلة سمر لرفاقها وزبائنها الكثيرين!!».. كانوا يسخرون من سذاجته وضعفه أمام الفئران.. قال أحدهم قبل أن ينصرف بأنه قد يتعرض للاغتصاب والطرد من قبل تلك الفئران ؟! وقبل أن يخرج أضاف بأن الرجل الحقيقي لا يرتعد من أربعة فئران ضعيفة! ذلك اليوم لم يستطع أن يعود باكرا للبيت كي لا يشم أي رائحة فئرانية، وفي المساء لم يستطع أن يدخل غرفته كي لا يكتشف عددا أكبر من الفئران.. قرر أن ينام في باحة البيت، حيث الهواء الطلق متذكرا أن أصحاب البيوت المجاورة يفعلون هذا الأمر بين الفينة والأخرى، متحملين لسع البعوض ونباح الكلاب الضالة والبعيدة أو عواء الذئاب في الغابة القريبة.. لكنه لم ينم.. إذ ظلت تلك الفئران تهاجم رأسه الصغير، تطلع كل لحظة في خياله، تنهش مادة المخ اللزجة، وتجعله يصاب بالجنون! تنبش له سلة مهملة من الذكريات، وتعيد له صورا بائسة جدا.. حيث زوجته ذات اللسان الأفعواني اللزج، وحيث جاره المملوء ضده كراهية وبغضا لأسباب لم يكن له فيها أي دخل مطلقا.. وحيث وظيفته المحترمة التي فقدها بملء إرادته ليحتل وظيفة مع أناس أقل منه ثقافة وشأنا، وحيث جريمة القتل التي اتهم فيها وذهبت زوجته ضحية لها!! حاول أن يفكر تلك الليلة في حل منطقي للتخلص من هذه الفئران، لكنه لم يجد.. ولم يستطع أن ينام.. ٭ ٭ ٭ مر على ذلك الآن شهر أو أكثر.. مازالت الفئران تنهش خياله وعقله الصغير، تتمثل في ذهنه عملاقة ومدججة باللزوجة.. وعيونها حمراء كالجمر.. لكنه لم يعد يقيم في ذلك البيت، إذ أصبح الآن يسكن غرفة مشتركة مع عدد لم يستطع أن يحدده من أمثاله في الملبس.. كان يرتدي شيئا أشبه بكيس قريب من الاخضرار الباهت، ويبحلق في مروحة تدور ببطء في السقف، ويهرش رأسه المنتفش الذي غزاه اللون الأبيض.. بينما فئران أربعة تجول في خياله، وعلى سريره البعيد!! |
|||||
|
|||||