|
|||||
|
ينكش الغطاء من على وجهها .. تفتح عينيها، ويجرها من يدها، وهو يضع سبابته على شفتيها لكي لا تثير ضجة في المكان، وقتها كانت أمهما تتوضأ في الحمامات الخارجية لصلاة الصبح..كان يهمس في أذنها برفق: - قومي معي ... أريد أوديك مكان ... تيبست في مكانها، ارتجفت كل عضلة في جسدها الذي ما يزال تحت تخدير النعاس، وهو يردد: - - خلا بنسير ... كان لسانها في حلقها مربوطا عن الكلام ، ويدها النحيفة ترتجف في يده، ورغم أنه بدا لطيفا إلا أن الشرر كان يتقافز من عينيه: - بنروح نلعب لعبة حلوة ... الظلام كان كثيفا حولها بالكاد تتبين دشداشته، وهو يسحبها إلى خارج المنزل، والبرد يأكل عظمها كانت تدور بعينيها البليدتين في الفراغ ، وهي عاجزة عن إفلات يدها من قبضته، ترسل أنينها في الفراغ دون أن يعيرها أحد أي اهتمام ... انكمشت على جسدها ، معولة أن توقفه لكنه كان مستمرا في جرها صوبه ... ركلت الباب بقوة ... لم يستيقظ أحد ، ثم أخذ يطمئنها : - ليش خايفة.. . تذكري لما رحنا السيح يوم طاح المطر... أنا بخلي «سليم» ود المعلم يوديك هناك .... ٭ ٭ ٭ تأملت وجه «سليم» ود المعلم بتوجس وهو جالس خلف مقود البيك أب الأحمر، بعد أن أجلسها في المقعد المجاور لمقعده وانطلق بسيارته بأقصى سرعة... أخذت تعدل «الليسو» المتهدل على خصلات شعرها المتناثرة بين الحين والآخر لتكشف عن ذاك الاضطراب المتصاعد فيها.. تقلب عينيها الحائرتين بين الطريق الذي بدأ خيط من الضوء بتصفية دكنته، وبين وجه «سليم» الصارم، ويداه الضخمتان تقبضان على المقود وكأنه سيفر من بينهما... خنقتها رغبة هائلة بالبكاء .. كبرت بداخلها مخاوف شاحبة ... ورغم أنها لا تفهم ما الذي يحدث حولها إلا أن إحساسا حامضا كان يتصاعد في روحها .. ٭ ٭ ٭ فتح لها الباب ، تناولها من يدها ، راقبت الأشياء حولها بنظرة خاطفة ... الجبال المتناثرة في البعيد، الصحراء الفارغة إلا من الأعشاب الصغيرة المصفرة، والبرد الذي يتشبث بعظمها بالرغم من أن الشمس كانت أكثر اتضاحا في السماء .. التفتت إليه، والكثير من الأسئلة تنرسم على وجهها في الوقت الذي أشار بسبابته إليها بقوله : - امشي قدامي ظلت واجمة لا تحرك ساكنا إلى أن لكز كتفها ... تحركت بضع خطوات ، ومن ثم التفتت نصف التفاته.. شاهدته وهو يتناول شيئا ما بين يديه من المقعد الخلفي .. تصاعدت نبضات قلبها، وهو يصرخ في وجهها لتواصل السير أمامه دون التفات ... اقترب منها.. نفرت منه بقوة وهو يحاول مداعبة جسدها .. تراجعت بخطواتها إلى الوراء، وهي تلف يديها ممسكة بصدرها وكأن قلبها سيفر من بين ضلوعه ... تأملت تلك النظرة الغريبة التي اكتنزت بها عيناه ... ضغطت على ذاكرتها طويلا لتسترجع تلك النظرة .. أين قرصتها بكل ذلك العنف المربك ...!! ٭ ٭ ٭ «حمود » البغل كما يسميه أولاد الحاره ترك المدرسة منذ أن كان في الابتدائية لأنه كان كثير الرسوب ، واكتفى بأن يتنقل بين حقول والده، ليطارد الأطفال الصغار الذين يقطفون «الأمبة» ويهربون.. إلا أنه كان أكبر منهم سنا، وكان جسده ممتلئا، وكثيرا ما كان يقع على الأرض ، وتنطلق ضحكات الأطفال الصغار مفرقعة غضب والده عليه .. ٭ ٭ ٭ ذات يوم عندما شاهدها «حمود» تبكي بحرقة لأن الأطفال ركضوا عنها ، وتركوها خلفهم وحيدة .. اقتادها من يدها صوب «البيذامة » العملاقة، والتي كان جذرها القوي يختفي خلف الحوض ...لم تكن تشعر بارتياح له، رغم أنه قال لها : - بعلمك اليوم لعبة جديدة .. تعالي .. نامي هنا ... أخذت ترقب «البيذام» الأخضر غير الناضج في الأعلى وهي تتمدد على الأرض، اقترب منها، حسر طرفي دشداشتها البنية، وهي مستمرة في مراقبة العصافير التي كانت تتجول في السماء، إلى أن أيقضها جسد حمود البغل وهو يقع بكله عليها .. رفست طويلا بقدميها الممدودتين أسفله ... لكن لم يخرج سوى ذاك الأنين الباهت.... قبل أن تذهب قال لها : - ما تخبري حد .. تراني بضربك .. كل ما كانت تدركه وقتها أن اللعبة لم تكن مريحه ، لدرجة أن الدم انبثق بين ساقيها وغسلته في الحوض ، ودشداشتها البنية اتسخت بالتراب، ونفضتها بيديها خوفا من توبيخ أمها، وأخيها الكبير .. ٭ ٭ ٭ كلما كبرت المهبولة كلما كبر الخوف في صدر أخيها «سعيد» ... ذات يوم، وعندما شاهدها تلعب مع الصغار، وتركض، و«الليسو» منزلق على كتفيها ، وصدرها البض يرقص مع الهواء، نادى أمه بصوت مرتفع: - ليش تخليها تطلع مع الصغيرين .. هذي حرمة ما صغيرة بعدها ..!! لوحت الأم برأسها المتعب : - حرام عليك .. البنت ما فيها فواد هز رأسه بصرامة : - يوم تسوي فضيحة، قولي البنت ما فيها فواد ... ٭ ٭ ٭ دار همس في الحارة أن المهبولة انتفخ بطنها، وقد تكور ابن حرام بداخله، تعالى الهمس إلى أن أكل أذني أخيها ، ودفعه لأرق ثلاث ليال متتالية، تنهشه فيها الأفكار المجنونة .. لم يكن قادرا على الاقتراب منها ليفتح بطنها بسكين المطبخ ، كلما التفتت إليه بعينيها الغائبتين، وتلك الابتسامة التي لا تفارق وجهها ... لم يكن قادرا على التعلق بعنقها إلى أن تفر روحها كعصفور أو تعترف باسم الفاعل لأنها ابتلعت صوتها منذ أن أدهشها الضوء الأول لخيط الحياة .. لم يكن قادرا على فعل أي شيء إزاء هبلها الكثير ... ٭ ٭ ٭ بعد صلاة الفجر ، وقبل أن ينتعل أخوها نعليه حطت يد والد «حمود» البغل على كتفه قائلا، وهو يهز رأسه بحسرة: - صحيح إنك ما رجال ، ولو رجال ما بتخلي ابن حرام يكبر في بطن أختك .. بعدين هذي المهبولة بتفسد علينا الرزق، وبتجيب غضب الله ...!! انزرعت كلماته كالنصل في صدر «سعيد» ، ودفعته لأن يفر سريعا من أي وجه قد يصادفه في الطريق.. ٭ ٭ ٭ تكاد تتذكر الآن .. إنها نفس النظرة التي لمعت في عيني «حمود » البغل .. نفس الملامسات التي جعلت جسدها يقشعر .. انتفضت بين يديه وهي تتذكر رائحة الدم المنزلق بين ساقيها .. لكن «سليم » ود المعلم غافلها ليتمدد فوق جسدها، وهو يقلبها فوق التراب الذي ارتفعت سخونته مرددا : - تعالي .. بنلعب شوية .. أخذت تعضه، وتدفعه عنها لتخبره أن اللعبة لا تروق لها .. آلمته العضة التي رسمت أضراسها الأمامية على كتفه، ودفعته لأن يتذكر همس أخيها الأخير في أذنه .. تذكر فجأة أنه جاء بها إلى الصحراء ليقتل الذي كبر في أحشائها .. لم يمهلها فرصة لتنفض ملابسها .. خرج الصوت مدويا من بين أصابعه .. |
|||||
|
|||||