|
|||||
|
أخي الصغير مرزوق كبر! وتعلم أن يكون كبيراً، فهو مهاب محترم قليل الابتسام، سريع الغضب .....! حين يدخل إلى منزله تُعلن فيه حالة الطوارئ القصوى،، زوجته تسارع لاستقباله أمام باب المنزل؛ لتقدم له صنوف الطاعة والخضوع، أما أطفاله فإنهم يتراكضون في أنحاء المنزل بحثاً عن ركن آمن يجنبهم عينيه المتيقظتين للتجاوزات، التي يخلفها مرحهم في غيابه! حين يتحدث، يصمت كل شيء ويصيخ السمع، حتى الريح تسكن لتصغي إليه، فلقد أصبح كبيرا، وأنا لا أعلم كيف تعلَّم ذلك! ومتى؟ . عندما كنت طفلا كنت أحلم بأن أصبح كبيراً لكي أفهم غموض الكبار، وها أنا بحساب السنين قد كبرت، ولكني مازلت مسكوناً بحيرتي، عاجزاً عن إزاحة ذلك الغموض الذي يطبق على فهمي، راغباً في تحقيق حلمي، في أن أصبح شخصاً وقوراً محترماً يهابه الجميع، ويخشى الأطفال محادثته، أو الجلوس في حضرته، مثل أخي مرزوق، ولكنني إلى الآن لا أعرف كيف أحقق ذلك!؟ قبل سنة من الآن، وحين أعيتني حيلتي في فك طلاسم هذا الغموض الذي يكتنفني، ذهبت إليه، كان الوقت حينها ظهراً، وهو الوقت المفضل للتدخين عند مرزوق، بعد أن يكون قد تناول وجبة دسمة على الغداء، فللتدخين لذته التي حاولت عندما كنت أصغر من الآن أن أمارسها، ولكنني لم أستطع، وذلك لسببين لأني لم أستسغ رائحة الدخان التي كانت تسبب لي صداعاً رهيباً، ولأني تلقيت (وجبة) محترمة من قبضة أبي الخرافية، عندما ضبطني متلبساً بالتدخين، وهو ما لا يمكن للكبار أن يفوتوه للصغار، مما خلق بيني وبين التدخين عداءً أزلياً. عندما وصلت إلى منزل أخي الذي أصبح كبيراً قبلي، - رغم أني أكبره بسنوات عديدة - وجدته كما توقعت، يتعاطى السجائر بشراهة تثير الإعجاب والتعجب! ألقيت عليه السلام ، وجلست بجواره أستنشق معه دخان سجائره رغماً عني، حتى انتهى، ثم سألته، لا لم أسأله، هو من سألني، (ماذا جاء بك في هذا الوقت ؟) كان صوته وقوراً محملاً بكثير من المعاني، التي حلمت منذ أصبحت صغيراً أن أعرفها، أن أفهمها، أن أمتلك القدرة على استخدامها، ولكني لم أفلح في ذلك حتى الآن، قلت له : (أريد أن أسألك سؤالاً يشغل ذهني منذ زمن بعيد) نظر إليَ مستفهماً على طريقة الكبار التي أعرفها ولا أفهمها، قلت له بعد تردد قطعه صوت زفيره المتذمر : (كيف أستطيع أن أصبح كبيرا ؟ أود أن أصبح مثلك) أخذ يتفحصني بعينيه المزمومتين ثم ابتسم ابتسامة اختفت مع ظهورها جميع ملامح الكبار التي تميزه عني، وأصبح يشبهني كثيراً، وللحظة رأيت فيه ذلك الطفل الذي كنت أحمله على كتفي، وهو يكركر من السعادة والمتعة، ولكنها كانت ومضة سريعة، أشبه بحلم عابر، عاد بعدها مرزوق كبيراً، ونهض وهو يقول لي: (أنا لا أعلم إلى متى ستظل طفلا) ثم تركني ومضى . لم يجب على سؤالي، وببساطة تركني وذهب ، شعرت حينها أنني صغيرٌ جداً وتائهٌ فلو كنت كبيرا ما تركني، ولكنني صغير إلى حد التلاشي، والكبار لا يجب أن يجيبوا على أسئلة الصغار، وأنا أرغب أن أكبر، فلقد مللت كوني صغيراً، أود أن أصبح مثل مرزوق، ولكنني لا استطيع . قبل ستة أشهر قررت مراقبة الكبار وتقليدهم، علّي أعرف سرهم، وانتقل من مرحلة الصغار التي ما زلت حبيسها، فأصبحت لا أتكلم كثيراً ولا أسأل كثيراً؛ لأن كثرة الأسئلة كما قال لي أحدهم تدل على الجهل، وهذا لا يليق بالكبار، كما أني أصبحت لا أجيب على أسئلة الصغار؛ لأنها لا تنتهي ولأنها قد تشغلني عن الأمور المهمة - كما همس لي شخصٌ آخر- وحين أدخل إلى المنزل أرسم تكشيرة على وجهي، وأتجنب حمل طفلي الصغير على ذراعي وهدهدته؛ لأن مثل هذا الأمر للنساء ولا يليق بالكبار، كما سمعت أخي مرزوق يوماً يقول، أما زوجتي فلم أعد أداعبها بكلمات رقيقه كلما سنحت الفرصة كالسابق، ولم أعد ألاعب أطفالي الكرة في باحة المنزل، أو أحكي لهم الحكايات لكي يناموا، فكل هذه الأمور لا تليق برجل كبير مثلي . زوجتي لا ترغب في أن أصبح كبيراً هي تحبني هكذا، هي دوماً تقول لي: (أنت جميل لأنك مازلت تحتفظ ببكارة الطفولة، الطفولة جميلة محفزة، فلا تفقدها وإلا ستضيع، وأنت طفل كبير، وأنا أحبك هكذا، ألا تعلم أن النساء يحببن الأطفال أكثر من أي شيء آخر؟) لذلك لم تحتمل كوني كبيرا، فحزمت أمتعتها ورحلت (إن البيت أصبح لا يطاق) هكذا قالت لي مودعة، حاولت حينها أن أفعل مثل أخي مرزوق لو عرض له مثل هذا الموقف، ولكنني لم استطع ذلك، لأنني مازلت، لا أعرف أن أكون كبيراً كما ينبغي . لم احتمل المنزل دون الأطفال وأمهم، الحنين أخذ يرج روحي، التي مازالت تحلق في داخلي بجناحي طفل، الحنين إلى اللعب مع أطفالي، وهدهدة أحمد الصغير، الحنين إلى جلسات الصفاء مع أمهم، مفترشين أحلامنا الكثيرة، فالحنين جوع العواطف، إلى الأصل والمعتاد، لم يتركني، وظل يطرق على أعصابي، حتى هاجمتني الكوابيس، وأخذت تضغط على روحي وتغرس أنيابها فيها، فلم استطع المواصلة، فعدت أصغر من السابق، لأنني لم أعرف كيف أكون مرزوقاً آخر، وهو بخل في تعليمي ذلك، ولأنني مازلت حتى الآن سريع التأثر والبكاء، والكبار لا يبكون، وأنا بكيت وأجهشت في البكاء حين وجدتني وحيداً مع طفولتي التي لم تغادرني، والبكاء عيب على الكبار، فهم لا بد أن يخفوا مشاعرهم، وأنا لا استطيع ذلك؛ لأن دموعي مازلت تطفر من عيني كلما رأيتُ آلام الآخرين، فأنا لا أحتمل أن أرى حيواناً يتألم دون أن أتألم، ووالدتي، كانت لا تحتمل مني ذلك، وتقول لي: (البكاء للنساء والأطفال، أما الكبار فلا يبكون)) فهل هناك من يستطيع أن يعلمني كيف أصبح كبيراً، دون أن تطاردني الكوابيس، ودون أن أفقد متعة الاكتشاف، والتعلم من الصغار، وأن أستطيع التحليق في عالمهم حين يجرفني الحنين إليه، وأن لا أعاني حين أمسي كبيراً كما أعاني الآن وأنا صغير جداً جداً ؟! . |
|||||
|
|||||