صالح وروايته

 

لــــؤي عبـــــدالاله


(١)

حتى مغادرته بغداد ظل اسمه الآخر ملازما له، كان يستطيع قراءته فوق شفاه الآخرين وأعينهم، حتى حينما يتجنبون النطق به.

وإذا كان ذلك الاسم بغيضا له هناك، أصبح الآن اثيرا؛ إنه يوقظ في نفسه حنينا غير قابل للتحديد. هل هو حنين للضحكات النسائية الخافتة في بيته، لرائحة العطور، لهفهفة الثياب، لدوي الماكنة ؟ أم هو مجرد وهم تصوغه الذاكرة عادة للماضي؟

بعد وصوله إلى لندن ظل فترة يتلفت حوله مثلما هو الحال في بغداد، كأنه لا شعوريا يتوقع ارتفاع صوت من خلفه: «ابن الخياطة. » لكن هذا الهاجس تلاشى في نفسه، وسط هذا البحر الهائل من الغرباء، ليحل محله شيئا فشيئا حنين غريب للقبه.

يعزو صالح أحيانا هذا الحنين إلى شعور آخر يتنامى في نفسه، كلما زادت فترة اقامته في لندن: الندم.

الندم على طهرانيته آنذاك. كأنه كان شخصا آخر لا يمت بصلة لما هو عليه الآن. كان بيتهم غاصا بالنساء دائما. من وقت إلى آخر، تتسلل احداهن إلى غرفته تحت ذريعة واهية: «ابحث عن حقيبتي، لا أعرف أين وضعتها. » أو «متأسفة، ظننت أنها في غرفة اخواتك.»

بل حتى حينما تتجرأ مراهقة ما من الجلوس على سريره والانغمار في الحديث معه، كان ينزوي على نفسه أكثر فأكثر وراء طاولته. كأن انجذابه لأي امرأة تدخل بيتهم خرقا لمحظور: كسرا لعهد بينه وبين أبناء محلته بعدم مس نسائهم.

ما يثير استغراب صالح عند التفكير بنفسه آنذاك، هو أنه كان فعلا يسقط صورة امه وأخواته على الزبونات. انهن بحمايته أيضا. فهو الرجل الوحيد في البيت. وإذا تحملت الام أعباء كسب العيش منذ موت ابيه فهو المسؤول عن سمعة الأسرة.

لسنوات، ظل بيتهم ديرا حقيقيا: تتلفع أمه بالسواد دائما، ومن حجرة نومها اختفى سرير الزوجية الواسع ليحل محله آخر صغير، ومعه اختفت آثار الانوثة: لا مواد ماكياج، لا ملابس نوم زاهية، لا أقمشة ساتان ناعمة، وكلما اقتربت إحدى أخواته من سن المراهقة ازدادت قيود الأم عليها. تسرب إلى سمعه ذات مرة صوتها الغاضب وهي توبخ اصغرهن: «ما الذي سيقوله الجيران وأنت تلبسين تنورة قصيرة كهذه؟»

ينتاب صالح شعور حينما يحاول تذكر مراهقته أنه لم يعشها. هكذا من الطفولة إلى الشباب. حالة من سبات للرغبات الحسية. مع ذلك ظل هو وأمه  يقتسمان مسؤولية البيت مثل زوجين نموذجيين. هي عليها كسب العيش، وهو عليه متابعة دراسة اخواته وتقويم سلوكهن. ولإعطائه هالة تسمح له بأداء دوره مُنح غرفة لوحده في البيت، كذلك كف عن ارتداء السراويل القصيرة لصالح البدلات والأربطة الغامقة. وما عاد اللعب مع صبيان المحلة ممكنا في الشارع.

«أنت رجل البيت»، كانت أمه تردد ذلك كلما شعرت أنه تصرف كصبي في العاشرة لا رجلا في الثلاثين. كانت نبرتها تحمل خوفا خفيا من العالم الخارجي، إن هو تخلى عن دور الأب. «نحن تحت حمايتك.»

تحت هاجس حالة الحصار التي عاشتها أسرته ظل صالح مهووسا بطوله. فلن يمر اسبوع إلا ويقيسه. يستحضر تلك الإشارات على الجدار بقلم الرصاص حيث تنتهي قمة رأسه.

كم فرحت امه حينما شب جسده فجأة خارج شخطات القلم. ها هي تراقبه باندهاش كلما خطر أمامها، غير مصدقة عينيها. تطلب منه الوقوف بجانبها أمام المرآة، فتكتشف أنه أصبح أطول منها. تردد آنذاك بارتياح، كأنها انتظرت هذه اللحظة طوال  حياتها: «أنت سيد البيت الآن.»

لكنها لم تفكر للحظة واحدة بما كان يعتمل في نفسه. بل لم تنتبه حتى لتلك الدمامل التي ملأت وجهه، أو لوجود مجلات الموضة في حجرته.

أمام ذلك الانجذاب الغريب الذي سكنه فجأة تجاه النساء، راحت يده اليمنى دون إرادته تقبض على عضوه المنتعظ دائما. وفي أثناء  ساعات نومه ظلت تحضره صور فتيات يخرجن عاريات من الحمام، وقبل التمكن من تمييزهن يستيقظ فزعا.

وحدهن فتيات الموضة من يروي ظمأه المتجدد: كن هناك يقفن أمامه دون أن يعرف حتى أسماءهن، على استعداد للتخلي عن ثيابهن الانيقة بسهولة. وحالما يختار إحداهن تحضر معه فورا إلى الفراش.

بين أرض غاصة بنساء حقيقيات، وأخرى بصور نساء مجهولات، كان صالح يعيش في الفجوة الفاصلة بينهما: يتسلل إلى الأولى عبر الأحلام، فتتعمق في نفسه مشاعر الاثم، ويتسلل إلى الثانية عبر المخيلة وأصابعه ليكسب بعد انطفاء الشهوة خيبة وفراغا عميقين.

(٢)

مثل كل يوم أحد، يقضيه لوحده، ظل في فراشه منتظرا قدوم الصحيفة وحينما سمع خفقا ناجما عن اصطدامها بالسجاد، بعد دفعها من فتحة الرسائل، نهض مسرعا صوب باب الشقة.

فرش فوق السرير صفحات «الاوبزرفر». وكعادته بدأ بقراءة الطقس أولا: «مشمس لكن مع تساقط بعض الأمطار. هناك منطقة ضغط منخفض، ستبطـأ حركتها فوق بريطانيا. » من النافذة تطلع إلى الغيوم كأن أمس بطقسه الجميل حلم لا صلة له باليوم. سيقرأ هذا التغير المفاجئ على وجوه ساكني العمارة. صباح أمس، قالت له جارته المسنة جانيت بابتهاج: «إنه نهار مشمس، هل ستذهب إلى البارك اليوم؟»

التقطت اذناه رنين ناقوس الكنيسة المتقطع. ومثل كل أحد يثير هذا الصوت في نفسه شعورين متناقضين: شعورا بالألفة لعلامة الحياة الوحيدة حوله في ذلك اليوم؛ وآخر غريبا غير قابل للتعريف: شعورا بعزلة مطلقة.

لا تحضر بغداد إلى ذاكرته إلا عبر الأحلام، وأغلب أحلامه كوابيس تدور حول عودته إليها ووقوعه بيد رجال الأمن. شاهد نفسه ذات مرة في محل كبير. بدت له كل سلعه مصنوعة من الجلد: الحقائب والأحزمة والسراويل والقمصان والقبعات. وحينما صعد السلالم الخمس التي تؤول إلى الطابق الأعلى المفتوح برز له الرئيس واقفا امامه. هل هو صاحب المحل؟ أي نوع من الجلود حوله؟ وكل ما يتذكره حالة الهلع التي شلت خلاياه. «لا تخف، نحن سنعفو عنك إذا تمكنت من قطع الصحراء. » قال الرئيس بحزم. تغير المشهد فجأة ليجد نفسه وسط عدد غفير من المتسابقين وهم يهرولون بحمية وسط غبار كثيف متصاعد خلفهم.

استيقظ في نفسه فضول لمتابعة أخبار المرشح القوي لزعامة حزب العمال، نيل كينوك. وكأن حادثة السيارة التي كادت تقتله عمقت شعورا لدى بعض المترددين بأنه المنقذ الذي سيأخذ حطام الحزب الذي خلفته الانتخابات الأخيرة إلى شاطئ السلامة. تقف عيناه عند تعليقه المباشر بعد خروجه من سيارته المحطمة: «لا بد أن هناك كائنا ما فوق يحبني.» يقرأ في صفحة أخرى مقالا للمنافس الآخر،  روي هاترسلي: «لماذا خسرنا.» حيث يقارن حجم الخسارة التي لحقت بحزب العمال قبل خمسة أسابيع بتلك التي وقعت في انتخابات عام 1918.

جذبته مقالة باتريك سيل: «الغام الخليج المنجرفة تهدد ناقلات البترول. » أخيرا عادت أخبار الحرب إلى الصحافة. فمنذ تغير اتجاهها وبدء الإيرانيين بالقتال داخل العراق، تصاعد القصف الجوي العراقي لمنشآت إيران النفطية. يستعرض الكاتب وجهتي نظر متعارضتين: فالتقرير الأخير لصندوق الحياة البرية الدولي يؤكد وقوع تدمير هائل لفصائل الأطوم والدولفين، للطيور والأسماك، بينما تنكر منظمة دول الخليج لحماية البيئة وجود أي مؤشر على تأثر الحياة البحرية في الخليج.

ذهبت شهرزاد منذ أمس مع هيلين لزيارة أبيها المقيم في دار للعجزة خارج لندن. ومثل كل مرة تجنبت دعوته لمرافقتها. قال لها بعد زيارتها الأخيرة، قبل شهر، وهما في الفراش: «اتمنى أن التقي به يوما، فهو أحد معالم تاريخ العراق الحديث. » لكنها التزمت الصمت فترة  بدت له طويلة جدا. هل كان سؤاله مسيئا لوالدها بشيء؟ وقبل أن يستفسر، جاءه صوتها حاسما:

 «لماذا لا تنسى الماضي والتاريخ وتستمتع بحاضرك؟ أنت ما زلت شابا والحياة أمامك.»

«وماذا تقترحين أن أفعله؟»

«أن تتزوج.»

«ممن؟»

«لماذا لا تطلب من أمك أن تبعث لك بعروس؟»

اضافت وهي تضع ذراعها حول رقبته مخففة من جدية نبرتها: «ألا تفكر بإنجاب أطفال؟ وبفتاة جميلة تغسل ملابسك  وتطبخ لك وجبات عراقية؟»

توقف عند مقالة كاثرين وايت هورن: «السيد والسيدة؟» وفيها تستقصي الكاتبة أسباب عزوف بعض الأزواج عن الزواج الرسمي. لكنها تصل إلى سبب واحد فقط يبرر الارتباط الشرعي. فبعد ذهاب الروائي كيرت وفونغات وصديقته المصورة جيل كريمنتز لحضور مراسم دفن قررا الزواج. وكان السبب هو صدمتهما للطريقة التي تعاملت بها اسرة المتوفى مع صاحبته.  قص المقال لشهرزاد المعجبة بكتاباتها.

 (٣)

يشرح منير بعلبكي  في قاموسه المورد كلمة  MACABRE أكثر من إعطائها معنى محددا: متخِّذ من الموت موضوعا؛ مشتمل على تصوير تشخيصي للموت؛ مروع.

وجد صالح معنى آخر أدق: رقصة الموت.  في البحث عن أصل الكلمة صعقته الإشارة إلى كلمة مقبرة العربية. مقبرة؛ ماكابْر؛ مقابِر.

ماكابْر حسب الانسكلوبيديا بريتانيكا، مفهوم اليغوري ينتمي إلى القرون الوسطى. ويشمل كل الإبداعات التي تظهر غلبة الموت، في الدراما والشعر والموسيقى والفنون البصرية. ولعل المفهوم امتلك زخمه بفضل وباء الموت الأسود الذي حل بأوروبا في أواخر القرن الثالث عشر، وحرب المائة عام بين انجلترا وفرنسا.

لكن الإبداع الذي شاهده في ذلك اليوم ببغداد، خاص جدا، ولم يخطر ببال اي من أولئك الفنانين الغربيين الذين ظلوا يكررون رسم شخصية الموت، وهو يجذب الأحياء المغفلين إلى بيته. ولعل الفضل في إنتاج ذلك المشهد غياب كلمة مكافئة لماكابْر في العربية، فسمحت لمبدعه بنسيان حقيقة كونه مجرد أداة للسيد الموت، في تأدية رقصته، وفي المرة اللاحقة قد يكون هو موضوعا للوحة نفسها.

كان هناك ضمن حشد كبير من الطلبة، ساروا كل الطريق على أقدامهم، من الأعظمية حتى باب الشرقي، وها هو يدور معهم حول ساحة الطيران.  في البدء، لم تثر في نفسه تلك الأعمدة الخشبية المنصوبة على محيطها سوى شعور بالغرابة. لعل أسئلة من نوع: متى تم وضعها؟ كم استغرقت العملية؟ هي التي تسربت إلى ذهنه المشوش، فهذا المكان الاثير على نفسه ارتدى روحا غريبة عليه.

بعد وصوله إلى الكلية علم بإلغاء الدراسة لذلك اليوم، وبدلا من ذلك ستكون هناك مسيرة طلابية صوب ساحة الطيران. كان بإمكانه تجنب المشاركة فيها، لكن فضولا تنامى في نفسه لمشاهدة موتى حقيقيين. فطوال  حياته ظل يتجنب خوض تجربة من هذا النوع. كان صغيرا حينما توفي أبوه. وهذا ما دفع أقاربه  الكبار إلى إقصائه عن المراسم، باستثناء حضور مجلس العزاء.

هل ما شاهده آنذاك مماثلا حقا لما يحضر الآن في ذاكرته؟ لا بد أن برودة ظلت عالقة في الهواء حتى عند وصوله إلى الساحة، والشمس بدت مجمدة في كبد السماء. لا بد أن الوقت تجاوز الثانية عشرة. ها هو يجد نفسه محاطا بوجوه غريبة جاءت من كل مكان: عمال، فلاحون، معلمون برفقة تلاميذهم؛ كرنفال حقيقي، جعل جسده يتحرك خفيفا تحت دفع سيل الحشود المتدفق. إنه يدور معها دون إرادته حول الساحة، حيث يقترب حينا من محيطها، لتبعده  الأذرع حينا آخر عنها.

هناك، وسط اللافتات المرفوعة فوق الرؤوس، وسط دوي الهتافات، تمكنت عيناه أخيرا من التقاط المشهد المزروع إلى يساره: اجساد معلقة بحبال سميكة، يرتدي كل منها بذلة رياضية بلون صارخ مختلف. كانت رؤوسها في أوضاع  مختلفة أيضا: بعضها يرتفع صوب السماء اللامبالية، وأخرى منكفئة  صوب الأرض الاسمنتية.

هل جاءته حقا فكرة الرواية في أثناء  طوافه حول الجثث الأربع عشرة؟ ذلك الاندهاش المذعور الذي أصابه من رقصة الموت. هل سيتمكن مبدعها من خلق مشهد الرعب ذاك لو أن مفردة «ماكابْر» دخلت إلى العربية بمعناها الحقيقي قبل ذلك؟

بعد انتهاء مراسم الاحتفال ومغادرة الرئيس ونائبه، دخل بعض المتظاهرين الساحة تخفيفا للازدحام. ها هو يجد نفسه متجولا معهم بين تلك الأعمدة الخشبية، حيث يختلط الأحياء وبالموتى دون تحفظ، ومن زاوية انطلقت أناشيد ثورية لتختلط بتلك اللافتات المعلقة في الفراغات الفاصلة ما بين جثة وأخرى. «هذا هو مصير أعداء الثورة؛» «إعدام الجواسيس أول خطوة ثورية نحو التحرر الوطني.»

(٤)

حتى حينما يمزح الانجليزي يكون في أعماقه شديد الجدية. ولعل ذلك ما يجعله غير قادر على بناء علاقة حميمة مع الأجانب، فدعابتهم تعني بالنسبة إليه في الجوهر شكلا من الجنون، تجاوزا للحدود الفاصلة بين الأفراد، وإن حاول تقليدهم سيدخل ضمن خانة حددها قاموس اكسفورد بدقة: ECCENTRICITY،  واقرب ترجمة في العربية لهذه الكلمة: غرابة الأطوار.

حضرته هذه الفكرة في أثناء  قراءته لتقرير في الصحيفة عن الرسامة والناقدة الفنية أماندا فيلدنغ. فتحت شعور عميق بالضيق من قيود المواضعات الاجتماعية غادرت خريجة اكسفورد صوب أكثر الأماكن وحشة فوق الأرض: «الربع الخالي». وحينما عادت إلى لندن جلبت معها قناعة جديدة  بشر بها  طالب طب سابق هولندي يدعى بارت هيوز. فللتحرر من الكآبة والتوتر، ولتحقيق معرفة أعمق للذات والوصول إلى حالة من التنوير الداخلي عليك أن تثقب رأسك، فبفضل ذلك يبدأ الدماغ بالحصول على كمية أوكسجين أكبر، وكمية أكبر من الدم مثلما هو الحال مع الاطفال الرضع.

في شقتها المطلة على نهر التيمز بمنطقة تشيلسي الفاخرة نجحت فيلدنغ في ثقب رأسها، بفضل مثقب كهربائي صغير. أولا حلقت شعرها، ثم ارتدت نظارة شمسية على حوافها شريط لاصق منعا لدخول الدم في عينيها. وبعد أن سكبت مخدرا موضعيا على نقطة الحفر حزتها بمشرط صغير، لتثبِّت المثقب فيها. كان شريك حياتها جوزيف ميللن خلال تلك العملية يصور العملية بواسطة كاميرا خاصة استأجرتها فيلدنغ مسبقا لهذه المناسبة، ولم تهتز الآلة بين يديه حتى حينما انفجر الدم كالينبوع من رأس صاحبته.

اطلقت فيلدنغ على فيلمها اسم «نبض القلب».  فحالما تجاوز سن المثقب حدود الجمجمة شعرت بانطلاق دماغها  بالنبض أيضا بعد تحرره من سجونه. انها الآن ذات وعي أوسع من  دون استخدام حبوب «أل أس دي»؛ أكثر طاقة وإلهاما؛ وفي حالة شعورية عالية دائما.

 لم تكتف فيلدنغ بتسويق فوائد ثقب الرأس الجمة لأوسع جمهور ممكن: تحرر المرء من مخاطر الإصابة بالعصاب والكآبة أو الإدمان على الكحول والمخدرات، والاحتفاظ بمعنويات عالية دائما، بل رشحت نفسها لانتخابات عام ٧٨، تحت شعار واحد: جعل عملية ثقب الرأس على نفقة وزارة الصحة، وفازت بتسعة وأربعين صوتا.

لم يكن هناك في كل محاججات فيلدنغ أي أثر للهذر المثير للضحك. بل حتى الحجج المضادة ظلت محتفظة بجديتها ومنطقيتها الصلبة. قال أحد الأطباء المعترضين: لا يمكن تحقيق التنفيس في الرأس من خلال ثقب واحد بل ثقبين. فمثلما هي الحال مع السوائل داخل المعلبات، نحتاج إلى عمل ثقبين على سقوفها كي نستطيع تحريك محتوياتها.

فن المحاججة المنطقية: حتى حينما تكون القضية شاذة، خاصية انجليزية محببة. وتحقيقها يتطلب ترويض العاطفة تماما. أن تصبح القضية التي ندافع عنها أو ننتقدها خارج كياننا العاطفي.

ظل صالح يتابع بشغف الجدل الذي تفجر خلال الشهور الأخيرة حول عقوبة الإعدام. ابتدأت المعركة أولا في البرلمان، حينما قدم عدد من النواب المحافظين اقتراحا بإعادتها. وشيئا فشيئا اتسعت ساحة الحرب لتشمل الصحف ومحطات التلفزيون والراديو، ومعها تمترس المؤيدون والمعارضون وراء أسوار حججهم المتجددة، حتى مع معرفة الطرفين استحالة العودة إلى الخلف. لكن متعة الجدل وما يحرضه من تنشيط للقدرات العقلية هو الهدف النهائي، خصوصا حينما تبقى القضية منفصلة عن وجدان المعنيين أنفسهم. إنهم أكثر انشغالا بمبدأ الإعدام نفسه من معاناة ذلك الكائن الذي يلتف الحبل على رقبته.

(٥)

لم يكن هناك دليل على تورط المعدومين بالتجسس سوى ذلك التسجيل الإذاعي لمقاطع من محاكمتهم أمام محكمة عسكرية خاصة. كان التوبيخ الحاد الذي يوجهه القاضي وتْوِتْ للمتهم حينما يختنق في عباراته تصعيدا آخر للفضول: متى جرت هذه المحاكمة وأين؟ هل جلس المتهمون على مقاعد أم أنهم وضعوا في أقفاص تضيق وتتسع على صدورهم حسب إجاباتهم؟ أو هل بدأت المحاكمة في أثناء  تحضيرهم للإعدام؟ إذ  جرى بثها  في الليلة التي سبقت الكرنفال.

يكتشف الآن، وهو يراقب الشارع التجاري عبر نافذته، مصدر الرعب الذي ظل يغذي كوابيسه: تلك الحشرجات القادمة من رئات كفت عن الزفير، تقابلها سعلات العقيد وِتْوِت المصطنعة. ماكابْر صوتي يمهد لماكابْر بصري.

يحضر إلى ذاكرته عنوان آخر دروسه: الطاقة الكامنة.  طرح أحد طلابه سؤالا بدا له شديد السذاجة: «إذا كانت الطاقة الكامنة تساوي الطاقة الحركية كما يقول نيوتن لماذا يزيد تأثير الأخيرة عن الأولى بكثير؟» «هل يمكنك أن تعطي مثلا؟» سأله صالح. «قد يؤذي المرء نفسه إذا مسك مادة يورانيوم بسبب اشعاعاتها، لكن حينما تنفجر النواة يموت مئات الآلاف،» أجاب الطالب، فأثارت ضحكا صاخبا بين الآخرين جعلت وجهه يصطبغ بحمرة شديدة. بادر صالح بامتداح السؤال أولا. «من لديه تفسير؟» بعد إقصاء عدد من الإجابات، توقف عند رد أثار ضحكا وتعليقات ساخرة: «لأن الطاقة الكامنة كامنة». هل يمكنه أن يقول لهم إن هدف هذا القانون استبعاد وجود طاقة إضافية تأتي من خارج عالم المادة؟ لكنه بدلا من ذلك وجد نفسه تحت سطوة شخصية المعلم: «ماذا يحدث حين يصعد أحدكم سلما وفي يده  حجر صغير؟ طالما بقي معه ذلك الجسم فإنه لن يؤذي أحدا، لكنه حال الإفلات من أصابعه تبدأ الطاقة الكامنة بالتحرر متحولة إلى طاقة حركية. وكلما ارتفع ذلك الشخص مع الحجر أكثر ازداد الاذى الذي سيلحقه بالشخص الواقف على الأرض. الطاقة الكامنة بحاجة إلى فراغ حولها كي تحرر نفسها.»

مرقت في ذهنه، آنذاك، صورة الرياضيين الأربعة عشر، مع تغيير طفيف: على صدر كل منهم عُلقت قطعة من الكرتون مكتوب عليها اسمه بخط بارز، وتحتها كلمة جاسوس.

كيف يمكننا معرفة طبيعة الحجر الحقيقية إذا لم يُمنح فراغا؟ وكلما زاد هذا الفراغ تمكن هذا الحجر من التعبير عن مكنون نفسه بشكل أصدق. هل سيصبح سياسيو بريطانيا قتلة لو أزيحت الكوابح عن حركتهم ؟  لم يمض على الانقلابيين الجدد أكثر من ستة أشهر منذ خطفهم للسلطة، انشغلوا خلالها بالسيطرة على أجهزة أمن الدولة. وها هم اليوم يقدمون أول عرض علني لهم. ماكابْر ملوَّن يخاطب الأحشاء ويشل العقل.

لم يتغير أي شيء في المقهى الصغير المجاور لساحة التحرير. كان صاحبه مشغولا كعادته في متابعة أباريق الشاي، المصطفة فوق سطح  خزفي ساخن، وحالما وضع النادل الشاب الصينية بالقرب منه، بدأ بسكب السائل الأسود في «الاستكانات» المصفوفة بانتظام فوق صحونها الصغيرة، فراح السكر الكثيف داخلها بالذوبان سريعا وسط البخار المتصاعد منها.

 لكن حلاوة الشاي اختفت في فمه، وحلت محلها حموضة غريبة، امتزجت بتلك المتصاعدة من معدته. بدا كل شيء في مكانه،  باستثناء اختفاء بورتريت صاحب المقهى الذي خططه له فنان مفلس مقابل نصف دينار. كان ابراهيم شديد الإعجاب به، فعلقه وسط الجدار المقابل للشارع داخل إطار ذهبي، ولعل رهبة هذا الصباح أقنعته بضرورة التخلي عن بورتريته الوحيد، وتعليق صورة فوتوغرافية  للرئيس بملابس عسكرية زاهية.

جذبته ملامح الجالس إلى جواره. ولا يعرف لماذا حضرت في ذهنه شخصية ايفان كرامازوف في تلك اللحظة. لعل وراء ذلك نظارته السميكة وشعره المفروق من الوسط ومعطفه القصير المزرر. كان ينظر إليه بمزيج غريب: لا مبالاة وشغف معا، خلقت في نفسه ارتباكا مزعجا. أبعد احتمال أن يكون مخبرا، حتى مع ذلك الفضول الذي يقرأه عبر عيني  الآخر المضببتين. يستطيع أن يقدرعمر جاره. إنه في سنه أو يزيد عليه بعام أو عامين، ولا بد أنه طالب جامعي أيضا.

جاء صوته مفاجئا: «هل شاهدتهم؟» وكأن سؤاله أيقظ استغرابا في نفوس القريبين منهما. كان بعضهم منغمرا تماما في لعبة الدومينو، حتى مع استمرار الأناشيد الوطنية التي تصل أصداؤها إليهم من الساحة، وخروج البعض لإلقاء نظرة اخرى على المشهد ثم العودة إلى المقهى. «ما رأيك لو نخرج من هذا المكان؟» استفسر جاره بنبرة اليفة، تعطي انطباعا أنهما صديقان قديمان.

(٦)

اقترحت شهرزاد، الأحد الماضي، المرور على بيت ابنة خالها. كانا آنذاك في طريق عودتهما من «هايد بارك» والشمس أوشكت على الاختفاء تاركة فوق الأشجار شررا برتقاليا. «هي سافرت إلى بغداد؟» سألها. «نعم، ولكنها لم تأخذ معها سليم.» قالت بانفعال مبطن. وحينما قرأت استغرابا فوق عينيه رددت شارحة: «أنت تعرف أن أباها مريض، وهي لم ترد ازعاج أهلها.» تداركت نفسها على عجل: «على الأقل هذا ما أظن.»

عند وقوف السيارة أمام بيت قريبتها، التفتت إليه: «افكر أن آخذ سليم معي حتى عودة بيداء. هل هناك عاقل يترك طفلا مع عبدل؟»  انفجرت بضحكة تخفي قلقا. بعد دقيقة صمت ظلت شهرزاد ماسكة صدغيها بكلتا راحتي يديها التفتت إليه:

 «خلاص سآخذه الآن. ستفرح هيلين به كثيرا. ما رأيك؟»

«فكرة رائعة. استطيع أن اعتني به أيضا. عطلة الصيف ستبدأ بعد أيام في معهدي.» «والكتابة؟»

«أنا بحاجة إلى طفل مثل سليم لأدرسه.»

 وحينما قرأ فضولا اقوى في عينيها، تدارك: «في روايتي طفل يشبهه.» طبعت على خده قبلة، اعترافا بالجميل، وقبل أن تهبط من السيارة قالت على عجل: «سأعود بسرعة، لا داعي لنزولك.» ظل يتابعها عبر النافذة الجانبية، وهي تكرر دق جرس الباب. كان قادرا، برغم عتمة الغروب المتعمقة، على تلمس توترها عن بعد، من خلال رصد حركة ساقيها وذراعيها، وعند عودتها ظلت صامتة وقتا أمام المقود. «ماذا تظن أن عبدل فعل له؟» سألت فجأة، وقبل أن يجيبها، بادرت بنبرة مرحة سعيا لتخفيف قلق راح  ينوس في رأسها: «هل يمكن أن يكون قد باعه على سبيل المثال؟» ثم انفجرت بضحكة. «ألا تجد أنني أبالغ في نظرتي؟ عبدل ليس شريرا إلى هذا الحد، مو صحيح؟»  «لا، طبعا، لعله أخذ سليم إلى حديقة الحيوانات، قال مطمْئنا.»

 (٧)

حتى لحظة لقائهما في المقهى، كانت حياته محكومة بمبدأ واحد: الواجب. ولم يساوره أي شك بأن الجميع مثله.

قال ماهر بعد تلاشي الأصوات وراءهما: «ما الذي جعلك تحضر اليوم؟» وكأن السؤال أخرجه من دوامة صورة ظلت  تقفز أمامه بإلحاح: جثة ببذلة حمراء تنوس كبندول تحت تأثير نفحة هواء مفاجئة. «لا أعلم، ربما نوع من الفضول،» أجابه.« وأنت؟» «مثلك، أنا لم أر شخصا ميتا في حياتي. »

أعاد الآخر خيط الحديث بعد حلول صمت طويل بينهما. كانت خطواتهما تضرب الرصيف بانتظام وأعينهما تستدير من وقت إلى آخر صوب دجلة الذي تشرب بلون الغروب المفضل: البنفسجي الغامق. «هل تعرف أنني اكتشفت  اليوم حقيقة غريبة،» قال ماهر، «للانسان قدرة هائلة على مشاهدة أي فظاعة من دون اكتراث،  شرط أن يكون مع حشد كبير من المتفرجين. ألن تفزع لو أن ما شاهدته اليوم حضرك أمس كحلم؟»

جذبه الحوار مع ماهر، أو بالأحرى طريقته المتقنة في الاشتباك. فعبر اسئلة مدرسية بريئة، يدفع الآخر للتعبير عن قناعاته، ليبدأ هو من ثم بتقويض اسسها، منتزعا مع كل خطوة موافقة غريمه. ثم فجأة: كش ملك.

اكتشف صالح في أثناء  جلوسهما في حانة سرجون اختلافا بينهما: إذا كان هو حريصا على التحدث مع النادل بلطف كان مرافقه شديد الجفاء معه. أو هكذا بدا له الأمر آنذاك. لعل لا مبالاة ماهر بالعالم الخارجي وانغماره بحوار داخلي متواصل كانا وراء انشداده إليه. إنه هو الآخر يشعر الآن بالحرية الداخلية. كأن الزبائن المحيطين بهما كيان هلامي لا يثير أي ارتباك في نفسه. «هل تحب أن تأتي معي إلى البيت؟» قال مرافقه، ثم أضاف حينما قرأ ترددا فوق عينيه: «سيحضر أصدقاء آخرون هذه الليلة، وقد يعجبك بعضهم.»

(٨)

تابعت عيناه حقل الاخبار المقتضبة: «سلسلة سي أن دي: عشرة آلاف معاد للأسلحة النووية يتظاهرون أمس، مشكلين سلسلة بشرية طولها ميلين عبر هايد بارك بين السفارتين الأميركية والسوفيتية؛ معركة بيروت: اندلاع قصف ثقيل عند حافة بيروت بين المليشيات المسيحية والدرزية.»

حضرته جملة الرسام سيزان الشهيرة: «كل شيء في الطبيعة مصاغ وفق الكرة والمخروط والاسطوانة. على المرء أن يتعلم الرسم من هذه الأشكال.» أعاد كتابتها في دفتر ملاحظاته بهذا الشكل: «كل شيء في الطبيعة مصاغ  وفق طاقات الشعور  والغريزة والعقل. على المرء أن يتعلم الكتابة من هذه الأشكال.»

عاد إلى الصحيفة: «تقترح السيدة تاتشر فرض عقوبات سجن أطول ضد المجرمين العنيفين ارضاء للمحافظين المناصرين لعقوبة الإعدام؛ نيلسون مانديلا، زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي المحظور، يبلغ غدا الخامسة والستين، وسيشهد المناسبة داخل زنزانته في سجن بولسمور الواقع خارج كيب تاون.»

خلال آخر حفلة عشاء نظمتها شهرزاد قالت لريتشارد كسرا للصمت القائم بين ضيفها وبينه: «هل تعرف أن صالح يكتب رواية.» كانت قوة صوتها كافية كي تجلب انتباه كل المدعوين، وتضاعف من ارتباكه.

«عن أي شيء تدور؟» سأل جاره بطريقة بدت له مصطنعة.

«حول الطاقة.»

 «إذن هي رواية خيال علمي؟»

«تقريبا. »

«بالتأكيد أنت تستخدم أسلوب تيار الوعي؟»

«لا أظن. »

«وهل يمكن كتابة رواية اليوم بأسلوب آخر؟»

«أظن أن تيار الوعي خدعة فنية لسرد حكاية بأقل الخسائر.»

«كيف؟»

«أن تتبنى صوت البطل الداخلي. لكن من يستطيع أن يثبت أننا نفكر بهذه الطريقة؟ رؤوسنا ليست سوى مكاتب من الفوضى، هدفها فرض النظام على ما هو خارجها.»

كسرت شهرزاد الحديث بينهما. «هذه حفلة عشاء لا ندوة ثقافية. تعالا خذا حصتكما من الطعام قبل اختفائه. » قالت بمرح.

(٩)

حتى انفتاح الباب، لم يتخيل صالح  للحظة، وجود عالم آخر في بغداد مختلف عما ألفه من قبل. قال ماهر معرّفا بالفتاة التي ارتبكت قليلا لرؤيته: «مها زوجتي.» لعل عينيه تسللتا للحظة دون إرادته إلى ما تحت التنورة القصيرة: إلى أسفل الفخذين العبلاوين. ولم يكن ليفعل  ذلك لولا كأسي العرق اللذين تناولهما في سرجون.

يتذكر، حتى بعد كل هذه السنوات، غرفة الجلوس لحظة وصوله إليها. هل جلبت انتباهه صورة غيفارا أولاً أم الجورنيكا؟ لا بد أن عدد الحاضرين زاد عن الاثني عشر، لكن انفتاح الغرفة على الممر سمح لبعضهم بالجلوس عند حافتها.  ما أدهشه حضور الفتيات. كان البعض منهن جالسا على الكنبتين الخشبيتين المتقابلتين، بينما افترشت أخريات الأرض. بدا الجميع منتشيا تحت غيمة دخان السجائر. كان  صوت الشيخ إمام يترجع في الفراغ وسط اللغط المتواصل كهمهمة طقسية غامضة، فتزيد من غرائبية المكان.

عرّفه ماهر بالكل. ابتدأ أولا بشريكي سكنه: سمير وزوجته.

 أثار انتباهه التحول الذي طرأ على مناخ الجلسة حال ظهور ماهر: كأن الرجال أصبحوا أكثر جدية. قال سمير معاتبا: «أين ذهبتَ كل هذا الوقت؟ أنت تعرف بلقائنا؟» كانت نبرته المهزوزة والحادة تشي ببلوغه الثمالة. وما عزز هذه القناعة في نفس صالح تلك النظرة النارية القصيرة التي أسقطها الآخر عليه.

لكن سمير عاد إلى حمى نقاشه السابق مع ضيفين آخرين، ومع جلوس ماهر أمامه اصبح صوته أكثر تماسكا وثقة.  «أنا أقول: الوجود يسبق ماهيتنا. وإن اختياراتنا هي التي تحقق هذه الماهية. أليس كذلك؟» كانت عيناه مسلطتين على ماهر بانتظار كلمة استحسان منه. «وأين هو موقع اللاشعور من ذلك؟» سأله أحدهما. ارتفع صوت سمير غاضبا: «اللاشعور كذبة كبيرة هدفها نزع المسؤولية عنا. » التفت فجأة إلى صالح مستفزا: «وأنت ما رأيك؟» لا بد أن احمرارا طفح على وجهه جعل الآخر أكثر عدوانية: «اتفق معك، ولكن العامل الاقتصادي.. » «دعك من هذا الهراء،» قاطعه سمير، «أنت من أتباع المنجل والمطرقة؟ اِعترفْ. أنا لن أشي بك.» اندفع بضحكة هستيرية: «اتفق معك!» «من طلب منك أن تتفق معي؟ ألم يقل لك ماهر إن توليد الأفكار متعة بحد ذاتها لا تتطلب أي ايمان بها؟»  تدخّل مضيفه لحمايته. قال لسمير بنبرة رقيقة وصارمة معا: «لماذا لا تذهب إلى الحمام وتغسل وجهك؟»

(٠١)

كان صالح، لحظة قطع شهرزاد حواره مع ريتشارد،على وشك إجراء مقارنة ما بين نظرية اللايقين الفيزيائية وعملية التفكير: نحن لا نستطيع أن نقيس سرعة الالكترون وموقعه معا؛ كذلك نحن لا نستطيع أن نفكر ونرصد تفكيرنا معا. اسلوب تيار الوعي أشبه بالشكل الافتراضي الذي قدمه بوهر للذرة. أنيق، لكنه لا يمت بصلة للواقع. حينما يحاول أي منا للحظة مسك ما يدور في رأسه، تختفي كل تلك الأمواج  العاتية، المتحركة في شتى الاتجاهات، تاركة وراءها فراغا. ما نراه في الشارع من حركة منتظمة للأفراد لا تتماشى مع كمّ الضجيج الدائر وراء قشرة الرؤوس. وعينا يظل منذ لحظة استيقاظه منفلتا: ذكرى تطرد أخرى، فكرة تختلط بأخرى، عاطفة تحل محل نقيضها. وحالما نقرر مراقبة هذا الدفق الهائل يختفي كل شيء.  نفكر بالعالم فتختفي ذواتنا؛ نفكر بذواتنا فيختفي العالم.

يتوقف عند هذا الخبر: اتفاق ارهابيي الستر حول الخونة: «يسود اعتقاد بأن الإرهابيين الجمهوريين والموالين في أيرلندا الشمالية يعملون معا لتصفية «الخونة» الذين ساعدوا في اعتقال ٨٠ منهم وكشف جرائم قتل تعود إلى ١٠ أعوام»

ما الذي يشده إلى رسوم سيزان؟ تابع من فراشه صور اللوحات الملصقة على الجدران. لعله الشعور بعدم اكتمالها. أو ذلك التشويه المتروك على وجوه الأفراد، لكنه حالما ينظر إلى اللوحة ككل يكتشف التناغم بين أجزائها.التضحية بالجزء لصالح الكل. إزالة الفارق بين وجه الانسان وسطح التفاحة .الكل  يمتلك حقوقا لونية متساوية. كذلك هو الحال مع أبطاله، يتحدد الفارق بينهم  بدرجة الطاقة ونوعها. وإذا كانت حدود الجسم لا تظهر عند سيزان عبر الخط الحدودي بل عبر درجة الإضاءة والظل مع السطح الآخر فإن خصائص البطل في روايته لا تظهر إلا من خلال تجاوره مع الشخص الآخر.

«احتفل مانديلا وزوجته الثانية ويني  باليوبيل الفضي ليوم زواجهما هذه السنة؛ موت المنشق السوفيتي يوري أورلوف المضرب عن الطعام في السجن، بعد إصابته بالتهاب رئوي.»

وقف أمام آخر صورة رسمها سيزان لجبل «سانت فيكتوار». هنا يتم تشكيل المشهد بواسطة بقع لونية فاتحة وغامقة  تتجاور جنبا إلى جنب. وعند النظر إليها منعزلة لا توحي بأي إشارة للأشياء. فقط عند رؤية الشكل كاملا نكتشف معالم المشهد الآسرة، ولن تجد العين أي صعوبة في التلقي حتى حينما تكون بعض بقع السماء خضراء.

هل يمكن لشخصياته أن تكون مجرد بقع لونية ذات طاقات فاتحة وغامقة؟ لكن ماذا حول العاطفة؟ هل هي طاقة مستقلة يجب إضافتها إلى الطاقات الثلاث الأخرى أم هي مصدرها؟

ـــــــــ

٭ جزء من عمل روائي


تصميم الحاسب الشامل