|
|||||
|
١ عبر سلسلة من الطرق الالتفافية المنحدرة تابع سيره وسط غابة كثيفة. كانت الطرق تتشعب عند كل انعطافة. وكان عليه أن يختار في كل مرة طريقاً من بين عدة طرق، وأن يتحكم في جسده مستجيباً لاندفاعه الحر، ملقياً بكتفيه إلى الوراء للتوازن مع جاذبية الانحدار، زاحفاً على مقعدته متشبثاً بيديه كلما استشعر خطر هاوية. لم يكن يرتدي حذاءه الثقيل ولاحذاء الرياضة الخفيف، بل صندلاً أملس النعلين مما زاد من خطورة الاندفاع وبدأت ركبتاه وكاحلاه تؤلمه. يلقي بكتفيه إلى الوراء مواصلاً التقدم، شاحذاً أذنه، ليتسمع من تحت حفيف الأشجار أي دبيب معاد. لم يخل خوفه من غبطة ليقين يستقر في قلبه بأنه يسير في الاتجاه الصحيح. أخذ لهاثه يتزايد من دون أن يجرؤ على التوقف خوفاً من اقتراب الليل. وقبل أن تخور قواه تماماً لمح في الانعطافة الأخيرة لافتة: «المكتبة بعد عشرين مترا». أخذته رهبة وفَزِع جالساً على فراشه. أخذ يمسح العرق الغزير الذي يتصبب منه على الرغم من برودة الجو، ويتحسس مفاصله التي تعاني ألماً حقيقياً. احتاج إلى لحظات لكي يستوعب محتويات الغرفة. أرهف سمعه للوشيش القادم من الخارج، لم يكن سوى صوت اصطدام حبات المطر بالأسطح وأغصان الشجر. هل يمكن أن يتوصل في نومه إلى ما لم يدركه في الصحو؟! أياً كان الأمر؛ فقد أبهجته استعادة قدرته على الأحلام. ولليال عدة سيعاوده ذات الحلم، وفي كل مرة يركز انتباهه على نوع واحد من علامات الطريق. مرة ينشغل بالمسار الوعر من الحجر المسنن، يراقب درجات الانحدار، عدد الانعطافات.. مرة بمستنقعات وقنوات المياه الموازية، لون مياهها وكميتها، مواقع تكاثف الطحالب.. مرة يركز انتباهه على نوع العشب، والطريقة التي يلتف بها حول الجذوع.. مرة بالأشجار، أنواعها، أطوالها، الحشرات التي تحط على أوراقها. كان مثل تلميذ سعيد بتقدمه في حفظ المنهج مع كل مرة مراجعة، أحاط بالتفاصيل الدقيقة للطريق، لكن من أين يبدأ هذا الطريق، وأين هذه الغابة التي تنتمي إلى المناطق المعتدلة، أو الأميل إلى الباردة بما تحوي من أشجار الكستناء والتيليو الذي يعبق أحلامه برائحة عطرة. هل يمكن أن تكون هذه الغابة حقيقية، موجودة هنا فعلاً أم أن ذاكرته الحلمية تستعيدها من فيلم أجنبي شاهده يوماً؟ صار أكثر ما يشغله في النهار تأمُل أشجار الساحة بحثاً عن غابة أحلامه الغريبة. باستثناء نخيل الزينة لايضم نطاق الحراسة الخارجي سوى القليل من الأشجار غير النبيلة التي تشتهر بها البلاد. وإذا كانت هذه الغابة حقيقية، فلابد أنها تقع إلى الداخل، في مكان ما باتجاه القصر. ـ نعم باتجاه القصر! صاح بقوة أجفلت جواده، والضباط القريبين منه وجيادهم. انتبه إلى أنه كان يمضي ذاهلاً؛ مشغولاً بكل فكره طوال مدة الموكب في لغز المكتبة، ومن حسن حظه أن صيحته جاءت في طريق العودة لحظة العبور من البوابة، فلم يلحظها القائد الذي كان في مقدمة الطابور يؤشر لفرسانه بإفساح الطريق أمام العربة الرئاسية التي انزلقت من بين صفي الحراسة كإصبع موز، وتركت صفي الفرسان وراءها كقشرتين تجعدتا كيفما اتفق وأُلقي بهما باتجاه الثكنات. أحس الحصان بقلق فارسه، فسار به مهدهداً حتى ترجل عنه، فودعه بمسحة من رأسه على زنده الحديدي قبل أن يفترقا إلى ثكنتيهما. بمجرد ولوجه غرفته تخلص من ثقل الحديد، وشرع يتحسس العرق في شعره وفي سترته المبلولة. أخذته رجفة بسبب تيار هواء بارد لفح سخونة جسده فأغلق الباب خوفاً من نزلات البرد التي زادت قابليته لالتقاطها في الفترة الأخيرة. وكان يستمع إلى حمحمة جواده تدعوه لفتح الباب، لكنه تجاهل توسلات الجواد التي تصله مبعوجة ومضخمة بفعل الريح التي عادت قوية تنذر بمطر جديد. عندما أحس بعودة حرارة جسده إلى طبيعتها نزع ملابسه، وقبل أن يتحرك باتجاه الحمام تأمل عريه في المرآة كما لو كان يتعرف على جسد يراه للمرة الأولى، لم يكن جسده ذاك الذي يحتضن مشروع كرش تلتف عليه خواتم الشعر الأبيض المجعد. داعب إصبع بطنه الهامد كمن يعثر على لقية غريبة تسعده دون أن يعرف لها فائدة محددة. ـ لايمكن للمكتبة إلا أن تكون هناك. أخذت الفكرة تنتفش حتى احتلت فصي دماغه. مضى إلى الحمام مستسلماً لسيل الماء الساخن، يمنح جسده الخدر ويجرف التوتر ورائحة العرق بعيداً، ويعيد إلى ذاكرته ليلة التيه في حديقة القصر التي تشبه غابة أحلامه، متشجعاً بعودته وزميله ضابط المدرعات سليمين من دون أن يلحظهما حرس النطاق الداخلي، الذي يعتمد على ضباط من أسرة الرئيس ذاتها. شجعته الذكرى على بدء النظر إلى القصر وما يحيط به باعتباره مكاناً واقعياً، يمكنه بوصفه ضابطاً يسهر على حمايته، أن ينظر إليه وأن يقترب منه، خصوصاً وأن ما يسعى إليه في صالح القصر وساكنه الذي سيكون بفضل رائد الشجاعة أول حاكم تشهد ولايته تطوراً في منظومة الحراسة يضرب سوراً منيعاً من الأشعة بينه وبين الرعية. ـ لن يكون مجرد إنجاز أمني! فكر، بينما كان يفرك شعره بالمنشفة أمام المرآة، أن الخطوة التي يحلم بإنجازها تستحق التعب والمخاطرة؛ فهي تحقق الأمان الكامل للرئيس، وتضمن له ما يعد مستحيلاً في ظل المنظومة الحالية؛ الحب من بشر لن تعيشوا بعد اليوم مهددين بالعمى أو التيه إلى الأبد في الأنفاق التي تفتح تلقائياً لابتلاعهم من طريق المواكب. عاد إلى التفكير العملي في مشروع التحكم الآلي، وزاد إصراره على الوصول إلى بداية الطريق الذي سيأخذه إلى المكتبة والذي صارت تفاصيله أكثر واقعية من ممرات قطاع الحراسة بالمعسكر وشوارع المدينة التي يقطعها كل يوم. كتب عشرات الصفحات من التصورات للمشروع وصارت أفكاره أكثر جرأة ووضوحاً، متخلياً عن الإشارات المبهمة التي كان يسجلها في السابق، والتي لم يهتد هو نفسه إلى بعض مراميها بعد أن أهملها خلال السنوات الأخيرة بضغط التدريبات المرهقة في البداية واستسلاماً للملل فيما بعد. ورغم تخليه عن الالغاز فيما يخص أفكاره المدونة، إلا أنه لم يجد بعد الشجاعة للحديث علناً عن المكتبة، كان يحوم حول رغبته من بعيد، وكان الضباط يضاعفون حذره بإجاباتهم المبهمة، وأحياناً بمهاجمته بسبب تعويله على الكتب التي تقول عادة كل شيء ولا تقول شيئاً، حتى زهد تماماً في سهراتهم. وصار يقضي الليالي مسترخياً في فراشه، يستمع إلى صوت عقله متيقناً أنه يمكن أن يهتدي إلى طريقه عبر التأمل وصفاء الروح. ٢ بغتة انطفأت الشمس! وللمرة الأولى بعد كل هذه السنوات يدرك حكمة إضاءة أعمدة الشوارع نهاراً أثناء عبور المواكب الرئاسية، وإضاءة أنوار المعسكر بصفة مستمرة.. على مدى كل هذه السنوات كانت أضواء الأعمدة المختنقة تحت أشعة الشمس تعبر أفق عينيه كجمرة غافية لاتترمد ولا تشتعل، بينما يطن في أذنيه الصوت الأجش لذلك اللواء الذي لم يعد يتذكر اسمه الآن، وإن كانت عبارته تتردد مضخمة في سماعات قاعة المحاضرات بالكلية: «من أجل مستويات الأمان الأعلى يجب أن نتصرف على أن الشمس قد تنطفيء فجأة». لم يكن الظلام من النوع الواقعي؛ بل مصمتاً مثل ظلام الكوابيس. بدأ ذلك أثناء طابور التمام المسائي، قبل موعد الغروب بساعة، غيمة كثيفة واحدة غطت سماء المدينة دون أن تتحرك أو تسمح لشعاع من الشمس بالنفاذ. مصابيح الأعمدة على الأسوار وبطول نطاق الحراسة تكاد تُرى مثل هوة صغيرة حمراء وسط كهف. في اللحظات الأولى التي لاحت فيها العتمة لم يبق واضحاً من الأجساد إلا أزواج العيون تلمع في آخر ضوء قبل أن تنطمر هي الأخرى تحت فيضان الظلام. ولم يعد هناك شيء سوى همهمات معلقة في الفراغ، مع دبيب الأقدام المتدافعة بلا نظام نحو الثكنات. لا أثر للقمر أو لنجمة واحدة في السماء، من دون أن يبدو أي بصيص أمل في تبديد هذه الكآبة. وكان من السهل الإنصات لنحيب الضباط الصغار، بينما تأتي من جهة الاسطبلات حمحمة الخيل ونواح الجند مثل ترجيعات كورس حزين. تعليمات الطوارئ حملها شفاهة إلى غرف الضباط جند يدبون معتمدين على عصيهم كعميان، يجسون الجدران بحثاً عن الأبواب، وعندما يهتدون إلى باب أحدهم يتلون عليه التعليمات متلجلجين، يجيئون ويذهبون من دون أن يؤدوا التحية العسكرية. والضباط الذين وجدوا أنفسهم على مسافة خطوة واحدة من نهاية العالم تساهلوا في هذا الحق الذي تضمنه اللوائح والأعراف العسكرية منذ بداية التاريخ، من دون أن يتمكنوا من الإمساك بكلمة واحدة سليمة بين ركام الكلمات التي تتدافع مهشمة من أفواه الجند المذعورين. ـ لن أحصل على الأمان كما في هذه الليلة. لاينبغي الادعاء بأن ضابطاً يمكن أن يكون محصناً ضد الخوف من الموت لمجرد أنه يحمل شارة الشجاعة، لكنه أزاح مخاوفه بعيداً مقدراً أن احتمالات الهلاك تتساوى مع احتمالات النجاة. وفي الحالة الأولى ليس هناك من فرق بين أن يستقبل قيامته على سريره أو بينما يدب في غابة، أما إذا كان الإظلام مجرد ظاهرة طبيعية خلقت ذعرها بسبب الجهل بها فإنه سيكون قد ضيع فرصة نادرة لتنفيذ رحلة قطعها مئات المرات في أحلامه. ليس هناك من أحد يمكن أن يستوقف أحداً الليلة. فتح درج الكومودينو وسحب مسدسه، تمنطق به، ثم التقط نظارة الرؤية الليلية. وضعها على عينيه ناظراً باتجاه الباب فلم ير شيئاً. أعادها إلى مكانها وغادر الغرفة بخبرة قدميه متحرياً السير منتصب القامة، بخطى لايوهنها الظلام أو الخوف. ـ حتى لو كانت هذه نهاية العالم، سأرحل كضابط.
لم يكن يتذكر كلمة السر التي حملها إليه مبعوجة في الظلام صوت تلجلج بها بين كلمات كثيرة. ولم يكن لذلك أية أهمية. الحراس غير المرئيين نشروا شباكاً يستوقفون بها أي هدف يتحرك. اصطادوه أكثر من مرة. وكانوا يهذون بأحرف مقطعة الأوصال فيفترض أنهم يطلبون منه كلمة السر، ويجيبهم بهذيان مماثل يعتبرونه الجواب الصحيح فيرخون الشباك ليعبر من نطاق الفرسان ويسرى إلى نطاق المدرعات، فالمدفعية، قبل أن يولي وجهه عكس السور الخارجي ويتوغل باتجاه القصر. إما أن الشمس بدأت تشرق من جديد، أو أنه يحلم، أو أن عينيه استدعتا في الظلام الكثيف صورة الغابة كما رآها في الأحلام؛ فقد بدأت أشجار التيليو والكستناء في الظهور التدريجي. والمنحدرات التي تدرب عليها في ظلام نومه يقطعها الآن بكل همة على الرغم من آلام كاحليه، واقتراب قدميه من الالتواء أكثر من مرة في منعطفات خطرة، لكنه حافظ على توازنه، وواصل اختيار الانعطافة الصحيحة دائماً حتى وجد نفسه في مواجهة اللافتة الإرشادية المضيئة «المكتبة بعد عشرين مترا». ٣ على الرغم من اضطرابه تصرف كضابط. لم ينحن للعبور من الفتحة الضيقة للكهف، بل جلس وزحف على مقعدته. معتمداً على ذراعه اليمنى، وباليسرى اتقى الضوء الباهر القادم من عمق لامتناه. بعد المنحدر المرصوف بأحجار البازلت المتناسقة، كان بوسعه أن يقوم وينفض التراب عن مؤخرته ويتقدم منتصب القامة. أخيراً! فاجأه الصوت الطاعن ففزع، واتخذت أطرافه قراراً فورياً بالفرار، لكن عقله أدرك الاستحالة، وأطلق الكوابح التي ثبتته في مكانه لحظات قبل أن يتقدم ليرى الشخص المختفي في كرسيه الضخم ولا يبدو منه سوى رأسه الثلجي الشعر. توقف عن الضرب على مفاتيح كمبيوتر أمامه، واستدار حتى صار في مواجهة الضابط، يتأمله بهزة من رأسه، وكأنه تأكد من حُسن توقعه. ـ جئت في وقتك. قال الشيخ بينما أخذت يده تعبث بفأرة الكمبيوتر. ـ وهل تعرف ما أريد؟ رد ضابط الشجاعة بثبات أدهشه اكتشافه في نفسه. ـ أكثر مما تعرفه أنت. أشار إليه ليجلس على إحدى الحشيتين المجاورتين لمكتبه. وعاد متعالياً ومخفياً وراء شاشة الكمبيوتر. أخذ الرائد يعطس بتأثير الرائحة الكثيفة للجلد المدبوغ والعثة. وبدأ يستعيد قدرة عينيه المعشيتين على الرؤية. بدا المدخل رأس مثلث شديد الاتساع تتفرع داخله الرفوف في ممرات لامتناهية، حيث تتراص الرقاع الجلدية والمجلدات الضخمة الحائلة اللون على الرفوف الأدنى، وكلما اتجهت لأعلى تأخذ الرفوف الهرمية التكوين في الضيق، وتدق مجلداتها التي تنتهي برف شاهق أخير للأقراص المدمجة على ارتفاع شاهق تحت السقف المزين بالنجوم. كف الشيخ عن الضرب على مفاتيح الكمبيوتر، ورفع رأسه فبدا وجهه الطاعن بعينيه الصقريتين تخترقان الضابط الذي تحير في العثور على بداية جديدة لاستئناف الحوار. ـ كيف تحيا هنا وحيداً يا عماه. ـ إلى هذا الحد أعشاك الضوء؟! قال الضابط العتيق، بينما أشار بإصبعه إلى البعيد. حاول الضابط تتبع إشاراته قبل أن ترتد عيناه متوسلتين. قرأ الشيخ حيرته، وقال في نبرة عتاب: ـ جئت تبحث عن اللامرئي بعين كليلة! عاد الضابط إلى التدقيق في الأفق اللانهائي، ولم ير شيئا. تململ محرجاً في جلسته. أدار الشيخ شاشة الكمبيوتر حتى أصبحت مرئية من كليهما. واستدعى مخططاً يشبه متاهات ألعاب الطفولة. أخذ الشيخ في تحريك مؤشر الكمبيوتر. ـ نحن هنا. كانت مئات الممرات، تنطلق متشعبة لتلتقي مع ممرات أخرى تتجمع أطرافها مثل بتلات الوردة حول فراغ دائري تنطلق منه الممرات مجدداً وتتعانق مع ممرات أخرى، في انعطافات جديدة وهكذا. أوقف الشيخ المؤشر على أحد هذه التقاطعات وكبّر الصورة، فبدت في وسط الدائرة طاولة مستديرة حولها رجال بسحنات مختلفة، أمامهم أجهزة كمبيوتر وأقراص مدمجة ومجلدات بمختلف الأحجام. كرر هذه الوقفات على عدد كبير من الانعطافات. بعض الطاولات انصرف مستخدموها إلى المطالعة في صمت، بعضها نطق الكمبيوتر بمناقشاتهم الصاخبة بلغات معروفة وأخرى غير معروفه. ـ ليس بينهم حارس واحد! قال رائد الشجاعة، فرد عليه الشيخ الذي بالغ بتكبير الصورة عارضاً مقاطعها جزءاً بعد الآخر: ـ كلهم حراس، تقصد ليس هناك ضابط واحد. ـ الضباط هم الحراس. ـ يحرسون الوهم، ويموتون في معارك خاسرة، لكنك هنا لتحرس فكرتك، ومعركتك تستحق التضحية. ـ هل تعني أنني سوف أموت هنا؟! ـ تقصد التخلي عن الجسد؟ الجميع يحدث له هذا بطريقة أو أخرى، هنا أو في مكان آخر. ـ هؤلاء..؟! ـ تخلوا عن أجسادهم منذ قرون، لكن أفكارهم كانت من الثبات بحيث أبقتهم أحياء، انظر! وأخذ الشيخ في تكبير الصورة حتى ملأت الشاشة، وحرك مؤشر الصوت. ـ أتسمع؟! لم تلتقط أذناه عبارة واحدة، ولم يستطع أن يحدس بما ينطوي عليه الجدل الحار بينهما. تطلع إلى الضابط العتيق الذي تابع من دون أن ينظر إليه: ـ يقضون اليوم في الدفاع عن أفكارهم، ومن كثرة الجدل تنفرط كلماتهم وتختلط، وعادة ما يخفقون في إثبات شيء محدد، فينصرفون إلى إعادة فرز هذه اللغة من تلك. ـ وكيف لي أن أتعامل مع كل هذا؟! ـ إخفاقهم ليس معناه إنعدام أمل. قال الشيخ، بينما كانت أصابعه تعبث بمفاتيح الكمبيوتر، معيداً إلى الشاشة الصورة الكلية للمكتبة بتشابكاتها المدوخة. ـ كلهم أخفقوا وسأنجح أنا؟! ـ لم يخفقوا، أضاف كل منهم سؤاله وهذا يكفي. فكر رائد الشجاعة أنه جاء للبحث عن إجابة، وليس لإضافة سؤال. ولم يعلم أن الشيخ سيلتقط ما يفكر به . ـ على أحد هذه الرفوف يستريح كنزك. ـ وكيف أجده؟ ـ مسألة حظ، قد تجده سريعاً وقد تستغرق وقتاً وقد تضل إلى الأبد. دقق رائد الشجاعة مذعوراً في الخريطة المعقدة للمكتبة محاولاً تبين مواضع الانعطافات الدائرية التي صارت مجرد نقاط ضئيلة بين الالتفافات. تخيل مصيره عندما ينتهي روحاً هائمة بين أشباح هذه المتاهة. نظر في عيني الشيخ اللتين تتفرسانه. أحس بالدوار. وبدأت الروائح المخزونة تثقل على صدره فتضاعف إحساسه بالاختناق. وصارت الرغبة في الهروب أكبر من أي فضول لديه. هب واقفاً وسرعان ما تهاوى إلى الأرض. عندما أفاق على جرف كان نور الصبح يكافح حتى يشق الظلمة، أخذ في تدليك جسده المرتعش حتى تمكن أخيراً من الوقوف. لم تكن هناك مكتبة، ولم تكن هناك لافتة. انسحب بخطى واهنة، وأخذ في تسلق المنحدر، متنفساً هواء الغابة المضمخ بروائح الأوراق المتخمرة تحت الأشجار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٭ فصول من رواية جديدة للكاتب بعنوان ((الحارس» تصدر قريباً بالقاهرة.» |
|||||
|
|||||