الفرو الأبيض

 

محمـــود الرحبي


                        الى عزيز الحاكم

في قلب سور دار الدباغة  بمدينة فاس ،  بعد أن توارت الظهيرة ، وبدأت حصر الظلال بالهبوط من الثقوب وقواعد جدران الطين ، لتنتشر مترعة في أزقة المدينة القديمة .

كان التاجر البهلوي لحظتها ينكش بإحدى يديه أفكار الخسارة التي أصبحت  تراوده بسفور عن نفسها،وبيده الأخرى يدحرج ببطء خرزات مسبحته، حين مر بجانبه رجل تتصنع عيناه أسئلة حائرة لاتقل شراسة عن تلك التي  يحسها البهلوي في خلوته

تلفت الرجل وهو يجاهد أن يضمن بأن قسمات حيرته تصل كاملة الى عيني البهلوي ، الذي كان يرمقه باستغراب هادئ ، وقد أوقف سير خرزات مسبحته .

رفع الرجل رقبته وحك بضيق مصطنع الصفحة الملساء لذقنه ، وحين اصطدمت نظرتاه بعيني البهلوي اقترب خفيفا وعلامات من الدهشة تتشكل عنوة فوق محياه :

- السلام عليك أيها البهلوي

- وعليكم السلام ورحمة الله

- سمعت أنك أشهر باعة الجلود في فاس

- هذا مايقوله الناس

- لن أطيل عليك ، فأنا في عجلة، ما أريده فقط هو فرو ثعلب أبيض .

- فرو ثعلب أبيض؟ ، لم أسمع به ، ويؤسفني أن أرد طلبك ، لدي أنواع أخرى أدخل لترى

- لا ياسيدي الحاج ، طلبي هو فرو ثعلب أبيض ،وسأشتريه منك بخمسة ملايين سنيتم

-  من أين لي بفرو ثعلب أبيض ؟!

- لقد طلبه مني رجل ثري ، فلكي تستطيع زوجته أن تنجب له غلاما، لابد لها من أن تغطي وصفة الفقهاء بفرو ثعلب أبيض، سأتركك الآن وسأعود اليك بعد شهر ، ابحث عنه، وهذا نصف مليون سنتيم  ضعه عندك كتأكيد على حسن نيتي ، وبعد شهر حين أعود ،وربما لن تتمكن من إيجاد  الفرو، فعليك أن تعيد المبلغ إلي، إني أسمع عن شيوع أخلاقك و أعرف بأنك لن تلمس مالا لايخصك

- اترك السر بيننا يابني ، وسيحل الله مايشاء

اختفى الرجل ، بعد أن ترك مايشبه اللكمة المباغتة في وجه البهلوي ، الذي تحولت حياته بعد ذلك إلى سؤال مفتوح يطل على فراغ قاحل، ومثل لصقة القلق الأبدية ارتسمت في عينيه صورة البحث فوق الأكف  والأكتاف للبشر الذين يمرون أمام عينيه .

وذات يوم يمكن تشبيهه برملة  الصحراء التي باغتها المطر ،قفز البهلوي من مكمنه ، ليرى كتفا أبيضا .

ترك حانوته وخطى شارد الذهن وراء الكتف ، وحين اقترب منه تملاه بمهل، ثم ربت عليه ليتحسسه، فانتبه صاحبه  فجأة :

- لاتخف ياأخي . أريد ان اسألك فقط عن هذا الذي تحمله فوق كتفيك

- شيء يخصني وحدي . دعني فأنا متعجل

- أجبني فقط وسأتركك

- كما ترى بعينيك . فرو ثغلب

-  فرو ثغلب أبيض

استدار الرجل وشع بريق مستريح من عينيه .

-نعم هو كما ذكرت

- أريده منك ، سأعطيك ماتطلب فيه

- ليس للبيع ، اني اتبرك به منذ زمن ، وهو كما ترى نظيفا لأن عنايتي به لم تتوقف .

- بعه لي ، سأعطيك ماتطلب

- لايمكنني أن أبيعه، إن به سري وأجزاء طويلة من حياتي

-  أيكفيك نصف مليون سنتيم

- ولامئة مليون ، قلت لك ليس للبيع وأتركني ياسيدي الحاج  وشأني

- مليون

- ارجوك  ، قلت لك أنه ليس للبيع

- اني احتاجه حقيقة ، لاتجعلني أقف طويلا يابني

- إن ذكرت لي ثلاثة ملايين فربما سأوافق

- اتبعني الى حانوتي

ومنذ ذلك اليوم،  والأشهر تمر  أمام عيني البهلوي كعداد المسبحة البطيء بين أصابعه ، وهو  يرمق  ساهما الوجوه تخطو  أمامه دون أن يراها.

إضاءات :

٭ بهلوي ،( من بهلاء )، مكان عماني حط فيه أول مرة -كما تحكي الأسطورة -النبي سليمان في قيادة جيش من الجن،  للبحث عن  أسقف الماء الخفية، حين أمرهم فجأة  بحفر الآلاف منها ، ومن لحظتها  انبثقت نشطة ، الأفلاج في عمان  بأبنيتها المعقدة.


تصميم الحاسب الشامل