خبرتُهم عن المدينة

 

محمــد سعـــد شحاتــــه


أبيض وأسود

خبرتُهم عن المدينةِ

أن يسكنوا شققًا واسعةً في عمارات كبيرةٍ

تطـلُّ على النيل

وسوف يُرجئون ـ قليلاً ـ حلمَ الفلل المستقلةِ؛

حيثُ لم يتزوجوا؛

فلا حاجة لحديقةٍ

وأطفال يلعبون حول حمام السباحة

الذي تلهو فيه أمهم.

خبرتُهم عن المدينةِ..

أن بنتَ الجيران ـ الجميلة دائمًا

والثرية غالبًا ـ

سوف ترتمي عند أقدامِهم

فهُم حَمَلةُ سـرِّ المسلاتِ القديمة

وهم الذين نقشت عليهم الشَّمسُ لهبَها

فأكسبتهم برونزيةً تُعادِلُ بياضَ جلدِ الجميلةِ

التي لا ترى الشمسَ إلا من ستائر.

خبرتُهم عن المدينةِ..

أن يجلسوا مع حبيباتِهم في كازينو

يرتدي الجرسونُ فيه ـ غالبًا ـ

 حُلَّةً بيضاءَ

 وقميصًا أبيضَ

 وببونًا غامقًا

فهكذا أظهرته الأفلامُ القديمةُ

وهو ينحني بابتسامةٍ مهنيةٍ

شُكرًا بعد منحه البقشيش..

لم يكونوا يدركون أن سنينَ طويلةً مضت

كانت كافيةً لجعل خبراتِهم عن المدينةِ واقعيةً قليلاً:

فها هم ـ الآن ـ يسكنون في مقابر أو غرفٍ جماعيةٍ،

استنزفَ العابرونَ منها الهواءَ قبلَ أن يغادروها لهم،

وأن الشموسَ التي أكسبت جلودَهم لونَها الذهبيَّ

قد خاصمت غرفَهم في البدروم،

في حين يُفَضِّلُ مُلاّكُ البيوت أن يجلسوا على المقاهي،

يفركونَ أوساخَ أصابعِ أقدامِهم، قائلين:

 يُرهِقُنا ساكنو البيوت!

لم يكونوا يعرفون..

أن بنتَ الجيرانِ

لن تُفضِّلَ كثيرًا أتوبيسات المحطة؛

حيثُ يمكنها أن تقفَ قليلاً على ناصيةِ الشارع

فتلتقطها سيارة..

وأن النيلَ الذي حلموا كثيرًا بالنظرِ إلى وجهه

قد صار مثلَهم..

ربما ينشأ جيلٌ جديد

يستفيدُ من الأفلام الفضائية.


تصميم الحاسب الشامل