سيناريو فيلم
الحياة اللذيذة

(تتمة العدد السابق)

 

 

٭ إخراج : فيدريكو فلليني

٭ قصة : فيدريكو فلليني - تولبو ببنيلي اينيو فليانو.

٭ سيناريو : فلليني - بينيللي - فليانو وبرونيللو روندي.

٭ مدير التصوير : أوتيلو مارتيللي.

٭ المونتير : كاتدتسو .

٭ موسيقى :نينـو روتا.

ترجمة: محمــود عــلي

 

تـــوزيــع الأدوار

مارشيللو ماستروياني   مارشيللو روبيني

فالتبر سانتيسو          باباراتسو (مصور صحفي)

آنوك ابمبيه             مادلينا

إيفون فورنيه           إيما عشيقة مارشيللو

انيتا اكبرج             «سيلفيا» نجمة من هوليوود

ليكس ماركر            روبرت (خطيب سيلفيا)

آلان كوني              ستاينر

انيبال نينكي            والد مارشيللو

ناديا جراي             ناديا

جاك سيبرناس          الممثل

آلان ديون              فرانكي

فاليربا شانجوتبني       باولا

ماجالي توبل            فاني

 

 

(«إيما» ترقب الطفلين وهما متجهان إلى غرفتهما وملء عينيها الشوق.. ستاينر يتحدث معها عنهما في حب واعتزاز..)

ستاينر : البنت على عكس الولد تماما.. فهي تعشق الكلمات وتركب الجمل.. يسرها جملة جديدة..وهي تكون جملاً بنفسها.. وبعضها أكتبه لها مثل» من تكون أم الشمس»؟

(مسز ريباسي : تضحك)

ستاينر : رائع :.. أليس كذلك ؟ إنها جملة لشاعر..

(مارشيللو يرقب «إيما» وقد بدا عليه الارتباك لطريقتهما في التعبير عن شوقهما للأطفال..)

إيما : أينام في فراشك ؟

ســتاينر : لا.. وأن يكن يحب ذلك.. في بعض الأحيان.. يزحف ويندس بيننا على الفراش.. ويحتضنني بأصابعه.. كم هو جميل أن تنامي هكذا وبجوارك طفل صغير...

(الفتاة الهندية تتناول الجيتار وتبدأ في غناء أغنية أمريكية حزينة.. «إنني حزينة ووحيدة .. وسيتحطم قلبي.. يرددون اللحن وقد أثر على مارشيللو وهو جالس على الأرض بجوار إيريس.. الشاعرة تتحدث إليه...)

ايريس : هل تعرف ستاينر من مدة طويلة ؟

مارشيللو : لا أتذكر.. رأيته ثلاث أو أربع مرات.. «إيما» تجلس بجواره وهي تضع يديها في يده..

إيما: اسمع.. يوماً ما سيصبح لنا بيت كهذا.. أليس كذلك ؟ لقد خلق كل منا للآخر..

(أثناء حديثها يصرف مارشيللو النظر عنها في ضيق.... ينهض دون إجابة ويذهب إلى الشرفة حيث يقف ستاينر وحيدا.. يدخن سيجارة وعينه صوب المدينة.. في مكان ما في قلب روما تبدو أضواء كشافات تنعكس في السماء..)

مارشيللو : أحب أن أحضر إلى هنا باستمرار..

ستاينر : طبعا.. تعالى في أي وقت تشاء.. سأسعد برؤيتك..

مارشيللو : يجب أن أغير الوسط الذي أعيش فيه.. لابد من تغيير أشياء كثيرة.. إن بيتك ملاذ حقيقي.. أطفالك وزوجتك وأصدقاؤك كلهم في منتهى الروعة.. وكتبك أيضا.. إن وقتي ضائع.. هل أنجزت شيئاً. ما ؟ كان عندي طموح ذات يوم.. لكن ربما فقدته.. ونسيت كل شيء.

ستاينر : لا تكن مثلي.. لا تتقوقـع داخل نفسك.. فأنا محترف وسط هواه وهاو وسط محترفين هذا كل ما في الأمر..

(لأنه يتحدث برقة ولكن بجدية وهو يفهم مارشيللو ويود مساعدته وهو يستمع إليه بصدق وإن كان لا يريد أن يصدق آراء ستاينر عن نفسه.. فهو بالنسبة إليه نموذج لما يجب أن يكون عليه..)

ستاينر : كل حياة مهما كان بؤسها تستحق أكثر من مجرد الوجود الخفي في عالم كل شيء فيه منظم ، وحيث كل شيء فيه عملي وله مكانة.. مارشيللو أستطيع أن أكون صديقك فقط ومن الصعب أن أسدي لك النصح.. لكن إن أردت أن أساعدك في تغيير الحياة التى تعيش فيها فسأعرفك إلى أناس.. كناشر مثلاً يتيح لك عملاً طيباً تقضي فيه وقتاً مفيدا.. هذا أفضل من ضياع وقتك في الكتابة لهذه المجلات الحقيرة شبه الفاشية.. فكر في الأمر ثم نتناقش بعد ذلك..

مارشيللو : حسنا..

(يبتسم ستاينر موافقا).. يشير عليه بأن يتبعه إلى غرفة الأطفال.. يغلق الباب ويسير على أطراف أصابعه حتى يصل إلى مهد الطفل النائم.. يرفع الستارة التى تحيط بسريره وكل حركة منه تنم عن حبه العميق لأطفاله.. ينحني على السرير ويقبل أصابع الطفل ويضع يده على رأسه برقة.. ثم ينهض ويتجه إلى سرير ابنته يركع ويضع قبله على جبينها.. الفتاة نائمة وبجوارها دمية يسحبها في هدوء ويضعها بعيداً فوق المكتب ثم يخرج إلى النافـذة بصحبة مارشيللو وينظر شارداً وهو يتحدث بصوت هامس..

ستاينر : أحياناً يثقل علي الليل والهدوء.. إنه هدوء يثير مخاوفي.. «ربما لأني لا أثق به». أعتقد أنه مجرد مشهد يخفي وراءه خطرا.. أحياناً أتدبر أيضاً في العالم الذي سيعشيه أولادي.. يقولون إن عالم المستقبل سيكون عجيبا.. لكن ماذا يعني هذا ؟ إنه عالم في انتظار إشارة من مجنون.. يدبر كل شيء..

(وجهه وقد انعكس على النافذة يحمل تعبير الحزن والألم العميق..)

ستاينر : والآن علينا أن نعيش أكثر روح هذه الجمل التي قرأتها لك الآن.. ألا توافقني ؟ أم الأفضل أن يحب أحدنا الآخر خارج الزمن.. فيما وراء الزمن.. في عزلة.. وأن نحيا في عزلة.. تعالي ننضم إلى أصدقائنا..

مشهد (٣٣) : - فريجينا - مطعم يشرف على البحـر

(يوم جميل على شاطئ البحر الشمس مشرقة طفل يجري حول حفر مهجورة.. صائحاً وهو يلعب مع كلب.. يمر على سيارة مارشيللو الواقفة في الرمل بالقرب من الشاطئ .. مطعم به صالة مفتوحة يقصده الناس أثناء الصيف للغداء على موائده الخشبية.. الجو مريح وبسيط.. في أعلاه شبكة تمنع ضوء الشمس وتلقي ظلالاً لا متماوجة على الأرض.. على إحدى الموائد آلة كاتبة وبعض الورق لا يوجد سوى مارشيللو.. وصندوق الاسطوانات يعزف عالياً أغنية «باتريشيا».. مارشيللو يتحدث بغضب في التليفون وهو يتحدث إلى إيما)...

مارشيللو : لن أقضي حياتي معك على التليفون..أريد العمل في هدوء..

(يلتفت نحو الفتاة.. مس.. لو سمحت أوقفي جهاز الموسيقى؟)

(تتوقف الموسيقى ومارشيللو يصيح في التليفون .. لن أخبرك بمكاني ولا أعلم متى سأعـود.. عليك اللعنة..)

(يعود إلى المائدة وأمامه الآلة الكاتبة.. يحاول الكتابة وهو في حالة غضب.. الجرسونة خلفه.. تروح وتجيء وهي تعد إحدى الموائد للغذاء.. وهي تردد في سرور الاغنية التي كان يعزف..).

مارشيللو : هل يمكن أن تغني بصوتك الظريف في هدوء ؟

(تتوقف.. يتقدم منها طفل يرتدي مايوه وقبعة بحار.. يمسك بشوكة..)

الطفل : باولا.. إنها مكسورة..

باولا : خذ غيرها.. (تمر من أمام مائدة مارشيللو) هل سـتأكل هنا ؟

مارشيللو : كلا.. أيوه.. لا أعرف.. لا أعرف. .

باولا : الطعام جيد هنا؟ (تراقبه بحب استطلاع..) هل من الصعب تعلم الكتابة عليها؟

مارشيللو : هل تريدين أن تكوني كاتبة على الآلة الكاتبة ؟!

(يتوقف عن العمل ولأول مرة يراها على حقيقتها.. فتاة في الثالثة أو الرابعة عشرة ذات براءة من نوع خاص..)

باولا : أحب ذلك..

مارشيللو : أنت حلوة. .

باولا : صحيح.. أنت تبالغ..

مارشيللو : أنت عازفة أنت حلوة..

باولا : أوه.. شكرا..

(في بساطتها سحر.. تنسحب قليلاً ثم تستأنف عملها.. يعود الطفل جهاداً هذه المرة).

الطفل : وهذه مكسورة أيضا..

مارشيللو : لست من روما.. من أين إذن ؟

باولا : من «أومبريا» قرب «بيرجييا».

مارشيللو : وكيف جئت هنا ؟

باولا : كان والدي يعمل في «انزيو» وجئت معه.. سأنتقل بعد الكريسماس.. ربما إلى «استيا «أ و«روما».

مارشيللو (مشيراً إلى الطفل) : ومن هذا ؟ أخـوك ؟

باولا : مساعدي..

مارشيللو (مبتسماً) : كيف يعاملونك هنا ؟

باولا : كويس.. لكني لا أحب المكان.. أريد العودة إلى المنزل.. أشعر بالحنين للعودة إلى بلـدتي..

(مارشيللو يرقبها ومن خلفه الشاطئ نظيفا.. البحر..)

مارشيللو : دعيني أراك في منظر «بروفيل» (جانبي)...

باولا (مضطربة) : لماذا؟

مارشيللو : استديري..

بــاولا : لماذا ؟

مارشيللو : تعالي.. استديري..

(تفعل ذلك وهي تبتسم في رقة ..)

مارشيللو: إنك تذكرينتي بملاك صغير ممن يوجد في كنائس «أومبريا».

(تبتسم أكثر..)

- هل قيل لك هذا من قبل.. ؟

باولا (تضحك مرتبكة) : كــلا....

مارشيللو : لماذا تضحكين إذن ؟

باولا : فقط لأن..

مارشيللو : هل لك صديق ؟

بـاولا : أوه تقصد «بوي فرند».. (تتوفف وهي تنظر إليه في خجل) ألن تكتب؟!!

مارشيللو : لا..

باولا (بشغف) : إذن هل أستطيع أن أدير الجهاز مرة أخرى ؟

مارشيللو : طبعا.. طبعا..

(تقفز في اتجاه الجهاز وتديره ليرتفع بأغنية «باتريشيا».. الطفل وقد عقد ذراعيه..)

الطفل : أقذفي بهذه الورقــة.

(يعودان إلى المطعم معا.. ينهض مارشيللو ويمشي قليلاً وهو يدخن سيجارة متأملاً البحر.. ثم يذهب إلى التليفون..)

مارشيللو : ألو... «إيما» ..

  إيما في غرفة نومها وقد بدت الفرحة على وجهها...

إيمــا : ماذا جري ؟

مشهد (34) : شارع فيافنتـو - مساء

(شارع فيافنتو.. الشارع مزدحم بالناس والأضواء.. رجال ونساء يجلسون على موائد على قارعة الطريق.. نفس الزحام.. ورغم تغير الوجوه إلا أنهم من نفس النوع.. مجموعة المصورين تتسكع على الرصيف استعداداً للهجوم على أية فضيحة.. مارشيللو يقود سيارته ملوحاً لأصدقائه...)

باراديسي : مارشيللو..أبوك هنا ؟

سيروزكو : مارشيللو.. انتظر أبوك هناك..

(يتوقف مارشيللو ويتجمعون حوله)

سيروزكو : هنا رجل يقول إنه والدك..

(ينزل من السيارة وهو يظن أن في الأمر دعابة..)

مارشيللو : والدي ؟

سيروزكو : إنه يأكل هناك.. ينتظرك منذ ساعتين..

مارشيللو (متلفتا) : أين هو ؟

سيروزكو : هناك.. في «النجر و«..

(مارشيللو يسير بين الموائد الخارجية ثم يتوقف وينادي بـرقة..)

مارشيللو : بابا.. بابا..

(رجل قوي البنيان يتناول عشاءه وحيداً وظهره لمارشيللو.. يبدو وحيداً بينهم.. يلتفت وراءه ببطء ثم يشرق وجهه بابتسامة كبيرة..)

الأب : مارشيللو.. أخيرا.. إنني هنا منذ الصباح..

مارشيللو : من الصباح..

(وجه الأب كبير لكنه عطوف وضاحك يفصح عن رغبة في اغتراف مباهج الحياة.. يضع يده على كتف ابنه ويقبله على خده)...

الأب : بحثت عنك في كل مكان.. المنزل والجريدة.. كنت على وشك السفر لكن صديقاً لك أشار عليّ بالانتظار..

مارشيللو : إنه باباراتسو... يجلس بجواره.. إن طبيعة عملي لا تجعلني أهدأ طوال اليوم لا أذهب للمنزل إلا للـنوم.. ما الذي جاء بك إلى روما ؟

(الأب يشعر بالغبطة والأهمية)..

الأب : عليّ أن أذهب للحكومة بخصوص هذا الطلب.. إن كل شيء هنا يضيع..

(ينظر إلى ابنه في مودة).. كيف حالك ؟.. تبدو على ما يرام..

مارشيللو : وأنت أيضا..

(الأب يهز كتفه بتكلف ويصب كأساً آخر..)

الأب : لا بأس..

مارشيللو : وأمي..

الأب : لقد سلمتني رسالة لك.. إنها دائماً قلقة عليك فأنت تعرفها دائماً هكذا.. فالسن له حكمة ها هي الرسالة..

مارشيللو : أمي المسكينة..

(الأب يضع يده على ذراع ابنه مستنكراً)..

الأب : لكن لماذا لم تكتب لنا بالمرة وتزورنا بين الحين والأخر.. أتعرف متى كنت عندنا آخر مرة ؟

مارشيللو : نعم أعرف.. أعرف.. المشكلة أن لدي عملا كثيرا هنا..

(نرى أثناء حديثهما بعض الموائد المحيطة بهما.. على واحدة منها يجلس «بيرون» وصحبه على مائدة أخرى / امرأة ترتدي نظارة شمس كبيرة على هيئة أجنحة فراشة يغطيها الماس .. يبدو على وجهها.. الكآبة.. فتاة تمر وتلمس كتف مارشيللو)...

الفتاة : إيه... مارشيللو..

الأب : أتقصدك ؟

مارشيللو : نعم..

الأب : من هي ؟.. ممثلة ؟

بيرون : ماذا.. إنه يريدها ؟ إنها مجرد كومبارس سمها ممثلة إن شئت.. (يضحك لأن الأمر بدا طريفا)..

مارشيللو : ماذا تشرب ؟ جـن ؟

الأب : جن ؟ ما هذا المشروب ؟ هذه البيره طيبة..

(يلتف حواليه وقد ملأه الحماس..)

الأب : يا إلهي. ما كل هذا الزحام ؟ ! هل يحدث هذا كل ليلة..

الأب (متنهداً) : في مثل هذه الساعة كل شيء يصبح في البلدة مظلماً وكئيبا.. (يشرق وجهه مرة واحدة)... وأنت.. كيف تسير الأمور ؟ أظن لابد أنك تعودت على هذا الآن..

مارشيللو : نعم.. مع الوقت..

الأب : وإيه أخبار عملك.. هل هو مجز ؟

مارشيللو : أنت أدرى بالعمل الصحفي «فهم لا يدفعون إلا لما يستحق من موضوعات.. (يشعر بالفخر ويضيف).. إلى جانب أنني محظوظ لأنني أعرف كل الناس.. الأمر الذي يسهل عملي.. أستطيع الذهاب إلى أي مكان.. والأبواب أمامي مفتوحة.. الوزارة والفاتيكان.. لقد اشتريت سيارة كبيرة..

(عند هذه النقطة يعتدل الأب في جلسته لحديث يبدأه في حذر..)

الأب : على فكرة.. في كل مرة أتصل بك تليفونياً ترد علي امرأة.. من هي ؟

مارشيللو : مــاذا ؟

(يبدو عليه القلق بينما يستمر الأب في حديثه)

الأب : إنني لا أسألك كيف تعيش فقد أصبحت رجلا.. لكن تذكر شيئاً واحداً.. لا ترتكب أي حماقة.. استمتع بحياتك.. نعم فلسنا ملائكة.. أما عن الزواج فهذا شيء مهم وجـاد..

(مارشيللو يضحك ضحكة فيها تكلف..)

مارشيللو : ومن يفكر في الـزواج ؟

الأب : المرأة التي تعبش معك.. لابد أن بينكما علاقة ما (يبدو عليه الارتباك) اسمع.. أنت تعلم سر قلقي..

مارشيللو : كلا... إنها مجرد خادمــة للنظافة ..

(باباراتسوا يتدخل ببرود.. يحيي الأب...)

باباراتسو : مساء الخير.. أخيراً وجدته ؟

الأب : شكراً لك..

مارشيللو : لقد قابلته تواً ؟

باباراتسوا : إننا أصدقاء قدامي ؟

الأب : نعم.. إنه الذي أشار علىّ بالانتظار.. من هو.. مصور ؟

باباراتسو : نعم..

الأب : عمل مشوق.. عمل فني إلى حد ما.. أتعمل مع ابني ؟

باباراتسو : لسـوء الحظ..

(الأب يضحك بينما يسأل باباراتسوا مارشيللو..)

باباراتسوا : أين ذهب الأمير ؟ لقد هرب مني.. سأبحث عنه..

مارشيللو : إلى اللقاء..

الأب (متردداً) : يبدو أن لديكما عملا؟

مارشيللو : كلا يـا أبي..

الأب : أقصد إن كان لديكما موعداً أو شيئا آخر..

مارشيللو : إن عملنا هنا..

الأب :... أوه.. صحيح ؟

مارشيللو : من نريدهم يأتون كلهم إلى هنا.. حيث نحصل على خبر أو صوره..

(مشيراً إلى أعلى الشارع.. جريدتي هناك.. أتراها ؟)

الأب : فهمت.. لكن لماذا تجلس هنا هكذا.. هيه ؟

(لحظة صمت..)

مارشيللو : هل تريد الذهاب للسينما ؟

الأب : كلا.. كلا.. ودائماً اذهب إلى السينما في البلدة.. فلا شيء غيرها هناك..

(يبدو عليه الحسرة.. لا يهم.. فأنا على وشك الرحيل.. سأتركك.. أنت شاب..)

(ينهض ويجلسه مارشيللو..)

مارشيللو : اسمع يا أبي.. ليس لدينا عمل..

الأب : إذن ماذا نفعل.. أقصد كيف تقضي هذه الساعات ؟

مارشيللو : لا يوجد سوى الملاهي..

الأب : على فكرة.. لقد دلني صديق على مكان طيب.. أشبه بالملهى اسمه شن شـو.. شبت شات.

مارشيللو : تقصد الكيت كات.. إنه ملهى قديم..

الأب : نعم : إنه.. الكيت كات..

مارشيللو : أتريد الذهاب إليه ؟

الأب : فقط لمجرد رؤيته طالما أنني لا أحضر إلى هنا إلا نادرا..

مارشيللو (مناديا) : باباراتسو..

الأب : أيوه.. عظيم.. ادع صديقك على حسابي..

مارشيللو (مشيراً للجرسون) : انطونيو..

(الأب يحاول إخراج محفظة) : لا...... لا..

مارشيللو : لا عليك.. تعال..

(إنه يكسب خمسة أضعاف ما يكسبه الأب والمكان غال..)

الأب : لا..لا.. دعني ادفع الحساب..

مارشيللو : انطونيو.. تعال لحظة..

الأب : جرسون ! !

(انطونيو يعطيه فاتورة الحساب..)

مارشيللو : باباراتسو.. تعال.. ستذهب مع أبي..

باباراتسو : إلى أين ؟

مارشيللو : تعـال..

(يسير الاثنان..)

سيروزكو : لكن علينا أن نجد الأمير..

باراديسي  و«دوريا» : نعم.. الأمير.. باباراتسو..

(أثناء ذلك يكون الأب قد دفع الحساب وهو لا يدري جسامة ما دفعه).. الجرسون يشير له على باقي الحساب..)

والأب يلوح بعظمة ويعطي الجرسون بقشيش..

مارشيللو : باباراتسو.. تعال بسرعة.. اطلع.. ينادي (بابا.. تعال هنا !!)

(يسير به إلى السيارة .. يصعد الأب للسيارة بصعوبة ولكن بتأثر مارشيللو يستدير إلى الجانب الأخر ثم يركب..

باباراتسو : إلى أين ؟

مارشيللو : إلى الكيت كات.

باباراتسو : لكن دراجتي هناك.. سأذهب لإحضارها..

(مارشيللو لا يعطيه الفرصة فهو في حاجة إليه هذه الليلة..)

مارشيللو : اركب..

(باباراتسو يقفز من الخلف..)

باباراتسو : باراديسي.. خذ بالك منها..

مارشيللو : أخبرهم في الجريدة.. إنني سأتصل بهم من المنزل..

(باراديسي منادياً على باباراتسو:)

باراديسي : سأراك في المشرحة..

باباراتسو : حسنا.. ألقاك هناك..

سيروزكو : وماذا عن الأمير ؟

(السيارة تشق طريقها بين الزحام مسرعة)

مشهد (٣٥) - ملهى الكيت كات

(موسيقى السيرك.. فرقعة سوط تعلن بدء نمرة جديدة.. الجرسون يتقدم مارشيللو ووالده إلى إحدى الموائد...)

الجرسـون : هل تناسبكم هذه المائدة ؟

(الملهى من الدرجة الثانية من النوع الذي لا يرتاده مارشيللو عادة وإن يكن الأب قد بدا عليه الإبهار وهو يتفحص الجدران والثريات المزخرفة)..

الأب : لم يتغير شيء مازال كما هو. أوه.. انظر... انظر..

(مشيراً في بهجة نحو عروض الأسد الكوميدية وهو يخرج.. ينادي على الجرسون).

الأب : اسمع.. تعال.. هل كنت تعمل هنا سنة ٢٢٩١م.

الجرسـون : كلا.. كنت أيامها في (تورين)..

الأب : أه.. يبدو ذلك..

- كنت في روما منذ سنوات..

- أه..

(يومئ لنفسه وقد استغرقه العرض.. المهرج يفرقع بسوطه وتخرج ثلاث فتيات فارهـات يلبسن ملابس قصيرة وأقنعة نمـور..)

مارشيللو : بابا.. تشرب حاجة ؟

الأب : طبعا.. خمر..

مارشيللو : مـاذا تحب.. ويسكي ؟؟

الأب : نعـم..

(الأب وقد أنعشته الموسيقى وحضور الفتيات بملابسهم الخليعة وهن يقلدن حركات النمور والمهرج يطرقع بسوطه)..

مارشيللو : اثنين ويسكي.. ثلاثة..

الجرسـون : أي نوع ؟

باباراتسو : بلاك آند وايت. (يلتفت حواليه مشمئزا) لماذا لا تقوم بتحقيق عن هذا المكان ؟ إنه أشبه بمقبرة..

الأب : يا لها من امرأة جميلة ؟ ما أطول ساقيها ؟

باباراتسو : ماذا تقول ؟

مارشيللو : يقول إن ساقيها طويلتان..

الأب يغمز للأطـول.. امرأة عملاقة طولها حوالي ستة أقدام.. يتحدث إلى باباراتسو

الأب : هل ذهبت مرة إلى باريس..

باباراتسو : كلا

الأب : ذهبت إليها أكثر من مرة.. ذهبت مرة إلى ملهى ليلي يشبه هذا وكان به فتاة تشبه هذه بدأت في خلع ثبابها قطعة قطعة حتى أصبحت عارية.. تفتكر حصل إيه... لقد كان رجلا..

(يضحك من قلبه.. ثم يسأل..) : هل والدك حي ؟

باباراتسو : نعم.

الأب : لا بد أنه مازال شابا.. فأنت مازلت شابا.. ماذا يعمل ؟

باباراتسو : لا شيء.. إنه عاجز لا يفعل شيئاً طوال يومه.. كل ما يفعله أن يقبع بالمنزل مضايقاً أمي وأختى.

(مارشيللو مقطباً وهو يرفسه من أسفل المائدة وباباراتسو يستمر في حديثه..)

باباراتسو : يظل يغني ويصفر ويغضب لأنه يريد نقوداً ليذهب إلى السينما..

مارشيللو : إنه يكذب..

الأب حزيناً : لم لا ؟ ممكن..

(يرقب القتيات في زي النمور.. وخلفهم المهرج.. الموسيقى تعزف أغنية «نعم يا لسيدي.. إنه طفلي».. ست فتيات في ملابس هفهافة وقبعات واسعة يدخلن قفزاً وبأيديهم بالونات كبيرة.. مجموعة من البحارة الأمريكيين على مائدة أخرى يصفقون مهللين.. بينما الفتيات يدرن حول المكان تداعب الأخيرة منهن شعر مارشيللو..)

فانـي : مارشيللو... أهـلاً ؟

مارشيللو (مبتسما) : أهـــلا..

ليلي : إنه أنيق...

فاني : متى تظهر صورتي في المجلة.. أيها القط القبيح.. (تتحدث الإيطالية بلهجة فرنسية..)

مارشيللو : أنت جميلة..

الأب : ما اسمها ؟

مارشيللو : فاني..

الأب : أتعرفها جيداً ؟

باباراتسو : نعم.. يعرفها جيدا.

مارشيللو : إنها فرنسية..

الأب : ساحرة.. هيه.. أهي فرنسية... ؟ !

(فاني مازلت ترقص بجوار المائدة.. تشير إلى الأب وهو يتحدث مع مارشيللو..)

فاني : إنه كذاب.. كيف صادقته ؟

مارشيللو : اسمعي.. إنه أبي..

فاني : صحيح.

مارشيللو : بابا.. إنها لا تصدق..

الأب : نعم... مساء الخـير يا مدموزيل.. (يسرها هذا الإطراء)

فاني : مساء الخير يا سيدي.. (تضم إلى صف زميلاتها)

الأب : مع تحياتي..

يرفع كأسه ثم ينظر إلى ابنه

مارشيللو: لقد وعدتها بصورة.. إنها لطيفة..

الأب : طبعا..

مارشيللو : هل ندعوها ؟

الأب : نعم.. (يفرك يديه).. ما رأيكم في زجاجة شمبانيا ؟

باباراتسو : شمبانيا ؟ كفاية عليها عصير برتقال.!!

مارشيللو : وهو كذلك..

الأب : لا تخف.. إنني على علم بمثل هذه الأشياء فقد تعودت على بيعها لنصف إيطاليا..

باباراتسو : إذن.. اشرب كأسا..

(مارشيللو يشير إلى الفتاة..) فاني... تعالي بعد كده.. اوكي !

فاني : حاضر.. فهمت..

(الفتيات يخرجن وهن يقذفن بالبالونات في الهواء وتبدأ موسيقى ناعمة ويرفع الأب كأسه)..

الأب : في صحتك..

مارشيللو : في صحتك..

الأب : شكراً عظيم.. عظيم..

مارشيللو : حقا.. (فإني تحضر ومعها الشمبانيا.. تتصرف كأنها جرسونة..)

فانـي : هل طلبتم شمبانيا..

الأب : فعـلا..

فانـي : ها هو الجرسون أيضاً.. أي طلبات أخرى ؟

تقــدم نفسها للأب : فاني..

الأب : تشرفنا.

فانـي : لا.. لا.. اجلس..

(تنظر إلى المائدة) إلى مارشيللو أولاً ثم باباراتسو..

- لن أحييك.. ولا أنت أيضا..

(تجلس بجـوار الأب..)

الأب (ضاحـكا) : أعرف.. أعرف..

فــاني : أليس تصرفا محموداً ؟ عد به إلى المنزل..

(تضع يدها على ذراعـه.)

فـاني : أصحيح إنـك والـده ؟

الأب : ألا تصدقين ؟

فانـي : مستحيل.. فأنت شاب.

(يضع يده على قلبه كمغني الأوبرا..)

الأب : أرجـوك يا سيدتي لا تتحدثي عن السن.. لا توقظي الحزن الذي يثقل على قلبي..

(يبدو أنه استلطفها وأنه كان يوماً ما «دون جـوان».. تبدو عليه الحيوية وهو يتحدث معها ..).

الأب : أتدرين لماذا نكبر ؟ الملل.. عن نفسي كنت معتاداً على الترحال في شبابي.. كنت أشبه بأسد وأستطيع أن أثبت ذلك ،... لكن ما أن لزمت البيت حتى أحسست بأن عمري ثمانـون عاما..

(يبدو الحزن على وجهه وكبر السـن وسرعان ما يستعيد نفسه ويتحدث مع باباراتسو الذي انهمك في فتح سدادة الزجاجة)..

الأب : وأنت... ماذا تفعل ؟

(يأخذ منه الزجاجة..)

الأب : لست خبيراً سوى في زجاجات كوكاكولا.. أما الشمباني فهو عملي !!

فانــي : سكوت..

(يظهر مهرج قصير عليه سمات الحزن وهو يعزف في نفير.. يلبس قبعة عالية بالية وسروالا وصديريه بيضاء...)

فانــي : اتفرج .. إنه رائع.. دائماً أبكي عند رؤيته..

(مارشيللو مبتسماً في جدية..)

مارشيللو : فعــلاً .. إنه يجعلني أبكـي...

(المهرج يمشي بطيئاً وهو يعزف أغنية حزينة.. ورغم حزنه هذا عليه أن يؤدي رقصة فيرفع قدمه اليسرى إلى أعلى.. يتوقف أمام تمثال عار ناظراً إليه مبعداً البالونات عن طريقه بطريقة كوميدية.. يعزف نغمة عالية ثم يتوقف نفيره وينظر حوله حائراً ثم يخرج مرة ثانية في بطء وعند نهاية الصالة يتوقف مشيرا إلى البالون «تعال».. فتتبعه إلى خارج المسرح.. يصفق والد مارشيللو بحرارة وهو يصب كأساً يعطيها إلى فاني منتشيا..)

الأب : كأسـك.. يرفع كأسه.. إلى ساقيك الجميلتين اللتين وقعت في غرامهما..

(يتبادلان النخب)

الأب : عظيم.. لابد من أن نشرب أكثر.. لقد شربنا أولا نخب ساقيك.. والآن نشرب نخب..

فانــي : هــس ..

الأب : لن أقول ما يصـدم...

(فاني تنظر إليه في مـودة ثم تتحدث إلى مارشيللو..)

فانــي : هل تعرف أن أباك أكثر جاذبية منك ؟

الأب : كلا..

فانـي : بل أكثر سحراً منك..

(يبدو عليه الألم كما لو كان قد ارتكب خطأ)

الأب :... لا.. دعينا من هذا.. سأريك لعبة.

فانـي : صحيح..

الأب : سنرى إن كان في إمكانك أن تؤديها.. خلي بالك..

(يتناول عملة صغيرة من النقود ويلصقها على جبهته..)

الأب : ضعي هذه العملة الصغيرة على جبهتك. ودعيها تقع دون أن تلمس أنفك.

فاني : إنـها لعبة سهلة.

الأب : حقاً ؟

فانـي : إنها لعبة أطفال.

الأب : حــاولي..

الأب : ها هي العملة.. سأضعها على جبهتك والصقها هكذا..

فانـي (ضاحكـة) : انتظر قليلا..

الأب : حاضر..

فانــي : انتظر..

(تسد أنفها وتنظر بجانب من عينيها دون أن تضع العملة على جبهتها فقد سحبها بخفة في نفس الوقت الذي تظاهر فيه بأنه يثبتها..)

- لا شيء.. (تنفجر ضاحكـة..)

- أنت تسخر بي.. اسمع.. سأقص عليك قصة

(تنهض وتدور حول المائدة وتجلس بجانبه.. تلتقط فراش المائدة وتبدأ في الشرح...)

فـاني : اسمع.. القصة عن سيدة أرسلت زوجها إلى محل لشراء ثلاثة قصمان وستة مناديل.. و ماذا تسمى هذا ؟

باباراتسو (بضيق) : السوتيان..

فـاني (موافقة) : وفي طريقه توقف قليلاً لاحتساء عدة كؤوس من الخمر فنسي كل شيء وعندما عاد قالت له مدرسة...

باباراتسو : مدرسته ؟

فانـي : نعم.. زوجته.. قالت له الزوجة هل أحضرت طلباتي؟ وأجاب الرجل «نعم» وأخرج منديلاً كهذا.. سألته وأين المناديل ؟ أجاب: ها هي... واحد.. اثنين.. ثلاثة..

(تثني فوطة السفرة لتشرح كيف عرض الزوج مناديله الستة مقتنعاً بوجودها وقالت الزوجة.. وأين القمصان ؟ قال : ها هي واحد.. اثنين.. ثلاثة.. وأين السوتيان ؟ أجاب الزوج : لقد أحضرتها هي الأخرى ... لحظة.. ها هي.. (تفرد الفوطة.. وتعقدها على شكل سوتيان والأب يضحك)

الأب : لكنك لست في حاجة إليها... أفضل ما عندك..

مارشيللو : بابا..

الأب : إيه.. ظريف.. ظريف..

(فاني تضع الفوطة على جبهتها في شكل أذني حمار..)

فانـي : مسكين أيها الحمار الصغير ..

الأب : ألا توجـد شمبانيا.. المزيد.. جرسـون..

(الأوركسترا ينتهي من لحن أمريكي ويبدأ في عزف لحن أغنية المهرج الحزين..)

الأب : إنها رقصة «والتز» أظن هذا.. (ينهض ويدعوها للرقص..) سيدتي.. هل تسمحين لي بهذه الرقصة ؟

(لمارشيللو يغمزه)..

الأب : لا شيء ؟ كل شيء على ما يرام..

(يتقدم بها إلى صالة الرقص وهو يقبلها قبلات خاطفة بينما يراقبه مارشيللو في رقة...)

مارشيللو : باباراتسو.. أتعرف.. عندما كنت صغيراً لم يكن أبي يمكث في المنزل.. كان يسافر لأسبوع واحد وأحياناً لعشرين يوما.. نعم.. كان يبدو أيامها أنه لن يعود أبدا.. وكم بكت أمي.. لذا نادرا ما كنت أراه حتى عند عودته لم أكن أعرفه... لا تعرف مدى سروري لرؤيته الليلة إنه ظريف.. أليس كذلك ؟

باباراتسو : جدا.. لابد أن تقضي معه أمسية جميلة..

مارشيللو : نعم.. ولكن..

(الأوركسترا تعزف موسيقى الجاز ويتدافع البحارة مع الفتيات بينما مازال الأب يرقص رقصته حتى يدرك خطأه..)

الأب : يبدو أنها لا تؤدى هكذا ؟

فانـي : لا تهتم.. أفضلها هكذا..

الأب : صحيح؟ إذن هيا نرقص.. عيناك جميلتان ؟

فانـي : أوه.. صحيح ؟ كيف أفسر كلامك ؟

الأب : تعبيراً عن إعجابي بك..

(يشير إلى مارشيللو بوجهه على أن كل شيء على ما يرام...)

فانـي : أخشى أن تكون كابنك..

الأب : كيف ؟ هل أشبهه ؟!

فانـي : حسنا..       

(يضمها إليه قليلا..)

الأب : إنه شيء وراثي في العائلة...

مشهد (٣٦) : - خارج ملهى الكيت كات في الطريق إلى منزل «فانـي»

(الوقت متأخر حوالي الثالثة صباحا.. الشلة تخرج مخمورة من الملهي محدثة ضوضاء. سيارة «مارشيللو» تقف خلف سيارة «فاني» الصغيرة...

فانـي : كلا.. كلا.. سيأتي والدك معنا.. اتبعنا.. احترس.. إنني أقود بسرعة حتى لو كانت سيارتي صغيرة..

(الأب يصعد إلى سيارتها.. مارشيللو يبدو عليه القلق إلى حد ما.)

مارشيللو : بابا..

الأب : نعم.. ماذا تريد ؟

مارشيللو : أتريد حـقاً تناول العشاء في شقتها ؟

الأب : طبعا.

فانـي : نعم.. هذا ما يريده.. تجلس في مقعد القيادة.. إنني مستعدة.. أمستريح في سيارتي الصغيرة..

(مارشيللو يقف بجوار نافذة السيارة حيث يجلس الأب)

مارشيللو : بابا .. اسمع !!

الأب : نعم.. ماذا جرى؟

مارشيللو : هل أنت بخير ؟

الأب : طبعا.. كل شيء على ما يرام.. ألا ترى.. دعني..

مارشيللو يسأل فانـي : أتجيدين القيادة ؟

فانـي : لو عرفت الحب كما أعرف قيادة سيارتي لأصبحت سعيدا.. اذهب..

(مارشيللو يركب سيارته وبجواره «لوسي»  و«باباراتسو «يجلس على حافة مؤخرة السيارة مع «جلوريا» الزنجية وهو يصيح في ، فانـي»)..

باباراتسو : على مهلك..

لوسي : اس. وإلا أيقظت الناس..

باباراتسو (صائحاً) : سكوت.. الناس نائمون..

مارشيللو منادياً على فانـي : على مهلك.

إلى لوسـي : مازال والدي محتفظاً بأناقته.. أليس كذلك ؟

تتحرك السيارة تتقدمهم سيارة «فاني» الفـيات»

منظر لطريق عام.. جلوريا تتثاءب وهو تغني في تكاسل)..

جلوريا : الجو عاصف واختفت الشمس من السماء..

(«لوسي» بجوار «مارشيللو».. صامتة وهو يقود سيارته مشغولاً بوالده وما قد يحدث في شقة فاني !! بعد مضي ساعة.. يدور حول منحنى ويتوقف أمام «جراج» قريباً من شقة «فاني».. صمت..).

باباراتسو : جلوريا.. استيقظي.. لقد وصلنا..

(يقفز من العربة ويساعدها على النزول بينما تنزل «لوسي» وهي تتثاءب وتتمطي..)

لوسي : أوه.. قدمي.. لابد أنك سلكت الطريق الطويل وإلا لما استغرقنا كل هذا الوقت..

(مارشيللو في السيارة وقد بدا عليه الحزن) : ألن تحضر..

مارشيللو : لا.. لن أحضر..

لوسي : لماذا ؟ ماذا ستفعل ؟

مارشيللو : إنني متعب.. «باباراتسو «سأترك سيارتي هنا وعليك بإعادة والدي..

باباراتسو : تعال..

مارشيللو : أخبره أنني ذهبت إلى الجريدة وأن يتصل بي قبل سفره..

لوسي : تعال.. تعال معنا..

مارشيللو (ينزل) : ليست لدى الرغبة.. سأتجول قليلاً حتى لا أنام..

مشهد (٣٧) : - خارج منزل فاني - المنزل وداخل شقتها

(شارع مواجه لشقة «فاني» «باباراتسو» و«جلوريا» يخرجان من الجراج «فاني..» تقف أمام باب المبنى قلقة.. ترى مارشيللو فتجري نحوه..)

فاني : مارشيللو أين كنت ؟ كنت في انتظارك منذ نصف ساعة.. والدك على غير ما يرام..

مارشيللو : مــاذا ؟

فانـي : ليس على مايرام.. يبدو أنه شرب أكثر من اللازم إنني ذاهبة إلى الصيدلية..

مارشيللو (منزعجا) : هل تركته وحيداً ؟

فاني : لقد طلب هذا الدواء.. مكتوب هنا..

(تعطيه روشته)

مارشيللو : بابارا.. باباراتسو.. أسرع إلى الصيدلية..

باباراتسو : ماذا جري ؟

يناوله الروشته : أسرع..

(باباراتسوا يسرع عـبر الشـارع بينما يتقدم مارشيللو «فاني» مسرعاً إلى السلالم..)

مارشيللو : أي دور ؟

فاني : الثالث..

(يصل إلى الثالث ويقفز بعض سلالم..)

مارشيللو : أي باب ؟

فاني : اخفض صوتك.. إنها عمارة محترمة..

(تفتح الباب بمفتاحها ويندفع مارشيللو .. الأب في غرفة النوم يجلس صامتاً بجوار باب يؤدي إلى بلكونة صغيرة.. قميصه مفتوح والجاكته فوق كتفه..)

مارشيللو : بابا.. بابا. !!

(الأب مازال مولياً ظهره دون حركة منطوياً على نفسه ثم يتحدث في هدوء..)

الأب : اضئ النور..

مارشيللو : أين هو ؟ أنتظر.. أنتظر.

(يضيء النور ويغلق الباب ويقترب منه ليقف خلفه..)

مارشيللو : لقد ذهب صديقي إلى الصيدلية وسيأتي حالا..