|
|||||
|
الفلسفة كانت اللحظة الأدفأ في النقاش مع الشاعر الراحل بلند الحيدري كلما سنحت فرصة، ودائما كانت هذه مناسبات مبهجة وتلقائية وبعيدة عن الجدية المتصنعة. كانت احاديث عالية الود والعمق تنعقد او تنفرط دون تعمد، وتناثرت بين لقائنا الأول في 1988 وبين رحيله المباغت في ٩ (أغسطس) آب 1996. الاول منها كان قبل، وخاصة بعد، ندوة فكرية لي في ديوان الكوفة بلندن نحو منتصف عام 1988 حول «هيغل والفلسفة الاسلامية» امام مستمعين لم يبلغ عددهم العشرين من محبي الفلسفة والاصدقاء، ابرزت فيها مركزية فكرة الحرية باعتبارها جوهر الفلسفة الهيغلية مفندا مجمل الصياغات الجامدة السائدة في الثقافة العربية المعاصرة حولها ولحد الآن غالبا. شدّني بلند منذ الوهلة الاولى بأدبه الجم مثلما أدهشني بمعرفته الطيبة بفلسفة هيغل وبعاطفته حيال ذلك الفيلسوف الالماني المتوفي قبل اكثر من قرن ونصف القرن آنئذٍ، والمجهول عمليا بل بالاحرى المشوه السمعة في ثقافتنا المأخوذة بقوة لا سيما آنذاك بفكرة سطحية، نشرها بعض الايديولوجيين الماركسيين عنه، مفادها ان هيغل هو محض مفكر مثالي برجوازي، زاعمين مع بعض الغرور ايضا ان الماركسية اعادت الى الهيغلية مجدها الوحيد، الديالكتيك، عندما جعلته «يمشي على قدميه بعد ان كان يمشي على رأسه» عند هيغل. والحال، برأينا، لا يمكن بأي شكل مقارنة عبقرية وأصالة مفهوم الديالكتيك الهيغلي بنسخته المؤدلجة وبالتالي الميكانيكية التي صاغها واعتنقها الماركسيون بشتى تياراتهم. تلك الانطباعات المشتركة سترافق احاديثنا اللاحقة كلما تعلق الامر بالفلسفة لتجعل اللقاء مع بلند الحيدري لحظة ممتعة لي بذاتها، زاد من اهميتها ان الشاعر الراحل كان يبادر، كما مع سواي، الى ايصال انطباعاته النقدية والتشجيعية عن مقالات لي تعنى بالفلسفة دأبت مجلة «الاغتراب الادبي» اللندنية الرائدة على نشرها آنذاك، مستفهما او مشككا بأفكار او مشكلات تضمنتها حول قضايا «الحرية» و«الاستبداد الشرقي» و«موت الفن» و «الصراع بين الوظيفي والجمالي في فن العمارة»، و «بين الذات الفردية والذات الجماعية في الشعر والفن عامة». كما بدا لي ان الفلسفة هي السبب العميق ربما في حذره غير المعلن لكن القديم تجاه الدوغمائيات كافة. هذا الانجذاب الى الفلسفة لم يكن طارئا أو سطحيا لديه. اذ يخبرنا بلند انه قرأ، في فترات شتى، نصوصا لجان بول سارتر والبير كامو وهيغل ونيتشه، وان بعضها يمثل الارضية الفلسفية لهذا العمل الشعري او ذاك من اعماله الأكثر تميزا. وهذا هو ببساطة منبع فكرة هذه المقالة عن «بلند الحيدري إغراء الفلسفة» التي ولدت أصلا لتكون بمثابة تحية خاصة للشاعر في ذكرى ميلاده السبعين الا انه باغتنا بالرحيل قبلها ببضعة ايام. لكن التعهد بدا شاق الانجاز الامين في الوقت المرتجى. والآن وبعد عشر سنوات ونيف على رحيله يظل تأثير الفلسفة الغربية في شعره، وفي الشعر العربي الحديث اجمالا، بانتظار من يتفرغ لدراسته تفرغا اكثر منهجية وشمولا. هذه المقالة محاولة اولى عن هذا الموضوع وإن هي طمحت في الأصل ان تفي بوعد لم يعد من الشهود عليه أحد، بعد وفاة بلند ورفيقة عمره الفنانة التشكيلية دلال المفتي، سوى الوفاء. وينبغي التأكيد من الآن وقبل كل شيء على ان الفلسفة لدى هذا الشاعر محض غرض شعري وجمالي الاصول دائما وليس توجها معرفيا ممنهجا ودقيقا. فهو استفاد منها بالشكل الذي شاء وفهمها بالطريقة التي بدت له موائمة. أما مراحل احتكاكه بأفكار فلسفية غربية او اخرى فهي برأينا ثلاث، الاولى منها غير مباشرة تماما ويعبر عنها روحها البودليري المحض كما في ديوانه الاول «خفقة الطين» (1946) خاصة وقصائد في مجموعات لاحقة. المرحلة الثانية تنبض بروح وجودية وتوحي باستفادة مباشرة أو شبه مباشرة من نصوص لجان بول سارتر او البير كامو المتأثرين جدا بهيغل بداهة. وتندرج في هذا الاطار الوجودي، المتمركس بحذر بين حين وحين، معظم قصائد مجموعاته «أغاني المدينة الميتة» (١٩٥١) و«جئتم مع الفجر» (١٩٦١) و«خطوات في الغربة» (1965) وحتى «رحلة الحروف الصفر» (1968). اما الثالثة فهي مرحلة تأثير نصوص هيغلية محضة في شعر بلند الحيدري كخيار فكري/ جمالي واع ومعلن وخلاق بذاته وهي تتماهى مع مرحلة النضج العليا من شعره اذا جاز القول وخاصة في مجموعتيه «حوار عبر الأبعاد الثلاثة» (1972) و«أغاني الحارس المتعب» (1973). - المرحلة البودليرية: لم يتردد بلند الحيدري المولود في ٦٢ أيلول (سبتمبر) 1926 من اخبارنا مرارا بأنه تأثر في شبابه بالتيار البودليري في الشعر العربي ممثلا خاصة بمحمود حسن إسماعيل والياس أبو شبكة وعمر أبو ريشة وسعيد عقل الى جانب التأثر المبكر بقصائد شعراء المهجر لا سيما نسيم عريضة وإيليا أبو ماضي التي تنبض بوجدانية حارة وذاتية وعواطف رومانسية جياشة بالمرارة والغربة والضياع والمنفى، والدائرة حول موضوعات «فلسفية» مجردة وغامضة كالحياة والفناء والروح والخلود والزمان والعدم. والحال ان هؤلاء جميعا هم جسر ثورة الحداثة النوعية التي ادت الى تطور الشعر العربي الحديث لاحقا على يد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي ومحمود البريكان وايضا حسين مردان، كل في مجاله وفي خضم مخاض معقد تماما كمخاض الثورة التي جرت داخل الشعر الفرنسي في القرن التاسع عشر وأدت إلى ظهور تيار الحداثة فيه على يد بودلير ورامبو وفيرلين ولوتريامون ومالارميه. وفي تأكيد على الابعاد التلقائية والعاطفية لروح تلك الحقبة المقترنة بالأزمات العالمية الكبرى والاستفهامات الكونية والهزات الشاملة والتمردات العميقة، يرد هذا النصّ على لسان بلند الحيدري: «هنالك في بغداد الأمس كان الواحد منّا يحاول أن يجد لما تراكم في نفسه من قلق وهلع وخيبة متسعاً في الأدب يثبت فيه قيماً جديدة تتناسب مع أحاسيسه وتفهمه العاطفي لمشاكل العالم. كان العالم يتحدث بصوت مبحوح عن جريمة قتل مرعبة حدثت في هيروشيما، وعن انتحار كاتب ألماني في البرازيل، وعن طالب بعث برسالة إلي الرئيس الأمريكي يسأله عما إذا كان عليه أن يتمّ دراسته بعد أن اخترعت القنبلة الذرية. وكانت صحف بغداد تتحدث عن تاجر خلط الدقيق بنشارة الخشب وقدّم خليطه خبزاً للناس... كانت تحملنا قصاصات من ورق عبر أمسيات كثيرة من مقهى إلي مقهى، لنستمع إلي هذه المحاولة الجديدة، وننتقد تلك القصيدة ونحن نحاول أن نفلسف العالم من حولنا. وظلّ البعض منّا يحاول يائساً أن يوفق بين ماركس ونيتشه لينتشل نفسه من صراع مر». من الثابت ان بلند الذي لم يشأ اكمال دراسته الثانوية آنذاك، كان كثير القراءة في شبابه للنصوص الادبية والفكرية المترجمة المتوفرة ثم صار معجبا أشد الاعجاب بالشاعر الفرنسي شارل بودلير والشاعرين السوري عمر ابو ريشة واللبناني الياس ابو شبكة بل حاول في الاربعينيات الاقتراب منهم في شخصيته اذ ابدع بعض القصائد الرومانسية العمودية في تلك السنوات مما يجعله سلفا من اوائل المجددين في بنية القصيدة العمودية في العراق باتجاه الرومانسية. ويمكن المقارنة، كما فعل نقاد عديدون، بين قصيدة (سميراميس) لبلند الحيدري وقصيدة (شمشون) لإلياس أبو شبكة للتأكد من وجود تشابه كبير بين القصيدتين في الروح والمضامين والشكل، والاستنتاج تبعا ان بلند استلهم شعر أبي شبكة فعلا. ويصدق نفس الاستنتاج عند المقارنة بين قصيدة (مصرع فنان) لعمر أبو ريشة وقصيدة (موت شاعر) لبلند الحيدري. تذكر دلال المفتي ان بلند كان قارئا نهما حرص على تثقيف نفسه، اذ كان يذهب الى المكتبة العامة لسنين ليبقى فيها حتى ساعات متأخرة من الليل بفضل صداقة اقامها مع حارس المكتبة الذي كان يسمح له بالبقاء بعد اقفال المكتبة، وان ثقافته كانت انتقائية، اذ درس الادب العربي والنقد والتراث وعلم النفس وكان معجبا بفرويد وقرأ الفلسفة، علاوة على قراءته للأدب العربي من خلال الترجمات. وهناك أيضا ثقل المأساة الشخصية، الفعلية او المتخيلة، التي دفعت نجل عائلة محافظة وغنية الى التمرد، انطلاقا مما روته دلال المفتي، عن ان بلند كان لحظة تعرفها عليه في 1952 «شخصاً بوهيمياً متسكعا بلا نقود ولا مأوى». معللة ذلك بأن تمرده يعود أساسا الى ان طفولته كانــت غير سعيدة وغير مســـتقرة لا سيما بعد وفاة والدته في العام 1942 اذ كان متعلقا بها كثيرا لذا صار انطـوائيـا مرهـف الاحسـاس يعيش في عالمـه الخاص هاربا من عالم عائلته المحافظة ومن قسوة وصرامة والده الضابط في الجيش، فحاول الانتحار وترك دراسته قبل ان يكمل المتوسطة في ثانوية التفيض، وخرج من البيت مبتدئاً تشرده في سن المراهقة المبكر وهو في السادسة عشرة من عمره. فنام تحت جسور بغداد لعدة ليال، وقام بأعمال مختلفة منها كتابة العرائض (العرضحالجي) أمام وزارة العدل مشاكسا خاله داوود الحيدري الذي كان وزيرا للعدل. هناك كذلك حسين مردان، رفيق التشرد والنجمة الألمع في كل شعر التمرد في العراق الحديث والذي لعب دورا كبيرا ومبكرا في تفجير نزعة المغامرة لدى بلند الحيدري، وباعتراف الاخير نفسه: «كان رجلا طريفا جدا. كتب في يوم ما قصيدة نشرت في جريدة اسمها (صوت الشعب) في الأربعينيات، أهداها إليّ: «الى شاعر التمرد والإباء بلند الحيدري». وكان ذلك في فترة عام 1945. فكتبت قصيدة كرد عليها: أما الاباء فلست تعرف صدقه فمتى فهمت أو استبنت خواطري هذي القصائد كلهن مقابر لا تعجبن بحسن صنع مقابري وأذكر يوم دقّ باب البيت، وكنت أسكن في قصر كبير للعائلة، ودخل حسين مردان الفقير، القادم من عائلة فقيرة جدا، دخل ونصف حذائه مهترئ، ولم يعرف كيف يجلس في هذا البيت. قدم لي رسالة يحملها من أخي صفاء الحيدري توصيني خيرا بحسين مردان، وبالفعل سعيت الى تعيينه في مديرية الزراعة العامة، حيث كان عمي يشغل منصب المدير العام فيها، وتوطدت العلاقة بيننا. وفي يوم ما بدأ حسين مردان يغريني بأن أهجر العائلة. كان ذلك يعتبر تمردا على البيت. يومها تركت البيت والعائلة، فأخذنا نبيت في الشوارع وتحت الجسور. وكانت تلك الحياة مأساة كبيرة. وكانت أيضا مملوءة بالمغامرات الجميلة». القلق والشعر هما، كما نرى، زاويتا الانطلاق الكبرى، غير المنفصلتين، في تلك العلاقة بين بلند الحيدري وحسين مردان وجماعة (الوقت الضائع) العبثية التي كانا من أعضائها المؤسسين الى جانب عدد من اهم الفنانين والشعراء والكتاب آنذاك ومنهم جواد سليم ونزار سليم وفؤاد التكرلي ونهاد التكرلي وجميل حمودي وعدنان رؤوف وابراهيم اليتيم وأكرم الوتري. هذه الجماعة وكان مقرها «مقهى الواق واق» الذي أنشأته في الأعظمية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرة، مثلت - عبر إصدارها مجموعة بلند الشعرية الأولى «خفقة الطين» ومجموعة «الفئران» القصصية لنزار سليم، وعبر مواضيع مجلتها «الوقت الضائع» التي عبرت عن رؤيتهم الفنية وميزت تيارهم الفكري في المشهد الثقافي العراقي آنذاك - انطلاقة تأسيسية جديدة للثقافة العراقية المعاصرة، تميزت بنزعتها الجمالية المجددة وروحها المتمردة والكونية نسبيا. جماعة «الوقت الضائع» التي استلهمت اسمها من رواية «البحث عن الوقت الضائع» للروائي الفرنسي مارسيل بروست ولدت تعبيرا عن حالة فرار من واقع مأزوم ولم تصبح حركة للتجديد في الشعر والرسم والنحت والقصة الا عرضا. أما البداية فيروي بلند قبيل وفاته انها: «كانت مجلة بدأت عندما حاولنا، وكنا في رحلة الى قرية من القرى، أنا والمرحوم الفنان نزار سليم والدكتور حسين هدّاوي أستاذ الأدب الإنجليزي الآن في جامعة نيفادا، وفي الطريق التقينا بأحد أصدقائنا المرحوم نجيب المانع. كان نجيب على شيء من الإلمام باللغة الفرنسية، ويومذاك كان يحدثنا عن كتاب لبروست وكان نجيب معجبا منذ تلك الأيام ببروست. كان لبروست كتاب اسمه «البحث عن الوقت الضائع»، أحسسنا بالفعل، إننا كنا نبحث عن الوقت الضائع. نزار تبرّع يومذاك بفكرة إصدار مجلة اسمها «الوقت الضائع». وبالفعل أسسنا هذه المجلة، وصدر منها عددان فقط لقيا هجوما عنيفا من كل النقاد الذين اعتبروا ان هذه المجلة جاءت لإفساد الذوق العام، الى آخر التسميات. وكان من الصعب ان نجد لا أنا ولا بدر مجالا في أي جريدة عراقية تنشر نتاجنا، لذلك لجأنا حينها الى الصحف والمجلات اللبنانية، وعلى رأسها طبعا كانت (الأديب) ومن ثم (الآداب)... كنا نجادل ونناقش، بعفوية وبعمق هذه التجربة». عن تلك المرحلة يقول بلند «ان كلاً منا كان يحاول ان يكتشف ذاته من خلال تجربته بالذات وبعدها صدر ديواني الأول «خفقة الطين» الذي اعتبره المبشر الأول». ويحب بلند ان ينقل ببعض المباهاة عن بدر شاكر السيّاب قوله: «ان «خفقة الطين» هو أول ديوان يصدر وهناك تأثير للشاعر عمر أبو ريشة في الدرجة الأولى، وتأثير لمحمود حسن اسماعيل والياس أبو شبكة. كل هؤلاء أثّروا في تجربتي الأولى، التي لم تكن واضحة، ولكن كانت هناك أيضا لغة مختلفة عن اللغة التي سادت تجربتنا الشعرية». عبد الوهاب البياتي من جانبه يذكر في ملاحظة مهمة للغاية خلال حوار نشرته مجلة «نزوى» ان بلند كان كثير القراءة ومعجبا اشد الاعجاب بالشاعر الفرنسي شارل بودلير. لكننا نعتقد أن بلند لم يعرف بودلير في تلك الفترة إلا معرفة عامة ومشوشة مصدرها بعض ما ترجم له الى العربية من قصائد مجموعته الشهيرة «أزهار الشر»، وبعض المقالات والأخبار وقصائد ممثل البودليرية الشاعر اللبناني إلياس أبي شبكة صاحب «أفاعي الفردوس» الديوان الذي عده البعض منطلق حرية وتحد وكتابا مبجلا قل من لم يحمله باليمين من اعضاء تلك الجماعة الادبية. أجواء الحرب العالمية الثانية وما بعدها هي التي استدعت وسمحت بانتشار الافكار البودليرية والفرويدية والوجودية في الثقافة العراقية اسوة وفي صراع خفي مع الافكار الماركسية والقومية والليبرالية التي ازدهرت هي الاخرى في العراق او في بغداد تحديدا. وبلند الحيدري رغم بوهيميته في تلك الفترة، ظل، كما وصفه البياتي، بغداديا اقرب الى طبقة- جديدة متعلمة فى العاصمة، «فبغداد وحدها كانت بؤرة التفاعلات والتغيرات الجديدة، ومعظم الوافدين اليها كانوا اشبه بالغرباء او القرويين الهابطين الى الحاضرة لأول مرة وكان عليهم ان يتعلموا طقوسها وخفايا العلاقات الاجتماعية والثقافية التي كانت تسود أنديتها ومحافلها الثقافية كما كانت بغداد تمثل البوتقة التى تنصهر فيها جميع الطقوس الدينية والثقافية والاجتماعية لكل الأديان والقوميات. أما من كان لا يعرف هذه الطقوس، فقد كان عليه الانتظار طويلا ومثله كمثل من يسير فى الظلمة دون دليل او بوصلة». ويتذكر بلند الذي بدأ شاعرا كلاسيكيا متأثرا بشعر معروف الرصافي، انه أخذ فجأة، بعد الحرب العالمية الثانية، ودون ان يدري كيف حدث ذلك يتوجس «خيوطا جديدة» في الشعر. وهذه الخيوط «لم تكن تنعكس أصداؤها على الشعر فقط، بل جاءت بموازاة محاولة في المعمار غيّرت وجه الطراز السائد التقليدي تصدى لها رفعت الجادرجي ومحمد مكيّة اللذان حاولا ان يجمعا ما بين التراث والمعاصرة. كذلك الأمر بالنسبة الى حركة الرسم حيث هجر جواد سليم أسلوبه في تقليد الفن الاوروبي ليؤسس مدرسة جديدة تستلهم التراث العراقي العريق ممثلا برسوم الواسطي ومدرسة بغداد في القرن الثالث عشر انما برؤية حديثة. وفي الموسيقى ظهرت محاولة الجمع بين الجديد والعريق على يد منير بشير وسلمان شكر بعد ان كانت أجواء ما بعد الحرب العالمية شجعت بعض الفنانين الأجانب على المجيء الى العراق ومنهم الفنانان البولونيان «زيغموند» و«ياريما» اللذان التقى بهم بلند في بيت جواد سليم. تلك «الخيوط الجديدة» ستقود بلند الى تبني مفهوم جديد في مضمون الشعر يعبر عن مشاعر الخيبة والقلق وحتى التوتر حيال عالمه وعصره كما عن حدسه ورؤاه ونزوعه إلى حرية قد تكون محض ذهنية الا انها تأخذ شكل القيمة الوحيدة بغض النظر عن «أخلاقيتها» المحتملة. يوضح الشاعر الراحل هذه الفكرة في محاضرة ألقاها في اليمن قبل سنوات قليلة من وفاته بالقول: «في تلك الفترة نشأنا بالقرب من تجربة الجواهري، والياس أبي شبكة، وعمر أبي ريشة، ومحمود حسن إسماعيل.. وكذلك تجربة شعراء المهجر، ولا سيما إيليا أبو ماضي ونسيم عريضة.. وكنا نحاول أن نلتقي ونفترق في آن واحد.. لأن العصر كان يمر بمنعطف، وهذا المنعطف كان يجمع ويفرق في آن واحد... وإذا كنتم تسألونني عن المضمون، فالمضمون بلا شك هو الذي يغير الشكل، ولكن ليس بالضرورة أن يكون المضمون تجديداً تقدمياً، فـ (إليوت) من أكبر المجددين في بنية القصيدة الإنجليزية الحديثة.. إلا أنه ينطلق من خلال ثلاث بؤر رجعية في فكره أهمها: هيمنة الكنيسة والطبقة الحاكمة، ويراها مصدراً من مصادر القوة لكل العالم.. وكذلك هو (عزرا باوند) - استاذ اليوت - كان من المجددين، لكنه يحمل فكراً فاشياً.. فما نقوله نحن في التجديد في الشكل قد لا يكون تقدمياً، ولكن ثمة مضامين فرضت تغييراً في الأشكال». تلاقي مفاهيم شتى من الفلسفة الوجودية مع نزعات تمرد مدينية (بغدادية حصرا) مصدرها البودليرية والماركسية وحتى السريالية سيطبع شعر بلند الحيدري بنفس رومانسي عميق وقلق في آن واحد، كما لو ان الرومانسية لا تغني من جوع لدى تلك الذات الموارة بالتمرد والحذرة من الوقوع في مهالك الايديولوجيا والفن الجاهز. في نهاية الاربعينيات، وعلى العكس من السياب ونازك الملائكة والبياتي كان بلند ينحو فى شعره منحى ذاتيا محضا افضى الى نوع من «الوعي الشقي» يكاد يطغي على كل قصائد بلند في «خفقة الطين»: نحن طين وأي طين حقير فلم الخوف من خوالج طينك بل يكاد هذا «الوعي الشقي» ينتصر في كل «اغاني المدينة الميتة» انما بنزعة وجودية هذه المرة ونبرة متسامية تتموضع كنطفة بعد في اتجاه هيغلي صاف وعفوي في آن: لا تنزل الانسان من قدسه الى حضيض اللذة الفانية دع لي نجوم الليل كأسي طلى فيها ومنها جرعتي الصافية هذه النبرة سرعان ما انتقلت منه الى السياب والبياتي كما نعتقد فضلا عن انها ستزدهر في الشعر العراقي الحديث فترة طويلة بتأثير قوي منه. وهذا النفس ميزه تماما كذلك، مع قطيعة شعرية تامة كما يبدو، عن صديقه الاقرب حسين مردان الموغل اكثر في تطرفه البودليري المحض من جهة وعن بدر شاكر السياب ذي النزعة اليسارية الماركسية والمنشغل بكتابة القصائد الثورية بعد، كما عن نازك الملائكة المسكون شعرها بالهواجس الرومانسية الانجليزية وبخاصة شعر بايرون وكيتس وشيلي، وايضا عن عبد الوهاب البياتي الذي سعى الى خلق توليفة جمالية تقف على مسافة واحدة نسبيا من كل هذه التوجهات او التمردات: سأرجع للفناء كأنني ما جئت الا كي أكون فناء ولأشتري كفنا، أضم بجوفه أدوار عمر قد مضين هباء ماذا جنيت لأحمل النير الثقيل تيمنا ورجاء لكن الرحلة من قصائد «خفقة الطين» حيث الروح رومانسية اللغة والبناء، فرنسية الحنين، مثقلة بألم فطري من قدرية الالم، وبين «حوار الابعاد الثلاثة» حيث الروح عوالم متسامية من الاضداد وحيث البناء درامي وفن الشعر في ذروة الاختزال والثقة، كانت طويلة وشاقة واستوجبت المرور بكل المرحلة الوجودية لا سيما السارترية وتناقضاتها وجمالياتها الكثيفة. - المرحلة الوجودية: التوجه المبكر في الثقافة العراقية للنصف الاول من القرن العشرين نحو الافكار الوجودية مثير وغير تقليدي بذاته. ولعل جاذبية تلك الافكار كمنت أساسا في المجالات التي تكشّف فيها ضعف المنظورات الشمولية من ماركسية وليبرالية وقومية ودينية في الاستجابة للحساسيات الجديدة في الادب والفن المتمحورة غالبا حول فكرة الحرية الفردية والمتمخضة كضرورة طبيعية عن تأزم بل انهيار نمط القيم القديم بفعل التبدلات الجذرية المفروضة كليا من خارج المجتمع نفسه. ورغم ان امر هذه الجاذبية بدأ هامشيا ومقتصرا على نخبة صغيرة جدا من الادباء والفنانين الا ان تلك النخبة هي التي غدت مع مرور الزمن الوجه الأجمل والأخصب للابداع الفكري والأدبي والفني في العراق. فعلى العكس من تلك المنظورات التي طرحت نفسها كأطر ايديولوجية لتوجهات سياسية تخص جماعات محلية مختلفة، واسعة احيانا او منتظمة في هياكل وأحزاب، لم يكن الأمر كذلك مع الوجودية التي بدت كمبشر ضد كل اشكال التنظيم والهرميات الحزبية او الدوغمائية، الأمر الذي جعل بعض ممثلي تلك الايديولوجيات ينعت االادباء والفنانين الوجوديين او القريبين من الوجودية بالفوضويين او الذاتيين او سواها من التسميات المفعمة بشحنة خصومة او ريبة. لكن، وبينما كانت الافكار التحررية لا سيما الماركسية منها قوية الحضور في الاوساط السياسية والاجتماعية، كانت الوجودية في تلك الفترة، ومنذ سنوات عديدة، قد تحولت بسبب تمجيدها الفرد والحرية والتمرد الى حركة جذابة ومتميزة هي الاخرى في الاوساط الاكثر حيوية بين المبدعين العراقيين لجيل الاربعينات وبشكل اعمق ربما مما في لبنان ومصر ذاتها وذلك لأن العراق، المهيمن عليه من بريطانيا آنئذ والتائق إلى الحرية والاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية، كان مرتعا لسلسلة من الانقلابات والازمات السياسية والحركات الاحتجاجية ضد الوصاية البريطانية بدءا من انقلاب بكر صدقي في 1936 ثم حركة مايس ١٩٤١ وانتهاء بوثبة كانون الثاني (يناير) 1948. فقد ظهرت السارترية هي الاخرى بمثابة الهوية التي يبحث عنها الشباب في فترة تميزت ببروز طلاب الجامعات والشباب عموما كما لو انهم محرك الثورات الاجتماعية وحركات التحرر الوطني من اجل الحرية والاستقلال والتقدم، بعد ان كانت أفكاره، موضوعة في سياقها المعرفي والسياسي، قد تركت تأثيراتها على قناعات الكثير من الادباء والفنانين في مناطق عديدة من العالم. فلقد نجح سارتر في جعل عوالم الكتابة والفكر والفن مسؤولة بشكل او آخر عن تغيير الحياة الواقعية ذاتها وفي تحريض الشاعر والفنان على الجرأة على القيم التقليدية واشهار اهمية تجربته الداخلية أينما وكيفما أمكن. يصف جبرا ابراهيم جبرا، في كتابه «الرحلة الثامنة» (بيروت ٧٦٩١)، المناخ العام لتلك الفترة والذي نشأت فيه جماعة بغداد للفن الحديث، بأنه كان مناخا ملائما لتعميق الشعور الانساني بالحضارة ومن منطلقات فكرية معاصرة، لذا لم يكن عبثاً ان يسود الشعور بالفكر الانساني عبر الفلسفة الوجودية وبالشعور الاجتماعي عبر الفلسفة المادية الى الحد الذي يتحقق بشكل رؤية فنية ذات ارتباط بالتراث، ملخصا انطباعه عن المناخ الثقافي العام الذي تألفت فيه جماعة بغداد للفن الحديث بالعبارات التالية: «كان الميل الأشد يتجه نحو هجر الانطباعية التي يلتزمها معظم الرسامين من أجل شيء أعنف تعبيراً عن مضامين النفس، عن الغضب، عن التمرد. كانت الوجودية في تلك الآونة قد غزت أذهان الشعراء والادباء والفنانين في العراق بنظريات فيها كثير من الإبهام الفلسفي، ولكن فيها كثير من الحث على المخاطر والتفرد- وفي الوقت نفسه على الالتزام. أما اليساريون، وكانوا كثيرين، فكانوا يطالبون بانزال الفن الى الشارع والمقهى وبايصال التعبير الى الجماهير بالنطق عن حاجة الجماهير، وفي هذا الخضم من الرأي والانتاج تألفت جماعة بغداد لتحاول شيئاً أبعد من ذلك، لتحاول ايجاد اسلوب عراقي لا تأخذ من قوته نظريات التبسيط والقول المباشر». وهكذا، فنحن نعتقد ان بعض اسباب اندفاع بلند الحيدري المبكر الى الوجودية، ينبع اصلا من تمرد فردي ما لديه، الا انه يكمن أكثر في خصب طاقة ذهنية وذوقية كامنة خاصة بالمبدعين الكبار وكل في نطاق مرحلته التاريخية الخاصة. وإلا كيف نفهم او نفسر ان تلك النزوة «البوهيمية» التي تحدثت عنها دلال المفتي أثمرت لدى بلند في ٢٥٩١ تحديدا صدور ديوانه الثاني «أغاني المدينة الميّتــة»، الذي جلب له اعترافا واسعا عراقيا وعربيا واشادة ثمينة بـ«شاعريته الفذة» (فؤاد الخشن)، وبأنه «شاعر مبدع في اساليبه التي حققها وفي طريقته» (عبد الوهاب البياتي) وبانه «كالفنان الحاذق لا يلقي الالوان على لوحته جزافا ولا يرسل الخطوط عليها أنّى اتجهت، انه يورد تفاصيله مرتبطة متماسكة فتنمو القصيدة بين يديه نموا من الداخل ككل الاعضاء الحية، واذا بها في النهاية وحدة متكاملة لها اول ووسط ونهاية كما يقول ارسطو» (جبرا ابراهيم جبرا). فالعبقرية الشعرية الكامنة والاطلاع على نتاج الثقافة الانسانية المعاصرة هي الاسباب الاعمق في انجذاب نحو الفلسفة ميز بلند الحيدري عن سواه من مؤسسي حركة الشعر العربي الحديث في تلك الفترة من حماس الانفتاح على الثقافات الاخرى ومغامرة التجديد والتمرد على القديم لدى جيل المبدعين العراقيين الذي واكب التغيرات الكبرى التي ارتبطت بحقبة الحرب العالمية الثانية وما بعدها مباشرة. ونحن نذهب مع ما ذهب اليه يوسف الخال في كتابه «الحداثة في الشعر» من اعتبار «مفهوم الشعر قد تغير بعد الحرب العالمية الثانية التي غيرت علاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالوجود». ينبغي التذكير هنا ان تأثير الوجودية لم يقتصر على بلند الحيدري كي نبحث في «تعاسة» طفولته عن اسباب لذاك التأثير تظل برأينا غير مؤكدة، انما شمل العديد سواه من مبدعي تلك الفترة الحيوية فكريا في تاريخ الشعر العراقي الجديد ومنهم أخوه صفاء الحيدري، الذي كان هو الآخر شاعرا وجوديا مجددا بدأ كتابة الشعر قبل بلند وله دواوين شعرية عديدة مطبوعة في العراق، اذ اشتهر بنزعة وجودية متمردة، ذهبت به مرة الى القيام بنصب خيمة سوداء في بساتين بعقوبة لغرض السكنى فيها مع بعض الادباء الوجوديين والمتمردين. وتفيد معلومات اخرى ان صفاء الحيدري وصديقه حسين مردان هاما بعدد من مجلة «الكاتب المصري» صدر في منتصف الاربعينيات لما فيه من مواضيع عن الوجودية وتبنياها وعدا نفسيهما وجوديين كل على طريقته. بلند الحيدري من جانبه انكب على تثقيف نفسه ثقافة شعرية خاصة، فأخذ يقرأ بنهم ما كانت تنشره المجلات والصحف اللبنانية، وبخاصة مجلة الأديب بين عامي (1940 ـ 1947) متأملا رمزية سعيد عقل، ورومانسية الياس أبي شبكة، كما فتن بأشعار عمر أبي ريشة ومحمد حسن إسماعيل كما أشرنا. لكنه أكد في اكثر من مناسبة تأثره المبكر بالتيار الوجودي ذاك وانه راح يقرأ بشكل دائم لجان بول سارتر وألبير كامو كما اطلع على نصوص نسبت الى هيغل او كيركغارد او هايدغر او شوبنهور او سواهم كانت تنشرها هنا او هناك مجلات او صحف وصلت الى يديه. ونعتقد ان تلك القراءة ومصادرها كانت باللغة العربية قطعا نظرا لأن بلند في تلك الفترة خاصة، لم يكن يتقن أي لغة اجنبية حسب ما أكدته لي رفيقة حياته دلال المفتي. اذ ورغم ان الاهتمام بهؤلاء الفلاسفة في تلك الفترة كان في الثقافة العربية ضئيلا للغاية اجمالا، الا ان معطيات كثيرة ترجح ان اطلاع بلند الحيدري على افكارهم بدأ من خلال الفلسفة الوجودية التي ترك بعض افكارها يتسلل الى شعره كإغراء جذاب وجوهري في مرحلة الشباب. اضافة الى ذلك، هناك اطلاعه على كتاب «الزمان الوجودي» لعبد الرحمن بدوي. اذ اكد بلند مرارا انه كان على علاقة طيبة بعبد الرحمن بدوي الذي اثر بالفعل في توجهه بفضل مناقشاته معه اثناء وجود بدوي في بغداد في عام 1950. ويذكر بلند قبل رحيله بفترة وجيزة، ان بدوي اثر بالفعل في توجهه، وهو ما انعكس تماما في ديوانه «أغاني المدينة الميتة». لا نعرف شيئا مهما عن تلك المناقشات. بيد اننا نعرف ان عبد الرحمن بدوي (المولود في شباط (فبراير) ١٩١٧ والمتوفي في تموز (يوليو) ٢٠٠٢) والمتأثر بسارتر وخاصة هايدغر، كان في تلك الفترة يلقب سلفا بأول فيلسوف وجودي عربي نظرا الى اطروحاته في مؤلفه «الزمان الوجودي» الذي هو في الاصل عنوان رسالة لنيل الدكتوراه دافع فيها عام 1944 عن عدد من مشكلات الفلسفة الوجودية امام طه حسين الذي تنسب المصادر له القول عن بدوي اثرئذ: «أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى». ويبدو ان زيارة بدوي الى بغداد كانت ضمن جولاته في عدة دول عربية محاضرا لامعا عن الافكار الوجودية في فترة كان نفوذه الفكري قد حقق رصانة واسعة بفضل غزارة انتاج فلسفي تمثل في سلسلة من المؤلفات ابرزها حتى زيارته الى بغداد تلك: «نيتشه» (١٩٣٩)، و«التراث اليوناني في الحضارة الاسلامية» (1940)، و«اشبنجلر» (١٩٤١)، و«شوبنهور» (٢٤٩١)، و«افلاطون» (1942)، و«خريف الفكر اليوناني» (1943)، و«الزمان الوجودي» (1945)، و«من تاريخ الالحاد في الاسلام» (1945)، و«ارسطو عند العرب» (٧٤٩١)، و«الإنسانية والوجودية في الفكر العربي» (٧٤٩١)، و«شخصيات قلقة في الاسلام» (1949)، و«رابعة العدوية» (1948)، و«شطحات صوفية» (١٩٤٩)، و«منطق ارسطو» (١٩٤٩)، و«روح الحضارة العربية» (١٩٤٩)، و«الاشارات الالهية» (1950)، اضافة الى عدد كبير من المقالات والندوات كان بعضها عن الفلسفة الهيغلية التي سينشر عنها بدوي في فترة متأخرة من حياته ثلاثة مؤلفات هي «حياة هيغل» و«فلسفة الجمال والفن عند هيغل» و«فلسفة القانون والسياسة عند هيغل». الى جانب كتابات عبد الرحمن بدوي الذي بدا في تلك الفترة كمن يحمل مشروعا فلسفيا وجوديا متكاملا سرعان ما بدأت تأثيراته تظهر هنا او هناك من الدول العربية، راح عدد من المجلات الأدبية والثقافية الصادرة في القاهرة وبيروت يروج للوجودية بمقالات وترجمات مختلفة ساهمت في جذب كثير من المثقفين العرب إلى الوجودية السارترية خاصة بسبب الثقل المعرفي والفلسفي الذي اقترنت به. ومن المؤكد لدينا ان الوجودية سبقت بدوي الى بغداد بسنوات على يد عدد من الادباء العراقيين اشهرهم الكاتب والناقد نهاد التكرلي (المولود في بغداد عام 1922 والمتوفى في 1982)، الذي قد يكون أول (أو على الاقل بين أوائل) من روجوا لفكر جان بول سارتر والبير كامو وسيمون دي بوفوار وحاولوا ترجمته الى العربية منذ نهاية أربعينات القرن الماضي. ويتميز نهاد التكرلي بتوجهه الفلسفي المركز في التعريف بالافكار الوجودية وبالميل الى الاعتماد على نصوصها مباشرة. من هنا جاء جهده المبكر في ترجمة رواية «الغريب» لكامو التي لم يجد ناشرا لها فاقتصر على اطلاع أصدقائه عليها ولا نستبعد ان يكون بلند الحيدري من بينهم نظرا لعلاقتهما الوطيدة آنذالك. كما نشر ملخصا لكتاب سارتر الآخر «الوجودية مذهب إنساني» على شكل مقالين في مجلة «الأديب» اللبنانية تحت عنوان «الوجودية لدى سارتر». بل كاد نهاد التكرلي ان يصبح اول من يترجم الى العربية كتاب سارتر الشهير «الوجود والعدم» لولا انه هجر هذا المشروع معترفا بتعقيد هذا المؤلف السارتري الذي سيترجمة عبد الرحمن بدوي لاحقا. ويعترف التكرلي في شهادة له منشورة في كتاب عنه بعنوان «نهاد التكرلي رائد النقد الأدبي الحديث في العراق» أنه كان يجتاز أزمة فكرية ونفسية خاصة بعد انهيار القيم التقليدية في نظري وزوال بعض الأوهام التي كنا نؤمن بها بسذاجة في عهد الصبا، مضيفا: «في تلك الحقبة تأثرت كثيراً بكتابات الدكتور عبد الرحمن بدوي، ثم بدأت بعض المجلات المصرية واللبنانية تتحدث عن فلسفة العبث لألبير كامو... وعن الوجودية وعن جان بول سارتر، وكان من الطبيعي أن يثير هذا الحديث اهتمامي ويدفعني إلى الإطلاع على هذه الفلسفة». كما يقول نهاد التكرلي في موضع آخر من شهادته: «في العام 1950 نشرت مقالاً في مجلة الأديب تحت عنوان «جيل مفقود» لا شك أنه يعبّر تعبيراً صادقاً عن أفكاري وعن حالتي النفسية في تلك المرحلة من حياتي. كانت الوجودية عندئذ تجيبني على أسئلة عديدة من الأسئلة التي أطرحها على نفسي. ولا شك أن هذا هو السبب الأساسي الذي جعل هذه الفلسفة تجتذبني». بداهة، لا يتسع المجال في هذا المقال، لعرض كافة الاسئلة الثقافية والتاريخية التي اثارتها الوجودية السارترية وماهية سياقاتها المعرفية والادبية والتاريخية. بيد ان قضايا الدفاع عن الحرية الفردية وعن التعبير في أشكال مجددة ومغايرة للتقليد وما يترتب عن ذلك من دعوة الى استثناء الادب والفن من الالتزام وكذلك الرفض الضمني والمبكر للايديولوجيا فيهما وفي الحياة اجمالا، كانت بين اكثر الافكار الوجودية تأثيرا في اوساط تلك النخبة من المبدعين العراقيين الذين كان بلند الحيدري منهم. فالالتزام السارتري مثلا لم يرهن نفسه بحسابات أو اهداف باستثناء رفض النمذجة في الكتابة والفن وفي الفكر السياسي تاليا متموضعا هكذا في تضاد مع موقف الايديولوجيات بشأن تلك القضايا التي كان جان بول سارتر قد ناقشها فلسفيا في سلسلة مقالاته الشهيرة في مجلة «الأزمنة الحديثة» التي كان يصدرها قبل ان ينشرها عام 1947 في كتابه «ما الأدب؟» الذي سرعان ما أصبح مرجع الوجوديين في كل مكان كلما اثيرت مشكلة مسؤولية الالتزام والاستقلال الذاتي في الادب والفن ودور الكتابة في التغيير وفي الصراع الاجتماعي والسياسي. وهو مرجع يتموضع كاستمرار لتيار الحداثة الشعري الذي بدأه مالارميه وفلوبير وبودلير منذ منتصف القرن التاسع عشر وتبلور عنه اتجاه حداثي يدعو لتخليص الشعر من المشاركة وجعله مهتما بالصورة واللغة وجمالية الكتابة، بعيدا عن أي مهمات واقعية أو توظيف: الابداع شرطه الحرية الفردية للشاعر او الفنان لكن القارئ او المشاهد هو الذي يعطي وجودا للنص الابداعي انما عبر ممارسة حريته الفردية كشرط. لكن أهمية افكار سارتر، في «ما الأدب؟» وقبله في روايته «الغثيان» وكتابه الفلسفي «الوجود والعدم» أتت أساسا من كونها «لخصت» تلك اللحظات والاتجاهات المتعارضة وربطتها بسياق جديد محمل بالأسئلة والتحولات، هو سياق ما بعد الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩- 1944) وتأثيراتها في فرنسا وأوروبا كما لاحظ كثيرون من قبل، علاوة على ان سارتر استعمل جرأته السجالية وثقافته الواسعة ولغته الفلسفية الجامعة بين الافكار الوجودية والفينومينولوجية، ليحلل ماهية وشروط الكتابة وعلاقتها بالمجتمع وحركيته وأسئلته المستقبلية، من منظور كثيرا ما ألح على أن الالتزام انما هو وسيلة لحماية قيمة الحرية بوصفها فاعلة في مجال تغيير كل ما يقيد حياة الفرد. ان مثال نهاد التكرلي يكاد يلخص حالة شريحة واسعة من المبدعين في العراق وفي بلدان عربية أخرى ممن تأثروا بالوجودية، لا سيما بأفكار جان بول سارتر. أما نهاد التكرلي الذي اتخذناه مثالاً للمثقف العربي المتأثر بالفكر الوجودي فيقول في شهادته سالفة الذكر عمّا تبقى لديه من الوجودية بعد مرور نصف قرن أو أكثر على تعرفه عليها: «كانت الوجودية قد زودتني منذ البداية بنظرة معينة نحو ذاتي ونحو العالم، ولا شك أنها اجتذبتني كفلسفة متماسكة تبحث في وحدة الوجود المطلقة وفي مأساة الوجود، ووقتية المشاريع الإنسانية وضرورة مواجهة الموت لكنها من ناحية أخرى أوضحت لي أن من الضروري أن يعرِّف الإنسان نفسه بمشروع، أو اختيار أصلي لكيانه يصنع في الوقت ذاته قيمة معينة للإنسان والإنسانية كلها. وهذا ما يسمى بالالتزام». الفن التشكيلي كان ايضا حاضرا في بلورة هذه التجربة منذ البداية عبر نزار سليم طبعا لكنه سيتعزز باللقاء مع جواد سليم خاصة. والعلاقة بين بلند ونزار الذي يكبره بسنتين علاقة صداقة قوية الى جانب العلاقة الفكرية والثقافية. ونزار سليم قاص وفنان تشكيلي موهوب وسليل عائلة فنية لامعة عميدها والده محمد سليم الذي يعد من اوائل المصورين العراقيين والمعلم الاول لأولاده الذي كان منهم الفنانون رشاد وسعاد وجواد ونزيهة اضافة الى نزار المولود في انقرة بتركيا عام 1925 عندما كان والده ضابطاً هناك. وهو بالاضافة الى كونه فناناً تشكيلياً له حضوره ومكانته المبكرة في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، فانه ولد كاتبا مجددا اذ اصدر في بداية حياته ونشاطه الادبي نشرة صحفية خطية بعنوان «الصبا» واستمر يصدرها حتى تخرجه من الدراسة الاعدادية، كما انه قصصي ومسرحي وباحث في تاريخ الفن المعاصر ومترجم متمكن وبارع في كل هذه المجالات ومن مؤلفاته القصصية المطبوعة اضافة الى «الفئران» مجموعة قصصية هي «أشياء تافهة» في 1950 و«فيض» في 1952 ومسرحية «اللون المقتول» في 1953. اما عن جواد سليم المولود في ٠٢٩١ فيؤكد بلند نفسه انه: «أثّر فيّ تأثيرا واضحا». وهذا التأثير كان في اتجاهات عديدة برأينا: تمثل الأول في رفد الجرأة على التجديد الفني الواعي في القصيدة عبر الاقتراب أكثر فأكثر من الاشكال الجديدة في القصيدة الأوروبية الغربية، فيما تمثل الثاني بالتوجه الى استلهام وتجريب تقنيات الفنون الاخرى وخاصة الفن التشكيلي والموسيقى في بناء القصيدة كما استفاد جواد سليم من الشعر والموسيقى في اعماله التشكيلية. ولقد اوجز بلند مرة علاقته مع جواد سليم بهذه الكلمات المركزة: «كنا أنا وجواد نؤمن بشيء واحد رئيسي: أن القصيدة التي لا صورة فيها، ليست بقصيدة، والصورة التي لا شعر فيها ليست بصورة». ويمكن تصور أهمية هذا التأثير أكثر فأكثر اذا عرفنا ان جواد سليم كان، مع فائق حسن، أول فنان عراقي يبذل جهودا جادة لادخال الفكر والتقنيات الغربية في الفن التشكيلي العراقي الحديث لا سيما بعد عودته الى بغداد من اوروبا الغربية حيث كان قد درس فن النحت الاوروبي لسنوات عديدة في باريس وروما ولندن واكتسب خبرات عدد من كبار الفنانين العالمين أمثال بابلو بيكاسو وهنري مور ومارينو ماري وغيرهم مما أهله ليؤسس فرع النحت في معهد الفنون الجميلة كما كان لولب تأسيس جماعة بغداد للفن الحديث الى جانب تمتعه بمواهب ثقافية عالية عمقها حساسية عالية حيال المنجزات التشكيلية العراقية في الفنون المختلفة والتراث منذ السومريين والاشوريين وتواصلاً مع الفن الاسلامي والزخرفة العربية والشناشيل. والى جانب الرسم والنحت اهتم جواد سليم بالسيراميك وبرسم الكاريكاتير وكان يصنع التحف الفضية والنحاسية، وله تصاميم عديدة لأغلفة الكتب منها ديوان الجواهري الاول وديوان (قصائد عارية) للشاعر حسين مردان ومجموعة (عرق وقصص اخرى) لجبرا ابراهيم جبرا والمجموعة القصصية (اشياء تافهة) لاخيه نزار سليم ومجموعة (اغاني المدينة الميتة) لبلند الحيدري الشعرية، اضافة الى قيامه بكتابة العديد من المقالات عن الموسيقى وفي الادب. وعن طريق جواد سليم تعرف بلند على فن النحات الانجليزي هنري مور في استخدام الفراغ ليستفيد منه في القصيدة: «وقد كتبت نقدا عن هذا الفنان وسميت الفراغ الذي عنده بالفراغ المملوء، وهو فراغ ولكنه مملوء بالحياة، قرأت عن مفهوم الفراغ، فإذا بالفراغ موجود في السماء، في النجوم، في خارج الكون. والفراغ عنصر رئيسي. إذن لماذا لا أدخل الفراغ بأبسط أشكاله، وأبسط أشكاله كان التفعيلة، اقطعها بمسافة من الصمت. مثلا: تك.. تك.. فع...، إذن لم أكمل تفعيلة فعولن: (غناء رتيب تنفّس في الأرض منذ القدم)، لكن ليست هذه الغاية ان أصمت. صحيح ان الصمت موجود في الموسيقى، عندما تعزف نغما تقف أحيانا. هذا موجود خاصة عند بتهوفن. في قصيدة «شيخوخة» التي تعود الى بداية عمري، أقول: شتويّة أخرى وهذا أنا بجنب المدفأة أحلم ان تحلم بي إمرأة ولعل العبث، عبث كل شيء، وليس التمرد، هي الفكرة السارترية الاكثر حضورا في قصائد فترة «أغاني المدينة الميتة» (١٩٥١) حيث القلق من القيود الكثيرة، الفعلية او المتخيلة، التي ترسف فيها الذات الفردية وتتسبب في حيرتها ومجهوليتها ومحدوديتها ومحدودية الادراك بأن الحرية هي قيمتها الكبرى. ان اسماء كافة قصائد ذلك الديوان توحي علنا بذلك حيث تتوالى: طاحونة، عبث، عقم، اعترافات بعد منتصف الليل، وحدتي، في الليل، شيخوخة، عبودية، العطر الضائع، الخطوة الضائعة، خداع، قرف، ضياع.. الخ، لتعبر جميعا عن هموم وجودية تكاد تكون واحدة وذهنية وجاهزة، كتلك التي في قصيدة «عقم» مثلا: نفس الطريق نفس البيوت، يشدّها جهد عميقْ نفس السكوتْ كنّا نقول غداً يموت وتستفيق، من كل دار أصوات أطفال صغار يتدحرجون مع النهار على الطريقْ أو مباشرة كما في (دروب): مل الطريق صمت عميق ينهد عن قلق وضيق اما انا فلقد تعبت وها هنا سأنام لا اهفو ولا تهفو منى وبلا وعود وبلا عهود ولتبق في الافق البعيد تلك الدروب كما تريد فغدا ستعبث من جديد أو في «طاحونة»: تلك هي الارض فلا تعجبي ان مر بي الفجر وما مر بي ومات ما كان سوى خطوة لما تزل تبحث عن مهرب احسها تصرخ في مسمعي: افاق.. يا للغبث المتعبِ.. والارض ما زالت على عهدها تدور حول الأبد الأسود أو في «مر الربيع» الاكثر عبثية بين قصائد الديوان: مر الربيع وهبيه مر.. غدا يعود بمسوح قديس جديد - المرحلة الهيغلية: يفاجئنا ديوان، او تحديدا قصيدة «خطوات في الغربة» (بيروت 1965) بنقلة فنية/فكرية هائلة في شعر بلند الحيدري وفي مفهومه الوجودي حيث يتخلى وحتى النهاية كما يبدو عن كل تلك الوجودية الرومانسية والعاطفية والمباشرة بإتجاه فكرة أعمق وأصعب عن الوجود والعدم وعن الأنا والآخر:. هذا أنا ـ ملقى ـ هناك حقيبتان وخطى تجوس على رصيف لا يعود إلى مكان من ألف ميناء أتيت لألف ميناء أصار وبناظري ألف انتظار لا.. ما انتهيت فوراء كل ليالي هذه الارض لي حب وبيت وقد يعود بي الزمان هذا المفهوم الجديد لديه عن الزمان، وأيضا عن المكان وعن الذات وعن الصيرورة، ليس سارتريا قطعا بل في قطيعة ما مع الوجودية السارترية (والسارترية العربية خاصة) باتجاه هيغل الذي سيتأكد حضور مفهومه للزمان في قصائد اخرى لاحقة: وتظل كان بالامس كان واليوم كان وتظل تمتلئ السنين وتظل توغل في الزمان أو: أغيب مع الليل في مأملي واصحو ولا شيء غير الزمان يلف الليالي على مغزلي خيوطا رقاقا بلون الدخان هذه العلاقة مع هيغل لا غرابة حيالها. اذ يخبرنا بلند، في أكثر من مناسبة، انه استفاد من الفلسفة الهيغلية في انجاز عدد من أعماله الشعرية ومنها قصيدته «حوار الأبعاد الثلاثة» التي عدّها عدد كبير من النقاد بين أعمق قصائده بل من النماذج المتميزة في كل الشعر العربي الحديث، مشددا على ان تلك الاستفادة لم تكن طارئة او جانبية او جزئية او غير مباشرة، انما هي، في تلك القصيدة خاصة، تحدسات واعية تماما، ومقصودة قصدا، بل انها مباشرة، بمعنى انها مشروع مستقل بذاته، وكلية، بمعنى ان تلك القصيدة لم تكن لترى النور لولا تلك الاستفادة. كما أوضح الشاعر الراحل ان قراءته المعمقة لكتاب «فلسفة الحق» للفيلسوف الالماني هيغل «يمكن ان تكون الى حد ما الخلفية الفلسفية لهذا العمل اذ انني كتبت القصيدة خلال قراءتي لهيغل مجددا وبعد فراق قارب العشرين عاما» (حوار مع قاسم حول في مجلة الطريق اللبنانية). الا انه لم يبين لنا ماهية قراءاته الاولى تلك لهيغل او لنصوص اخرى من الفلسفة الالمانية. هذا التوضيح شديد الاهمية بالنسبة لنا لأنه يكشف ان تأثيرات الفلسفة الهيغلية تعود الى فترة تاريخية مبكرة جدا من عمر المغامرة الشعرية لبلند الحيدري، اي الى فترة ما بين نهاية الاربعينيات ومطلع الخمسينيات عندما كان الشاعر الراحل في مطلع عشرينياته وليس الى فترته البيروتية حصرا التي كتبت فيها «حوار الابعاد الثلاثة». وهكذا، فمن خلال البودليرية اولا ثم من خلال الوجودية المتأثرتين بالهيغلية اصلا، راح هيغل يتسلل الى شعر بلند الحيدري من خلال قراءة مسهبة لكتاب «فلسفة الحق»، ليقوده عبر ذلك الجدل الصامت لكن الغائر والابدي بين الذات والموضوع، الى تلك الذرى في «أغاني الحارس المتعب» سادس مجموعاته الشعرية وبإتجاه «أبواب الى البيت الضيق» ثم بإتجاه «آخر الدرب». هذا الجدل ظهر سلفا في «أغاني المدينة الميتة» عبر توزيع الصوت الواحد داخل بنية القصيدة إلى أصوات عدة في نقلة باتجاه بناء درامي أكيد: الى أين..؟ ويحك لا تسألي فرجلاي مثلك تستفهمان اغيب مع الليل في مأملي وأصحو ولا شيء غير الزمان أو: أكاد أجن يا نفسي أ أنت؟ أ أنت يا حسي؟ أهذا العالم المنسى الذي ألقى به المهد ويطوي شعثه اللحد هو الصارخ... يا عبد بيد ان النطفة الاولى لهذا الجدل حاضرة أصلا في «خفقة الطين» مجموعته الاولى برغم انطباعنا بانها ذات اهمية اسلوبية رومانسية اكثر من أي معطى آخر. فتلك التعددية الثنائية بين الأنا والآخر، وبين الحياة والموت، وبين السيد والعبد، عبرت عن نفسها دائما لدى بلند على شكل رفض او صراع مع آخر ما قد يكون الأب او الواقع او الزمن لا فرق، في حين لم يفضي التعرف على هيغل سوى الى تحويلها الى مسلمة مجردة وسامية. هذه الثنائية والبعد الدرامي المرافق لها يخفتان في ديوانه الثالث «خطوات في الغربة» (1965) الا في قصيدة «خطوات في الغربة»، برغم تمكن الشاعر في هذا الديوان من اثبات قدرة «على ادارة الصراع الداخلي، بحيث استغنى الشاعر عن اسلوب السرد كليا.. مما يكشف عن طاقة ايحائية زاخرة» كما كتب عنه المفكر الفلسفي اللبناني الراحل حسين مروة اثر صدور هذه المجموعة «الملتزمة» سياسيا والمتمركسة نسبيا بتأثير من اعتقاله وتعذيبه من قبل مجرمي انقلاب ٨ شباط (فبراير) 1963. الا انهما سيعودان كثلاثية (ذات/ملموس/مطلق) بقوة في «رحلة الحروف الصفر» (1968) وخاصة في مجموعة او قصيدة «حوار الابعاد الثلاثة» (1973) التي أعلن بلند الحيدري فيها انتماءه التام والعلني لهيغل مبتعدا عن الغنائية كما عن السرد والخصوصية الاسلوبية مستبطنا كل الاصوات على حدة ومعا في كل لحظات تصدعاتها واتحادها في حركتها الابدية ضمن الأنا الذي هو كل الأشياء وأضدادها أيضا. ويمكن برأينا تلمس النقلة الحاسمة من الوجودية الى الهيغلية في هذه المجموعة وفي تجربة بلند الشعرية عامة ضمن حركة الابعاد الثلاثة، الذات والعالم والمطلق، وتقاطعاتها او تناقضاتها لتأكيد صراعهما الدرامي. أما كيف تمثلت الأبعاد الثلاثة كأطراف متضادة في تلك القصيدة فيؤكد بلند انها تدور ضمن ثلاثة اتجاهات: «يمثل الصوت الاول علاقة الانسان بذاته، والصوت الثاني علاقة الانسان بالموضوع، والصوت الثالث علاقة الانسان بالمطلق. وكل هذه الاصوات تتداخل ضمن الفرد الواحد، أي ان العمل الشعري في هذه القصيدة مسرحه الانسان الواحد، عبر نزوعه الداخلي، وعبر تمزقه مع الخارج وعبر تكوينه لخلفيته الذهنية مبدئية كانت او دينية او فلسفية.. وافترضت الله هو الحق الذي تدور حوله هذه الاصوات لتحدد المسافة القائمة بينه وبينها فكان ان انتهت: يا رب فمن قرب منك لم يرك، يارب من بعد عنك لم يرك، والقائل اني انا الرب لم يرك» ودرءا لأي خلط بين الجذر الهيغلي لهذه الابعاد الثلاثة وبين ثلاثية الرؤية الفرويدية (ذات/ذات عليا/ذات سفلى) يؤكد بلند الحيدري بوضوح على انه ينتمي الى الفلسفة الهيغلية وليس الى المفهوم الفرويدي في منظوره عن تلك الابعاد: «الإيكو (الذات) والسوبر إيكو (الذات العليا) والأنا (الذات السفلى) موجودة في العمل مع تغيير اصيل لمفهوم فرويد لكل منها، اذ ان هذه الثلاثية تقع عندي في منطقة الوعي بينما تغور عند فرويد في اللاوعي.. وقد يقع القارئ بسرعة في التفسير الفرويدي عبر الشكل الظاهري لهذه التجربة من خلال علاقة قتل الابن لأبيه، وطبعا انا لم اطرح الفكرة على الاساس الفرويدي ولكني أفدت من الأبعاد التي تطرحها نظرية فرويد في هذه التجربة وراجعت غير واحد من الادباء الذين كتبوا هذا المجال ومنهم ديستويسكي في الاخوة كرامازوف، ودراسة فرويد لمفهوم قتل الاب عند ديستوفسكي، ثم ريلكه وآخرين لتثبيت البعد المأساوي في العلاقة القائمة بين الام والابن والاب». وكما عند هيغل تماما، الله هو المطلق في التعبير عن البعد الثالث عند بلند الحيدري، فيما الجزئي او الذات او الانسان في اتحاد روحي مع هذا المطلق: أفردتنا في البعد فرأينا الكل، وأضعنا سرك في الأجزاء صرنا حقك في القاتل مذ صرنا حقك في المقتول ... اللهم غفرانك لسنا في هذا الصوت سواك لسنا الا حقك في هذا الصوت وفي ذاك نجتمع في الرغبة ونموت في الرجاء فان سمعنا.. فالسامع انت وان رأينا فانك انت الرائي» ومثلما لدى هيغل ايضا، فالعلاقة هي علاقة جدل وتناقض بين الابعاد الثلاثة عند بلند الحيدري: أنا هو الدم الذي جف على الاسفلت من سنين يعرفه الجرح ولن تنكره السكين انا هو الموت الذي يجيء كالميلاد فعند بلند دائماً، كما لاحظ قاسم حداد: «هناك شخص/ صوت آخر في قصائده، يتحاجز معه، يتبادلان جذوة الروح والجسد. ونادرا ما يخرج أحدهما منتصراً. فالشاعر لا ينتصر إلا على نفسه، والهزيمة هنا هي اختبار لشهوة السنبلة وطبيعة المشنقة. فدائماً كان هناك صوت/ شخص آخر يفضح اللعبة». لكن بلند الحيدري لم يصبح هيغليا يوما الا عابرا كما لم يكن سارتريا او بودليريا الا عندما شاء الشعر ذلك. اذ ان علاقته بالفلسفة لم تكن على حساب التجربة الانسانية انما من اجلها، كما لم تكن على حساب المغامرة الابداعية واللغوية والعاطفية انما لتعميقها بعيدا عن الجاهز والجامد والتقليدي وحده. بمعنى ان الفلسفة لم تأخذ لديه بعدا هيغليا او ماركسيا او سارتريا سكولائيا او متماهيا مع بنى ميتافيزيقية او انطولوجية ما. انه بالعكس كان سقراطيا في حيرته واستفهاماته العميقة او نيتشويا بالاحرى بدون طقوس صارمة او ايقونات ثقيلة وبدون مغالاة بلاغية وعاطفية، انما مع ذات الدعوة الهامسة الواثقة لكن المترفة والعبثية الى الانتماء والعودة دائما الى رحاب الشعر والفن والحياة. في هذا الهمس المسهب والدرامي، تقطن اصول قطيعة بلند مع القصيدة التقليدية كما ينتمي اعلانه اعتزاله عن كتابة الشعر تماماً ثم تراجعه عن ذلك. وهي قطيعة مختلفة جذريا عن زملائه السياب والبياتي والملائكة والبريكان وحسين مردان. فهو لم ينتقل من الاناشيد والتراث والسياسة والمجتمع الى الحداثة، انما من الذات ذاتها اليها في حالة نزّاعة الى التغرب الواعي، بل التغرب المتفكر، الذي يظل منذ ديوانه الاول «خفقة الطين» الى ديوانه الاخير «دروب في المنفى» السمة المحورية الوحيدة ربما التي تطبع نتاج هذا الشاعر. |
|||||
|
|||||