البنى السردية والمتلقي فـي الرواية المغربية المعاصرة
(جنوب الروح) لمحمد الأشعرينموذجا

 

عبد الجليل غزالة
ناقد وأكاديمي من المغرب


 أوليات الموضوع:  كيف يربط المبدع المغربي المعاصر ؛ محمد الأشعري بين مكونات الخطاب الروائي في عمله، الموسوم بـ(جنوب الروح)؟ ما أهم وجهات نظر السارد في هذا الإنجاز السردي؟، كيف تتجلى الفضاءات الروائية عند الكاتب؟ ما خصائص البنى السردية في الرواية المغربية؟ ما علاقة شخصية الفرسيوي؛ بطل الرواية بقريته (بومندرة، قرب زرهون) وأهلها ووالده المتوفى ورموز ثقافة مجتمعه وعشقه للزواج من الجنيات والحكي في الحلقات وزيارة أضرحة الأولياء؟ ما نوع المتلقي لهذه الرواية وقوانينه وأدواته، المسعدة على الفهم والتأويل، الذي لا «يخصي» المعاني وينفي بعض السلط؟  

 

المبدع والمتن المدروس:

١- المبدع: رأى الشاعر المغربي، محمد الأشعري، النور يوم ١٨ نوفمبر بقرية بومندرة، الواقعة قرب مدينة زرهون، عام ١٩٥١ م. قضى مرحلة التعليم الابتدائي والثانوي بزرهون، ثم مكناس. التحق بكلية الحقوق بالرباط فالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية.عمل بإدارة معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، قبل إتمام دراسته الجامعية. اشتغل بعدة وظائف، نذكر منها :

أ _ متعاون مع جريدة العلم ومحرر ومسؤول تحرير بجريدة البلاغ المغربي ومسؤول في التحرير بصحيفة الاتحاد الاشتراكي

ب_ رئيس اتحاد كتاب المغرب لمدة سبع سنوات: ١٩٨٩- 1996.  

ج_ وزير الثقافـة،  ثـم وزيـر الثقـافـة والاتصال.

 بدأ حياته الوظيفية وإقامته بمدينة الرباط، حيث أبدع أهم أعماله الشعرية، التي نشرت ببغـداد وبيروت والدار البيضـاء، وترجمـت إلـى عدة لغات، كالفرنسية والأسبانية والروسية والهولندية. نذكر من هذه الأعمال مايلي :

١  _  صهيل الخيل الجريحة، 1978.

٢ _  عينان سبعة الحلم، ١٩٨١.

٣ _  يومية النار والسفر، 1983.

٤ _  سيرة المطر، 1988.

٥ _  مانيات،  1994.

 نشر الشاعر أيضا مجموعة قصصية بعنوان (يوم صعب)، عام ١٩٩١ م.

٢- المتن المدروس: نشر محمد الأشعري روايته (جنوب الروح)، عام 1996 م. يقع هذا العمل في 173 صفحة من الحجم المتوسط. ظهر بمطابع فضالة، ضمن منشورات الرابطة.

 يضم المتن المدروس عدة شخصيات روائية محورية وثانوية وأحداث مثيرة وفضاءات متنوعة ووجهات نظر أصيلة. نجد الشخصيات التالية:

أ _ محمد الفرسيوي.

ب _ هموشة زوجة الأب الراحل.

ج _ سلام وزوجته كنزة.

د _ النساء والرجال المتبقون من قرية بومندرة.

ه _ يامنة وأشعارها النفاذة.

و _  الجنية سوالف زوجة محمد الفرسيوي.

ي _  محند العكيوي والاحتلال الفرنسي.

ز _ الفقيه سي عبد الله وأنداده بقرية بومندرة.

ط _ الولي الصالح الهادي بن عيسى وكراماته.

ن _ نساء القرية وأحلامهن.

م _ نورية وعلاقتها بمحمد الفرسيوي.

ت _ شخصية والد الفرسيوي.

ل _ شخصية حادة أوعكي

لايمكن فصل الأحداث التي يذكرها السارد في رواية (جنوب الريح) عن الشخصيات لأنها تكمل وتطور بعضها. تتوزع هذه الأحداث عبر كل مراحل العمل، حيث تبرز مدهشة ومتشابكة:

١ _ سرد هموشة لبعض العادات والذكريات وقيامها بعملها المنزلي اليومي ومواجهاتها مع بعض النساء والأطفال في الجوار.

٢ _  تحديد سلام لأسماء الموتى، المدفونين بمقبرة القرية وذكره لبعض مناقبهم وأنسابهم.

٣ _  دور المبروك في جلب الخير للقرية.

٤ _  تاريخ قرية بومندرة السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

٥- حكاية يامنة لظروف اختفاء والد أحمد الفرسيوي.

٦- سفر الفرسيوي وحكاياته الموروثة عن منطقة الريف.

٧ - ذكريات كنزة وزوجها سلام وعلاقة هذا الأخير بعكشة بنت امحمد المرابط.

٨ - ظروف مسالك الفرسيوي والأطفال إلى مدينة زرهون.

٩- تغير البلاد والعباد بمنطقة بومندرة وتلاحق الأحداث والمقاومة للمحتل الفرنسي.

١٠- هموشة والأحاجي والحمل الأول.

١١- زواج الفرسيوي من فضيلة بنت عمر العكيوي ؛ عاشقة الأحاجي.

١٢- عيد المولد النبوي بالزاوية العيساوية وطرق تلاوة القرآن في هذه المناسبة.

١٣- إفساد الفقيه السي بنعيسى زواج يا منة بثقاف مذهل، واشتهارها فيما بعد بالشعر والغناء.

١٤- حكايات الفرسيوي لنماذج من ألف ليلة وليلة للناس بمدينة مكناس وزيارته لضريح الولي ؛ الهادي بنعيسى من أجل الإنجاب والخلف والعشق

١٥- زواج الفرسيوي من الجنية سوالف وطلبه منها أمورا عجيبة، وامتلاء طربوشه بالنقود البراقة في كل دورة يقوم بها.

١٦- تجربة زواج محند العكيوي الفاشلة وصداقته للفقهاء والعفاريت، القائمين على الكنوز وعلاقته بمعركة واد الدشر ضد الفرنسيين.

١٧- محمد الفرسيوي يطوف أسواق المغرب بحكاياته، مستأنسا بتجليات المرأة له في كل حلقة حكي، وتعلقه بها وهجوعه إلى الأولياء الصالحين لإرشاده.

١٨- أحلام نساء القرية، الآهلة بإشارات الموتى واختلافهن في تفسيرها.

١٩- أثر الانتخابات على الإصلاحات في القرية.

٢٠- طقوس النحر والاحتفال عند عيون الماء بالقرية.

٢١- عودة عمار بن سالم الفرسيوي من ألمانيا.

٢٢- وضع نجمة لحملها وعادات هذه الحالة بالقرية.

٢٣ - عشق محمد الفرسيوي لنورية.

٢٤- رحلة الفرسيوي مع والده في ربوع المغرب وتعلمه منه عدة حكم وعبر وموازنات.

٢٥- أسطورة موت الولية الصالحة في نهاية ضحكتها.

٢٦- ذكريات الفرسيوي بالعاصمة عن عربدة أبيه وحبه لأمه والمدرسة واشتهائه النساء المتحررات

٢٧- تاريخ فقهاء القرية وشد عضد بعضهم في كل الظروف والمناسبات.

٢٨- خصومات هموشة مع حادة أوعكي، اللتين يرعاهما الفرسيوي  في وحدتهما

٢٩- حفلة نساء القرية في البيت الكبير، إبان كل خريف.

٣٠- لغز الرسالة التي في جيب الفرسيوي وموقفه من المفاوضين عن إصلاح أراضي أجداده وأسلافه.

٣١- هموشة تمدح آل الفرسيوي وتعدد خصالهم ومواقفهم البطولية.

٣٢- مساءلة الفرسيوي أمام القانون واستغرابه لتفاهة الموضوع.

٣٣- المضمون العجيب المدون في دفتر والد الفرسيوي.

٣٤- الرحلة بالحافلة نحو تمسمان.

٣٥- الرؤيا الجنائزية لنورية وتأويلها.

٣٦- نورية تنظف جسم المبروك فيضاجعها.

تحرك هذه الأحداث الروائية شخصيات محورية وثانوية، قد تساند بعضها وتدعمها، أو تعارضها وتتنصل من أفعالها ومواقفها  ينتقل الطرفان ويتعايشان داخل فضاءات زمانية ومكانية متنوعة الطقوس والمعالم والهيئات. يقدم السارد، في هذا المستوى وعلى طول صفحات الرواية، نتفا من تاريخ المنطقة وأنساب أهلها. كما يتعرض للعلاقة المتشابكة الموجودة بين السكان والأولياء والأضرحة والطرق الصوفية (العيساوية، الدرقاوية). يتوغل في تعقب بعض الأحداث المرتبطة بطبيعة البلاد وسحرها وعلاقتها بشخصيات الرواية التي مرت بها. يرسم لنا أيضا، من خلال عدة موقف روائية، دور الفقيه والمجذوب في حياة القرويين. كما يعرفنا بمعتقدات أهل القرية، عند قراءاتهم لبعض السور والآيات القرآنية، الخاصة بمواقف معينة. يرصد هذا السارد معتقدات وسلوكيات بعض سكان المنطقة إزاء شخصية الجنيات، الساكنات لأجسادهم، أو اللواتي يرونها في المنام. يصف هنا طرق الزواج بهؤلاء الجنيات وعشقهن حتى النخاع. يتعرض كذلك في عدة مواطن من الرواية لأعمال النساء المنزلية وحكاياتهن العجيبة وأفكارهن وهمومهن وطموحاتهن وصراعاتهن ومكبوتا تهن...  

 تتعدد الأصوات YNOHPYLOP داخل هذه الرواية، لكن عملية السرد تتمحور دائما حول جل العوامل لإبراز نماذج رائقة من تراث وثقافة المنطقة (ملابس نساء ورجال متنوعة الأشكال والألوان، تبعا للمناسبات والفصول والطقوس، الحلي، مواد الزينة والتجميل المحلية، المأكولات، زجل النساء، غناؤهن، عرافتهن ، الأواني المنزلية، الرعي، طقوس العلاقة بالمياه والعيون والمطر، امتلاك أصناف من الماشية والحيوانات، الزراعة، طرائق تلاوة وحفظ القرآن وتوظيفه في العمل والعيش، الحاكي وأنماط حكاياته، مقاومة المحتل، النحور والذبائح، هدايا الأضرحة والأولياء ومحبة طقوس وترانيم مزاميرهم وطبولهم وجذباتهم الأنيقة الجذلانة، حفظ الأمداح والأراجيز الدينية واللغوية (ألفية ابن مالك، الأجرومية، لامية الأفعال، تفسير الشيخ خليل، ابن عاشور، ابن عاصم، البردة، الهمزية)، مراسيم الجنازة، ثقافة الجنس).

يقدم السارد لرواية (جنوب الروح) وكذلك البطل محمد الفرسيوي، أثناء معانقتهما لعدة أحداث ومعاشرتهما لبعض الشخصيات المحورية، جغرافية وتاريخا وبيوغرافية فسيفسائية لعدة كائنات وموجودات، تعج بها البيئة المحلية، كالحيوانات الأليفة والطيور والحشرات والقوارض والأشجار المتنوعة والأمراض الفتاكة بالقوم والجفاف والخصب والأعشاب المختلفة وطعمها وعلاجها ومواسم الغلال والجني للثمار والفواكه اللذيذة وتجفيف بعضها... يبرز كذلك هنا موضوع التعامل مع الصلاة وطرق إقامتها. نجد أيضا تقصيا لعدة مهرجانات ومواسم وأفراح وأمداح وطرق صوفية محلية ووطنية...

يعالج السارد برقة ودقة موضوعات أخرى تتعلق بعشق النساء عند بعض شخصيات الرواية وطرق ممارسة الجنس معهن... كما يتطرق، في هذا الصدد، إلى موضوع وطرق الخطبة والزواج والعنوسة والبغاء والسحر نجده يتعقب أحيانا وصف صناعة وتشكيل بعض الملابس الصوفية والمنتجات المحلية والمدخرات المنزلية والمواد الغذائية المستهلكة بكثرة والصناعات التقليدية الرائعة والأمثال الشعبية المقامية (عربية وأمازيغية).  يقدم لنا هذا السارد كذلك نتفا وشذرات تخص مقاومة بعض جهات المنطقة للاستعمار الفرنسي ونوع السلاح المستخدم ضده وبروز أناس متميزين في ذلك يركز أيضا في عدة مناسبات على بعض شخصيات الرواية التي عمرت طويلا بالمنطقة، فيروي لنا أجزاء من حكايات حياتها وسيرها الخاصة ونزر قليل من بيوغرافيتها  إنه يؤسس بهذا النوع من السرد أنماطا من المعجمات SNOCIXEL المتخصصة، التي تنتمي إلى عدة حقول معرفية متنوعة.

     تتحدد الفضاءات المكانية والزمانية في هذا العمل السردي المدروس، من خلال عناصر السياق وأنواعه وظروف الإنتاج و«الكون» الروائي عند المبدع (١).  

أ _ فضاءات مكانية: تتوزع الأحياز والمناطق والآفاق التي تدور فيها أحداث رواية (جنوب الروح)، حيث تنتقل بين جنباتها وأطرافها الشخصيات الرئيسية أو تعمرها بطرق متنوعة. نجد بعضها محليا خاصا، جلي المعالم، جميل الأوصاف وبعضها الآخر وطنيا، موغلا في العمومية والاتساع وربما ضبابية التحديد. نقدم أمثلة عن هذين التوزيعين الفضائيين للأماكن الروائية، التي يذكرها المؤلف بصور متداخلة نظرا لارتباطها الوثيق بالأحداث والشخصيات: (أسفل العتبة، الفناء الطيني، فوق السطح، عتبة غرفته، الهضبة، القرية، باب البيت، قرية بومندرة، دوار كرمت، المقبرة، سوق ثلاثاء أكراواماس، الطريق الفوقية، الدار، المنحدر، جبال زرهون، أراض شاسعة، غابات زيتون، مطامرهم، أراض زراعية، أوروبا، دواوير: ضهر الخلف، دكارة، دندنة، ضهر بن عبد الله، سيدي موسى، عين أبزيز، آيت العاشور، بوعسل، بني مرعاز، كرمت، بومراق، عين سي عمار، الجعادنة، المصامدة، تازة  الريف، السوق، منطقة تيفنوت وأكويم، مراكش، الدار البيضاء، طريق بوضريب وعزيب مضار، الناضور، الخميسات، أزمور، بني وارين، الشراردة، الحوز، الفناء المشمس، الكانون، العرصة مساحة جرداء، الدار الكبيرة، عيون الماء: العين التحتية، تصبابت، عين الدشر، عين بري، عين ثبقيين، قبيلة بني توزين، الحقول والقرى، صخرة الجماعة، الوادي، فاس،  الزاوية، دوار إمكيشن، ضريح مولاي إدريس، سيدي علي بن حمد وش وسيدي عبد الله بن تعزيزت، سيدي أحمد الدغوغي، السهول الشمالية، واد الدشر، جامع القرويين، السنغال، ضيعة بزكوطة، دغل ومرجة، مدخل الدوار، حائط المحراب، عين سي عمار، فوق السور، باحة الشيخ الكامل، بحيرة، وادي سبو، فرنسا، بلجيكا، هولندا، حفرة المعدن، مكناس، أوريكة، جبل سلفات، جبل توبقال، إيبراويني، آيت واكتن، تغبالوت، إنزار نيمكخا، تيزي نتا غراض، وادي أسني، الجامع الفوقي، الحوش، أحراش الوادي، الأطلس الكبير، أمسوزات، تيشكا، تيزي انتغراصت، أحنبوب، إمليل، تديلي، الرباط: حي يعقوب المنصور والعكاري، البحر،، دار السلام، نعناعة، توتة البريين، سيدي راشد، الخيمة الزرقاء الكبيرة، الربوة، الأحواز، منطقة الدريوش، السقيفة المظللة.

ب- فضاءات زمانية: نجد فيها نوعين؛ القصيرة التي ترتبط بمدة محددة، والطويلة التي تختص بوقت مفتوح وربما سائب أو هارب. نعرض بعض النماذج الخاصة بهذين النوعين حسب ورودهما في الرواية: (صباح اليوم الأول، تلك اللحظة، تلك الأيام، رمضان، العيد، العمر، شهر أبريل، منذ سنوات، مجاعة 1880، توفي وعمره١٤٤  عاما، عمر الدوار  ١١٤عاما، ماتت منذ ١١٤ عاما، يؤذن العشاء، ذاك النهار، أيام الله، الخميس، اليوم التالي، الليالي، أسابيع طويلة، خمس سنوات، قبيل الفجر، بعد سنتين، أكثر من ثلاث سنوات، تخرف قبل الوقت، ليلة الوحدة الأولى، طلع النهار، خيوط الفجر الأولى، ليلة «التفريق»، في منتصف الستينات، فجر هذا اليوم، سوق أسبوعي، بعد صلاة العصر، اليوم السادس والعشرون من رمضان، بعد صلاة التراويح، أحداث 1958 م ، سبع مرات، ستة أشهر وستة أيام، سن تناهز المائة والعشرين سنة، سنوات الجدب، ذلك اليوم البارد، يوم السوق، ساعات من الضيق،، مساء دافئ، في ذلك الفجر المعلوم، سنوات اختفائه، أسيرا لسطوتها أياما وليالي،  بضع ساعات، ليلة سفر زوجها، اختفت فجأة، اختفى لمدة خمس سنوات، السنوات الأولى لعودته، صلى المغرب بعابر سبيل، الأماسي الضجرة، خطبها في بداية الثلاثينات، أيام العز، فجر اليوم الثالث، يامنة عمرها ٩٨ سنة، الشهور الأولى بالضريح، خرج مع تباشير الصبح، ظل في الضريح سبعة شهور، تذبح بعد صلاة العشاء فروجا، تلك السنة التي سموها عام الولادة، ماتت يامنة شهرا بعد سفره، سافروا به يوما كاملا، الحكاية وقعت أكثر من سبعين سنة، يومها لم يكن قد بلغ سن السادسة عشرة، الريف الذي ظل فيه تسع سنوات، أكثر من عشرين سنة على خروج الفرسيوي من بومندرة، نزلت ظلال الغروب على المكان، ليلة منتصف شعبان، أزيد من عشر سنوات، ابتهل أمام حلكتها آناء الليل وأطراف النهار،  لم تمض سوى أيام معدودات، تسلم جسدها لشمس الظهيرة، ولما تبلغ الخامسة عشرة من عمرها، التقاط ثلاثة أيام من الحكي، تسعة شهور في بطن أمي، الفصل كان صيفا، منتصف هذا القرن، يقصدونه كل أسبوع، ليالي رمضان وليالي عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد المولد النبوي، يتوضأ الطلبة شتاء، في تلك السنة ظهرت الانتخابات القروية، ظل الليل كله يطوف على المداشر، مرضها الطويل الذي أقعدها عشر سنوات، ذات عصر من أيام أبريل الظليلة، مسافة يوم واحد يشبه يوم الخليقة الأول، منذ سنوات بعيدة، كل مغرب شمس، قبل أن تبزغ خيوط الشمس من مكمنها.

تبرز وجهة نظر الكاتب/ السارد في هذه الرواية، من خلال علاقاته الحميمية بملفوظاته أو انسلاخه الكلي عنها وعدم تحمله مسئوليتها.  تمثل مواقفه وسلوكياته اللسانية هنا عملية «تنميط روائي» متميز ؛ إذ أنها ترتكز على عناصر محددة:

 ١- المسافة اللسانية الفاصلة بين الكاتب/ السارد وملفوظاته.

٢ _ ثنائية: الشفافية/ التعتيم.

٣ _ الضغط اللساني اللفظي.  

٤  _ التقنيع.

٥  _ التظاهر.

٦  _ التواطؤ.

٧  _ الصيغ اللسانية المنمطة لوجهات نظر الكاتب  (٢).

البنى السردية في الرواية المغربية المعاصرة : يمتزج السرد في الرواية المغربية المعاصرة بعدة مظاهر تخييلية، تعانق نماذج جمالية رائقة وتجريبية ترتبط بالواقع المحلي الموضوعي  نجده في بعض تمظهراته وتقنياته البارزة يتخطى القوانين الزمنية الضابطة للماضي والحاضر والمستقبل...

قد يمزج السرد في بعض النصوص الروائية المغربية بين النمط التجريبي والتخييلي، فتتداخل بعض الجوانب المسلية مع عدة تداعيات رومانسية. كما تبرز تصريحات وتنميطات كثيرة، انطلاقا من ضمير المتكلم، أو «أنا» الكاتب / السارد.

تعد الرواية المغربية المعاصرة خلاصة لتجارب مرحلية متنوعة ومتداخلة، استخدمت في بعضها أنواع من التاريخ والواقعية والخيال والحكايات القديمة والتجريب والتأصيل لتؤول إلى نسقها الحالي المؤقت، المتميز العلاقات والوظائف.

 لذلك فإن هذا السرد قد يتبلور في كثير من الإبداعات المغربية المعاصرة، بناء على  ثلاثة توجهات:

    أ _  التسلية والبهرجة.

    ب _ الثراء والتنوع.

    ج _ تعدد المعاني.

لا نتوفر _ حسب علمنا _ على نظرية سردية عربية متجانسة وشاملة، تضبط المعاني السردية التخييلية وتحل بعض الجوانب النفسية والاتصالية والمرجعية والأفعال الإنسانية، التي مازالت غامضة داخل خطاباتنا الروائية المعاصرة.

يطرح هذا الأمر سؤالين جوهريين: هل السرد والتخييل يعملان في الرواية المغربية المعاصرة بكيفية موحدة، تضارع الكيفية التي تعمل بها خطاباتها التداولية الوصفية؟ هل يمكن تصديق محتوى التخييل في الرواية المغربية المعاصرة أو تقليده والاستفادة من نظراته وأفكاره وتجاربه؟

يرتع المعنى أحيانا داخل المسرودات الروائية المغربية المعاصرة وينمو بشكل جلي، وأحيانا أخرى يتستر وينكمش بين طياتها، موظفا عدة أقنعة وتنميطات. يتم استخراجه بطرق متنوعة:

١ _ ربط المتلقي المغربي المتمرس بين الأحداث الروائية.

٢ _ افتراضه وجود قوانين عامة، ذات علاقات تبادلية فيما بينها.

٣ _ موازنته (٣) بين القضايا الروائية العامة ومعرفته عن العالم.

٤ _ توليد مفارقات ومغالطات من خلال افتراضاته

يرتكز السرد الروائي عند محمد الأشعري على التفسير التاريخي والاجتماعي والنفسي لحركات الشخصيات وسلوكياتها، المعبرة عن بعض القضايا العامة، المخترقة لعدة فضاءات زمانية.

 لذلك فإن فعل السرد يقوم في رواية (جنوب الروح) ب«مسرحة اجتماعية» لسلوكيات الشخصيات المحورية، حيث يسعى إلى تكييفها مع الواقع المحلي والأحداث المتشابهة والبنى اللسانية العربية واللهجية المغربية المتداولة. إنه عبارة عن تقييم ضمني وتفسير معين، يقدم وجهة نظر المؤلف والسارد، المتعلقة بفهم الفعل الإنساني عند شخصيات الرواية.

يزاوج الكاتب، أثناء بلورته لأسلوبه السردي في هذه الرواية، بين الجوانب الإنسانية والمعرفية المتنوعة. نجده يستخدم عدة عناصر سردية لبناء هذا الأسلوب الروائي الشخصي:

 أ  _  تنويع المناظر والمشاهد الروائية.

ب_ عرض الأحداث وتفسير سلوكيات بعض الشخصيات.

 ج  _  نقل الواقع المغربي وتقمصه و «ترويته» فنيا: يقوم المبدع هنا باستخدام كلمات «معجم» سردي عربي ولهجي مغربي بشكل واقعي. نجده يحرك شخصياته بكل انفعالاتها وأفعالها الدرامية. تتزاحم داخل هذه المناظر والمشاهد والأحداث والأوصاف الأفكار الأصيلة والمقتبسة والحوارات الداخلية.

 د _ تحديد معالم النهاية.

 ه  _ ضبط المحمولات والتعاليق الروائية.

 و _ تنويع وإثراء الصور والأساليب الفنية.

 تبرز هنا سمات شخصية السارد، الذي يتعقب حركات وسكنات الفرسيوي ؛ بطل الرواية. يحكي عن أرضه وهمومه ومشاعره. يوظف من أجل ذلك «معجمه» الروائي الخاص ليروي لنا بشكل موضوعي كل ما تعتقده الشخصيات أو تشعربه...تبلور دائما نهاية الرواية ونوعية المحمولات والتعاليق عملية السرد بصورة واضحة.

ي _ رؤية السارد: ترسم معالم «التنميط»، من خلال مظاهره المذكورة سابقا (المسافة اللسانية الفاصلة، ثنائية: الشفافية / التعتيم، الضغط اللساني، التقنيع، التظاهر، التواطؤ، الصيغ المنمطة). كما يقدم لنا في هذا المستوى جوانب أخرى، مثل: المنظور PERSPECTIVE والبؤرة FOCU  وتعدد الأصوات POLYPHONY (٤)

يقوم هذا السارد أيضا بترتيب بعض التجليات الزمانية في الرواية، كلما بدأت تجنح نحو النهاية، حيث يتخطى المناظر والمشاهد الفرعية. نجده أحيانا يركز بعمق على تعقب جوانب ثقافية_ اجتماعية مغربية متفردة، تتعلق بالمعتقدات والطقوس والمعارف والخبرات والمهارات والرؤى والتصورات وأنماط العيش والسلوك والتعلم التي تهم الشخصيات  يبذل قصارى جهوده ليبرزها للمتلقين العرب بشكل مسهب، وأحيانا أخرى يقفز عبر سنوات طويلة، متجاوزا المظاهر البسيطة غير اللافتة للنظر، مما يحدث عدة «انفراجات» في تاريخ الرواية.

يستعمل المؤلف عملية السرد في رواية (جنوب الروح) بثلاث طرائق مختلفة، حيث يتعامل مع المظاهر الزمانية  من خلال:

أ _ عرضه، ضمن مراحل من الرواية (مرقمة بالأرقام الرومانية) لأيام قليلة متسلسلة ومترابطة.

ب _  وصفه وتحليله لسنوات طويلة متعاقبة، عاشتها شخصياته.

ج _  حذف واختزال بعض الأزمنة: تصبح هنا الوسائل الفنية الموظفة في الرواية هي أيضا مختزلة جدا لتتماشى مع المدة المخصصة و«المخطط» العام.

تتشكل البنى السردية في الرواية المغربية، بناء على طرح عدة معلومات وقضايا وصيغ لغوية عربية ولهجية مغربية ومواقف وتقييمات وتنميطات للعلاقة بين السارد والكاتب والمضامين النصية. يستخدم التخييل هنا أقوى التقنيات الروائية لنقل المعاني المتعددة بواسطة معجم سردي يكون مزدوجا في أغلب الأحيان.

تتحدد البنى السردية في أغلب الروايات المغربية، من خلال تقصينا لعلاقاتها بالحياة اليومية المحلية ورصدنا لعدة مقومات عامة تحويها جل الإبداعات الموجودة في هذا الجنس الأدبي كالأسلوب الشخصي للكاتب والوصف المتنوع  وتكوين الشخصيات و وجهة نظر السارد...

تتأسس هذه البنى على مظاهر أنثروبولوجية محلية متعددة ولسانية مزدوجة وأفعال وعقد، تتكرر كثيرا في الأعمال الروائية المغربية. لذلك فإن النماذج السردية التي يحويها هذا الجنس الأدبي تعد المرتع الخصب، الذي يتعهد البنى السردية بالتنسيق والتماسك والنمو...

تتبلور خصائص هذه البنى بالاستناد إلى بعض التقاليد الأدبية الرائجة بالبلاد وطرق الإنجازات اللسانية المتخصصة عند المبدعين المغاربة ودور المجتمع المحلي و«العقل» المنظم والتجاذب النصي(٥)  TEXTUAL GRAVITATIONوالمثاقفة...

 تخلق البنى السردية، البانية للرواية المغربية المعاصرة عدة اتصالات بين عناصر «الكون الروائي» عند كل مبدع ومتلقيه داخل وخارج البلاد، بناء على طريقة استخدام المتواليات اللسانية الخطابية السياقية وسمات الشخصيات والمضامين... كما أنها تشيع أيضا فسطا من النظام والاتساق بين القوانين والتقاليد المتبعة، حيث يبرز الاتحاد والعلاقات المتبادلة بين الدوال والمدلولات الروائية، عن طريق الخلق والنسف وإعادة البناء 

 إن هذه البنى السردية موجودة في كل أجناس الفكر المغربي، منذ القدم، وهي ليست وليدة المرحلة الراهنة بمختلف إفرازاتها. فالمغرب عرف عبر التاريخ عدة حكايات وأساطير وخرافات وأحجيات وسير وشعبية، ذات أنماط سردية متنوعة. كانت تروى وتردد شفويا في بعض الحلقات والمواسم والاحتفالات، من طرف حكاة وشيوخ ثقاة. لذلك فإن هذه البنى السردية تتأثر كثيرا بمخلفات الأسلاف المغاربة في هذا المجال، كما يبرز ذلك المخطط التالي:

 تاريخ البلاد    الواقع الاجتماعي المغربي

                        التقاليد الثقافية المحلية

المبدعون المغاربة__ الساردون _  السرد__  المتلقون

                          /

التقاليد الأدبية     التحليل المعرفي للمسرودات المغربية 

يرصد هذا المخطط تنوع واختلاف المسرودات التي عرفها المغرب عبر التاريخ، فبعضها كان يرتبط بالمؤسسات الاجتماعية المغربية وبعضها كان يعانق البنى المعرفية والرمزية. كما نجد مسرودات مغربية قديمة قد اتجهت نحو تسطير آراء المبدعين والساردين وأخرى ركزت على المتلقي، سواء كان ضمنيا أو ظاهرا.

والحقيقة أن فهم وتأويل المسرودات المغربية المتنوعة يتطلب الإحاطة بطرق فهم وإدراك المتلقين المغاربة لهذه الإنتاجات، من خلال بيئتهم وظروفهم الاجتماعية والثقافية 

البنى السردية والشخصيات عند محمد الأشعري

أولا: شخصية الفرسيوي نموذجا:

تبرز البنى السردية من خلال مظاهرها التحليلية والتركيبية أن شخصية الفرسيوي ؛ بطل رواية (جنوب الروح)، تتجلى بكل سماتها وخصائصها، تبعا لعقدة هذا العمل والانفعالات النفسية وإفرازات البيئة ووجهة نظر الكاتب / السارد. تتلاحم هذه المظاهر مع بعضها داخل كل عنصر سردي لبلورة الجهد والقصد العام للكاتب.

يبدأ المؤلف / السارد، منذ البداية، برسم ملامح شخصية الفرسيوي، الممتزجة بالأحداث الروائية وأفكارها ومعلوماتها المتنوعة، وكأنهما توأمان لا ينفصلان ولا يتمايزان نظرا للعلاقات المتبادلة بينهما.

تتطور شخصية الفرسيوي المحورية في الرواية بمعية شخصيات أخرى «مرافقة» لها (٦)، تبعا لتطور الأحداث والسرد. يقع هذا الأمر تدريجيا على امتداد الخط الزمني للعمل. تتكون ملامح هذه الشخصية بسيطرتها على الأحداث، المنتظمة داخل عملية السرد الروائي. فهي تنطلق بفتح المؤلف لـ«عتبة التخييل» عند مباشرته للكتابة، حيث يبعثها من «عدم روائي» لاملامح له قبل هذه المباشرة الإبداعية.

يتماسك سدى النسيج الروائي عند محمد الأشعري، من خلال عملية السرد والأفكار والمعلومات والتجارب لتكون ملامح شخصية الفرسيوي و«مسارها».

إن رحلة الفرسيوي داخل المغرب من أجل إذاعة حكاياته في كل حلقة، تخلق عدة متواليات سردية روائية، ذات علاقات بالسابق واللاحق (التفكير في الرحلة بقرية بومندرة، تجهيز لوازمها)، حيث تشكل «مريدا» يعمر الفضاء الزماني للعمل، لكنه يؤجل حركة السلسلة السببية (٧). لذلك فإن بعض الأحداث تمثل مراحل مهمة بالنسبة للمتلقي المغربي والعربي لكي يحددا ملامح شخصية الفرسيوي:       

١ _  تاريخ عائلة الفرسيوي وممتلكاتها.

٢_  علاقة الفرسيوي بالنساء وبأبيه وبأهل القرية.

٣_  رحلته بين الأضرحة والمدن المغربية حاكيا ومسترزقا.

تدفع هذه الأحداث المتلقي كل مرة إلى بناء «إعادات وإضافات وتوسيعات» تقويمية بالنسبة لشخصية الفرسيوي، نظرا للمستجدات الطارئة. تظهر هنا بعض اللوازم والتواترت السردية  SNOISRUCER EVITARRAN، المتعلقة بهذه الشخصية المحورية أو بعض من «مرافقها» وأشياعها، مما يشكل «مرتع» الشخصية المعنية، الذي يظهر متفردا، لكن كل بعض اللوازم والتواترات السردية يمكن أن يجعل ملامح الشخصية المحورية متطرفة جدا لأنها ليست مجرد «زينة أسلوبية» أو تكرار ممل.

ترتبط شخصية الفرسيوي بأحداث رواية (جنوب الروح)، من حيث معرفتها أو جهلها بها والسعي إلى تغييرها لصالحها، بناء على مقاصد ووضعيات معينة. يحقق هذا التوجه عدة أمور:

أ _ تفعيل اللوازم والتواترات، المحددة لبعض ملامح هذه الشخصية وترابطها.

ب _ بناء نمط من الوعي ومعرفة معينة بالعالم.

ج _ وضوح وبساطة عملية السرد الروائي.

تملك شخصية الفرسيوي سلطة متميزة، تمنحها كيانا مستقلا، يلعب الدور الأساسي في فهم بنية السرد الروائي عند محمد الأشعري. تبرز هنا عدة أفعال سردية وأحداث روائية تحدد نوعية تركيب وتداخل سمات هذه الشخصية. يصبح «مسار» الرواية رائقا وتنكشف الحياة المغربية اليومية بمنطقة بومندرة أمامنا، عند مشاركة الشخصيات «المرافقة» الفرسيوي في بعض الأفعال والأحداث. وقد يبقى بعضها خارج وعينا (كرامات بعض الأولياء والأضرحة، النمط العجائبي في تفسير نساء القرية لبعض الأحلام، عشق الجنيات والزواج بهن).

 إن تقسيم شخصيات رواية (جنوب الروح) إلى محورية ومرافقة، أو ثابتة ومتغيرة يساعدنا على «فهم التفاعل بين الشخصية والعالم التخييلي على نحو أكثر مرونة»(٨). يظهر الجانب المحوري في شخصية الفرسيوي، عن طريق وضوح تفكيره وأصالته نظرا لارتباطه بالثقافة المحلية والجذور العائلية والوطن والعقيدة والعمل  تنمو هذه الشخصية عبر مراحل الرواية، حيث تتجلى أفعالها وسلوكياتها المتغيرة شيئا فشيئا. لذلك يبرز عندها الانتماء والهوية المحلية والانسجام والشفافية والكدح والتواضع...

تضفي شخصية الفرسيوي على مجال «السرديات» بالمغرب أصالة أنثروبولوجية وإثنوغرافية عميقة. كما أنها تقوم بتنويع عمليات الاتصال وتكثيفها، مما يسهل ويمتن صلات المتلقي ببعض السمات الثقافية والاجتماعية لهذا البلد. تملك هذه الشخصية عدة محفزات واقعية وتقليدية، تلتحم بالفعل السردي الذي يتحرك بمعيتها على طول «مسار» الرواية...

إنها شخصية مستعدة ومستجيبة، على قدر طاقاتها وفهمها، حيث نجد عندها:

١_ التفاعل مع الأحداث داخل المجتمع المغربي بكل مناطقه.

 ٢ _ وجود مستوى من اللياقة الاجتماعية في التعامل.

 ٣   _ بناؤها لنصف السرد وتكملتها له.

 يرسم محمد الأشعري  شخصية الفرسيوي، من خلال «معجم روائي»، تبلور كلماته العربية والمحلية عدة مشاعر وأفكار ومظاهر مادية وملفوظات لسانية خاصة وأنماط من النمو والتطور، حيث تتنوع صفاتها ونعوتها وأسماؤها وألقابها. يتجاوز المعجم الروائي هنا الطرح البنيوي الوصفي الداخلي ليعانق السياقات المتنوعة وظروف الإنتاج والفضاءات، البانية لـ«الكون الروائي» عند هذا المبدع. يرتبط التخييل عند الشخصيات بثقافة وبيئة محلية، تفرزه بكل واقعية، حيث تستخدم أسسا نفسية واجتماعية وفلسفية موضوعية. فالواقع المغربي ( قرية بومندرة بالهضاب الشرقية لجبال مدينة زر هون) يفرز تخييلا فعليا وتداوليا يساير مشاعر وأفكار وطاقات ومهارات وتجارب شخصيات الرواية. يخضع هذا النوع من التخييل لبعض المظاهر الفطرية المكتسبة وعوامل التنشئة وطرائق التربية والعيش والنمو بهذه المرتفعات الجبلية 

يستخدم المتلقي المغربي عدة انساق ومخططات ونماذج وأطر ذهنية مضارعة لقدرات الكاتب والسارد، بغية فهم وتأويل هذا التخييل والتجريب.

تقوم البنى السردية عند محمد الأشعري على ملفوظات لسانية عربية وحوارات لهجية مغربية ، تجسد عدة مظاهر:

أ _ العلاقات المتنوعة للمعجم الروائي بالعالم والبيئة الجبلية المغربية.

ب _  تعدد سمات الشخصيات داخل الرواية (حقيقية / تخييلية).  

ج  _ وجود مفارقات حدسية وتجارب واقعية بين الشخصيات الحقيقية والتخييلية.

تمثل شخصية الفرسيوي أحد العناصر المهمة في عملية السرد الروائي عند محمد الأشعري، حيث تحركه وتبلوره وتطوره بمشاعرها النفسية المتقلبة وتجاربها الذهنية وثقافتها المحلية وتربيتها الاجتماعية، ثم تربطه بمستوى الوعي ورؤية العالم والمعارف والحقائق الإنسانية المختلفة، المتوفرة لديها

تتلون الشخصيات المحورية والمرافقة لها مع الظروف المتغيرة وتتلاءم معها، حيث تصارع تقلبات الحياة من أجل تحقيق مقاصدها (البحث عن لقمة العيش أو العجز في ذلك، الزواج النساء الإنسيات والجنيات، العشق والجنس، الرحلة وزيارات الأضرحة وألا والأولياء، المال والممتلكات، تفسير الأحلام).

تساعد حركية البنى السردية، المؤسسة للرواية المدروسة، على نقل وبلورة المشاعر النفسية الجياشة والتقلبات السلوكية واللغوية. يخلق نمط الشخصية المحورية هنا أرتالا من التخييل والتجريب ويصنع بؤرة أحداث العمل، حيث يخطط وينظم ويوجه بعضا من سمات الشخصيات «المرافقة»، حسب مواقفه وتنميطاته لكي تتشيع له وتتعلق به.  

تملك شخصية الفرسيوي محفزات متنوعة، تتجاوز تصميم مخطط الرواية وحبكتها، إذ أنها تستشرف آفاق تشذ عن اهتمامات المتلقي عند معانقة هذا العمل...  تتجلى سمات هذه الشخصية عن طريق بلورة الكاتب والسارد لبعض خباياها النفسية ومثلها العليا ومعتقداتها ومعارفها. نجدها تجسد:

١ _ الحوافز المحددة للمقاصد  (مادية، جنسية، أنانية).

٢ _ الاستحسان المتفرد لنتيجة العمل.

٣ _ الميول والرغبات النشيطة.

٤ _ التصور الاستشرافي.

تميز عناصر «تنميط» الملفوظات الروائية المذكورة سابقا بين الاستحسان المتفرد لنتيجة العمل والميول والرغبات النشيطة في التخييل والحياة، الأمر الذي يخلق ثغراث كبيرة بين الوعي واللاوعي كما يرى لاكان.

لا يتم تحديد نمط شخصيات رواية (جنوب الروح) إلا بعد عملية تلق عربية متمرسة... إنها تكتسب ملامحها الواضحة من خلال مسار الرواية ومخططها الكلي ؛ إذ تتوغل في الماضي وتعانق الحاضر وتنظر إلى المستقبل، تبعا لظروفها الخاصة. نجد السارد في هذا المستوى يبني عملية السرد على الأحداث اليومية التي تعيشها الشخصيات بقرية بومندرة، حيث يصورها بواقعية رقيقة. كما أنه يتعرض لقسط من واقعها المادي، الذي تحركه عملية السرد، من خلال علاقاته المتنوعة بمجتمع القرية وتطلعانه وهمومه داخل الوطن

تتكون شخصية الفرسيوي وتتطور بناء على مجموعة من الصفات وجوانب تقويمية وقياسية وتحديد الذات والاندماج المعلل والتغيرات والتحولات التدريجية  

الرواية المغربية المعاصرة والمتلقي: لايمكن وجود رواية مغربية دون متلقين متمرسين يستقبلونها، سواء كانوا بارزين أو مضمرين لأنها تسكنهم ويسكنونها وتهزهم ويهزونها بطرق مختلفة. كما أنه لايمكن تصور مغرب معاصر دون وجود سلطة لمبدعي هذا الجنس الأدبي وسلطة لنصوصهم السردية وسلطة لمتلقيهم. فلا معنى لإحدى هذه السلط، دون تعايشها وتلاقحها وتراتبها STRATIFICATION مع زميلتيها الثانيتين لإثبات المعاني الروائية وبيان مقاصدها.  

تقدم الرواية المغربية المعاصرة المعاني مشفرة ونظرية، حيث يقوم المتلقون بوضع استراتيجيات فهم وتأويل، تدخل المدلولات حيز الوجود والتداول الفعلي. تقوم الشخصيات الروائية المغربية بخلق المناخ الملائم للمتلقين من أجل إنجاز المعاني الجديدة وتكملة نواقص المعاني المشفرة وتعمير النصوص  لذلك فإن هذه النصوص الروائية تقدم حقائق جزئية، غير جلية في بعض معالمها، مما يشترط وجود متلقين يكملونها ويسطرون معالمها الناقصة بكل وضوح. تخلق عملية التلقي قي هذا المستوى «تكملة» ولذة وإمتاعا نصيا تداوليا...

تتوزع العلاقات والوظائف داخل النصوص الروائية المغربية المعاصرة بين المبدع ومتلقيه بطريقة تعادلية EQUIVALENTE ومتوازية.

تنبري سلطة المؤلف وسلطة النص الروائي المغربي وسلطة المتلقي بطرق متراتبة ومتلاحمة لأنها سبب الحياة والوجود والاستشراف. والقول بتعطيلها أو «إخصائها» مجرد بذخ فكري وسذاجة معرفية مارقة ومتسولة، ينقصها البعد الأخلاقي والفكري المعتبر من حقول المعرقة الجادة والملتزمة.  

لا يقدم المتلقي للرواية المغربية تفسيرات سائبة، بل إنه ينتقل عبر «مراحلها»، تبعا لقانون جماعته اللغوية المفسرة أو أفق توقعاته الحالية المسيطرة. يعتمد في فهمه وتأويلاته على عدة ضوابط تتعلق بمحيط التأويل الروائي المطبق وتداخل آفاقه وتكاملها.

تخلق التوقعات التاريخية عند المتلقي للرواية المغربية المعاصرة منظورا مكوكيا للنص، يرحل بين القديم والحديث يتشكل وعيه بذاته ومعرفته بالعالم عن طريق انتمائه إلى جماعة لغوية محددة، تبني قواعد وأسس وقيم التلقي عنده...  لذلك فإن هذا المتلقي يتكهن ما يدور بعقل الروائي المغربي، من خلال عدة معارف ومخططات ونماذج وأنساق وأطر معرفية ذهنية(٩).  يستخدم عدة أدوات واستراتيجيات لفهم وتأويل النصوص الروائية المحلية:

أ _ إعادة بناء الدوال والمدلولات السردية في العمل وفك شفراتها بطريقة نقدية واعية ومتمرسة.

ب _ ربط النصوص الروائية برؤية المتلقي للعالم وفرضياته واهتماماته وتجاربه الذاتية

 ج _ التوأمة والتوحد بين تجربة التلقي والقصد الروائي على المستوى الجمالي والفكري.

د _ تحديد علاقة الدوال بالسياقات الثقافية للنصوص.

هـ _ خلق علاقة جدلية بينه وبين الكاتب.

و _ تكملة النص وسد بعض نواقصه وفجواته والحد من زيغه الدلالي.

يبذل المتلقي كل جهوده لتحديد قصد كاتب الرواية واسترجاعه، من خلال نصوصه التي تشكل بؤرة هذا القصد. لا يستطيع هذا المتلقي طلق العنان لتفسيراته الذاتية وتسيبها وتسلطها لأنه مقيد بجنس سردي، يخضع لتقاليد أدبية محددة. لكنه رغم ذلك يحدث عدة نقلات بين التلقي التاريخي والجمالي والنقدي الواعي. كما أنه لا يخفي سلطة النص وسلطة الروائي ليجعل سلطته أحادية، متجبرة ومتغطرسة، تعج بالتأويلات الروائية الذاتية والمتصعلكة والمنشطرة.  

الهوامش:

(١)  عبد الجليل غزالة، قراءة في رواية التبر لإبراهيم الكوني، مجلة الرافد، العدد ٩٦، الإمارات العربية المتحدة، 2005 م، ص ٧٠ وما بعدها.

(٢)  عبد الجليل غزالة، تنميط الخطاب الروائي عند كامل المقهور، مجلة علامات، المجلد ٤١، الجزء، ٥٣، السعودية، 2004، ص ٤٥٥.

(٣) نؤثر استخدام مفهوم (موازنة) على مفهوم (مقارنة). فالموازنة تهتم بالتجانس بين الموضوعات المتخصصة وأحادية الحقل المعرفي، في حين أن مفهوم (المقارنة) يضم عدة تداخلات معرفية، استطرادية وتنوعات لغوية ومثاقفات غير بريئة

(٤) ينظر مارتن والاس، نظريات السرد الحديثة، ترجمة حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية 1998.

(٥) استعملنا مصطلح (التجاذب) بدلا من (التناص) INTERTEXTUALITY ، الذي تنقصه الكفاية التفسيرية والطرح العلمي المتفرد. أما مفهوم (التجاذب النصي) فقد بلورنا مكوناته وعناصره في بعض دراساتنا السابقة...

(٦) يمكن نعتها من خلال سلوكياتها وأفعالها وتنميطاتها الخطابية ب «شخصيات الظل) أو (شخصيات الكنف).

(٧)  مارتن والاس، مرجع سابق، ص 153.

(٨ )  المرجع نفسه، ١٥٥.

(٩) عبد الجليل غزالة، اللغة الواصفة، دراسة لسانية للخطاب القائم حول اللغة، مجلة الموقف الأدبي، العدد 386، اتحاد الكتاب العرب، سوريا 2003.


تصميم الحاسب الشامل