فهمي جدعان:
الحرية متعلق أساسي من متعلقات
الديمقراطية، لكنها لا تدخل في ماهية الديمقراطية

 

حاورته: عزيـــزة عـــــلي
صحفية من الأردن


فهمي جدعان صاحب المؤلفات المقروءة على نطاق واسع، في الفكر العربي الإسلامي وتأثيره على حركة التقدم، وعلى تحديد الأسس التي ينبغي أن تقوم عليها النهضة العربية في العصر الحديث.

من أهم مؤلفات د. جدعان باللغة العربية- كتابه الجامع «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث» في العام 1979، والطبعة الثالثة 1989 «المحنة -بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام» 1989 والطبعة الثانية ٢٠٠٠، الذي تناول فيها (محنة خلق القرآن) حيث اعتبرها من (القضايا التاريخية الكبرى القابعة في كهف الغرابة والليل الطويل)، وفي كتاب«الماضي في الحاضر- دراسات في تشكلات ومسالك التجربة الفكرية العربية» الذي صدر في العام 1997- ٢٠٠٠،  طرح د. جدعان (فيه عوالم كبرى مثل عالم العرب والإسلام، والعالم الإغريقي، والعالم الحديث، وحواملها الثقافية والروحية الأصلية وهي:الوحي والنص، والعقل، وفي التجربة الفكرية العربية الشاملة الممتدة بين الماضي وبين الحاضر تجري مراكب هذه العوالم متداخلة أو متشابكة أو متراكبة أو متدافعة أو متكاملة...» كما صدر له في العام 1996 (الطريق إلى المستقبل، أفكار قوى للأزمنة العربية المنظورة) وفيه يتطرق إلى (المعطيات المركزية الصلبة التي تكتنف الأزمنة العربية التي نعبرها، واستكناه للممكنات الداهمة أو الشاردة في أجواء التحولات العاصفة التي ترتسم في الأفق وتستدعي صوغ «أفكار قوى» جديرة بإعادة تشكيل صورة الواقع ومادته)، وفي العام٢٠٠٢ صدر له كتاب (رياح العصر)، كما صدر له باللغة الفرنسية دراسة بعنوان «التأثير الرواقي في الفكر الإسلامي» وهي فلسفة نادى بها زيمو، الفيلسوف اليوناني، سنة ٣٠٠ ق.م. ودراسة أخرى حول «الوحي والإلهام في الإسلام» وكلتا الدراستين تقدم بهما لنيل درجة (الدكتوراه) من جامعة السوربون. أما الدراسة الثالثة وهي حول «فلسفة السجستاني» والرابعة حول «تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية على الفلسفة الإسلامية» وأخرى حول «منزلة الملائكة في الإسلام». ود. فهمي من مواليد عين غزال- حيفا فلسطين في العام 1940، وقد حصل على دكتوراه الدولة في الآداب من جامعة السوربون، باريس في العام 1968، وعمل د. جدعان أستاذ الفلسفة والفكر العربي والإسلامي في عدد من الجامعات الأردنية، شغل عميد كلية الآداب وعميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، وشغل أيضا عضوية مجلس إدارة (معهد العالم العربي) بباريس في مرحلة التأسيس (1980-1984)، ومنح وسام سعف النخيل الأكاديمية (الجمهورية الفرنسية، 1986)، ووسام القدس للثقافة والآداب والفنون (فلسطين في العام ١٩٩١)، وحصل على جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية (الأردن، في العام 1993)، وجائزة سلطان بن علي العويس للدراسات الإنسانية والمستقبلية (الدورة الخامسة) ويعمل حاليا أستاذاً للفلسفة بجامعة الكويت .

٭ انكببت لأكثر من عشرين عاما على الكتابة في التراث والفلسفة الإسلامية، لتفاجئنا بكتاب «في الخلاص النهائي»، لماذا هذا التحول؟

ـ هو فعلا تحول حقيقي. لكنني اعتقد أن هذا التحول يرجع إلى مطالع السبعينيات حين شرعت في إعداد كتابي (أسس التقدم) الذي ظهر في أواخر العقد ذاك. وقد كان هذا الكتاب تجسيدا للحظة ضاغطة كنت أجد نفسي فيها مدفوعا إلى الحاضر المشخص المباشر بدلا من التقلب في أحشاء الماضي والثبات عنده.. وحتى حين توجهت بعد ذلك إلى التعبير عن بعض القضايا المتعلقة بالتراث كان همي اعتبار الحاضر والتوجه نحو المستقبل. وهذا الكتاب الأخير (في الخلاص النهائي) تجسيد أعمق لهذا التعلق بالحاضر والذهاب إلى المستقبل. إذ لم يعد في وسعي، في هذا العصر الكوني وفي غياهب حاضر غارق في النسبية والصراع والصدام والاختلاف، أن أغفل، في سياق عالمنا المباشر المشخص، عن أن أتأمل في النظم الثقافية التي تضطرب في الحياة العربية وأن أدقق النظر فيها لأتبين ما قد يمكن البناء عليه منها الخروج من مأزق الأحاديات الإيديولوجية العقيمة.فهذا التحول إذن ليس تجسيدا لحدس ميتافيزيقي أو فلسفي نظري وإنما هو تجسيد لدفقة حيوية عميقة ومشخصة تملكتني ويدفعني إلى أن أتعلق بما هو أعظم جدوى وأكثر فاعلية وأبعد معنى، أي بالمباشر المشخص الحي.

٭ في كتابك «في الخلاص النهائي» دعوة إلى فكرة التشاركية والتوافقية بين بعض الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين في فضاء ديمقراطي، ألا ترى أن مثل هذا المطلب فيه الكثير من التفاؤل، خصوصاً في عالم مثل عالمنا العربي؟

ـ ولماذا لانتفاءل؟ أنا لم أتكلم على عملية «توفيقية» متعذرة بين هذا النظم، وإنما تكلمت على ما أسميته «فعل تضافري» يستند إلى تقديم وتغليب «النوى القاعدية» الأساسية لهذه النظم على الوجوه التي لا يمكن البناء عليها، بحيث يكون لعامل (الديمقراطية)- أعني ثقافة الديمقراطية- دور جوهري فاعل في إشاعة المبادئ التي تستند إليها هذه «النوى». أنا أعلم حق العلم أن «الإسلاميين»  الإيديولوجيين لن يسلموا بذلك، وأن «العلمانيين المناضلين» أي الراديكاليين، لن يفعلوا ذلك، وأن «الليبراليين الجدد» سيحتقرون ذلك.. لكن الفضاء العربي يتخطى هؤلاء جميعا بالكتل الإنسانية العظيمة التي لا يمكن أن تتحفظ بشأن المبادئ والقيم التي أرى أن «الفعل التضافري» يستند إليها. كيف لا يحق لنا ان نتفاءل إذا ما قلنا إننا نستطيع أن ننجز فعلا مجديا بتوجيه تخطيطاتنا ومشاريعنا القابلة استنادا إلى مبادئ المصلحة والعدل والرحمة- وهي نواة الإسلام القاعدية. وإلى العقلانية التقابلية. وهي معطى مركزي في العلمانية. وإلى الليبرالية الاجتماعية، وهي وجه عميق من وجوه الليبرالية... وكل ذلك في اطار ديمقراطية اجتماعية إنسانية! اعتقد ان ذلك لا يدخل في باب الطوباوية، وانما هو واقعي جدا لكنه يحتاج إلى إستراتيجية ثقافية فاعلة ترعى هذه المبادئ وتشيعها.

٭ لماذا استثنيت القومية من المعادلة وهي لها حضور كبير في المجتمع العربي؟

ـ ليست المسألة مسألة «استثناء» للقومية.. بمعنى أنني لا اعترف أو لا اقر بوجودها وبأهميتها. وانما المسألة هي أنني اعتقد أنه منذ اخفاق المشروع الناصري لم يتمكن احد سواء أكان شخصا أم حزبا أم دولة من أن يرد إلى «القومية العربية» الروح التي كانت تحركها، كما أن المفكرين القوميين لم يستطيعوا ان يجددوا الفكرة القومية بحيث تصبح من جديد «نظاما ثقافيا» جاذبا فاعلا حاسما مثلما هي حال الأنظمة التي تكلمت عليها في كتابي. والذي يبدو لي هو أن الفكر القومي العربي قد تسمر عند مجرد التعلق العاطفي بالأرومة العربية وارتد إلى «فكر الجامعة العربية» الذي لا يعني أكثر من طلب الحد الأدنى من التضامن والتفاهم ووقف الأفول العربي. لست أقصد بكل تأكيد إلى أن أقول إن مقومات «الفكر القومي» قد تبددت ولم يعد لها ما يسوغها، وإنما اقصد اننا نمر اليوم بمرحلة لا يتقابل فيها القومي والكوني، وانما يتداخل ويتقابل فيها (المحلي) و(الكوني)، وأن الظاهرة المحلية أو الإقليمية أو القطرية هي، في السياق العربي، التي تتقدم على غيرها. على الفكر القومي أن يجدد نفسه وأن يعاود النظر في المقدمات والمبادئ التي يستند إليها وكذلك في الأهداف الممكنة التي يستطيع تحقيقها. وعليه، قبل كل شيء، أن يعلن انفصاله التام عن «فلسفة الاستبداد» التي تعلق بها في العقود التي ازدهر فيها، وعن الأنظمة السياسية الاستبدادية التي ما زالت رموزه تراهن عليها وتجد الخلاص فيها.

٭ إذا كان الدين الإسلامي قد دعا إلى العدالة والمصلحة والرحمة، ولم يذكر الحرية والديمقراطية، كيف تتحقق العدالة في غياب الحرية؟ وما هو شكل هذه العدالة في غياب الحرية والديمقراطية؟

ـ هذا السؤال يقع في منطقة دقيقة جدا ومعقدة من حقل الفلسفة السياسية. لكن، حتى لا يكون ثمة لبُس بشأن مقدمة السؤال، لا بد من القول إنه ليس صحيحا أن الدين الإسلامي قد أغفل قضايا الحرية والديمقراطية. صحيح أنه لم يعرض لها وفق المصطلحات والمفاهيم الحديثة، لكنها جاءت في إطار مقاصد الدين الأساسية حيث يحتل هاجس «تحرير الإنسان» من العبودية والاحتكام إلى رأي الأغلبية الجماعية والإجماع والشورى ومسؤولية الحاكم وثلة من المفاهيم المقاربة، مكانة أساسية في هذا الدين. والمقام هنا لا يتسع للتفصيل في هذه المسائل. أما العلاقة بين العدالة وبين الحرية فتثير جدلا واسعا في الفكر السياسي الحديث والمعاصر. والأصل هو أن مفهوم الحرية- وهو الأساس الذي تقوم عليه الليبرالية- لا يفترض بالضرورة العدالة. لا بل إن الليبرالية الجديدة مثلا تسقط من حسابها تماما مفهوم العدالة. والفلسفات الاجتماعية- وفي مقدمتها الاشتراكية والإنسانية- هي التي تشدد على مفهوم العدالة. فنحن نستطيع أن نتصور، في الفكر وفي الواقع، نظاما سياسيا «حرا» دون ان يأخذ بمفهوم «العدالة التوزيعية» مثلا، ولا يأخذ إلا «بالعدالة» بمعنى المساواة أمام القانون فقط. كما أننا نستطيع ان نتصور، في الفكر وفي الواقع أيضا، نظاما يتوخى العدالة دون أن يكون نظاما ديمقراطيا، تلك هي حال النظام الشيوعي إبان الحقبة السوفيتية. ولهذا الموضوع شجون. والبحث فيه يطول.

٭ هل يمكن فصل الحرية عن الديمقراطية، وهل يمكن أن يكون هناك ديمقراطية دون أن تستند إلى أهم ركيزة وهي الحرية؟

ـ شهدت العصور الحديثة، وبخاصة القريبة منا، نماذج لنظم ديمقراطية- أعني نظما توافرت فيها شروط ما يسمى بـ«تكنولوجيا الحكم» أي منهج الاختيار التمثيلي دون ان تكون الحرية الحقيقية أساسا من أسسها، كالنازية والفاشستية وبعض النظم القومية.

بكل تأكيد الحرية متعلق أساسي من متعلقات الديمقراطية، لكنها لا تدخل في ماهية الديمقراطية. لكن حتى تكون الديمقراطية حقيقية لابد أن تتوافر فيها الحرية والقدرة على الاختيار الواعي المتحرر من الضغط. النظام الاقتصادي السائد اليوم في الولايات المتحدة الأميركية نظام رأسمالي عملاق يستند إلى إيديولوجية ليبرالية جديدة يحتل فيها مفهوم الحرية مكانة المركز، بل ان صحابه يسمونه بالليبرالية الديمقراطية أو العكس.

لكن هل الحرية- وهي دوما وابتداء حرية فرد أو شخص- متحققة فعلا في هذا النظام؟ أليست هي بالفعل، وبدون أية مبالغة أو إسراف أو قدح، رهينة للمؤسسات والشركات العملاقة ولكبار الرأسماليين الذين يتحكمون في وسائل الاعلام ويشكلون الرأي العام ولا يتيحون للاختيار الواعي قدرا حقيقيا من الدور في فعل الاختيار الديمقراطي الحر؟ على كل حال ليس ثمة شك في أن الحرية ضرورية للديمقراطية، والديمقراطية السديدة لا يمكن ان تتحقق بدون الحرية، وثقافة الحرية أيضا.

٭ يرى البعض أنه لا يمكن أن يكون هناك موقع أو قبول للفكر العلماني والليبرالي في الأوساط العربية في ظل المناخ السياسي الإسلامي المتنامي. ما هو تقييمك لهذا الرأي؟

ـ هذا الرأي يعني أن النظام الإيديولوجي الإسلامي الذي يحكم هذا المناخ هو نظام معاد للحرية. في اعتقادي أن هذه هي الحقيقة على الأرجح. أعني أن الجماعات السياسية الإسلامية على اختلاف توجهاتها لا تَعِدُ بمناخات تحترم الحرية وتقدرها. فهي لن تتيح للعلمانيين أو الليبراليين أو أي من المخالفين الحرية التي ينشدونها، وذلك رغم دعوى القول إنها- أو بعضها- باتت ترضى بالديمقراطية؟ وبالاعتراف بحق الاختلاف وبان تعبر الحرية عن نفسها بإطلاق. ولست أرى أنها تقبل بمبدأ «تداول السلطة»، من حيث هو مبدأ أساسي في الفلسفة السياسية. فالحقيقة التي تنادي بها هي حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل أو الخلاف أو النقد وهي لن ترضى بغير إجراء أحكام الشريعة، على النحو التقليدي التاريخي، لا على أي نحو آخر. ومن المؤكد أنها ستلجأ دوما إلى التشكيك في عقائد ونوايا المخالفين. يقول كثيرون إنهم أصبحوا ديمقراطيين، لكنني لا أصدق ذلك. هذا من وجه، ومن جهة آخر: لماذا يتعين علينا أن نربط مسألة الحرية وقبول أو رفض الآراء المعارضة، برضى وقبول ومباركة الإسلاميين؟ الحرية حق طبيعي لكل مواطن، وينبغي الدفاع عنها، وعلى الدولة أن تكفل ممارستها في حدود القانون وعلى الدولة الا تستمر علي مبدأ «النفاق» في علاقتها مع هذه الجماعات. أنا أتفهم تماما مطلب «الإسلاميين» في ألا يتطاول العلمانيون والليبراليون على «المقدس»، وأرى أن الحرية، في هذا السياق، مدعوة إلى ألا تشتط في النقد، وأن عليها ألا تلجأ إلى الاستفزاز وإثارة المشاعر والتحقير. لكنني لا أجد مسوغا لتحريم الفكر الانتقادي الموضوعي أو لتكفير الاجتهاد غير التقليدي إذا ما جرى وفق الأصول والمناهج العلمية ولم يأت لغايات ومقاصد غير نزيهة، أو في ثياب سفيهة. النقد يقابل بالنقد، لا بالتحريم أو التكفير. والخطأ البالغ الذي ارتكبه وما زال يرتكبه علماء الإسلام المعاصرون ودعاته، يكمن في أنهم في كل مرة يتعرض الدين للنقد يلجأون إلى فتاوى التحريض أو التكفير أو القتل، فلا يأتي هذا النهج إلا بتعميق الاعتقاد الكوني بأن الإسلام معاد للحرية، وبتقديم هدايا الشهرة والمال والجاه والتكريم لهؤلاء الذين تم تكفيرهم أو الدعوة إلى قتلهم أو التفريق بينهم وبين أزواجهم. انظري ماذا كانت نتيجة فتوى قتل سلمان رشدي؟ منحه لقب (سير) من ملكة بريطانيا! وتهديد آيان حرسي علي! نائب في البرلمان الهولندي والاحتفاء بها في كل مكان!

تعرضت المسيحية في السابق إلى ما يتعرض له الإسلامي ونبيّه اليوم، لكن لا يبالي اليوم أحد بنقد المسيح والمسيحية.حين نستعرض العناوين الجديدة في المكتبة الغربية، أعني في أوروبا وأميركا الشمالية، فإننا نذهل لما نشهده من مؤلفات ذات عناوين مسرفة في تطرفها وفي استفزازها للعقائد الدينية واللاهوتية. لن يتوقف نقد الإسلام ونبي الإسلام عند حد، لأن «المقدس» الذي يحكم العالم اليوم يسمى (الحرية). وفي مجال الحرية وفضاءاتها لا ينبغي أن يقابل النقد إلا بالنقد فذلك أنجع وأجدى وأكرم.

٭ لكن هل يمكن تصور وضع آخر لطريقة تعامل الإسلاميين مع النظم العلمانية والليبرالية.. وبالإجمال مع الحرية والحداثة؟

ـ بكل تأكيد. وينبغي أن يدرك الإسلاميون أن طريقهم «غير سالك» وأن للحداثة والحرية أحكامهما التي لا يستطيع احد اليوم أن يغفل عنها ويحتقرها، إلا إذا كان يصر على احتقار ما هو دنيوي ويتعلل في ذلك بطلبه رضوان الله فحسب، وهو في حقيقة الأمر يفعل ذلك بثمن باهظ هو التهلكة لنفسه ولدينه وللمسلمين، وليس ذلك ضامنا لرضوان الله! لأن المسألة، في النهاية، تتعلق بفكرة «الاصطفاء الإلهي» التي شدد عليها أبو حامد الغزالي وآخرون كثيرون. لقد أدرك هذه الحقيقة بذكاء بالغ ووعي عميق رجب طيب أردوغان وحزب (العدالة والتنمية) في تركيا، إذ نأوا بأنفسهم عن طريق «الإسلاميين» الذي تبناه نجم الدين أربكان، وهو يشبه إلى حد بعيد طريق «الإسلاميين العرب». طريق أردوغان، يتضافر مع شكل من أشكال العلمانية والليبرالية، لكن العلمانيين الأتراك يرفضونه لأنهم يتعلقون بعلمانية مغلقة، علمانية راديكالية مستلهمة من العلمانية الفرنسية، ومتسمرة عند «لحظة أتاتورك» التي لا يمكن ان تكون لحظة أبدية. إذا أراد الإسلاميون العرب أن يرجوا قدرا معقولا من النجاح الحقيقي فان عليهم أن يحذوا حذو أردوغان و(العدالة والتنمية)، وأن يراهنوا على الحداثة والحرية والديمقراطية والتنمية والعدالة والمصلحة وليس على «الدولة الثيوقراطية» الراديكالية. لكنني أشك كثيرا في أنهم سيفعلون ذلك، لأنهم مسكونون تماما برؤى واقتناعات تذهب في اتجاهات أخرى.

الفكر والإعلام في عصر العولمة والفضائيات

٭ كيف ترى تعامل وسائل الإعلام مع المفكرين الجادين، وهل يتم إقصاء لبعضهم، وكيف تفسر ذلك؟

ـ إذا كنت تقصدين الفضائيات العربية، وبخاصة الكبرى منها، فليس لدي أدنى شك في أن لكل منها تخطيطات -أي استراتيجيات- إعلامية خاصة. ونظرا لأن لكل منها «مرجعية سياسية» داخلية أو خارجية، محددة، فإن من الطبيعي أن تروج للكتاب والمفكرين الذين يجرون وفق هذه التخطيطات أو يعززون المبادئ والقيم التي تستند إليها. من المؤكد أن بعض معدي البرامج ومقدميها يخصون أصدقاءهم ومعارفهم بالرعاية ويستضيفونهم في برامجهم، حتى حين لا يكون لأعمال هؤلاء أدنى قيمة. وبعضهم، لمثل ذلك السبب، حظوا من بعض الاقنية بثلاث حلقات على الأقل. لكن هذه الحلقات لن تجعل منهم مفكرين حقيقيين. وثمة أيضا، من وجه آخر، كتاب ومفكرون، يستجدون أو يلهثون وراء الاقنية ووسائل الاعلام، نشدانا للشهرة والتكريم لأن أعمالهم غير ذات قيمة حقيقية أصلا. على أن ما يغلب على هذه الاقنية أنها تتعمد إقصاء المفكرين الذين تجسد أعمالهم قضايا جادة رصينة علمية، لأن مثل هذه الأعمال تنهض في وجه التسيب الفكري والتفاهة العقلية والاستهتار بالقيم والمبادئ الكبرى. وليس سرا أن من يراقب بعض الاقنية يلاحظ أن هناك قائمة معدة سلفا بالكتاب والمفكرين والمعلقين و... الذين يطلون باستمرار على شاشاتها. أما التخطيطات الجوهرية فتجتنب كل من يتسم بفكر جاد ومنهج رصين ونظر علمي. دعيني استحضر مثلا واحدا من هذه التخطيطات: قناة «الجزيرة». هذه القناة تسَيجِّ نفسها بمرجعية دينية تقليدية، وبالطبع ليس هناك مجال لحضور أي فكر إسلامي عقلاني نقدي إلى جانب ذلك الفكر. وهذه القناة نفسها، عند التحليل العميق، تعتمد فلسفة ثقافية قائمة على «النسبية». وهي منذ اليوم الأول لإنشائها تدك عقول العرب ونفوسهم بكل آليات ومعاني «النسبية» وغياب الحقيقة. وأبرز البرامج التي تجتذب- أو كانت تجتذب- أكبر عدد من المشاهدين العرب، أعني (الاتجاه المعاكس) و(أكثر من رأي)، لا يعزز إلا أمرا واحدا هو أن الحقيقة غائبة وأن الأمور ملتبسة وأن الاختلاف والشقاق والصدام والافتراق والغوغائية هي الوضع الطبيعي.. أي أن النسبية هي القانون الذي تتعلق به هذه القناة في علاقتها مع المشاهدين العرب. وليس يخفى على أحد أنه لا يذهب إلى هذه البرامج، ولا يدعى إليها إلا فريق ما من الكتاب والمفكرين والأفراد الغوغائيين، بالإضافة إلى نفر من الأساتذة والباحثين والمفكرين الذين كانوا جادين رصينين لكن هذه القناة حولتهم هي وبعض القنوات الأخرى إلى «نجوم» ومعلقين سياسيين! ولا يخفى أن هذه الأقنية تقوم بـ«إنتاج رموز فكرية» وظيفتها الأساسية ومسوغها الأقصى توجيه «الرأي العام» وتضليله، أي بكلمة واحدة «توظيفه سياسيا».

٭ هل تعتبر نفسك أحد المفكرين الذين يتم إقصاؤهم واستبعادهم من الفضائيات ووسائل الأعلام؟

ـ أنا أزعم أنني باحث جاد ومفكر وأكاديمي لا يبحث عن النجومية، وأنا أحترم نهجي وأعمالي ولا أجد مسوغا لأن أروج لهما ولنفسي في الفضائيات، كما أنني لا أشكو في هذا الصدد من عقدة الاضطهاد واعتقد أن الذهاب إلى استوديوهات الفضائيات لن يضيف شيئا إيجابيا إلى قيمتي الشخصية ولن يرقى بأعمالي إلى مرتبة أسمى.

٭ برأيك من هم الكتاب والمفكرون المعاصرون الذين تعتقد أنهم قدموا إسهامات جليلة للثقافة العربية المعاصرة؟

ـ الحقيقة أن الفكر العربي المعاصر غني بالإسهامات الفكرية الرصينة وأن عدد المفكرين الجادين الذين تميزوا باسهامات ذات دلالة ليس قليلاً. وفي الفضاءات العربية المتنوعة أسمح لنفسي بأن أذكر من المغرب العربي. محمد عابد الجابري وكمال عبداللطيف وعبدالله العروي وعلي أو مليل، وهشام جعيط والحبيب الجنجاني وراشد الغنوشي، ومن مصر السيد ياسين ومحمود أمين العالم وحسن حنفي وجابر عصفور، ومن لبنان رضوان السيد، وناصيف نصار، ومن سوريا صادق جلال العظم وبرهان غليون وعزيز العظمة والطيب تيزيني، ومن الخليج خلدون النقيب ومحمد جابر الانصاري، ومن عندنا في الأردن لا شك في أن الأمير الحسن بن طلال هو واحد من المفكرين العرب  المرموقين الذين تجاوزت جهودهم الفضاءات العربية. وكان لنزعتهم «الإنسانية» حضور واسع في الأوساط الدولية.

٭ هناك من يقول إن العولمة هي «إحدى ثمرات الحداثة»، في رأيك لماذا يجتاح العالَمَ الرعبُ والهلع من هذه العولمة؟ وأين يكمن خطرها، وكيف يمكن التعامل معها؟

ـ يؤكد كبار الاستراتيجيين والاقتصاديين في هذه الأيام ان العولمة تتراجع وتتقلص، لصالح تشدد في تحديد الحرية الاقتصادية والتبادل الحر، وتجذر في النزعات الوطنية، والقومية، وتضييق في مجال الحريات على وجه العموم، وخرق للديمقراطية وتضييق على التعددية الثقافية وتحديد للهجرة... ألخ، وتوجه إلى صيغة «عادلة» للعولمة، وهو أمر لافت للانتباه. الموجة تنحسر شيئا فشيئا، والهلع منها يتضاءل، والكلام عليها والسجال حولها يضعفان. واعتقد أن العقدين القادمين سيشهدان تحولات جوهرية فيما يتعلق بهذه الظاهرة. لذا أرى أن المبالغة في التخوف منها لا مسوغ له. وفيما يتعلق بالأقطار العربية لا يبدو أن العولمة قد أحدثت آثارا عميقة في مصائرها. ولعل التأثير الثقافي هو أعمق مظاهر التأثير العولمي فيها. وذلك على الرغم من أن هذا التأثير لم  يتجه في اتجاه واحد هو التحلل من (الهوية) فقط، وإنما اتجه ايضا وجهة الارتداد إلى الهوية الذاتية، عربية أو إسلامية. لكن لا شك أن انتشار فكر قائم على أساس النسبية وآخر على أساس الدجماطية والوثوقية الراديكالية كان احد نتائج هذه العولمة، وهو على كل حال سمة من سمات (ما بعد الحداثة).

٭ الليبراليون يعدون بالجنة في الأرض، والإسلاميون يعدون بالجنة في السماء، وبين الجنتين ضاع الإنسان. أين المواطن العادي من هذه الوعود، ثم.. كيف يمكن الوفاء بها؟

ـ الإنسان العادي لا يجري لا خلف الليبراليين ولا خلف الإسلاميين. الإنسان العادي لا يعيش «في حالة انتظار» لوصول الإسلاميين أو العلمانيين إلى السلطة كي يتلقى بضاعات وعودهم! الإنسان العادي يحيا حياته العادية في مجال الدولة التي يفترض أن ترعى مصالحه وتستجيب لحاجاته، وفي ظل النظم والمؤسسات والقوانين المطبقة في بلده. إذا كان وضعه بائسا شقيا بسبب طبيعة الدولة ومؤسساتها أو المجتمع ونظمه، فذلك انعكاس لأحوال محددة من التخلف أو الاستبداد أو الفساد أو فوضى التنظيمات الأساسية أو... أو.. وفي مثل هذه الأحوال أو بعضها، الإنسان العادي «يختار»- وكلمة «يختار» هنا كلمة افتراضية:ينصاع ويعاني، أو يفعل في إطار الممكن، أو ينشط كعامل تغيير بهذه الوسيلة أو تلك، أو يثور «فوضويا» أو «تنظيميا»، أو يهاجر.. أو يموت غيظا..

أما انتظار وعود الإيديولوجيين الراديكاليين فيمكن ان يطول مديدا. في جميع الأحوال على المواطن العادي أيضا ان «يضغط» بما يتاح له من إمكانيات- محدودة- من اجل مجتمع ودولة ومؤسسات سديدة.

٭ ماذا تقول في حقيقة نظرية المؤامرة؟

ـ ما يسمى بنظرية المؤامرة ليس إلا وجهاً من وجوه الصراع والهيمنة والدبلوماسية المقنعة. وحين يكون العالم مسرحاً لسياسة إقليمية أو دولية توجهها المصالح أو مبادئ الهيمنة أو آليات الصراع والمجابهة لهذا السبب أو ذاك أو لجملة من الأسباب المتعددة، تلجأ القوى المتصادمة أو المسكونة بهواجس الخوف والرهبة والخطر، إلى وضع «تخطيطات» معلنة أو غير معلنة من أجل تحقيق أهدافها في ضمان مصالحها أو دفع مخاطر متوقعة عن نفسها أو إدراك أغراض ذات علاقة بالهيمنة أو بخفض قوة منابع الخطر أو بتدمير هذه المنابع. من الطبيعي أن تلجأ هذه القوى إلى وضع «خطط» خفية لتحقيق أهدافها الجوهرية، لكن من الضروري أن يتنبه الآخرون المعرضون لهذه السياسات إلى طبيعة هذه الخطط ومعرفتها وتصميم سياسات مقابلة لتجنب مخاطرها أو لإحباطها. ليست السياسات الدولة دوماً سياسات قائمة على التفاهم والسلم، وحين تكون الأمور كذلك،  أعني حين تكون الأجواء صراعية، تصبح «التخطيطات» التي تمثل «المؤامرة» شكلا من أشكالها المشخصة أمراً لا مفر منه. فلو سلمنا مثلا بأن مفهوم العالم العربي الموحد يتعرض لسياسات من طبيعة «تآمرية»، فمعنى ذلك أن مفهوم «عالم عربي موحد» هو مفهوم يثير الخوف والرهبة لدى بعض قوى الهيمنة، فيدفع ذلك هذه القوى إلى «التخطيط» من أجل شل هذا المفهوم أو تبديده بهذا الشكل أو ذاك. وإذا سألتني هل يخضع مفهوم «العالم العربي الموحد» لنظرية في المؤامرة تهدف إلى شل حراك هذا المفهوم وإزاحته؟ أقول إن مفهوم «عالم عربي موحد» هو مفهوم يشكل، بالنسبة لقوى الهيمنة الكبرى، حالة صراعية تبعث على التوجس والخوف، وأنه من الطبيعي، بالتالي، أن تضع هذه القوى أو بعضها «تخطيطات» أي استراتيجيات لإزالة خطر هذا المفهوم الذي يبدو لها مفهوماً «صراعيا» و«صداميا»، دون أن احتاج إلى القول بشيء اسمه نظرية المؤامرة، لأن هذا الوضع هو الوضع «الطبيعي» في جميع أحوال الصراع والصدام.

وحين يتصور هنتنغتون مثلا أن العلاقة بين الحضارات هي علاقة صراع، فإنه لا يفعل شيئا أكثر من «إدراك مكامن الخطر»، حسبما يزعم، ومن اقتراح ساسيات عملية من أجل درء هذا الخطر والوقوف في وجهه. فلا بد لتحقيق هذه الغاية من تصميم هذا المسياسات وإنفاذها بإجراءات معلنة وأخرى غير معلنة. أنا الذين يستشعرون خطر ذلك فإنهم مدعوون من جانبهم إلى مواجهة هذه السياسات بسياسات مضادة ناجعة. حين يقول العرب انهم يتعرضون لـ«المؤامرة» عليهم أن يكونوا مدركين أن معنى ذلك أنهم يشكلون، في أعين «المتآمرين»، خطراً ما، وعليهم بالتالي أن يبحثوا عن مكامن هذا الخطر وأن يتبينوا حقيقته وأن يتصرفوا وفقا لذلك ووفقاً للممكنات الذاتية والدولية.

٭ يقول المفكر الإسلامي رضوان السيد في مقالة منشوره في صحيفة (الحياة) بتاريخ ٢٥/١١/2007 «إنك كنت محايداً في تحليل الخطاب العلماني والليبرالي، ولكنك كنت شديد التشكيك إزاء الخطاب الإسلامي. ما تعليقك على هذا؟

ـ أولا، أشكك كثيرا في أن يكون الوصف «مفكر إسلامي» يصدق على رضوان السيد، مثلما أنه لا يصدق عليّ أيضا. على كل حال، رضوان السيد صديق عزيز وموقفه من «الإسلاميين» لا يختلف عن موقفي، لكنه ربما كان يطمع في أن أتخذ موقفا مختلفا من العلمانيين والليبراليين. والحقيقة أن تحليلي لخطابات الليبراليين والعلمانيين لم يكن تحليلا «محايدا» إلا من زاوية العرض الموضوعي، لكنه، كموقف، كان موقفا «نقديا» والقراءة المدققة تكشف عن هذا بوضوح.أما أنني كنت «شديد التشكيك» في شأن الخطاب الإسلامي فلا أدفعه بإطلاق، إذ اشتددت عنده في وتيرة النقد لسبب بديهي هو أنني كنت أدرك، وما أزال، أن أطروحة الإسلاميين تحمل من المخاطر المشخصة المباشرة على دين الإسلام نفسه وعلى المسلمين في كل مكان في العالم مالا تحمله دعاوى العلمانيين والليبراليين. فالحرب المشهرة على الإسلام والمسلمين اليوم لا ترجع إلى دين الإسلام نفسه وإنما ترجع إلى إيديولوجية الإسلاميين وحراكهم الكوني. وأنا كنت حريصا على أن أنأى بالإسلام عن هذه المخاطر، لهذا فإن خالص ما انتهيت إليه تمثل في القول إن ثمة «حَيْدة» في موقفهم، وان مشروع الإسلام ينبغي أن يتجسد في مبادئ العدالة والمصلحة والرحمة وليس في الانفصال عن الآخرين ومناصبتهم العداء والمقاتلة.

٭ في إحدى مقالاتك تحدثت عن استفادة الغرب من قوة «القيمة» وقوة «الغايات»، حيث حملتها رياح الغرب الحديث إلى العالم. لماذا لم يستفد العالم العربي من هذه القيم، وأين مواطن الخلل في رأيك؟

ـ لا أحد ينكر أن عملية «التغريب» في المواطن العربية الحديثة قد كان لها فعلها المباشر الواسع الشامل منذ مطالع القرن التاسع عشر. وقد تبلورت هذه العملية في كل القطاعات:المعرفية والتقنية والإدارية و.. ومن المؤكد أنها منحت الأقطار العربية الخارجة من إطار الدولة العثمانية أقدارا متفاوته من القوة وهيأت للدول «الوطنية» كثيرا من أسباب التطور والتقدم. لكن من المؤكد أن هذه الأقطار لم تبلغ مدى واسعا في الإفادة من هذه «القوة» ولذلك علل عديدة: فهي أقطار «تابعة» وأدوات إنتاج المعرفة والقوة ليست في يدها، ونظمها السياسة استبدادية -والاستبداد عاقر عقيم- والقيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية الفاعلة سلفية تقليدية كانت دوما حريصة على التعلق بالماضي وإهمال المستقبل.. والعقل السائد عقل محافظ اتباعي.. والدولة غير ملكه لمقومات الدولة الحديثة.. وحرية الفكر والإبداع والخلق غائضة الملامح.. هل استمر في سوق وجوه الملحمة الكارثية؟

٭ نفيت أن تكون الحرب التي يشنها الغرب على الإرهاب تجسيداً لصراع حضاري، ولكنها نتيجة الخوف من تنامي قوة سياسية معادية للغرب، في العالم العربي أو الإسلامي أو الصين. هل ترى في العالم العربي أو الإسلامي أي نواة لمثل هذه القوة، حتى نستطيع أن نبرر ما يقوم به الغرب؟

أشهر الكتب التي ظهرت في السنوات الأخيرة، كتاب يحمل عنوان (جهاد).. فيه تحذير صريح من المخاطر القادمة الآتية من (عالم الإسلام).. وفي الفترة نفسها جاءت صرخات وتحذيرات برنارد لويس وصمويل هنتنغتون وفرنسيس فوكوياما والاستراتيجيين الغربيين.. وكان المقصود هذه (القوة) التي كانت تتنامي منذ نهايات العقد السابع من القرن الماضي وكانت تعلن بعلامات صارخة عن عدائها للغرب وعن انفصالها عنه وعن التقابل القوي بينها وبينه. نعم اعتقد ان «بدايات» هذه الحرب المعلنة اليوم، والمستمرة بدون توقف، قد صاحبت، أو اشتدت، غداة مراقبة الغرب لتعاظم هذه القوة واشتداد بأسها، وغداة انهيار الاتحاد السوفيتي. في المخيال الاستراتيجي كان يمكن لهذه القوة ان تشتد وتشتد وتتقدم وتصبح اخطر واخطر.. لذا فإن «حربا وقائية» كانت في أعين الغرب ضرورية لوقف هذا التقدم والحد منه بل واستئصاله.. وهو ما يفسر استمرار «الحملة» وعدم توقفها حتى الآن.. وما رد كل شيء إلى ما يسمى بـ«القاعدة» إلا ذريعة قوية لاستمرار «الحملة».

٭ تعيش غربة ورحلة ترحال مستمرة. ما الذي منحك إياه هذا الترحال وهذه الغربة، على المستويين العلمي والشخصي؟

بعض الأماكن مثل بالنسبة لي أماكن «طاردة»، وبعض الظروف ألجأتني إلى الارتحال والاغتراب وكنت وما أزال أحاول أن أجد لي مستقرا أثوي إليه حتى النهاية. حلمت ذات مرة وما زال الحلم يراودني أحيانا، بأن تكون مدينة (نزوى) في عُمان مستقرا لي إذ عشقتها عشقي لقريتي (عين غزال). لكنه حلم فحسب. عرضت لي في حياتي العملية على وجه الخصوص خبرات قاسية مريرة فرضت غربات عديدة. زودني ذلك كله بأقدار متعاظمة من العمل والكفاح والنضح والحكمة، وكلفني أيضا أشياء كثيرة غير بهيجة. لكن من وجه آخر، علميا، أتيح لي ما لم يتح لكثيرين غيري: اتصال مباشر مستمر بالمنتجات العلمية والثقافية العالمية في آخر أحوالها وأشكالها، بفضل هذا الاتصال استطيع ان ازعم انني باحث وكاتب ومفكر «معاصر» بكل معاني هذه الكلمة. وذلك مصدر رضى وسعادة بالنسبة لي، إذ هو حافز قوي ودافع حي للاستمرار في العمل بحيوية ونشاط وللذهاب بدون توقف إلى فضاءات جديدة وإلى أعمال أحرص دوما على أن يتحقق فيها شرط الأصالة والإبداع.

٭ فهمي جدعان ماذا يكتب الآن؟

ـ أنا الآن أقرأ.. وأدون .. وأتأمل.. لأكتب- وليس من الحكمة دوما أن نصرح مقدما بمقاصدنا وأفعالنا.. لكن العمل سيكون مبعث طرافة وغرابة وبكل تأكيد هو سيكون عملا جادا.. ومفيدا.


تصميم الحاسب الشامل