مصطفى صفوان
عن تجربة التحليل اللاكانية(٭)

 

حوار : آلان ديديه فييّ
ترجمة : حســــين عجـــــة


كان التكون الذهني لمصطفي صفوان، قبل أن يصبح محللاً ومُنظراً في حقل تجربة التحليل النفسي، فلسفياً.

 قام بترجمة كتاب فرويد «تفسير الأحلام» إلى العربية، عندما كان خاضعاً في وسط أربعينيات القرن الماضي للتحليل تحت إشراف «مارك شلومبرجه»، كمتعلم في «جمعية التحليل النفسي الباريسية» اختار «جاك لاكان» كمشرف على تحليله في بداية الخمسينيات وظل منذ ذلك اليوم واحداً من الأوفياء والمقربين له.

بعد حل «المدرسة الفرويدية»، أصبح مصطفى صفوان من الأعضاء المؤسسين «للجمعية التأسيسية للتحليل النفسي»،  في عام 1983، ومن ثم «المؤسسة الأوروبية» للتحليل النفسي. مؤلف للعديد من الأعمال، من ضمنها «البنيوية في التحليل النفسي» و«دراسات حول أوديب»، المنشورة على التتابع في عامي 9168 و1974 في منشورات «سي»، وحتى قيامه بنشر «اللاكانيا» في منشورات «فيارد» عام 2001.

٭ آلان ديديه فيّي: أنتَ واحد من المحللين القلائل الذين تابعوا وقدروا دروس«لاكان» منذ خمسينيات القرن الماضي، حتى قبل بدء محاضراته العامة. ما الذي جرى أثناء لقائك بـ«لاكان» الذي أحدث تحولاً في العمل التحليلي لم تبطل مصداقيته منذ أربعين عاماً؟

مصطفى صفوان: في المرحلة التي بدأت العمل بها مع «لاكان»، كمشرف على التحليل، لم أكن أفهم أي شيء مما يحدث في هذه التجربة. إلى حدّ كنت أفكر بترك التحليل النفسي. كنت أعتقد بأني سأجد شيئاً آخر أقوم به...

لقد كان فهم التحليل النفسي حينذاك محصوراً أما بفهمه باعتباره سيكولوجية أعماق، مع أن هذا العمق قد أصبح سطحاً بكامله، وذلك لأن الاستيهامات (الفنتازمات)- المتعلقة بالإغواء، القتل، وأكل لحوم البشر- كانت معروضة على ورق أي كتاب، أو كسيكولوجية سلوك تدع نفسها تُقاد عبر مفاهيم تمّ تجريبها في المختبر، كتعابير «الإحباط، العدوانية، والتقهقر» عند الفئران مثلاً.

لم أكن مقتنعاً بكل هذا، وعندما التقيت بـ«لاكان» الذي كان يقول: «التحليل النفسي هو تجربة الخطاب»، شرعت بالقيام بشيء اسمه الإصغاء. بعد ذلك، انطلاقاً من عام 1945، باشرت بترجمة كتاب «تفسير الأحلام» إلى العربية، والذي كرست له خمسة أعوام طوال. في تلك المرحلة ولدَ ما يطلق عليه النقلة التحليلية. أي في الوقت الذي شرع به «لاكان» أعطاء محاضرات، في بيته، ٥ شارع ليلل.

٭ آلان دانيال: لقد كنتَ شاهداً على واقع أن اولئك الذين عملوا مع «لاكان»، سواء كانوا من المحللين أو من المشرفين على التحليل، قد عاشوا معه تجربة مدهشة: لم يكن «لاكان» يقدّم لهم شيئاً «معروفاً من قبل»، ولكن بالأحرى بُعداً لما هو غير متوقع، شيء لم يُسمع به من قبل...

مصطفى صفوان: نعم. وسأعطيك مثالاً على ذلك يحضر في ذهني الآن. في يوم ما قامت بمراجعتي سيدة لكي  تعالج شعورها بعقدة الدونية، وعندما طلبت منها الاستلقاء على الأريكة كان رد فعلها هو النفور - لأن ذلك الوضع كان يشعرها بتلك الدونية، كما قالت. كنت على وشك أن أقول لها بأن ذلك احتجاجاً أنثوياً، لكني سرعان ما فكرت بأن تأويلاً كهذا شيء عبثي ومن ثم ذهبت لرؤية «لاكان» لكي يخرجني من ورطتي. وإذا به يقول لي مباشرة: «ولم لمْ تقل لها بأنها كانت قد جاءت بالدقة للحديث عن ذلك الوضع.؟». لقد أدهشني ذلك تماما: تساءلت مع نفسي لمَ لمْ أفعل ذلك؟ ولقد عثرت على الإجابة فيما بعد: لقد كنت منغمراً للغاية في موقعي -موقع التفوق-، ولم أستطع قول ذلك له أيضاً. هذا واحد من الأمثلة التي يمكن أن تُدهش المرء، تمسه وتجعل منه شخصاً آخر مختلفاً عن ذلك الذي كان عليه قبل أن يتحدث مع «لاكان».

٭ آلان ديديه: ألا تعتقد بأن «لاكان» إذا كان يعرفُ كيف يُدهش الآخرين، فذلك لأنه كان مؤهلاً عبر ممارسته لمهنته للاندهاش هو نفسه؟ ألم يكن يجعل الشخص الذي يندهش يفهم التالي: بأن الذات اللاواعية لا تنتج أبداً عن علاقة التفوق والدونية، ولكن عن الفارق المحض وحسب؟ وكأن هناك، على هذا الصعيد، مساواة مطلقة ما بين المُحللْ والمحللِ، طالما أنه ليس ثمة معرفة قائمة قبل لقائهما؟

مصطفى صفوان: لم تكن لدى «لاكان» عقيدة، ولا مذهب يجعله يعرف المرء بدءاً وكأنه مادة شفافة تقف أمامه. كذلك كان بإمكانه الاندهاش. فالتمييز ما بين الآخر الذي يمكن أن يكون شفافاً والآخر باعتباره قادراً على الكذب، التظاهر، قول كلام صادق أو عكسه، كان يشكل بُعداً أساسياً في نظريته: كان «لاكان» يضع جهده في خدمة ذلك الآخر الذي يفلت من المعرفة، والذي هو ليس الفرد العادي الذي يشبهنا، ولكن ذلك الذي لا يمكن القبض عليه منذ البداية. هذا ما هو مؤكد.

٭ آلان ديديه: هل تعتقد بأن وضع «لاكان» لتلك المعرفة النظرية التي يتمتع بها المُحللْ بين هلالين قد ساهمت بتغذية عداوة بعض المُحللين ضده؟

مصطفى صفوان: لا أعرف ما الذي كان يدور في رأس خصومه، لكن، وفقاً لنمط الممارسة التي وصفتها قبل قليل، كان قد قلبَ ادعاء المعرفة المُسبق الذي يتم عبره علاج هذا الرجل أو تلك المرأة اللذان يجدهما المُحللْ أمامه. لقد قام «لاكان» بذلك الانقلاب وإن كان، في تلك اللحظة، ما زال بعيداً عما سيُنظر له في النهاية، والذي بينَ فيه بأن ما يُحدّد التحليل النفسي ليس المعرفة، بل الرغبة.

إن نقد «لاكان» لتحديد التحليل باعتباره معرفةً كان حاضراً في مؤتمر روما، حيث رأيناه يتهكم من محلل ساذج -أعرف على من كان يُشير، لكن لا جدوى من ذكر اسمه-، فذلك المحلل كان يظن بأنه يكفي أن يقول لمريضه ما الذي حدث له حتى ينتهي مرضه. وكأن المعرفة كانت على وشك حمل الخلاص له. ألا تظهر لنا التجربة بأنك عندما توصل معرفتك لأحدهم، فانه سيرد عليك: «أعرف ومن ثم؟» إن الاستقبال السيء الذي تمّ فيه تلقي نظرية «لاكان» متأت بصورة خاصة من واقع أن التحليل قد تأسس من حول فكرة تجعل من معرفة المحلل امتيازاً يضعه في مصاف الأعيان،

 إلى جانب الحُكام، المحامين، والأساتذة، الخ...

٭ فلورنس كرافاس: قلت للتو بأن العلاج والشفاء، بالنسبة لـ«لاكان»، لا يمران عبر المعرفة-الدعية للمحلل. عبر ماذا يمكنهما أن يمرا؟

مصطفى صفوان: هذا يحدث عبر الإصغاء: إذا كنت تتمتعين بإصغاء جيد، ستلاحظين بأن الذات التي تتعاملين معها تتمتع، هي أيضاً، بمعرفةً، فقط انها معرفة لا يتمكن المريض من البوح بها، ولا  يقدر على مفصلتها حتى. إن موقع الحقيقة كامن في عدم التمكن من قولها بتلك الطريقة؛ فهي تجد نفسها دائماً على مستوى آخر، أي مستوى الشيء الذي لا يدع نفسه يُقال علانية ولكن يمكننا سماعه؟

٭ آلان ديديه: ما تقوله يذكرني بذلك القلق غير العادي الذي استولى على «مدرسة التحليل النفسي العالمية» حينذاك، عندما دعتها «الجمعية الفرنسية للتحليل النفسي» للإنضمام إليها. لقد أجرت «مدرسة التحليل النفسي العالمية» نوعاً من المحاكمة، ترأسها «بيير تيركه» (Pierre Tuequet)  .

 تهدف لاستجواب طلاب «لاكان» لفهم الطريقة التي كان يمارس بها تدريسه. بعد ثلاثين عاماً تبدو هذه القصة، بالنسبة لجيلي، شيئاً لا يُصدق. سؤالي الأول هو: لماذا وافق الأفراد الذي كانوا مُنخرطين في التحليل مع «لاكان» على مثل الاستجوابات؟ والثاني: ما الذي كان يبحث عنه «بيير تيركه» ومن تبعه بإستجوابهم للمحللين، مثلك، معرفته؟

مصطفى صفوان: بالنسبة لهم، لم تكن القضية تتعلّق حتى بفهم أي شيء، ما كانوا يرغبون به هو معرفة كم من الوقت كانت تستغرقه كل جلسة تحليل-كان ذلك قسماً عقائدياً بينهم. فهم كانوا يتصورون التحليل النفسي وكأنه لعبة لها عدد معين من القواعد، قاعدة الامتناع، قاعدة تداعي الأفكار، القاعدة القاضية بأنه إذا ما قال المُحللْ أو المحلل شيئاً لا ينبغي عليه بعد ذلك إنكار ما قال، لأنه عكس ذلك سيتفلش كل شيء. هناك إذن مجموعة من القواعد وبالنسبة لهم، كانت الـ ٤٥ دقيقة التي تستغرقها  جلسة التحليل تشكل واحداً من تلك القواعد. كانوا يريدون معرفة إذا ما كانت القواعد مُطبقة أو لا.

لقد وجدَ «لاكان» نفسه في موقف غاية في الصعوبة، ذلك لأنه كانت له طريقته الخاصة في التعامل مع خطاب اولئك الذين يقومون بالتحليل معه: فلأنه كان يضع المعرفة في الأفراد الذين يقوم بتحليلهم، ولأن تلك المعرفة، بمغزاها، كانت تُنتج زمنية خاصة بخطاب الفرد المُحللِ، لذا لم يعد ممكناً التعامل مع الزمن، الذي ينظمه مدلول التجربة، من منظور عقارب الساعة. وبالرغم من ذلك، لم يكن يرغب بأن يتم إبعاده عن «مدرسة التحليل النفسي العالمية» وبالتالي فقدان الاتصال مع أناس كانوا، من حيث المبدأ، زملاءه، ويريد التحاور معهم. لهذا فقد لجأ إلى مناهج ملتوية: لقد طلب من البعض من طلابه الكذب والقول بأن زمن جلسة التحليل كان يستغرق ٣٠ دقيقة؛ ولقد كان لهذا نتائج كاسحة. هي آثار للموقف الصعب والمستحيل الذي كان قد وُضعَ به.

٭ آلان ديديه: لماذا كان يحرص إلى هذا الحدّ على إبقاء علاقة ما مع المدرسة العالمية للتحليل؟

مصطفى صفوان: لقد كانت تلك المدرسة وبالرغم من كل شيء الوسط الذي كان يلتقي من خلاله بزملائه.

فعندما يكون المرء مُحللاً فانه يرغب أن يسمعه محللون. وكان تعليمه، من وجهة نظره، يتوجه إلى أولئك المحللين. الإبتعاد نهائياً عن تلك المدرسة كان يعني، إذن، قبوله بالصمت.

٭ آلان ديديه: هل ثمة من علاقة ما بين الهمْ المرتبط بتجربة التحليل والحاجة الشديدة عند بعض المحللّين في أن يتم قبولهم عبر انتمائهم للمؤسسة؟

مصطفى صفوان: هل تتحدث عن تلاميذ «لاكان» الذين صوتوا لصالح الانضمام إلى المدرسة العالمية

للتحليل، أي الذين صوتوا ضده في لحظة الانشقاق الثاني؟

٭ آلان ديديه: بالفعل.

مصطفى صفوان: لا ينبغي أن نكون قساة وتبسيطيين حيال الناس. فالجيل الأول، مثلما يُسمى، تلاميذ «لاكان» كان مكوناً من أفراد دعموه في نزاعه الأول مع مؤسسة التحليل الباريسية. يُضاف إليهم تلاميذ المؤسسة الجديدة -المؤسسة الفرنسية للتحليل النفسي- والذين أختاروا «لاكان» كمحلل أو مشرف عليهم.

كذلك يجب عليَ القول بأنه كان «للاكان» ثقة بلا حدود  بطلابه.  كان ينظر لهم باعتبارهم زملاء له،

متعاونين معه، ولكن أيضاً باعتبارهم لسان حال، حتى لا أقول أنبياء. وهذا ما كان يَفتَرضُ نوعاً من الفهم المنقوص لما كان يعرفه هو أفضل من أي شخص سواه: فتوقع كهذا كان لا بد وأن يتم الإحساس به، من قبل التلميذ، كضغط ثقيل جداً.

لقد شكل ذلك مطالبة لا يمكن تحقيقها، فعندما تحضر  دروس «لاكان» لا بد لك من أخد ملاحظات. لكن، فيما بعد، عندما تعود إلى دارك لا تقوم بدراسة تلك الملاحظات، فأنت محلل نفسي، وعليك استقبال ناس تتحمل إزاءهم مسؤولية الاستمرار بالعلاج. إذ لا يمكن للأفكار التي سمعتها عند حضورك  لدروس «لاكان»  أن تعود ثانية إلى ذهنك، وتنير لك دربك الخاص، إلاّ إذا ما شرعت أنتَ بالتفكير بما تقوم به وحسب.

فإذا ما تجشمت عناء الكتابة، ستنتج نصاً يتضمن  بعضا من أفكار «لاكان»، لكنه يظل، في غالبيته، نصك أنتَ بالذات. وهذا سبب في قول «لاكان» بأن البعض يأخذ أفكاره، ويشوهها، أو أنه قد فهمها  خطأً.

ولكي أعطيك مثالاً، كان هناك، ضمن تقاليد «الجمعية الفرنسية للتحيل النفسي»، نهارات حرة. أتذكر بأن «بونتالس» و«بيرا أولانيه» قد أعدا بهذه المناسبة تقريراً عن «الترانسفير» (transfer) (النقلة التي  تحدث عند الفرد الذي يجري تحليله) ، مستخدمين بعض التعابير بطريقة لا تتطابق مع الطريقة التي كان يستخدمها «لاكان»، ان لم يكن تتناقض معها تماماً. حينئذ، قام «لاكان» بإيقافهما، وشهر بهما، وهذا ما زاد، كما هو واضح، من حدة التوتر.

ان يُقال بأن تلاميذ «لاكان» كانوا من الجهلة، مثلما أوحى هو بذلك عندما تحدث عن مناخ الجهل الذي  بدأ فيه تعليمه، فذلك ما هو زائف: فـ «أكتوف مانوني» والأب «باينارا» وكذلك «بونتالس» و«لابلانش»،  وغيرهم لم يكونوا أبداً جهلةً، فقد كانوا مثقفين للغاية. وإذا كان الكثير منهم، ومن غيرهم مثل «سمرينوف»  و«لانغ» قد صوتوا ضد «لاكان»، فذلك ليس من أجل الانضمام إلى جمعية للمحللين النفسيين تنسجم مع  أذواقهم. لقد كان ذلك بحكم التوتر الذي تميزت فيه علاقتهم بـ «لاكان».

بيد أن هذا لا يعني أني أعطيهم حقاً في ذلك. أتذكر أنه في لحظة الانشقاق الثاني كان البعض منهم، وبشكل خاص، مثلما أعتقد، كل من «لابلانش»، «بونتالس»، «آنزيو» و«كرانوف» قد قدموا نصاً يحمل العنوان التالي: «نص الخمسة» أو «مرآة الخمسة» (لست متأكداً من ذلك). واحدة من عبارات ذلك النص تتحدث عن رغبة «لاكان» التي لا تقاوم في السيطرة. أعتقد أنهم أخطأوا، عند هذه النقطة. ذلك لأنه من المؤكد بأنه لم تكن عند «لاكان» أي رغبة في السيطرة: فاندفاعه، أي تحمسه للقضية الفرويدية، كان من أجل العودة إلى فرويد.

تلك كانت حقيقة حماسه: الوفاء للقضية الفرويدية، وليس التسلط.  بالمناسبة، ان كل اولئك الذين وفقوا بخلق شيء له مكانته، إن كان ذلك في ميدان الفن أو العلم، وحتى ضمن نطاق الفن العسكريوالسياسي، كانوا من أولئك الأفراد الذين لم يفرقوا ما بين حياتهم والمشروع الذي يخدمونه. بالنسبة للاكان، كان ذلك هو مشروعه.

٭ آلان ديديه: ما بين عامي 1950 و1953 كان «لاكان» قد شكل جمهوراً صغيراً من الطلاب كنت أنتَ من بينهم، وذلك من أجل متابعة محاضرات خاصة عُقدت في شارع «ليل» حيث قَدّمَ لكم العناصر التي انطلاقاً منها يمكن التفكير بتلك العودة إلى فرويد. وبشكل خاص تلك المقولات التي كان يستخرجها من فرويد، بالرغم من أنه لم يسمها هكذا: الواقع، الرمزي والتخيلي. عموماً، نحن نجهل بأن الـ«واقع» والـ«رمزي» والـ«متخيل» هي صفات قبل أن تكون اسماء. ذلك لأن «لاكان» كان يُحدثكم في تلك المحاضرات الخاصة عن «الأب الرمزي»، عن «الأب الواقعي» و«الأب المُتخيل»...

مصطفى صفوان: أن هذا التمييز ما بين المستويات المختلفة للأبوة، التي أدخل «لاكان» من حوله تلك المقولات المختلفة التي استشهدتَ بها، تَميّيزٌ يوضح الكثير. أتذكر كنتُ أقوم بتحليل شخص كانت لديه ميولاً، في عوارضه المرضية، ضمن علاقاته الزوجية، والوظائفية، نحو العقاب الذاتي: كان راكعاً تحت ثقل أناه الأعلى. والحال فإن هذا الرجل لم يعرف والده أبداً. ففي الثالثة من عمره، وبعد وفاة أمه، أخذته جدته تحت رعايتها، فيما اختفى والده.  في هذه الحالة، من المُفترض أن لا يكون عنده أنا عليا، ما دام أن قاعدة هذه الأنا العليا قد اختفت. مع مقولات «لاكان» المختلفة أصبح شيء كهذا قابلاً للفهم. فوضع وظيفة الكلام في عين الاعتبار كان بمثابة شعاع من النور.  وهذا ما سمحَ كذلك بإنارة فكرة الإحباط، والتي يمكن أن يكون مصدرها أم غاية في الرقة، تظن بأنها ما دامت تقدم لطفلها العناية، فإنها ستجلب له الرضى.

٭ آلان ديديه: ذلك لأن النبرة كانت قد وضعت على واقع أن الرضى الحقيقي لا يتولد عن المادة نفسها، ولكن عن الطريقة التي يُقدّمْ بها.

مصطفى صفوان: نعم.  بعد ذلك كان تعميق كل هذا قد أدى لصياغة نظرية «الفنطازم» (fantasme)  فقبل أن يُدخل «لاكان» نظرية الدال، لم يكن بمقدور المرء فهم كيف، من الناحية البيولوجية الخالصة،  تتحكم الرغبة في أكل لحوم البشر بشخص ما. ما الذي جرى حتى يصبح الفم آكلاً للحوم البشر، أو حتى آكلاً للحوم الأموات؟ كيف يمكن للبراز أن يعمل كسلاح؟ على هذا الصعيد، كان «الفنطازم» أعجوبة، إذ لم يكن يجري الحديث سوى عن «المراحل»: السادية، الشرجية، الفمية، والوحشية. لقد شرعنا، مع «لاكان» ، بإستخلاص هذه الآثار من واقعة أن فرد الغريزة مقبوض عليه من قبل الدال (.(signifiant في الحلقة الدراسية المخصصة «للرغبة وتأويلها»(١)، ربطَ «لاكان» الرغبة بالدال وذلك بتبيانه بأن اشباع الرغبة، هو أن يتم الإعتراف بها عند تأويلها. لقد ذهب إلى حدّ القول: الرغبة هي تأويلها.

لم أنذهل حينما سمعت ذلك، لأنه كان حاضراً من البداية كبرعم في تعليمه.

٭ آلان ديديه: هل تحتفظ بنوع من الذكريات عن المناخ الذي كان سائداً في تلك الحلقة الدراسية الخاصة، التي كان «لاكان» يعقدها في بيته، والتي كان من شخوصها البارزين، مثلما أظن، كل من «كلافرل»، «لوكلير»، «كرانوف»، الأب «بيرنيت» و«آنزيو»؟

مصطفى صفوان: كان هناك أيضاً كل من «مانوني»، السيدة «أوبري»، السيد «أمادوفلنسي» و«بيلونجر»، الذي أصبح مباشرة رئيس الجمعية الكندية، وكذلك زوجته، كان الحضور يتكون من عشرين شخصاً تقريباً. كان الجو، إذا جاز التعبير، مُضيافاً، فقد كان «لاكان» يطلب منا قراءة هذا الشيء أو ذاك، كذلك فقد كان يُكلف هذا الشخص أو ذاك بالتعقيب على صفحة ما من كتاب بعينه.

كانت حلقة دراسية أكثر من كونها، مثلما أصبحت فيما بعد عند البعض، مشهداً استعراضياً.

٭ آلان ديديه: في أي عام كان ذلك؟

مصطفى صفوان: في أعوام ٥١-٥٢ و٥٢-٥٣.

٭ آلان ديديه: بودي العودة ثانية لموضوع الأب الواقعي، الأب الرمزي والمتخيل، هل يمكنك أن تقول شيئاً أكثر في هذا الخصوص؟

مصطفى صفوان: إذا شئت، لا يشكل الأب الرمزي، في دقيق العبارة، أي أب، ذلك لأن إسم الأب هو ما يخلق نتائج المنع. واحدة من وظائف المنع هي خلق حرمان أصلي، انطلاقاً منه يجري توظيف  الرغبة باعتبارها ما يتمّ اكتشافه. أمّا الأب المُتخيل، فقد أُدخلَ من أجل تدعيم حواجز المنع: يمكن  الوصول إلى هذا الأب المُتخل والخاصي بفضل وسيلة التهديد الجائرة. أمّا فيما يتعلّق بالأب الواقعي،  فما هو سوى عامل، بمعنى أنه ذلك الشخص الذي ينبغي عليه تدعيم وظيفة الإسم، والذي لا بد من حضوره في لحظة بعينها من أجل وضع الولد في مكانه كابن، أي لوضعه ضمن تسلسل يرتبط بكل  ما ينطوي عليه ذلك من وعد، حتى وإن كان الولد الصغير، أو البنت الصغيرة يشعران بذلك الوعد، في تلك اللحظة، بمثابة  خسارة. إذ لا شيء يمنع من أن تكون البراعم الواعدة حاضرة من البدء.

وإذا لم يكشف الأب الواقعي عن نفسه، إذا أخلَ بوظيفته كعامل، فانه يجعل من الولد ضحيةً لهجومات  الأب المُتخيل.

٭ آلان ديديه: شعاع النور الذي تحدثتَ عنه قبل قليل، ألا يمكن أن يكون ناتجاً، من بين أشياء أخرى، عن تلك التصنيفات التي لم يشخصها فرويد، إلى حدّ بقيت فيه المقولات التي اشرنا عليها آنفاً مُلتبسة؟

مصطفى صفوان: هذا ممكن دون شك. لقد ترك فرويد، على ذلك الصعيد، العديد من المتعارضات.

فـ «الأنا»، على سبيل المثال، ظلت عنده وظيفة للواقع لكنها حُدّدت باعتبارها سطحاً في آن معاً، أي صورة. لكن على المرء أن يجزم: أما أنها صورة يمكنني عشقها، أي مادة بمقدورها استقطاب الليبدو عندي، أو انها وظيفة من وظائف الواقع. نعثر هنا على تعارض قام «لاكان» بحله.

كان هناك أيضاً تعارض يتعلـق بالنقلـة التحليليـة:  Le transfer الترانسفير هو محرك التحليل، وفي ذات الوقت المقاومة الأكبر لشخص المُحلل؛ كيف يمكننا إذن التوفيق بين هذين الجانبين؟

أمّا بخصوص الأبوة، ففرويد لا يراها إلا من زاوية التنافس، غير أن هذا لا يعني أخذ التهديد الإخصائي بعين الاعتبار. من الواضح أن الفرد الذي يعيش بوعي تهديد الخصاء سيكون مجنوناً. ولكي يُفسر التهديد الحاضر في اللاوعي، لجأ فرويد لفبركة أسطورة «التوتم والتابو» (.(Totem et tabou فأسطور أولئك الأبناء الذين قتلوا الأب تطرح مشكلة قامَ «لاكان» بحلها  أيضاً.  قد يقول المرء  بأن أهم ما فعله «لاكان» هو حله لتلك المتعارضات التي تركها لنا فرويد، شريطة أن نقوم  بدورنا بطرح مشكلات جديدة.

٭ فلورنس غراف: هل يمكنك تحدد ما تعنيه بـ«متعارضة الترانسفير» بصورة أكبر؟

مصطفى صفوان: ثمة وجهان للترانسفير: يمكن للمُحلّلْ، وهذا هو الوجه الأول، أن يتخذ من الترانسفير وسيلة للمقاومة، على أساس من أن نهاية عصابه النفسي تشكل جزءاً من عملية التحليل ذاتها. وهذا ما يؤدي إلى تحليلات لا نهاية، ولا مبرر لها سوى أنها قد بدأت.

الوجه الثاني: يكشف الترانسفير عن رغبة لا يمكن إشباعها، ذلك لأن الأمر يتعلق برغبة قائمة على فقدان لا علاقة له البتة مع فقدان موضوع الرغبة والذي يمكن العثور عليه عند مطلع أي شارع (في الماخور مثلاً) لكنه فقدان للكينونة. هذا الفقدان هو ما يوفر فرصةً للكلام.

أمّا من ناحية مادة الرغبة، فلها مدلولان مُتناقضان، حيال ذلك الفقدان: من ناحية، يمكن الاحتفاظ بها باعتبارها موضوعاً للحاجة -مثلما يحتفظ المرء بالفواكه لكي يصنع منها مربى؛ لكنه، من الناحية الثانية، يزيلها بذات الوقت، ذلك لأن المربى يعطيه مادة ما عادت موجودة.

عبر هذا المنظور، لم تعد مادة للإشباع، ولكن لتعويض الفقدان: علة الرغبة.

تتضمـــن اللغـــة الالمانيـــة مفــردة خاصـــــة، هـــي الـ Aufhebung والتي تَمزج بين دالين «الاحتفاظ بالشيء» و«حذفه».

٭ آلان ديديه: كذلك كان على «لاكان» احداث تطويرات في مفاهيم فرويد ضمن حقل الذهان . Psychose في حالة الرئيس شاريبر (Présedent Schreber)، لم يشخص فرويد وظيفة الأب في انطلاق الذهان. وهذا ما جعله يبرىء أب شاربير من مسؤولية جنون أبنه، مُدعياً بأن بارونويّا  (Paranoïa) هذا الأخير لا يمكن إرجاعها إلاّ للشذوذ الجنسي اللاواعي. ما هي في نظرك مساهمة «لاكان» عند هذه النقطة؟

مصطفى صفوان: في الواقع لم يكن أب الرئيس شرابير سوى منافس، بالمعنى الحاد للمفردة، لابنه، شخص لا يعرف غير اخضاع ابنه «لنظامه العسكري» الخاص، إلى حدّ التدخل في طريقته بالجلوس، بالمشي، والنوم... بمعنى ما، كان بمثابة «آغامنون» الذي يضحي بابنته «أفجيني»، أب هو في ذات الوقت basileus et tyranos ، ملك وطاغية. في مواجهة ذلك، ليس ثمة من وعد ولا مستقبل، إذ لا يحق للفرد هنا سوى تنظيم سلوكه على صور، مثلما  تفعل الحيوانات: أنحني أمام من هو الأقوى. أمّا عن دور الأم، فهو غاية في الأهمية: فعند نهاية المطاف، عندما يعمل الأب الواقعي باعتباره وكيلاً، فذلك لإسناد شيء ما في كلام الأم. فبالقدر الذي تصغي به الأم لكلام ذلك ثالث، بالقدر ذاته تجعل كلامه يرن.

٭ آلان ديديه: كان «لاكان»، مثلما قال لي هو ذلك، قد استنبط دالة اسم الأب (Nom-de Père) من الدين المسيحي، الذي يتحدث باسم الأب، ومن الدين اليهودي الذي يتحدث عن أب الاسم . (père du Nom) ما الذي يمكن أن يقوله محلل دنيوي عن ذلك؟

مصطفى صفوان: بالنسبة للفرد المسيحي هناك أب يحمل هذا الإسم- أب هو ليس أي أب، ما دام هو الرب نفسه: الله الأب- فيما لم يحتفظ «لاكان» من كل ذلك بشيء آخر غير الإسم: إسم الأب. وهذا دهاء كبير! ومن ثم فقد وضع نظرية تسعى للقول بأن للإسم تأثيراته. كل التأكيد الذي وضعه القرن العشرون على اللغة يعثر على مثيل له في هذا  التفكير.

٭ فلورنس غرافاس: هل يمكننا القول بأن «لاكان» كان فيلسوفاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هي الرؤية التي يتمتع بها عن الإنسان؟

مصطفى صفوان: الفيلسوف، من وجهة نظري الشخصية، لا يعلمنا الشيء الكثير باعتبارنا  محللين، لكن يمكنه أن يعيننا في بعض التمييزات التي يشخصها، ما بين الكينونة والوجود، مثلاً.

لم يكن «لاكان» فيلسوفاً، لكنه يتمتع بثقافة فلسفية لا يمكن الشك بها، وقد خولته الإرتكاز على تمييزات كتلك التي كان يقيمها ما بين الصفر والفراغ، أو فيما يتعلق بتجديد اشكالية اللانهائي (infini) انطلاقاً من لايبنتز . (Leibniz) لقد تمكن من استخدام تحصيله الفلسفي هذا لكي يواجه أشياء بعينها تحدث أثناء التحليل. لكني لا أعتقد بأنه كان فيلسوفاً، بمعنى امتلاك رؤية أخرى عن الإنسان والعالم.  كان همه الأساسي يتركز في اعطاء التجربة التحليلية وضوحاً أكبر واقامة ممارسة لا تكون علمانية بصورة مزيفة. كذلك لا يمكننا القول، بطريقة ما، بأن هدفه كان انتاج محللين يتحددون عبر الرغبة أكثر مما تحددهم المعرفة.

٭ فلورنس غرافاس: هل بإمكاننا الحديث عن تكوين للمحل النفسي، عن ايصال التحليل النفسي؟ ما الذي يميز موقف «لاكان» في هذا الموضوع؟

مصطفى صفوان: لا أريد هنا سرد كل تاريخ مؤسساتية التحليل النفسي، ولكن بشكل عام هناك مفهومان متناقضان لعملية التكوين: هناك «معهد التحليل النفسي» الذي يرى بأنه لكي يمارس المحلل النفسي عمله، عليه الحصول على موافقة من ذلك المعهد؛ لقد وقف «لاكان» الذي أسس المدرسة الفرويدية ضد تلك الرؤية، وقد طرح المبدأ الراديكالي التالي: لا ينبغي على المحلل الحصول على رخصة إلاّ من نفسه هو بالذات. لسوء الحظ، كان هذا قد خلق سوء فهم، لأن البعض أراد فهم ذلك على قاعدة «أنا حر».

على أية حال كان لذلك الطرح العواقب العملية التالية: عندما كان يتقدّم أحدهم من أجل الانضمام إلى  المدرسة الفرويدوية، حتى يصبح محللاً نفسياً، لم تكن تُعطى له قائمة من المدربين ليختار من بينهم، مثلما كان يحدث ذلك في المعهد: بإمكانه اختيار أي واحد يرغب بالعمل معه، وهو حر في اختياره. والأمر ذاته، إذا ما اراد الخضوع للامتحان.

ان خضوع المحلل للامتحان والمراقبة أمر ضروري، فالمرء لا يمكنه أن يكون محللاً بمجرد جلوسه على الكرسي: ان يكون محللاً نفسياً، فهذا ما يمكن التعرف عليه من خلال سلوكه، إذ لا ينبغي عليه  الرد على محلله واحدة بواحدة، كذلك لا يجب عليه، إذا ما عثر على بعض التناقضات عند هذا الأخير،  اغراقه بلجة من السخرية، فنحن لسنا في صالون عادي.  

صحيح كانت هناك حالات يجرأ فيها البعض على الاعلان: «أنا محلل نفسي وممارس في المدرسة الفرويدية» ومن ثم يكتفي بذلك دون الاكتراث بأي شيء آخر، أو احداث ضجة عظيمة. هذا النوع من الأشياء يحدث في كل الجمعيات الأكثر انضباطاً.

٭ آلان ديديه: محللك أنتَ هل كان شديد التأثر بتكوينه في معهد التحليل النفسي؟

مصطفى صفوان: عندما أفكر بأساليب مداخلاته معي، بالرغم من أن هذا يرتقي إلى ما هو أكثر من أربعين عاماً، أستطيع القول بأنه ضمن ذلك الخط من المحللين التابعين «لوفينشتاين» (Lowenstien)ضمن لغة المرحلة، كان التحليل يجري على السطح. كان يقوم بذلك بدماثة، لكن بمحدودية، لأنه كان يعمل بفضل الموروث، وليس الابداع: كان بالإمكان قطع درب معه يستغرق ثلاثة أو أربعة أعوام، ثم يتوقف المرء، لأنه لا يمكن الذهاب أبعد من هذا معه. إن أسلوب  ذلك الابداع كان يمكن تلخيصه بكلمة واحدة: لم يكن يقول لك سوى الأشياء التي تتوقع سماعها.

على العكس من هذا، ادخل «لاكان» أسلوب المُفاجأة.

٭ آلان ديديه: هل يمكننا الحديث عن العلاقة التي أقمتها ما بين معرفتك بـ«لاكان» المحلل و«لاكان» الإنسان؟

مصطفى صفوان: أعتقد عندما يعرف أحدهم شيئاً عن حياة إنسان فانه غير قادر على معرفة شيء عن ذلك الإنسان: على سبيل المثال، يمكنك أن تعرف بأن «كينز» (Keynes) قد تزوج من راقصة باليه، وفتح ناديا في كامبرج حيث لم يكن يشرب سوى الشمبانيا، ومن دون أن تعلم أي شيء عن الإنسان الذي وضع النظرية المالية. أنه لمن سوء المقادير أن يكتب المرء، مثلما فعلت «إليزابيث رودينسكو» (Elisabeth Roudinesco) كتاباً ضخماً عن حياة «لاكان» نرى فيه اسم «لاكان» في كل مكان، لكن لا شيء جرى التفكير به حقاً عن عمله.

في الحقيقة عندما نتعرض لأحدهم باعتباره محللاً، يمكننا، فجأةً، ادراك شيء  عنه: ما يُميز هذا  الإنسان هو ليس اختلافه عن الغير، ولكن مثلما قلت أنت قبل قليل على تساويه مع الغير . (autrui)كان «لاكان» يمزح بمبالغاته، اختلافاته، وحالات غروره، ومثلما تقول احدى بناته: «كان أبي لاعباً  يتسلى كثيرا». أعتقد أنه كان يلعب بامتيازاته بحرية أكبر، لأنها لم تكن تعني عنده أي شيء كان يعرف بأن القبعة، ومعطف الفرو هي غرور، أشياء نأمل بفضلها تزيين صورتنا؛ ولقد كان يلعب مع كل هذا بحرية أكبر لأنه كان يعرف ذلك. هنا، التقطتُ أنا شيئاً عن الرجل وأعتقد أنه كان سبباً كافياً لي للحاق به.

تأسست المدرسة الفرويدية في عام 1964، فيما كنت قد بدأت العمل معه منذ نهاية عام  ١٩٤٩، كان من خلفي ستة عشر عاماً من الممارسة العملية-كنت سلفاً عضواً في الجمعية الفرنسية للتحليل  النفسي. وبحكم قوة الأشياء، أصبحت معاوناً للاكان في مناقشة الطروحات، لكنه لم يعطني أي مكان في ادارة المدرسة. لقد غدوت متعاوناً معه، زميلاً له، ضمن ميدان آخر، سيما ذلك المتعلق  بتجربة الماضي. وتواصل عملي معه إلى يوم إغلاق المدرسة.

٭ آلان ديديه: أنت في الواقع واحد من اولئك الذين عاصروا جميع الانشقاقات، بما فيها حل المدرسة الفرويدية. كيف عشت تلك المواقف المتنوعة فيما بينها؟

مصطفى صفوان: بالنسبة للانشقاق الأول، كان هناك العديد من الطلاب الذي ساندوه، مثلما أشرت الى ذلك من قبل. لقد استولى علينا جميعاً حماس كبير، ولم يكن هناك من تردد، فالأمر كان واضحاً، لأنه معه وحده كان بمقدورنا تعلم شيء. أما فيما يتعلّق بالانشقاق الثاني، فكان أكثر صعوبةً : كانت علاقة «لاكان» مع بعض طلابه، مثل لابلانش (Laplanch) و«بونتاليس» (Pontalis)، تتسم بنوع من المطالبة وذلك ما أضر بتحليلهم. فالبعض منهم، وهم من أصدقائي،  قال لي: «كنا نفضل تحليلاً مُنتظما، بدلاً من هذه الترقية».

لقد كانت الفترة التي جرى فيها استنطاق المحللين الذين كانوا يعملون مع «لاكان» من قبل لجنة التحقيق مؤلمةً بالنسبة لي. لقد رأيتُ بأن الحق كان مع اولئك الذين كانوا يقولون بأنهم ما كان عليهم تحمل الطريقة  التي تمّ عبرها وضعهم في ذلك النزاع؛ من ناحية أخرى، كنت أرى، في ذات الوقت، بأنهم على خطأ  عندما كانوا يتحدثون عن حماس «لاكان» للتسلط: من الجلي، أن شيئاً من خصال ذلك الرجل كان قد فلتَ منهم. وهكذا، كنت مرغماً على الانفصال عن رفاق لي، مثل «سميرنوف» (Smirnof)، وأنا شديد الندم على ذلك، لأني كنت أحبهم كثيراً.

انطلاقاً من تلك اللحظة، بدأ «لاكان» يُخفف من غلواء حماسه بخصوص ما كان يمكن توقعه من طلابه.

 وعندما حلت قصة «الجواز» (le passe)، كانت هناك ردة الفعل المعروفة من جانب بيريه (Perrier)، «فالبريغا» (Valabrega)و«بييرا» (Pierra)، الذين غادروا لكي يؤسسوا المجموعة الرابعة  . (Quatrième groupe) كان ذلك أشد ايلاماً بالنسبة له، لانه ما كان موضوعاً على المحك عند هذه النقطة، هو ليس نبذ تعليم بعينه، ولكن واقع القبول أو عدمه بمعهد التحليل النفسي المبني على مبدأ آخر لا علاقة له ابداً بمبدأ أهمية، أو هيبة المحلل. أعتقد أنه في اللحظة التي انفصل بها مؤسسو المجموعة الرابعة عنه، لكي يعاودوا الانضمام إلى بنية مراتبية تقليدية - التي كانت مهدّدةً بـ«الجواز»-، في هذه اللحظة بالذات بدأ «لاكان» يخفف من حماسه حيال طلابه، ولربما ما عاد يأمل منهم أي شيء.  وفي تلك اللحظة أيضاً ذهب للتدريس في الـ «أيكول نورمال» (Ecole normale)، ببساطة من أجل متابعة تعليمه. ولم يخف إزدرائه بالمحللين. عند هذه النقطة، لم يكن بمقدوري الاتفاق معه.

٭ آلان ديديه: هل يمكنك ان تحدثنا عن قصة «الجواز» هذه؟

مصطفى صفوان: ينتج ضمن التحليل تحويراً في الاقتصاد اللبيدي  économie libidinale ،  يمكن أن يكشف عن نفسه على مستوى العلاقات الاجتماعية، أو العلاقة بالجنس الآخر. إذا كان التحليل مساراً ذا غاية، وليس نهاية، فهذا يعني بأنه نجح في تحويل الدافع. وهكذا يظهر، مع عملية التسامي هذه، موقف  ذاتي جديد: له علاقة أخرى بالثقافة، علاقة جديدة بالعمل الذي سيصبح أكثر فاعليةً، علاقة جديدة يكف فيها الشخص المُحللِ عن التقهقر إلى الوراء بالنسبة لوالديه، أو يكف، إذا كان هو الأب، عن الارتباط بطفله بعلاقة تراجعية.

بالنسبة لمصير الدافع هذا، كـان لتجربـة «الجـواز» (le passe) وجوه عديدة: أولاً كان الأمر يتعلق بتعلم شيء عن كيفية ظهور الرغبة التي قد تدفع بالشخص الذي يجري تحليله إلى أن يصبح هو نفسه مُحللاً.  إن امكانية التعليم هذه، الناتجة عن «التحول- إلى- محلل»، قد وضعت على السؤال المكانة التي يحتلها المحللون، وفقاً للنموذج القديم، تلك المكانة التي كانت تُحدّدها الأقدمية، طلعة المُحلل، طريقته في أخراج الكلمات.

٭ آلان ديديه: بعد هذا التجوال الذي استغرق أربعين عاماً في الوسط التحليلي، هل احتفظت بعلاقة عمل مع رفاقك الأوائل ومع زملاء مرحلة المدرسة الفرويدوية الباريسية (l'EFP) ؟

مصطفى صفوان: ضئيلة، لسوء الحظ. ومع ذلك، فأنا أتابع عن بعد، هكذا، أعمال. لدي فكرة عن تنظيرات «لابلانش»، «سمرنوف»، و«روسولاتو» ... (Rosolato) لكن العلاقات الشخصية قد انقطعت، فنحن لا يرى بعضنا البعض، مثلما يُقال، ما عدا «روسولاتو». في الوقت الحاضر، يمكن القول أن الأمسية التي تنظمها «مود مانوني» (Maud Mannoni) (٢) هي الفرصة الوحيدة التي يلتقي بها، مرة في العام، بعض الرفاق القدماء؛ من الممتع أن يرى المرء فيه الآخرين، لكننا سرعان ما نفترق.

الملاحظات:

٭ أُخذت هذه المحاورة عن كتاب «آلان ديديه فيّي»  Alain Didier-Weill حي لاكان»  Quartier Lacan  .

١- «جاك لاكان»  Jacques Lacan  «الرغبة وتأويلها» الحلقة الدراسية لعامي ٨٥٩١-٩٥، غير المنشورة.

٢- عندما أجريت هذه المقابلة، في عام 1994، كانت «مود مانوني» ((Maud Manoni (التي رحلت في عام 1998) المُنشطة الرئيسية لمركز التكوين والأبحاث التحليلية السيكولوجية ( (CFRP ، والذي انشطر إلى جناحين هما «المجال التحليلي» ومدرسة التحليل النفسي الفرويدية (SPF) فيما بعد.

 

 

تصميم الحاسب الشامل