قصيدة الاختلاف
عند الياس لحود(١)

 

  حمو بوشخار
كاتب من المغرب


لا نعلم أبدا أين تنتهي بنا القصيدة التي نفتحها، كباب، كنافذة، ككتاب أو جسد لتتنفس الهواء الذي يحيطها، دون أن يتمكن من الدخول، إلا بتراتيل مغلقة. حتى أن كل من ارتقى إلى أسرارها ونكث عهد ألا يرويها، أصيب بالعماء. والذات التي ستروي قصصها لا تلامس  إلا ما تبقى من بعد احتراق أشياء القصة، التي تهم القلب والصدر والوجه والفم؛ وهذه الأخيرة ذاتها يقيمها الشاعر كل مرة أيد، ولا تتوقف التحولات(٢) لان الأشياء ستأخذ مكان «جسدي»، سيقول. والذي لا يمكن فصله عن «بلادي».

تستند هذه القصيدة إلى عنوان يزخر بعمليات التحول كما خلفتها الأساطير التي نسجت حوله، يتعلق الأمر باسم طائر ، الفينيق (ص. ٩) فكان أن سرى في نص القصيدة عن آخرها. هكذا ينتهي إلى علمنا ان البلاد هي الجسد الذي نحمل قبلا وبعد ذلك. مادام  متواصل الامتداد.

التحول هذا ساعد على متابعة تنقلات تكرار حرف الدال الذي قلص من فيضانات السطر الشعري. وهو الأمر الذي يكشف عن إمعان في إخفاء للإيقاع السري الذي تزخر به القصيدة، تماما كالزمن الذي يقيم في «أعالي القصيدة».

حظ القصيدة وقدرها أن تنتج قولها المفارق، لأجل نبر حرمان ما،  يقول هذه الرغبة المجهضة. كان لقصيدة  البلدة أن نثرت خطوته الأولى مع «لم يذق حلو رماننا» والذي يتم إعلانه مرة أخرى  دون مواربة/ لا اشبع من وجهك، صوتك. قبل أن يعود كي يعلن شبعه من ثغرها. لكن الجملة الأخيرة من المقطع تقطع علينا هذا الفهم، الذي يستنجد بالواضح عكس لجوء الذات في هذه القصيدة  إلى اعتماد إبهامه حتى يستريح.أن يضع مفردة إبهامي ، قصيدة السرير، ص.٠١، بين مزدوجتين، يجعل المتلقي معلقا بدوره بوضع كل احتمالات المعنى الذي يختار. ولو أن في كل اختيار انتحار غير معلن.

تطلب الذات أن تعتق كي تتمكن  من الانطلاق والتحرر، وهي العمليات التي لا تتم ببساطة. كما في صورة العشب. فهو من جهة سيعمل الشاعر على تسريحها / الذات من خلال بوحه المندلع ( كلام الجدة، ص. ١٨) الذي يأخذ في النمو والخروج من الانقفال،  فقط أن العشب  كي ينجز  فعله هذا يقوم به عبر فعل الصلب . وليس بالتمزيق كما يفعل حين يتطور.

ثمة استحالة لتحقيق الرغبة تهيمن على جو القصائد لأنها  تعمل بنوع من التهريب. كما في حياة كل يوم. وهذا يظهر مع عمل  العشب . وسيظهر مع ولادة المرأة.إن مجرد التفكير في خلقها من ضلعه كفيل بان يجعل ميلادها استحالة. وهي النتيجة المتأخرة عن قصد رمى إلى إركاعها. اليوم أن «يعلنها امرأة مستحيلة» يكون يترجم الخيبة التي لم ينتظرها. لذا سيعمد إلى إرجاع  عقارب الساعة إلى نقطة  البداية، لانطلاق زمن جديد. سنقرأ في مطلع قصيدة الرجلص' (أنها ) لحظة الصفرص'(ص. ١٣).

النداء في قصيدة الشاعر الياس لحود، ليس قواعد يلزم الأخذ بها عن ظهر كلب كما قد ينطقها  دريدا، ليقول الاستظهار. النداء كصوت قد يصدر عن الأمكنة،  التي تحس الهجران، فجاءت دعوة ومناشدة الخلق/ صلوا خطوكم بالثرى، أو أن يمنحوا بدءهم للعصافير. النداء هذا هو عرس، لأنه يتضمن وقتا للغناء، كما قد تقوم بذلك النوافذ.

القصيدة تبدأ من الخروج على المعهود، بخيانة أفق ما يحفظه المتلقي، ومنحه لحظة إعادة اكتشاف سيدة الكرز، وهي تتفتق براعم في الجسد. ليبقي عن حق من منح الشعر هدف أن بروي منذ الأبد أرجاءه عن مهمته العملية(٣)

الأنثى شبه لازمة في نشيد الرجل. يكتبه الوقوع منذ الأزل. عندما نزعها من ضلعه كان ينزلها. بمعنى ما يرميها عنه. وكانت الخيبة. لأنه لن ينتهي منها. وان تشهد على الإطاحة التي عرفتها معه. «اسقط/ من/ عينيك»تقول له. لكن إلى «لا لونهما» الخالص. الأنثى تورط، كما تشي بذلك القصيدة. وبدلا من فسح المجال للجسد كي يتكلم، سيتم تسييجه بضروب من النصوص والقواعد. وإذا بلغ زمن، تدعو فيه المرأة إلى محاولة معاينتها بالملموس، من غير حاجة إلى زوايا نظر ضيقة فلكي تحرر الرجل من معاناته. ولها أن تنهض «دع عينيك/

دع نظارة عينيك على الطاولة العمياء/

وحدق في...»(التحديق حول.ص.٢٢).

الحب مفارقة. وهو بقدر ما يحلم به الجميع، الجميع يصل إلى تحقيقه بالفشل فيه. ولم يتم بعد إيجاد صفة أخرى لهذه المفارقة. الحب في السماء مأواه. وإذا بقي على هذا المستوى، فالخسائر محدودة، عكس نزوله إلى الأرض. الحب يصطدم بالواقع، فيلبسه إدربالن/ أسمالا. فيتمزق. وتكون الاحباطات. أن من ينزل «رجليه»لتطأ الأرض، مهدد بان يجد نفسه خريفيا. لذا سيكون الحب «امرأة مقفولة»(ص. ٨١.) و«وعلى مدى الحياة، كل (خسرانات) الحب متشابهة(٤)  ومع ذلك فالناس يتعاطون الحب، الذي لا يبصر لأنه ما يمكن العثور عليه. لتلفه ولعدم امتلاكه عنوانا يعرف به.

ليس في الحب سوى المفاجئ الذي لا يعرف قبليا. سيكون مجال الاشتباه بامتياز. المقطع التالي منتوف من قصيدة بعنوان «حب في اشبيلية»(ص،٩٢)

لا اعلم

هل أنت العين الزرقاء المفتوحة في عين الحساد نجوم

أم أنت الغيم المكتوم.

أم دمع قفار بصحارى.»

الحب مرة انبهار، لدينا نجوم، ومرة لغز، مع مكتوم، ومرة خيبة، لأنه يورث الدمع.

ثمة عفة في النظر إلى الجسد الأنثوي مارسها الديوان، حتى أن ذكر «النهدين»(ص، 126 ) لا يجيئان إلا مستورين بالكفين ربما جاءت كذلك خشية من أن تلحق بما هربه نزار قباني منها، ليكدسها في أشعاره.

القصيدة الشعرية عشق. وما سيحصل مع العشق يحدث للأولى، هي درب متواصل. العشاق من يرتادونه. وتساويهم في العشق، لا يعني تشابههم، لاستعصاء أشياء عن الوقوع بين أيديهم، تتحدد بعناقيد(ص، ٢٣) في القصيدة.الأمر الذي يزكي أن العشاق لا يدركون كل شيء، على غرار جملة كارل بوبر  عن المثقفين عندما ينعتهم بأنهم لا يعرفون شيئا/ ليس بمعنى الجهل.

«العمل الفني يعترض على كل تنقيل إلى وسيط آخر غير الذي يعود له»(٥) هذه الاستقلالية هي نفي لثقافة الوسيط، والنيابية. العمل لن يعثر عمن يعبر عنه بطريقة أفضل، سوى نفسه. لذا عندما نقف عند «شعوب تبنى بخرافات

ونوافذ مغلقة نائمة في الجدران»(ص،٢٦) فهي تغني عن كل تحليل.كي نعاين التزوير الذي تتعرض له الشعوب ويحكم عليها بالركوع لأداء ضرائب على قرض لم يستفيدوا منه. في هذا السياق يلزم عدم إعطاء أولوية للأسلاف، يكفي تذكرهم، وليس تحكيمهم في ما لم يحلموا به. إلى هذا الحد يمكن الأخذ ب«أسلافي تحت عظامي».

هذا اللا تطابق ينسحب  على تعريف للشعر أو القصيدة كما يحاول المحلل، دون أن يبلغ إلى حده.لكننا نلمس ذلك من خلال مقطع شعري حين يتحدث عن شيء . ما هو؟ - لا يمكن القبض عليه.لأننا نجدنا إزاء ما تخلف عن الاتصال. لذا قد يكون «قبل نقطتن كما قد «يعزف من لوركا أو ينزف»(ص،٣٣). وهذا التخريج قد يجد أصوله في بيت يذكر فيه «سقطت منا تحت العجلات قوافينا...» الشيء الذي  يعرضنا للأشباح الأصولية. التي أفزعت الرسام كي «يصرخ غويا ملء مدينته» _ص، ٣٤)

ديوان أيقونات توت العليق، للشاعر الياس لحود، يريد أن يشهد على التحول الذي مس الأشياء والناس؛ وبالخصوص على الحزن الذي يعمر القلوب. وهو إذا لم يسكرها حتما يكسرها، يثقلها، أو يشتتها. وللشاعر أن يشدد «ليس لنا غير اللمسات» كإصرار على حفظ صلة مع آخر القلاع التي لم تتضرر بعد من الحقل/ الناس. والذي يمكن أن يحيل إلى  صورة في آخر مراحل انجازها. وهي في انتظار اللمسات التي  ستمنحها كمالها، في انتظار كمال آخر.

الأيقونات في العنوان / الديوان،رسوم، لوحات، تتقدم بوضع  لمسات لطيفة. كالعناقيد، تحتاج عناية، وخاصة إذا تعلق الأمر بتوت. ويبقى العنوان المكون من كلمات ثلاث.أيقونات توت لعليق. أكثر سحرا . لأنه سيحيلنا على صنف أشجار طبيعية، يعرف انتشارا خاصا في لبنان، وفي رأس بيروت(٦) جعلها تحض بهذا التمييز، الذي رفعها أيقونة. سيجمع نص «عراء مقدس»(ص،٨٨) هذه العلامات دفعة وملتحمة مع ضمير المتكلم «أنا»

«أنا عليق فتوحي.

توت عناقيدي بيدها

تكسره محبرة محبرة

غطت فيه أصابعها

... بصمت فوق حطامي

رفعتني أيقونات...»

الأبواب التي ستعبر، مع الديوان، انطلاقا من فجر الباب، إلى باب الورد، إلى باب الدنيا المقلوع،هي ممرات غير مغطاة، بالهول الذي تتكئ عليه؛ سواء إذا اتجه إلى «مدن الملح» أو فكر في حادث الباب «المخلوع» .التي ستعني المنزوع وليس بالمعنى المغربي الذي يدل على الخوف.

الباب محكوم في حركته بالتأرجح. كالهبة، التي تلقي بها دون أن تعطيها. لاضطرار القابض على اعادتها(٧) الصعوبة المستشعرة مع الهبة أو الهدية، خبرنا بها الشاعر إذ كتب «الكتاب وجه مهدى / والإهداء ثمين  لا يهدى.»(ص،٣٥ )

كل عطاء يأخذ من النفس، يكون صعبا في التخلص منه. الهبة ستكون تواصلا، وحوارا يستند على الأخذ المتبادل. فالباب ماخوذ بين «أن يتسكر أو يتكسر»من قصيدة الخباز. لكنه يفشل. ويدشت فصل الخيبة التي يسجن فيها. ويبقى فرق بين الباب  والبوابة واردا، ما دام الأول يحاول التسلط، عكس البوابة التي تشبه كفا يلوح «لابن الرب» كعلامة  مساواة. وان يبقى التحطم والكسر مشتركهما.

ستعود مفردة الباب للظهور مرة ومرة، وان كان ورودها تحكمه سياقات وتصادفه، لتطلع صدفة؛ لكن الإلحاح في بروزها يشكل حالة شعرية غنية بالدلالات. وان كانت محكومة بالانسداد والانقفال على الآخرين. الباب سلطة قاهرة، عندما لا يوجد هناك من يفتح(ص، ٧٨).

الأبواب ليست كلها واضحة  ومميزة. فهي الأخرى تتعرض للتلف، الذي لا تنفع معه وجود سواريت لفتحها. لان الواحد قد يتكشف متنوعا.

«صرت مفاتيحي اسألها أبوابي من دون جواب.

كل مفاتيحي مفتاح يفتح أبوابي من بابي»ص، ٩٩.

فبتنوعه يصعب الاهتداء إليه ليبقى  مغلقا مع إتلاف المفاتيح/ السواريت جراء إهمال.

«أنسى في الداخل مفاتيحي

واسكر خلفي الأبواب.»

ليست المفاتيح وحدها من تسقط. الناس بدورها تسقط. الأولى تسقط بسهو؛ وأما الناس فبزلة؛ وارادة معمية. كما أثناء الحروب التي تفتك بالإخوة، قبل أن تتعدى إلى الغرباء..يصور نص «تفتا وفئران» موقفا هزليا؛ لان التجهيزات الحربية المستعملة من رماح وخيول ليست إلا من قصب.ولن تسفر سوى عن فراغ التبذير

المقاربات الشعرية التي اهتمت بتعريف الشعر ناولته من الجانب التقني. وبقي كل تعريف يقترح أداة مؤقتة تخص القراءة التي ألقت به. تعريف المحلل بمثابة استنتاج  بأخذ سلطته من  جملة المعطيات التي يستند إليها، إضافة لادعاء الموضوعية. ويكون الفشل..لان الذي يستطيع أن يعرف الشعر هو الشاعر وحده. فهو سيد الحدوس التي تخرقه ويستقبلها. لكن الاستهانة التي تلحق به، فوتت على تاريخ نقد الشعر أن ينتهي إلى وضع يده على الثمرة التي تعصر.

البيت القابع/

ان معبر وباب الشعر هو البيت.لكن البيت عدم لا يوجد فيه احد. سيمعن الشاعر في حضوره. وينتهي الى الفراغ الكامل. فالبيت «ليس هو الآخر في البيت»(ص، ٤١). فعن أي شيء يمكن المراهنة؟

بعد أن ظهر أن القصيدة لم تتحقق بالرغم من عمليات «السلخ» التي تعرضت لها على يد «المعلقين» من الشعراء، حكم عليها بالقبوع بما هو إقامة مهجورة. وهذا وصف شاعر. فقط أن البيت

القابع » تسكنه موكا/ البومة.

البحث في البيت  والذي أسفر عن عدم وجود كل من الوردة كإحالة على تعريف شاعر هو انجيليوس سيليسيوس (1624- 1677) (٨)  عندما قال ان الوردة بدون لماذا؛ وربما كانت التينة والزيتونة، مواد غذائية لزمن جاف. فأحيطوا بقدسية مفرطة. وإذا أردنا اقتفاء آثار  الإحالات التعريفية الأخرى لزمن توقيف النظر عند هذه النقطة سيفوتنا أن القيامة لن تزيد عن  حالة وجود تعقبها أخرى

إن القصيدة «الشكل الأول »(ص، ٤١) التي استرعت انتباهنا لم نأت على ذكر فصل بهجتها. وفيه تتكشف عن ما يشاكلها، واليكم المقطع.

«في البيت

حبة زيتون

بشرها جدي أن تعصر كل نهاية صيف

تنكة زيت.».

المقطع مبأر  على «تعصر»، فعليه مدار النص بعامة. لكن عند «نهاية صيف». أي لازمان معينة. وتعريف الشاعر بهذه الطريقة جاء ليزكي  ثانية قول ان «لعبة الفن يستحيل قبضها في تصور»(غادامير)(٩)

القصيدة في الديوان مقطع، مستقل بعنوان. لكن متصل مع مقطع معنون أو عار، على صفحة. القصيدة استقلال متواصل باستقلالات عدة. وهو ما أسس للقرابة بين السيدة وأخواتها» كما يؤشر عنوان  قبيلة قصائد، على طريقة «ثقوب النص المفتوح»(ص، ٦٠) التي يراها دريدا عبارة عن ابوريات.

الرفقة المطلوبة ، تكون بالجنون. وهي الطريقة الوحيدة لمصالحة ' الكوجيطو» الذي لا يستقيم مع السير إلى الأبناء بمعية الأنثى المهربة في صورة زوجة بلهاء_ص،٤٤) فالمرارة ستتبدى من خلال هذا الاتصال الذي سيكون له مع صاحب الكوجيطو(ديكارت)، والذي سيلم شظاياه ، في محاولة منه لتكريمه. فيما العزلة تتهدده، لأنه «وحيد» بل و«وليمة».

وحدته ستمنحه امتياز أن يقف على صوت «حطام» ذاته، وهي تهوي في البئر التي ليس لها نفس القاع بالنسبة للجميع. وكي نرى الذات نفسها مدعوة للخروج منها. أن تجرب الآخر الذي ستقيم فيه ومعه الشيء الذي سيسمح بالكشف عن جلال الذات.

«ما أجمل وجهك يا

وجهي

ما أبهجه

ما أوسعه...»(ص، ٥١).

وهي الصفات  المكبوتة/ لتنهيدة سابقا. قبل أن يتفتق البحر عن حبر الحب. وإذا نعتت القصيدة بـ«نقطة فجر» فهي تحلم  بميلاد صعب وناذر، ما دامت القصيدة لا تستند في تصورها سوى على «كفاية وحدتها بذاتها»(١٠)

الكتابة كعمل الفصول. محو في محو. وجميع المراحل التي  تعبرها تتطلب «قوة مستقلة»(١١) فكي يجرف 'تشرين» الأوراق لكنسها، فالريح ستكون قوة كي تنجز عملها في عمل ما قام به «أيلول» حين أوقعها أرضا. وضحايا. والكتابة بمحوها لا تقوم سوى بالتحويل. ويلزم أن لا يرى للاستثناء كعمل هين؛ يستطيع كل من هب القيام به. فهو يعتمد إيقاعا ، سلبيا أو ايجابيا، يمكث منتجا. أن يلتقط الوقائع المشتركة والعامة كي يخرجها لنا جماليا.

نلمس هذه الانتاجات حين يرينا وجها «مصفد..»(ص، ٧٢) يطل من التلفاز أمامه. أو حين يظهر له ان «برج الناس» (ص،٦٧) غير سوي. فيتواصل الإجحاف ليطال إنسان العصور الحديثة، في البلدان المتخمة بالهتك؛ وتترتب عن ذلك الخواء الذي  يعلن «ساحات المدن الخاملة الجوفاء»(ص،٦٢).

استعمال الشاعر اللغة يجعله محط مراقبة؛ لأنه وحده يثير الانتباه؛ من كل الخلق الذين يتواجهون بالأصوات كل يوم، ويأخذونها  على علتها من غير  التفات إلى مرحلة التمطط التي بلغتها . والكلمة في ذاتها محدودة ، ولا تتقوى أو تتجرأ على الاختراق إلا في صحبة. وأما وهي معزولة ، فلن تثير سوى التشفي الذي يضج من التعليق التالي.

«مسكين هذا الشاعر

يستعمل لفظة مرحاض»(ص، 127)

الكلمة التي يستعملها الشاعر ولو بدت مبتذلة في حياة كل يوم، تنال، حظها الخلاق، عندما تسقط تحت تصرفه. وكي تتضح المكانة التي صارت لها، سنوردها في المقطع المعني والذي جاء المقطع السابق كتعليق. يقول.

«...تجول

ثم تبول في مرحاض قرب الليموزين

توضأ...»

إن العلاقة الحالية هي التي منحتها هذه المنزلة المفارقة. والتي أثارت الرد الذي نقلناه. وهي العلاقة التي تتحكم في كل تعريف محتمل للقصيدة أو الشاعر. ما دامت ستشكل حالة انزياح عن وجه الانعكاس الذي ارتمى فيه ميشونيك، عندما جعل القصيدة «شكل حياة يحول شكل لغة، و وشكل لغة تحول شكل حياة»(١٢)  

ما ان تتشكل جينات نص، لا يعود للنص من قوة كي يوقف نموه، تحوله. النص استراحة. عندما يتوقف، فلكي يسترجع أنفاسه. سيره ليس منقطعا حتى في غياب الذي وقعه. انه منذورا للترحال. والإلقاء به بعيدا. لذا  يعتبر النص أفقا قلقا.

في نص سابق من مجموعة سيناريو الأرجوان، لالياس لحود، كان قد خصه لشاعر راحل/ بلند الحيدري، ينتهي.

«ما أوجعه هذا العالم

خذ قر...قر..قر...قرصا للنوم

يا سعدي»(ص، ٦١)

نفس المقطع بعد أن تكرر في القصيدة، يختمها باستثناء جملة النداء. النص يتقطر وجعا ، من الحالة التي يرى عليها الوضع في البلاد التي عانت من «عصا بغداد»(ص، ٩٣). وهذا هو عنوان النص المتمم للنص الذي يتصل به. والتي أوصلت إلى تمايز مطبق ترتب عنه «بلاد في/قعر/ بلاد» . من دون أن ينتهي الصراع والتقاتل إلا إلى الحرائق التي تترك «رمادا» يغطي بغداد وعصاها.

لكن المعارك لا يمكن أن تحقق مكاسب آنية. الحرب نزيف. ومن  «يتعكز على قراه»(ص، ١١٣) يستحيل اعتباره انه يتنزه، لان فعله ذلك يفترض حدا أدنى من الوضوح. وهو ما لا يستقيم مع انتشار العتمات..

هنا ستتكفل  ذات القصيدة على غرار الفاعل السياسي أو الفاعل الاقتصادي، فيما يذهب هنري ميشونيك، بمهمة تغيير العادات. والذات المعنية  هنا هي ذات ادونيس.

«ينحت في الأنحاء قرى ومطاحن

يرسم أودية ومخافر

كانت~سوق قدامى~ لمعاطف جند افلوا

جبل شيخ مشتاق

ينده فيه ادونيس العتمات

اتسحب من أعلاه وتتلى شلالات شقائق.»

فيما الزمن كان يتسلل، في عزلة، لقد خفت الاندفاع واختير الاحتماء، لتأمل البلاد.

«اوديل الحوذي ٭ المطعون بمعصرتين وعشر زنابق سود٭

هل دقت  بلادك في الكأس...

العمر شريد لمس الحائط يمشي.»

يقع التبئير في المتوالية الأخيرة من المقطع المذكور على الوحدة. فالماشي الشريد يواجه نفسه لا غير. التزامه/ كي ارضع أطفالي/، لا تمنعه من أن يجد ذاته وحيدا. فهو لا يتوهم أن ينجح في تعميم النور. نصيبه موتى ؛ نلمس وجودهم  في /عندي قمصان  من قتلى../(ص،١١٩).

تجربة القتل / الموت، لا توفر روحه. واللغز المحير أن هذه التصفية أتت من يده. لا يتعلق الأمر هنا بانتحار؛ فيده لها صلة بالمحيط الذي يعيش فيه والذي تآمر عليه. «عاجلني سيفي في كبدي/ ورماني مقتولا وحدي».فكرة الإسراع  في تنفيذ المؤامرة، هي طريقة لتفادي التردد. فالشك إذا حضر قد لا يقود إلى خنق الأرواح. القتل جزء من القوة التي يحيا المرء بها في الحياة. لذا كان يجد نفسه مطروحا بعد أن لعبه السيف الذي يعود له.فالسيف كقوة،  يلزم ألا يفكر احد أن ينتمي له. انه بطش.(رماني مقتولا)،من هنا التحذير الذي ألقاه فوكو مرة (لا تعشقوا السلطة).

صلابة النص. «انبهام قول شعري متخبط غير آتية من عدم تحديده... وإنما من الصلابة الوحيدة من نوعها التي للكلام»(١٣). ويكون للغموض بالتالي في القصيدة الشعرية قوة تحريرية من ثقل الحقيقة كما يتم تصريفها في علم المعرفة. الانبهام كاللحم «عمق سطحي» والذهاب إلى معانقته «شكل من الحرية»(١٤) إذا ما قاد إلى القبض على العمر الدائم في لحظة(ص،123). والاختراق الذي نصادفه في قصائد الشاعر متصل مع الموت الذي يخيم نصوص الديوان. هنا قمصان، وهنا «صورة مطعونة لبيار باولو بازوليني» ما تزال تتكلم في الكاميرا.

القصيدة اليوم صنعت شانها من خلال اعتنائها بنفسها، بنقدها لنفسها وكذا تقديمها لنفسها من دون جلبة.وبذلك تقدم نفسها قصيدة ما بعد حداثية؛ غير معنية بالعبودية التي مارسها الشعر على المبدع، عندما جعلته «يعمل عتالا للشعر» وقادته إلى نوع من الانفصام، حين قاد فمه إلى ممارسة أكثر من حرفة. «نهارا يستخدم للنقل وليلا يستعمل مرآب» وهو الفرق الذي ميز منذ زمن بين لغة الشعر واللغة اليومية.

القصيدة بانكشافها هذا تتجه كي «لا تلبث في مكان بأسماء ولا في كلمات . إنها ملقاة على الطرقات وفي الحقول، شيء ما وراء اللغات.. وإذ تعتقد أنها تحتمي تنفقد»(١٥) والقصائد إذ تتقدم لنا بمحاولة  تفادي دفع الكتابة للكلام، كي تصير ذات «موضوع  تعبيري»(١٦) يكون هذا العمل للشاعر إلياس لحود خطوة حاسمة لكتابة قصيدة الاختلاف التي تسمي الشعر. والذي لا يمكن إلا أن يكتب من طرف احد ما، وليس من قبل مجموعكما يرى لوتريامو.( ١٧)

الهوامش

١- إلياس لحود. أيقونات توت العليق. الفارابي.ط ١ .2007. الأرقام التي سترد داخل النص ستحيل على هذه الطبعة.

٢-  Marcelin  PLEYNET  la poésie doi t avoir pour but...in Théorie de l'ensemble. Seuil 1967. p 124. الجسد لا يتوقف عن إعادة الفعل.

٣- م س ، ص١١١.

٤- R. Barthes: fragments d'un discours amoureux, Cérès.1996.p.18.

٥- - j. Grondin  l'espoir de Gadamer , www.philo.montreal.ca/p rof/jea ngrondin.html

٦- إلياس لحود ، كتابات معاصرة،ع ٦٢. ص،٨

٧- Mauss: Essai sur le don. ENAG.1989.p, 29.

٨- هيدغر. مبدأ العلة.تر. نظير جاهل، مج.١٩٩١، ص،٤١.

٩- عن الوقع السالف  play festival and ritual  J. Grondin  .

١٠-EPIPHANIO san Juan. The art of Oscar wilde puf. 1967. pm 48.

١١-ibidm p 34.

١٢-  h. Meschonnic   problèmes de la poésie française contemporaine conférence du 29.mars 2002. ENS.

١٣- Françoise Dastur, Heidegger et Trakl : le site occidental et le voyage poétique, Noesis, N7 La philosophie du XXe siècle et le défi poétique.

١٤- Michael Hardt-L'exposition de la chair chez Pasolini

Mise en ligne le jeudi 5 mai 2005. Multitudes. web.

١٥- Jacques Derrida:Che cos'è la poesia Poesia, I, 11, novembre 1988

١٦- باربارا ريتمر: الأنماط الثقافية للعنف.تر.م.ي عمران، عالم المعرفة.ع 337.(ص204.)

١٧-  .351 ,p ,elbmesne'l ed eiroéht ni  j-l Baudry  Freud et la création littéraire


تصميم الحاسب الشامل