شخصيـة النبـي محمد  في الشـعر العربـي بين القديم والجديد

 

نجمــــــة حجّـــــار


شكّلت شخصيـة النبـي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) منذ بدايات الدعوة الإسلاميـة محورًا هامـًا للشـعر العربـي، أعرق الفنـون العربيـة.  وكانت شخصيـة الرسـول دائمـًا موضوعـًا اسـاسـيًا لأحد أهمّ الأنواع الشـعريـة العربيـة، وهو الشـعر الدينـي الذي يتناول موضوعات مثل الوحدانيـة والعشق الإلـهي ومدح النبـي وآل بيته.  وإذا كانت بدايات مديـح النبـي تعود الى أوائل سنوات الهجرة، فإن هذا الفـنّ تطوّر على يد عدد من الشـعراء على مـرّ العصور الإسلاميـة حتـى أصبح اليوم فنـًا قائمـًا بذاته له خصائصه وطرقه.  وغدا المديـح النبـوي يشكّل أحد أهمّ الفنـون في المجتمعات الإسلاميـة الحديثـة.

نجمــــــة حجّـــــار 

باحثة وأكاديمية من لبنان تقيم في استراليا

يعالج هذا البحث (وهو واحد من سلسلة أبحاث أعدّها في هذا المجال) أهميـة المديـح النبـوي في الشـعر العربـي.  ويتتبّـع بشكل خاص تطوّر شخصيـة النبـي في شـعر المديـح في الإطار التاريخي والسياسي والإجتماعي على ثلاث مراحل: المرحلة التأسيسيـة في العصر النبـوي مع التركيـز على «بـردة كعب»، والمرحلة الوسـيطة مع التركيـز على«بـردة البوصيـري» والإلتفات الى مساهمة عائشـة الباعونيّـة كشـاعرة متخصّصـة في المديـح النبـوي، وأخيـرًا المرحلة الحديثـة.

يقول ابن خلدون (ت سنة ٨٠٨ هـ / 1406 مـ) «إن فـنّ الشـعر من بين الكلام كان شريفـًا عند العرب ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأخبارهم».(١) والشـعر هو التعبيـر الإبداعي الأوّل عن تجربة العرب الإنفعاليـة والفكريـة والثقافيـة قبل الإسـلام.  وبالتالي أصبح الشـعر العربـي أوّل الفنـون الإسلاميـة ليس فقط لأن العرب شكّلوا النواة الأولـى للمجتمع الإسـلامي، ولكن ايضـًا بسبب الدور الذي لعبه الشـعر في بدايات الدعوة الإسلاميـة، وفي نشر لغة الإسـلام والثقافة العربيـة الإسلاميـة في العصور اللاحقة.

تعود بدايات المديـح النبـوي في الأصل الى الجدال التاريخي الذي نشأ بين شـعراء من قريش الذين تجنّدوا للدفاع عن الزعامة القرشيـة المناهضة لدعوة الإسـلام من جهة، والنبـي محمد (ص) وصحابته من جهة ثانية.  فالرسـول ما كان شـاعرًا وما قال شـعرا.  ولكن الحملات العدائيـة الشـعريـة، وتقديره لتأثيـر الشـعر والشـعراء في المجتمع الجاهلي، جعلت الرسـول يستعين بشـعراء المسلمين للردّ على حملات اعدائه بسلاح الشـعر نفسه.  ومن المعروف أنّ الرسـول كان «يتعهّد» هؤلاء الشـعراء «بالعناية والرعاية، فيرفع من مكانتهم ويفضّلهم في العطاء، وذلك لأهميـة الدور الذي كانوا يقومون به في دحض دعاوى مشركي مكة وشـعرائهم.(٢)

في هذا السياق تطوّر فـنّ المديـح النبـوي في الشـعر العربـي، أوّلاً على يد هؤلاء الشـعراء الذين دافعوا عن الإسـلام ورسـوله.  وكان منهم حسّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، ومن النساء ميمونة بنت عبد الله البلويـة،(٣) ولكن لا نعرف إذا قالت شـعرًا في مدح النبـي.  من أوّل الذين مدحوا الرسـول في شـعرهم حسّان بن ثابت.  كان من الشـعراء البارزين في الجاهليـة، فلما دخل الإسـلام بدأ ينشد شـعرا يمدح فيه الرسـول ويهجو أعداءه فسمّي لذلك بـ«شـاعر الرسـول». ولكن مقارنة بشـعره الجاهلي، أعتُبـر شـعر حسّان الإسـلامي أقلَّ إبداعـًا، وأكثرَ ليونة (برأي الأصمعي)، خاصة انـه بعد دخوله الإسـلام كان يتقيّد بحدود الدين ويتجنّب التعبير عن أيّ نزعة خاصة تتعارض مع العقيدة الإسلاميـة. (٤)  

عملت شخصيـة الرسـول وتعاليمه وتوجيهاته للشـعراء على تثبيت القيم الدينيـة الجديدة في شـعرهم، إضافة الى المثل الأخلاقيـة المألوفة من العصر الجاهلي التـي أقرّها الإسـلام في القـرآن وسـنّة النبـي.  فخفّت أو اختفت لهجة الهجاء والمديـح والفخر القبلي في الشـعر الإسـلامي الجديد الى حدّ كبير.  ولكن يبدو أنّ الشـعراء وجدوا في شخصيـة الرسـول وتسامحه وفي هدايته الروحيـة متنفَّسـًا جديدًا لطاقة المديـح المتأصّلة فيهم.  فأتى مديـحهم للنبـي تعويضـًا عن مديـحهم في الجاهليـة واستمرارًا له، إن لم يكن في منحاه الدينـي فعلى الأقلّ في بنائه الفنّـي والكثير من موضوعاته.  ورغم التحفّظ، وأحيانـًا الغضب، الذي كان يبديه الرسـول على بعض شـعر الإعتذار والمديـح بسبب الفخر الذاتـي وضعف الروح الدينيـة فيه(٥) فإنّ شـعر تلك الفترة شكّل البدايات الأولى والتأسيسيـة لفـنّ المديـح النبـوي الذي تطوّر على مـرّ العصور الإسلاميـة متّخذًا من شـعر تلك المرحلة نموذجـًا ومثـالاً.

 بـردة النبـي وتأصـيل المديـح

من أهمّ قصـائد المديـح النبـوي في المرحلة التأسيسيـة، من المنظور التاريخي، هي لاميّـة كعب بن زهيـر بن أبـي سلمى ومطلعها:

«بانَت سُـعادُ فَقَلبـي اليومَ مَتبولُ

                مُتَيَّـمٌ إثـرَها لم يُفدَ مَكبول».

وهي التـي اشتهرت باسـم«بانَت سُـعاد» لكنها عُرفت ايضـًا باسـم «البـردة» لأن النبـي وهب كعبـًا بـردته حين مدحه بهذه القصيدة.  وتعد من أشـهر قصـائد الشـعر العربـي حتـى قيل «لا يكاد ناطق بالضاد لا يسمع بـها».(٦) وفي ما يخص موضوعنا، تكتسب «بـردة» كعب أهميتها ليس فقط من الظروف التاريخيـة التـي أنتجتها، ولكن ايضـًا من حيث أصالتها والأثـر الذي تركته في شـعر المديـح النبـوي حتـى غدت بذاتـها تقليدًا يتبعه الشـعراء موضوعيـًا وفنيـًا.

والمعروف أنّ كعبـًا كان قد هجا النبـي والمسلمين في قصـائد لاذعة فأهدر الرسـول دمه.  وبعد فتح مكة أتى كعب مجلسَ الرسـول في المدينة تائبـًا، معتذرًا، ومُسلِمـًا ثم أنشده قصيدته.  ويقول الرواة انـه لـما وصل كعب الى قوله: «إنَّ الرسـولَ لَنـورٌ يُستَضـاءُ بِـهِ 

                مُهَنَّـدٌ مِن سُيـوفِ اللهِ مَسلـول»

عفا عنه الرسـول «ورمى ببـردته على كتفيه هبة منه له.»(٧)

ومن جملة ما قاله كعب في لاميّتـه:(٨)

نُبِّئـتُ أنَّ رَسـولَ اللهِ أَوعَـدَنـي

        والعَفـوُ عِندَ رَسـولِ اللهِ مَأمـولُ

مَهلاً هَـداكَ الذي أَعطـاكَ نافِلةَ الـ

        قُـرآنِ فيـها مَواعيـظٌ وَتَفصيـلُ

لا تَأخُذَنّـي بِأَقـوالِ الوُشـاةِ وَلـمَ

        أُذنِب وَلَو كَثُـرَت فِـيَّ الأَقاويـلُ

إنَّ الرسـولَ لَنـورٌ يُستَضـاءُ بِـهِ

        مُهَنَّـدٌ مِن سُيـوفِ اللهِ مَسلـولُ

ونلاحظ أنّ مديـح كعب للنبـي استغرق أبياتـًا قليلة من القصيدة وكان واحدًا من جملة مواضيع عالجها الشـاعر.  فقد استهلّ الشـاعر قصيدته بمطلع الغزل على عادة شـعراء العصر (ثلاثة عشر بيتـًا)، ثمّ انتقل الى وصف الناقة الذي شغل المساحة الشعريـة الأكبـر في القصيدة (واحد وعشرين بيتـًا)، وبعدها تخلَّص الى المديـح (أربعة أبيات)، وأخيرًا مدح النبـي بثلاثة عشر بيتـًا والمهاجرين القرشيين (دون الأنصـار) بسبعة أبيات.  وما يلفت النظر طبعـًا ليس فقط صغر المساحة التـي يشغلها مديـح النبـي، وهو الغرض الذي من أجله أنشئت القصيدة، ولكن ايضـًا قلّـة الإشـارات للرسـالة الجديدة.  ففي القصيدة، على طولها، عبارات معدودة مثل «رسـول الله» و«أسـلموا» و«نافلة القـرآن».

ورغم انـه ليس في بنية قصيدة «بانت سـعاد» عناصر جديدة، إلاّ أنّ أهمّ ما فيها فيما يتعلّق بموضوعنا انـها تتضمّن الإشـارة الى أنّ القـرآن هو عطيـة الله لرسـوله، وأنّ الرسـول «نـور يستضاء به»، وسيف من «سيـوف الله»، والى أنّ «العفو» عنده «مأمـول.»  وإن كان العفو والسيف، والمقصود بالسيف هنا البطولة والشجاعة والنخوة والمروءة والدفاع عن الحق، كلّـها من الصفات الإنسانيـة المعروفة قبل الإسـلام والتـي كان يعتزّ بـها العرب.  وما يميّـز هذا المديـح أنّ صاحبه، أي النبـي، الذي عُرف بسعة الخلق والحلم والرحمة إنّما حباه الله بـهذه الصفات الحميدة.  فعفوه مأمـول لانـه مأذون به من عند الله.  وقد زاده القـرآن حين أُنزل عليه سكينةً رسوليـة، وجعله مُـزيلاً للخوف واليأس وباعثـًا للرجـاء والأمـل.  

لا شكّ أنّ هذه الإشـارات على قلّـتها، نظـرًا لقرب العهد بالإسـلام ولجـدّة إسـلام كعب بالذات، في غاية الأهميـة إذا اعتبـرناها من المنظـور التاريخـي والإجتماعـي.  فهي وإن دلّت على سطحيـة معرفـة الشـاعر بالإسـلام، إنّما تـدلّ ايضـًا على النظـرة التـي كانت سـائدة يومها الى النبـي، كإنسـان مَيَّـزه الله فجعله رسـوله وحاملاً نور هدايتـه لعصبته (لأهلـه وهنا قريش).  ولـهذا اقتصـر مديـح الشـاعر على الصفات المعهـودة للنبـي، وهي صفاتـه الإنسـانيـة والرسـوليـة، ولم يتعـدّاهـا الى إضفـاء أو «ابتـداع» صفات أخرى جديدة كالصفات الروحانيـة أو القدسـية التـي أضفـاها عليه المدّاحـون في العصـور اللاحقـة.

رغم انـها قيلت في مديـح النبـي وبعد أن أعلن الشـاعر إسـلامه، إلاّ أنّ «بـردة كعب» تبقى قصيدة «جاهليـة» من حيث التقليد والاتباعيـة، وطبيعة بنائها الشـعري، ومن حيث حركتها الداخليـة وإيقاعها الغنائي، وغناها بالتشابيه والصور الماديـة (مثلاً تشبيه النبـي بالأسد).  ولكن أَهمّ ما يميّـز «بانت سـعاد» عن سائر شـعر المدح عامة، والمديـح النبـوي خاصة، الذي سبقها على قلّته أو الذي قيل من بعدها، هو ذلك الارتباط العضوي بين القصيدة وقصـة شـاعرها من جهة، والدلالة التاريخيـة للقصيدة من جهة أخرى.  فالقصيدة تجلو لنا طرفـًا من أخلاق النبـي وتضعنا في أجواء العصر الذي عاش فيه كل من المادح والممدوح.  بلجوئه إليه فقط تأكّد للشـاعر أنّ النبـي حليم، واسـع الرحـمة وكريـم. وبمدحه إيّـاه خبـر استعداده للاستماع إليه بصدر رحب وقبولـه في عـداد المسلمين رغم الإسـاءة التـي سبق للشـاعر أن بادره بـها.  وفوق هذا كلّـه تبيّـن له بحـقّ كـرم النبـي وجـوده، وهو طبعًـا كـرم أخلاقي معنوي أكثر مما هو مادي، عندما منحه بـردته.  

من جهة ثانية، تعيد القصيدة، وقصتها، خلق الظروف الإجتماعيـة والسياسيـة التـي دفعت بالرسـول الى إهدار دم الشـاعر ومن ثمّ العفو عنه.  وكشاهد حيّ على تلك الفترة التاريخيـة الهامّـة، فإنّ القصيدة وثيقة شاهدة على البيئة العامة التـي نشأ فيها الدين الجديد والطريق الذي سلكته الدعوة الإسلاميـة في بداياتها.  كما انـها تضيء جوانب هامّـة من السياسة السمحة المتفهّمة والمنفتحة التـي اتّبعها الرسـول في نشر دعوته بين العرب.  

يقول أدونيس عن القصيدة الجاهليـة انـها «شـعر ممتزج بقدر الإنسان ومصيره، وأيّـامه وأشيائه الأليفة: شـعر شخصي، لكنّه لجميع الأشخاص.»(٩)  ولا تخرج قصيدة كعب عن هذا المفهوم.  ولكن هذا لا يفقدها قيمتها الفنيـة والتاريخيـة كقصيدة مخضرمة وكباكورة الفنـون الإسلاميـة.  لانـها مع «جاهليّتهـا» من الناحية الفنيـة تبقى أكثر شـعر المديـح النبـوي أصالة واستمراريـة، ليس لنوعيـة أو حجم المديـح الذي تضمّنته كما سبق وبيّنـا، ولكن لكونها من أوائل المدائـح التـي أُنشدت في حضرة النبـي نفسه، وللأثـر الذي تركته على الممدوح والمادح والمدّاحين منذ حوالي أربعة عشر قرنـًا.  أُعجب النبـي بالمديـح فلم يكتفِ بمنح مادحه حياة زمنيـة جديدة، بل وهبه بَرَكـة لما بعد ذلك عندما ألقى عليه بـردته، مع كل ما ترمـز اليه «بـردة النبـي» في المجالين الدينـي والدنيوي.(10)  وبرأيـي أنّ ارتباط «بانت سـعاد» بالبـردة النبويـة هو الذي أعطى هذه القصيدة قيمتها وجعلها تقليدًا شـعريـًا استمرّ في فـنّ المديـح النبـوي منذ ذلك التاريخ على الأقل في قصيدتين مدحيّتيـن مشهورتين حملتا نفس الاسم: «بـردة البوصيـري» و«نـهج البـردة» لشـوقي. ١١

البـردة بين كعب والبوصيـري

«بـردة البوصيـري» نظمها الشـاعر محمد بن سعيد بن حمّاد الصنهاجي البوصيـري (ت في الاسكندريـة بين 694-٦٩٦ هـ / 1249-1297 مـ) تحت عنوان «الكواكب الدريـة في مدح خيـر البريـة».  ولا شكّ انـها أهمّ القصـائد التـي استوحت قصيدة كعب، أو ربّما «جـو» القصيدة، إذا لم نـرد القول انـها محاكاة لـ«بـردة كعب» و«تجربة مستبطنة» عنها.(12)  وقد غلب اسم «البـردة» على قصيدة البوصيـري بالذات لتمييزها عن قصيدة كعب التـي اشتهرت أكثر باسم «بانت سـعاد».  

كان البوصيـري واحدًا من أهم المتصوّفة المصريين في عصره.(13) واشـتهر بكونـه خطّاطـًا احترف النسخ وفقيهـًا عالمـًا بالحديث النبـوي وقارئـًا مُجيـدًا للقرآن الكريم.  (وأنا أعتقد أن لتجويده القـرآن علاقة وثيقة بإنشاد قصـائده المدحيـة، خاصة البـردة التـي كأنّـما كتبت من أجل الإنشاد.)(14) لكن اسـمه ارتبط بالشـعر وبشكل خاص بالمديـح النبـوي حتـى اعتبـر «من الشـعراء الذين مثّلوا تطـوّرًا بارزًا في الاتّجاه الدينـي» ضمن الحركة الأدبيـة والفكريـة التـي نشطت في عهد المماليك في مصر والشام، وعهد التتـر - المغـول في العراق منذ أواسط القرن الثالث عشر ميلادي.(15)  

تمعّن البوصيـري بالسيرة النبـويـة وأفرغ طاقتة الشعريـة ومعرفته الدقيقة بأخبار النبـي وصفاته في قصـائد مطوّلة وقفها على مدح النبـي وآل البيت والصحابة، كانت «البـردة» أهمّها على الإطلاق، إن لم تكن أطولها (160 بيتـًا).  وهي القصيدة التـي «خلّدت اسـمه».(16)  نظم البوصيـري «بـردته» بعد حوالي ستمائة سنة من عصر النبـوّة ومن زمن قصيدة البـردة الأولى أو الأصليـة لكعب بن زهيـر.  وقد اشتهرت «بـردة البوصيـري» دون غيرها من قصـائده في مدح النبـي بسبب ما رواه الشـاعر نفسه عن انـه نظمها بعد أن أُصيب بفالج، فاستشفع بها الى الله وكرّر إنشادها ودعا وتوسّل للنبـي.  ثم رأى النبـي في منامه يمسح وجهه بيده المباركة ويلقي عليه بـردة، فشفي من مرضه.  لهذا عُرفت ايضـًا بـ«البَـرأة»، وذاع صيتهـا على انـها «تُقرأ لتفريج الشدائد وتيسيـر كل أمر عسيـر كما يقول المتحمّسون لها من مريدي الشـاعر والمؤمنين بقصيدته.»  وقد غالـى بعض المتحّمسين فيها فجعلوا لأبياتـها بركـة خاصة وما زالت الى اليوم تستعمل في الـرُّقى وتنشد عند المدافن.(17)

يرى الدكتور زكي مبارك صاحب كتاب المدائـح النبـويـة في الأدب العربـي أنّ البوصيـري هو الذي «ابتكر هذا النوع أو هو الذي بسطه وأطال فيه القصيدة» وأنّ «البـردة» هي «أوّل قصيدة قيّمة في مدح الرسـول.»  ومع تقديره لقيمتها المدحيـة، يشكّك مبارك في القيمة التاريخيـة والعلميـة لقصّة - أو «حكاية» - البـردة البوصيـريـة ويُدرجها في جملة «وساوس المتأخّـرين»، وينتقد ما ذكره بعض الشـرّاح من أن لكل بيت من أبياتـها فائدة معيّنة كالأمان من الفقر ومن الطاعون على انـه نوع قديم «من الغفلة.»(18)  

لا شكّ انـه مهما اختلفت وجهات النظر الى قصة «البـردة» البوصيـرية - من ناحية التشكيك أو الصدق على عكس قصّة «البـردة الأصليـة» لكعب - فانـه لا يمكن البحث في موضوع المديـح النبـوي في الشـعر والغناء العربـي في العصر الحديث دون اعتبار مكانة البوصيـري وقصيدة «البـردة» بالذات.  في دراسة لـي موسّعة عن بدايات المديـح النبـوي، أسلوبه وغايته، حاولت تتبّـع المنهج أو الأسلوب الذي سلكه البوصيـري في «البـردة» للوصول الى غايته من المديـح.(19) وهنا أكتفي بالإشارة الى بعض النقاط التـي تخصّ موضوع هذا البحث.  صيغت «بـردة البوصيـري» على وزن وقافية وروي قصيدة «هل نار ليلـى بدت ليلا» للشـاعر الصوفي المشهور عمر بن الفارض (ت في القاهرة سنة 632 هـ / 1234 مـ).

يقول ابن الفارض في مطلع قصيدته:(20)

هل نـارُ لَيلى بَدَت لَيلاً بِذي سَلَـمِ

        أَم بارِقٌ لاحَ في الـزَّوراءِ فالعَلَـمِ

  ويستهل البوصيـري «قصيدة البـردة» كما يلي:

أَمِـن تَذَكُّـرِ جيـرانٍ بِذي سَلَـمِ

        مَزَجتَ دَمعـًا جَرى مِن مُقلةٍ بِـدَمِ

أَم هَبَّـتِ الريحُ مِن تِلقـاءِ كاظِمـةٍ

        وَأَومَضَ البَـرقُ في الظَّلماءِ مِن إضَمِ

ليس هناك أدنى شكّ بالقرابة العروضيـة والموسيقيـة وأوجه الشبه في بعض المعانـي وأسماء الأمكنة بين قصيدة ابن الفارض و«بـردة البوصيـري» و«نـهج البـردة» لشوقي، كما أشار اليها فاروق شوشة.(21)  ولكن قصيدة ابن الفارض، على ما فيها من حب وشوق للمواضع المرتبطة بسيـرة النبـي ومناسك الحج، ليست مدحـًا للنبـي بالمعنـى التقليدي من حيث انـه تعداد لصفات الرسـول - خَلقه وأخلاقه - وتمجيد لرسالته والدفاع عنهما.  تدخل قصيدة «هل نار ليلـى بدت ليلا»، وقصـائد أخرى لابن الفارض كـ«التائيـة الكبـرى» و«ترنيمة الحب»،(٢٢) في باب الأناشيد الصوفيـة والعشق الإلـهي، خاصة إذا قرأنا شـعره قـراءة صوفيـة وفهمنا عشق الشـاعر لليلـى على انـه عشق روحي، و«ليلـى» عند الصوفيين رمز للجمال الإلـهي.(23) ولذلك لا يمكن إدراجها في فـنّ المديـح النبـوي بسبب غياب المديـح المباشـر للرسـول، واحتجاب الممدوح خلف الرموز الصوفيـة المكثَّفـة.  وهذا ما دفعنـي الى اعتبار «بـردة البوصيـري» امتدادًا لـ«بـردة كعب» بن زهيـر ليس فقط في الغرض الأسـاسي من نظم القصيدة، وهو مديـح النبـي لاكتساب رضاه وشفاعته، ولكن ايضـًا في الطريق - أو الأسلوب - الذي سلكه الشـاعر للوصول الى غرضه.

البوصيـري بين التصوّف والإيمان الشعبـي

يستهلّ البوصيـري قصيدته، كما فعل ابن الفارض وكعب بن زهيـر قبله، بشكوى الحبّ والردّ على اللائميـن.  والسائد أنّ البوصيـري ابتدأ قصيدته بمطلع الغزل الكلاسيكي من باب «المحاكاة والتقليد» الشـعري للعادة العربيـة القديمة في افتتاح الشـعر بالتشبيب والنسيب.(24) وبرأيي أنّ الشـاعر اعتمد العمود الشـعري للقصيدة (مطلع الغزل ووحدة البيت والوزن والقافية والروي) ليس فقط من باب التقليد الذي اتبّعه معظم الشـعراء العرب حتـى العقود الأولى من القرن العشرين، ولكن ايضـًا والأهمّ ابتغاء للأصـالة.  وهذه تتحقّق بالعودة الى الأصل الشـعري والدينـي، وكلاهما هنا مرتبط عضويـًا بالآخر.  فإذا كان التقرّب من الرسـول هو الغاية من المديـح، فالعودة الى حضرة النبـي تفترض خلق جـوّ شـعري شبيـه بالجـوّ الذي عاش فيه شـعراء الإسـلام الأوائل الذين مدحـوا النبـي ونالوا رضـاه وبالأخص صاحب البـردة الأصليـة كعب بن زهيـر.  هكذا كانت العموديـة الشعريـة التقليديـة الأسـلوب الأكثـر أصـالة، لانـه الأقـرب للوصـول الى الغاية من المديـح. وهذا برأيـي ما يجعل ابتداء البوصيـري بـ«الغـزل» و«النسيب» امتـدادًا للبدايات المدحيـة الأولى وإن كنت أرى أنّ غـزله - وهو على الأصحّ في حب النبـي - يقترب من روحانيـة ابن الفارض الصوفـي أكثر من دنيويـة غـزل كعب الجاهلي (أو المخضرم).

مِمّا قاله البوصيـري في مدح الرسـول:  

مُحَمَّـدٌ سَيِّـدُ الكَونَيـنِ والثَّقَلـ

        ينِ والفَريقَينِ مِن عُـربٍ ومِن عَجَـمِ

هُـوَ الحبيبُ الذي تُرجـى شَفاعَتُـهُ

        لِكُـلِّ هَولٍ منَ الاهـوالِ مُقتَحِـمِ

فـاقَ النبـيينَ في خَلـقٍ وَفي خُلُـقٍ

        وَلَـم يُدانـوهُ في عِلـمٍ ولا كَـرَمِ

وَكُلُّهُـم مِـن رَسـولِ اللهِ مُلتَمِسٌ

        غَـرفًا مِنَ البَحرِ أَو رَشفـًا مِنَ الدِّيَمِ

فَهـوَ الذي تَـمَّ مَعنـاهُ وَصورتُـهُ

        ثُـمَّ اصطَفـاهُ حَبيبـًا بارئُ النَّسَـم

مُنَـزَّهٌ عَـن شَـريكٍ في مَحاسِـنِه

        فَجَوهَـرُ الحُسنِ فيـهِ غَيـرُ مُقتَسِمِ

فَمَبلَـغُ العِلـمِ فيـهِ انـه بَشَــرٌ

        وَانـه خَيــرُ خَلــقِ اللهِ كُلِّهِـمِ

كَفـاكَ بِالعِلـمِ في الأُمِّـيِّ مُعجِـزةً

        في الجاهِليـة وَالتَّـأديبِ فـي اليُتُـمِ

وفي قصيدته يُشيد البوصيـري بصفات الرسـول وشـمائله الخلقيـة (المدح المباشـر)، ويتغنّـى بمولد النبـي ومعجزاته ومنها هداية القـرآن، وبإسرائـه ومعراجه وجهاده، ثم يتوسّل الى النبـي ويتشفّع، ويختتم قصيدته بالمناجاة والتضرّع وعرض الحاجات والصلاة على النبـي والترضّي عن الخلفاء الراشدين الأربعة وآل البيت والصحابة والتابعين من أهل التقى.  

في «قـراءة ثانيـة» لبـردة البوصيـري للكشف عمّا فيها من الأبعاد الصوفيـة (دراسة لي قيد النشر)، ناقشت كيف أنّ الشـاعر يرفع النبـي محمد الى منـزلة تقترب جـدًّا من مرتبة الألـوهة، ولكن دون أن تبلغها، ودون أن يتوحّد النبـي عنده بالله كما عند بعض الصوفيـة.  فالنبـي عنده بشـر مخلوق، وإن كان يعتقد انـه مخلوق واحد غير منقسم منـزّه عن أن يكون له أي شريك في محاسنه.  وهو خيـر خلق الله كلهم، فاق سائر البشر وجميع الانبياء في خلقه وخلقه وعلمه وكرمه. ميلاده هـزّ العالم وزعزع عروش الظلم، فسطع نوره في الكون حقـًّا وفرحـًا للعالمين.  ونزل عليه القـرآن، ذروة المعجزات، آيـات حق من الرحمن، قديمة أزليـة قدم الزمان.  ومعجزات النبـي تجلّت أيضًا في سيرته بكل دقائقها، في أميّته وفقره، وفي دعوته ورسالته وهجرته، واسرائه ومعراجه فوق متـن البـراق الذي ارتقى به الى منـزلة أقرب لله من قاب قوسين.

ومع أنّ البوصيـري يردّ عن النبـي صفة الألوهـة في البـردة، فانـه يذهب في اعتقاده بمثاليـة النبـي وبتمام «معناه وصورته» - أو كماله - الى حدّ القول انـه أوّل الخلائق، بل انـه السبب والغاية من الخلق الكونـي، كما قال بعض الصوفيـة، وإنّ النبـي محمد أوّل نـور إلـهي وهو نـور الأنـوار، وهي المسألة التـي عبّـر عنها سهل التُستَري (ت سنة 823 هـ / 896 مـ) بفكرة «النور المحمدي».(25)  

وتجدر الإشارة الى أنّ البوصيـري لم يصل في شـعره المدحي الى عمق المستوى الفكري والفلسفي الذي وصل اليه بعض الصوفيـة الذين عاصرهم كمحي الدين ابن عربـي مثلاً (ت سنة 638 هـ / 1240مـ) في نظريـة «الإنسان الكامل» وحلول العـزّة الإلـهيـة في شخص النبـي-الإنسان، أو «الحقيقة المحمديـة» و«الكلمة المحمديـة».(26) ورغم أنّ البوصيـري قال بتفوّق النبـي محمد وكماله وقِدَمه، وأكّد على أنّ النبـي ملاذه الوحيد، على غيـر ما ورد في حرفيـة النصّ القرآنـي، بقيت صورة النبـي عنده قريبة للصورة البشريـة المعروفة في الإسـلام التقليدي والإسـلام الشعبـي.  

أقول الإسـلام الشعبـي لأن حبّ البوصيـري للنبـي، وهو أهم ما في مديحه، لا يقوده بالضرورة الى بلوغ الحبّ الإلـهي (كما عند ابن الفارض)، وما كانت غايته الإتحاد بالذات الإلـهية من خلال «الفـناء في الرسـول» (أو «التصوّف المحمدي» كما عند ابن عربـي ومن جاء بعده من المتصوّفين).  بل بقي حبّه للنبـي أقرب الى المستوى الشعبـي «للتصوّف المحمدي». وقد تطوّر التصوّف الشعبـي منذ أواخـر القـرن الخامس هجري (الحـادي عشر ميلادي) الى نوع من «التقديس» بلغ درجة قريبة جـدًّا من العبادة والتأليـه، واتّخذ شـكلاً مميّـزًا في احتفالات المـولد النبـوي في 12 ربيع الأوّل من كل سنة (الشهر الثالث من السنة القمريـة).  وكانت هذه الاحتفالات مناسبة للمؤمنين لإظهار حبّهم العميق للنبـي في صلوات وأشعار وأناشيد وأغنيات يؤكّدون فيها إيـمانـهم ورجاءهم وثقتهم بنعمة النبـي وتوسّله لإنقاذهم وخلاصهم يوم القيامة.  وقصيدة البـردة للبوصيـري أول وأهمّ المدائح التـي نظمت في هذه الفترة وكانت تنشد بمناسبة المولد النبـوي في حلقات الذكر الصوفيـة والاحتفالات الشعبيـة.(27) ولا شك أن ارتباطها بالمولد النبـوي من أهم العوامل التـي ساهمت في شعبيتها وانتشارها منذ عهدها الأوّل ليس فقط في أوساط المهتمّين بالأدب والمتصوّفين ولكن ايضـًا في الأوساط الشعبيـة.(28)  

«الحبّ النبـوي» إذن هو الأساس الكامن وراء «بـردة البوصيـري» وهو ما يميّـزها عن «بـردة كعب»، لأن كعب في الأساس مدح النبـي لا حبـًّا به بل خوفـًا منه، وإن كان صادقـًا في مديحـه إلا أنّ صدقه نابع من الرهبة وهذه ليست حـبًّا.  من هذه الوجهة اختلفت نظرة البوصيـري الى النبـي محمد الذي - كما جاء في البـردة - اصطفاه الله ليكون رجاء لمحبّيـه وليصلوا بواسطته الى الله.  وحبّ النبـي هو الواسطة أو الوسيلة التـي تجيز للشـاعر التوسّـل اليه ليشفع له أمام الحضرة الإلـهيـة، ويزيد من رجاء الشـاعر بشفاعة النبـي انـه سـميّه.  

ولكن مهما بالغ البوصيـري في تقدير المحبوب و«تقديسه» حتـى العبادة، لم يكن حبّـه مجـرّدًا عن الغايـة أو الكسب المعنوي أو المحسوس، بالأخص إذا صدّقنا حكاية البـردة التـي نظمها الشـاعر في الأساس لغاية الشفاء.  وهكذا وإن كان مديـح البوصيـري صادرًا عن حبّ (قد يكون صادقـًا) ففي غايتـه لا يختلف كثيـرًا عن كعب بن زهيـر الذي ابتغى من مديحه البقاء في الحياة الدنيا، ولا يختلف عن غيـره من شـعراء المسلمين الأوائـل الذين كانوا يمدحون النبـي عن حبّ وولاء له ولكنهم كانوا يرجون من المديـح كسب بـركة النبـي في حياته والنعمة في الحياة الآخـرة.  وبهذا يعود مديـح البوصيـري الى «بدايـات» المديـح النبـوي في «الغايـة والأسـلوب»، حيث يطمح البوصيـري الى الاقتراب من الأصل الشـعري والدينـي.

  بـردة البوصيـري في ميزان النقد الحديث

نوّه الكثيرون بـ«بـردة البوصيـري» التـي شغلت الشرّاح والمفسرين والنقاد (في العالم الإسـلامي وخارجه) منذ عهدها الأوّل.(29) وفي العصر الحديث، بالاضافة الى الدراسـات المتخصّصة، لا تخلو مجموعة شـعريـة أو كتاب أو دراسة عن الشـعر العربـي خاصة الشـعر الدينـي من التطرّق الى البـردة البوصيـريـة.(30) وقد زاد من انتشارها، وانتشار أخبارها والتعليقات عليها، تطوّر وسائل الإتصال الحديثة فلا تخلو اليوم أي من شبكات الانترنت الدوليـة الهامّـة للمعلومات الإسلاميـة من نصّ لها أو تعليق عليها أو دراسة أو تسجيل صوتـي لإنشادها.

وفيما يخص فـنّ المديـح النبـوي والإنشاد الدينـي على العموم، تحتلّ مدائـح البوصيـري مركز الريادة على الأقل من حيث الشهرة والتداول إن لم يكن من حيث القيمة الفنيـة والجماليـة والفكريـة.  في مقالة بعنوان «الإمام البوصيـري . . . رائد المدائـح النبـويـة» نشرتها أون لاين نت، وهي من أهمّ الشبكات الدوليـة للمعلومات الإسلاميـة، كتب سمير حلبـي أنّ مدائـح البوصيـري «ذاعت شهرتها في الآفاق، وتميّـزت بروحها العذبة وعاطفتها الصادقة، وروعة معانيها، وجمال تصويرها، ودقّـة ألفاظها، وحسن سبكها، وبراعة نظمها؛ فكانت بحقّ مدرسة لشـعراء المدائـح النبـويـة من بعده، ومثالاً يحتذيه الشـعراء . . . فظهرت قصـائد عديدة في فـنّ المدائـح النبويـة، أمتعت عقل ووجدان ملايين المسلمين على مرّ العصور، ولكنها كانت دائمـًا تشهد بريادة الإمام البوصيـري وأستاذيتـه لهذا الفـنّ بلا منازع.»(31)

تقابل هذه النظرة التبجيليـة مواقف انتقاديـة حادة ومآخذ على مديـح البوصيـري كان للبـردة النصيب الأكبر منها خاصة بسبب الشك بصحّة حكايتها - وربّما ايضـًا بسبب الشهرة التـي نالتها دون غيرها من قصـائد المديـح النبـوي.  وقد تبارى النقّـاد في تفـنّيد مآخذهم الفنيـة والعقائدية - أو «العقديـة» كما سـمّاها البعض - على البـردة.  وتنافس المدافعون في الردّ عليهم.(32)  ولا نبالغ إذا اعتقدنا أنّ العمليـة النقديـة بالذات - النقد والردّ على النقد والردّ على الردّ - كما تداولتها وسائل النشر والتواصل العصرية هي التـي ساهمت في ازدياد شهرة البـردة - أو إحيائها وعصرنتها - وانتشارها في كافة أنحاء العالم الإسـلامي اليوم.  حتـى أنّ أكثر مواقع الانترنت الإسلاميـة مثلاً تنشر نصّ «البـردة» والنقد عليها أو الـردّ على النقد أحيانـًا بغضّ النظر عن الموقف العقائدي للموقع - وأحيانـًا عن جهل لمضمون المقال أو طبيعة النقد!

تراوحت «انتقادات الانترنت» العقائدية بين اتهام الشـاعر بـ«المبالغة» و«الغلـو» و«الشطح الصوفـي» في مديـح النبـي، وصولاً الى إسقاط ورفض «البـردة» كاملة كقصيدة مدحيـة ووصفها بـ«الشركيـة الكفريـة» واتّهـام الشـاعر بالشـرك والكفـر بسببها.(٣٣)  وتمحورت أكثر مآخذ النقاّد على قول البوصيـري إن الأنبياء السابقين أخذوا علمهم عن النبـي محمد، ومسألة التماس الشـاعر واستجارته والاستغاثة بالنبـي دون الله، واعتقاده بأن الدنيا بمن فيها لم تخلق إلاّ من أجل النبـي.   وقد عدّ قوله:

«وَكَيفَ تَدعو الى الدُّنيا ضَرورةُ مَن

         لَولاهُ لَم تَخرُجِ الدُّنيا مِنَ العَدَم»

من باب «الغلو الشنيع» في حق النبـي الذي نحا فيه البوصيـري نحو «غيره من غلاة الصوفيـة».(34)

مهما اختلفت الآراء حول مديـح البوصيـري للنبـي فلا بـدّ أن ننظـر اليه ليس فقط من الجانب الدينـي - الإيمانـي أو العقائدي، ولكن ايضـًا على انـه نتاج مرحلة تاريخيـة معيّنة وانـه صادر عن معاناة إنسانيـة فرديـة للواقع الإجتماعـي والسياسي والثقافـي (أو الفكـري والدينـي) الذي عاش فيه الشـاعر.  يجب ألا يغيب عن بالنا الحرمان المادي الذي عاشه البوصيـري على المستوى الشخصي الفردي والعائلي،(35) والواقع المأزوم الذي عاصره نتيجة الكوارث الطبيعية (حرائق وفيضانات وجوع وأمراض) والنكبات التـي أصيب بها العالم الإسـلامي بعد الحروب الصليبية والإجتياح المغولي.  ولا يغيب عن بالنا ايضـًا تطوّر الحركة الصوفيـة التـي ساهم فيها البوصيـري في إطار السياق الراهن للمجتمعات الإسلاميـة آنذاك.  وكما يقول عالم الإسـلاميّات محمد أركون، «الصوفيـة مثلها مثل الدين في مجمله مرتبطة بالنظام الثقافي والسياسي الذي تتجلّى داخله.»(36)  في هذه الفترة كان التصوّف الإسـلامي قد أخذ منحى سلوكيـًا طرائقيـًا، وتحوّل الى تقاليد وطقوس شكلية تطغى على الجانب الفكري الفلسفي، ولعبت الطرق الصوفيـة دورًا هامـًا وخطيـرًا في عملية «التخديـر الاجتماعي»، كما يقول حسين مروة.(37)  

فإذا اخذنا بعين الإعتبار «الأزمة» التـي عاشها البوصيـري ومن جاءوا بعده، والموقف شبه العاجز للمسلمين، شعوبـًا وحكامـًا، في مواجهة هذه الأزمات، يمكننا أن نفهم جانبـًا من الخلفيـة الفكريـة لقصيدة البـردة.  ويمكننا أيضًا أن نفهم أساس الأوهام والحكايات التـي صاحبتها، بدءًا بحكايـة نظمها وصولاً الى تقاليد إنشادها وتلقّيها، فنحكم بالتالي ليس على قيمتها الفنيـة أو الدينيـة فحسب ولكن ايضـًا على الحالة الإنفعاليـة والشعوريـة التـي أنتجت القصيدة ونتجت عنها.  ويمكن كذلك أن نحكم على قيمة البـردة بناء على الحالة النفسيـة أو الروحانيـة التـي يثيرها المديـح النبـوي عند الشـاعر والمنشدين والمتلقّيـن معـًا.  فاذا صدّقنا حكاية البـردة يكون مديح النبـي قد أثار عند الشـاعر شعورًا بالإرتياح والسعادة أو حالة من «البسط» النفسي والروحي ساعدته على الشفاء الجسدي.  وكأن البـردة التـي ألقاها النبـي عند سماعه المديـح على كتفي الشـاعر (في رؤياه أو المنام) أنعشت روح الشـاعر وأثارت الدفء في أوصاله فـ«انبسطت»، وانبعثت الحياة في جسده أو جزئه المفلوج.  

و«حالة البسط» الروحي من الحالات الصوفيـة الهامـّة التـي أوحت لكثيرين ممن أسكرهم العشق الإلـهي بشـعر نقلوا بواسطته حالة النشوة عندهم الى الآخرين فرأوا الكون بأكمله في ضوء جديد عبر هذا الشـعر.(38)  وقد تكون «حالة البسط» هذه هي التـي أوحت للبوصيـري بنظم قصيدته في بداية المسار.  وهي ايضـًا الغاية الأولى التـي يرجوها المنشدون والمتلقّون من المديـح النبـوي في مرحلة ما من مسيرتهم الروحانيـة.  وهنا، ضمن إطار العبادة الصوفيـة والشعبيـة، ندخل في مفهوم الوسيلة أو الشفاعة بحيث تصبح بركة البـردة هي الوسيلة التـي بها يستشفع المؤمنون النبـي للتواصل مع الله عن طريق الإنشاد والسماع.  

المديـح النبـوي ما بعد البـردة

نالت بـردة البوصيـري اهتمامـًا لم تنله أي قصيدة مدحيـة أخرى في الأوساط الفكريـة والصوفيـة والشعبيـة، وخاصة عند علماء اللغة والشـعراء الذين توالوا على شرحها والتعليق عليها والنظم على منوالها، وكأنّهم بذلك يتبـرّكون بها.  ويذكرنا الاهتمام، أو التبـرُّك بالبـردة عند الشـعراء والمؤلفين المسلمين باهتمام الفنّانين المسيحيين برسم صورة السيّدة العذراء المبتهلة أو العذراء والطفل يسوع، حيث نجد في فـنّ الرسم البيزنطي وفـنّ عصر النهضة في أوروبا مثلاً النموذج الواحد يتكرّر عند عدد من الفنّانين في مرحلة ما من حياتهم التدريبيـة وكذلك عندما ينطلقون في رحلة الإبداع الفنّـي.(39)  على أنّ إبداع الفنّانين المسيحيين تشكيل بصري في حين أنّ إبداع الشـعراء والشرّاح المسلمين رسم بالكلمات.

والملفت للنظر فيما يخص بـردة البوصيـري أن بعض الشرّاح والشـعراء الذين أعجبوا بها وتتبّعوا أثرها لم يُعرفوا أساسـًا في جملة اللغويين أو الشـعراء.  من هؤلاء مثلاً ابن خلدون الذي اقترن اسـمه في العصر الحديث بالتأريخ وعلم الاجتماع والإبداع في الفكر العربـي والإسـلامي.  اهتمّ ابن خلدون بالبـردة منذ دراسته الأولى في تونس على أستاذ كان قد شرح البـردة.(40) ثمّ شرحها ابن خلدون بدوره «شرحـًا بديعـًا»، كما قال المقَّري التلمسانـي،(41) وقدّمها لتيمورلنك كجزء من هديـة له عندما التقى به في دمشق على رأس وفد للتفاوض في الصلح.( ٤٢)  

وربّما تكون بـردة البوصيـري ايضـًا هي التـي أوحت لابن خلدون بخوض تجربة الشـعر فنظم إحدى أولى قصـائده في المديـح النبـوي، وأنشدها سلطان المغرب أبي سالم بمدينة فاس ليلة المولد النبـوي سنة 763 هـ / 1362م(43)  وتبعـًا للتقليد الذي جرت عليه «المولِـديّات» (قصـائد المديـح التـي تنظم بمناسبة المولد النبـوي)،(٤٤) استوحى ابن خلدون «بـردة البوصيـري» (و«بـردة كعب») فاستهلّ «مولِديّـته» بمطلع النسيب

«أَسـرَفـنَ في هَجـري وَفي تَعذيبـي

        وَأطَلـنَ مَوقِفَ عَبرَتـي وَنَحيبـي»،

وتخلّص الى مديح النبـي ثم الى مدح السلطان والدعاء له.  بالاضافة الى حب النبـي والشوق الى أماكن الحضرة النبـويـة والدعاء «للحبيب» لانـه «خيـر مدعو» و«مجيب»، في القصيدة إشارات الى مسائل فكريـة كمعجزة القرآن وكمال النبـي وحقيقة النبـوّة المحمديـة.  والنبـوّة عنده «آيـة» من آيـات الله والسرّ الإلـهي العجيب الدائم ابدًا الذي تجلّـى في شخص النبـي.  وهذه من الأبعاد الصوفيـة الهامة لا سيما أن ابن خلدون كان له توجّه صوفـي في مرحلة ما من حياته، كما يبدو من كتابه شفاء السائل.(45)

والجدير بالذكر أن ابن خلدون، الكاتب المرسِل، كان يجد «استصعابـًا . . . في نظم الشـعر»، على حدّ قوله.(46) وكأنـه بمناسبة المولد النبـوي «أخذ» نفسه بالشـعر ونظم مولديّتـه في مدح النبـي من باب التبـرّك.  وبذا يكون المديـح الشـعري، كما عند المدّاحين الذين سبقوه، أسلوبه للوصول الى غاية.  وغاية ابن خلدون من التبـرّك بالمولد النبـوي ربّما تكون الاستئذان من السلطان (وهذه غاية زمنيـة) لأداء فريضة الحج (وهذه غاية روحيـة).  وكأنـه بمديح النبـي يسعى الى خلق الأجواء الروحانيـة الملائمة كجزء من «تهيئة أسباب الحج» الذي كان يرجو القيام به ولم يتمّ له إلا سنة ٧٩٧ هـ / 1394 مـ (أي بعد حوالي ثلاثين سنة من مدحته).( ٤٧)

لابن خلدون مدائح أخرى أنشدها سلطان غرناطة في الأندلس ليلة المولد النبـوي التـي كان يحتفل فيها آنذاك (سنة 765 هـ / 1363 مـ) بـ«الدعوة وإنشاد الشـعر اقتداء بملوك المغرب.»(48) هذه الاحتفالات التـي ابتدأت في مصر أيّـام الخلفاء الفاطميّيـن في القرن الرابع الهجري / العاشر ميلادي بشكل احتفالات رسميـة في «البلاط»، أصبحت ظاهرة شعبيـة مميّـزة خاصة في القرن السادس الهجري / الثانـي عشر ميلادي. وكان «للمولديّات» الشعريـة وإنشادها دلالة خاصة ليس فقط في الاحتفالات الشعبيـة والصوفيـة التـي بلغت أوجها في القرن السابع الهجري / الثالث عشر ميلادي (في زمن البوصيـري و«بـردته» من المدائح التـي تتمتّع بمكانة مميّزة في احتفالات المولد النبـوي)، ولكن أيضًا في الاحتفالات التـي كانت تقام في بلاطات الملوك والأمراء والسلاطين في أنحاء العالم الإسـلامي ويشارك فيها كبار الموظفين كجزء من مهماتهم الرسميـة.  ويمكن أن ندخل مولديّـات ابن خلدون في هذا الباب.

وما زالت ذكرى المولد النبـوي حتـى الآن مناسبة لشـعراء المسلمين للتبـرّك بمديح النبـي.  وعند البحث في دواوين الشـعر العربـي حتـى الحديث منه تستوقفنا قصـائد مدحيـة كثيـرة قيلت بهذه المناسبة (وبموسم الحجّ ايضـًا) لدعاء النبـي وطلب الشفاعة منه لدى الله ليرحم العرب والمسلمين ويخفّف عنهم وطأة المصائب التـي ألَمّت بهم بعد عهود العـزّ والنصر.

لا شك أن ارتباط «بـردة البوصيـري» بالمولد النبـوي جعل منها القصيدة الأكثر شعبيـة بين المدائـح النبويـة عامة، والتـي تركت الأثـر الأبعد على فـنّ المديـح النبـوي خاصة في الشـعر والغنـاء.  منذ عهدها الأوّل أصبحت «البـردة» نموذجـًا لمدح الرسـول فتنافس الشـعراء على معارضتها وتشطيـرها وتخميسها وتسبيعها وتعشيـرها.  ونجد في المكتبات اليوم مئات القصـائد لشـعراء معروفين ومجهولين حاكوا «البـردة» أو تأثروا بها ونهجوا منهج البوصيـري في هذا الفـنّ.(49)  طبعت «الصناعة» الشعريـة للبـردة بشكل خاص المديـح النبـوي بعد البوصيـري فعمد الشـعراء الى فـنّ البديـع نظموا فيه قصـائدهم المدحيـة التـي عُرفت بـ«البديعـيّات» (أشهر هؤلاء صفي الدين الحلّـي (ت 750 هـ / 1349مـ) وعبد الرحيم البُـرَعي اليمانـي (ت 803 هـ / 1400مـ) وابن حجّة الحموي (ت ٧٣٨ هـ / ١٤٣٤مـ) وعائشـة الباعونيّـة (توفيت في دمشق سنة ٩٢٢ هـ / 1516مـ). (50)

عائشة الباعونيّـة: البعد الأنثـوي في الحبّ النبـوي

أهم قصـائد المديـح في المرحلة الوسـيطة بديعيـة «الفتح المبين في مدح الأمين» للعالمة المتصوّفة الشيخة عائشـة الباعونيّـة (يقال لها ايضـًا بنت الباعونـي).  ولهذه المدحيـة أهميـة خاصة كونها من نظم امرأة هي أغزر الشـاعرات العربـيات حتـى القرن العشرين، وقد ارتبط اسمها بشـعر المديـح النبـوي وهي مع البوصيـري أهمّ من اشتهروا بهذا الفـنّ.  ويبدو أن الباعونيّـة كرّست جلّ انتاجها الأدبي شـعرًا ونثرًا لموضوع مدح الرسـول والمولد النبـوي.  وبديعيّتها «الفتح المبين» المعارِضة لبـردة البوصيـري أهم أعمالها، وجاءت في مئة وثلاثين بيتـًا ومطلعها

«في حُسنِ مَطلَعِ أَقماري بِذي سَلَمِ

        أَصبَحتُ في زُمرةِ العُشّاقِ كَالعَلَمِ.»(51)

 للباعونيّـة مدحيـة أخرى مشهورة أورد صاحب الكشكول أبياتـًا منها أوّلها

«سعدُ إن جئتَ ثنيّات اللِّوَيّ

        حَـيِّ عَنّـي الحيَّ من آلِ لُـؤَيّ.»(52)  

فيها وفي «الفتح المبين»، توظّف الباعونيـة فـنّ البديـع لمدح النبـي (كالحلّـي وابن حجّة)، وفي شـعرها شبه لشـعر البوصيـري وابن الفارض من الناحية الفنيـة والفكريـة.  ولكن ما يميّـز مديح الباعونيّـة عن مديح الشـعراء الرجال هو البعد العاطفي لدرجة تجعلنـي أميل الى اعتبارها رائدة الرومنسيـة الروحيـة في الشـعر العربـي.  

من خلال التكثيف البيانـي (المترادفات والتشابيه والكنايات وغيرها) والرموز الدالّة على الذات النبويـة، يتجلى شـعر الباعونيـة في أنّ مدح النبـي مبعثه الحبّ وغايته الحبّ.  ففي شـعرها الممدوح تجسُّد الحبّ فهو الحبيب والحبّ معـًا.  وعلى عكس البوصيـري وابن الفارض، ليس هناك أدنى شكّ في أن النبـي هو حبيب الشـاعرة الذي «نزل» «ربع» قلبها و«أقام» في «حشاها» و«قيّدها» بهواه فعجزت عن حبّ سواه.  وهو المعشوق الذي تسلّط على فكرها وروحها وأصاب حبّـه القلب منها والحشا فـ«كواها» و«أسقمها».  وحبّ الشـاعرة للنبـي قويّ يتعدّى درجة المحبّـة والمودّة والكرامة، ليصل الى مرتبة الهوى والعشق، مع كل ما في معانـي الهوى والعشق من الإفراط في الحبّ والخروج عن المسموح والسيطرة والتملّك وبذل الذات من أجل المعشوق.(53)  فحبّ النبـي تملّك كيان الشـاعرة وسيطر عليها عقلاً وجسدًا وروحًا.  وعشقها له مرض لا شفاء منه، وهو مبعث حياتها ورجاؤها الأخيـر والوحيد قبل موتها.  

في هذا المديـح تتناوب على الشـاعرة حالات الحبّ والعشق (حالة «العشق» الإلـهي من المراتب الصوفيـة المتقدّمة، أمّا عند الباعونيّـة، وهي شيخة متصوّفـة، فعشقها في النبـي). ويبلغ بها الحبّ مرتبة تشتهي عندها قرب الحبيب. ومع انـها تدرك استحالة القرب، يبقى الحبيب لديها «منتهى الأمل».  وجمال الحبيب وكماله يقرب بالعاشقة الى مرتبة الحلول والفرح بالمعشوق فلا تعود ترى غيـره.  وبهذا الفرح يتجدّد رجاؤها بالتئـام الشمل، كيف لا والحبيب «كامل الحسن»، كريم جـواد، كرمه غيث دائم بلا حدود، ولمسة راحته رحمة، وريقه يروي الظمأ ويمحو المِحن.  ويستهويها العشق فتقترب من حدّ الخروج عن المشروع ولكن دون أن تتعدّاه، إذ «لولا سـنّة سبقت»، أو ما يقول به الشرع، لكرّرت ذكر الحبيب لتُبعث فيها الحياة من جديد.  في هذه المسألة بالذات تبدو الباعونيّـة أكثر «محافظة» من البوصيـري.  هل لانـها امرأة؟

    ناقشت في دراسة موسّعة لي البعد الأنثوي في مديح الباعونيّـة للنبـي وسأكتفي هنا ببعض النقاط.  رغم محافظته في الظاهر على بعض التقاليد الفنيـة والفكريـة والدينيـة، ينطوي شـعر الباعونيّـة على منحى ضمني لتخطّي التقاليد الشعريـة التـي وضع الرجل أصولها، نظمـًا وشرحـًا ونقدًا.  فالباعونيـة مثلاً لا تجد حرجـًا في الحديث عن عاطفتها الجيّاشة التـي تتدفّق في كل الأبيات وتمتدّ الى ما بعد «مطلع النسيب التقليدي» ما يجعل قصيدة المديـح بكاملها شـعر غزل من الدرجة الأولى.  ولانـها تتعدّى التقليد، عاطفتها صادقة تغلي في الصدر وتفيض بالدمع، وهي عاطفة متحرّكة مضطربة ترضى بالسلوان حينـًا وحينـًا تشتهي اللقاء.  

    لا شك أن الحبّ العذري لمعشوق مثالي هو شخص النبـي هو القوة المحـرّكة للصدق والحريـة في التعبيـر عن العاطفة الجيّاشة.  وربّما تكون روحانيـة الحبّ وقدسيـة المحبوب مصدر التسامي والتجـرّد في حبّ الشـاعرة وفي مديحها.  وتجـرّد الحبّ عن الغاية هو برأيي ما يعطي شـعرها بعدًا أنثويـًا (إضافة الى الوصف «الأنثـوي» لحالة العشق التـي تعيشها، كالسهد والأرق والضنـى والسقم والذل الذي أصابها من هوى المحبوب!).

بلغ حبّ الباعونيّـة للنبي درجة من السيطرة والتملّك أصبح معها العطاء والتفانـي في خدمة المعشوق سبيلها للوصول الى سيادة المعالي.  صحيح أن الشـاعرة تلوذ بالنبـي وترجو شفاعته، لكن اقصى غايتها للقرب منه ان تكون أفضل خدمه.  في هذا الشـعر الذي يقرب مما يمكن تسميته بـ«الغزل المملوكي»،(٤٥) - ولا ننسى أن الباعونيّـة من عائلة عريقة تفانت في خدمة سلاطين المماليك وهي نفسها استمرّت في ولائها المملوكي حتـى آخر ملوكهم - يبدو الحبّ شكلاً من أشكال بذل الذات في سبيل المحبوب. وهكذا يكون العشق النبـوي عند الباعونيّـة في بذل ما لها وتحمّل ما عليها، كالعشق الإلـهي عند أهل السلوك أو الصوفيـة.  ولكن في حين يسعى الصوفي الى «الفـناء في الرسـول» للتوحّد بالله، تسعى الباعونيّـة الى الفـناء «من أجل» الرسـول.  وهذه برأيـي ذروة التصوّف المحمدي.

هذه الأبعاد الأنثويـة التـي تميّـز مديح الباعونيّـة عن المديـح النبـوي عند الشـعراء الرجال (من جهة الأسلوب والغاية)، نجد استمرارًا لها في شـعر المديـح النسوي الحديث.  لكن المؤسف أن البعد العاطفي في بعض هذا الشـعر استعصى على «القارئ» لدرجة تدعو الى الاستغراب، فلم يُقرأ إطلاقـًا في باب المديـح النبـوي.  مثلاً قصيدة «إنـي أحبّك سيّدي» للشـاعرة العراقيـة عاتكة وهبـي الخزرجي الأمين (ولدت سنة 1924) التـي قرأها الدكتور بدوي طبّانة على انـها «استعطاف وغزل» في «واحد من ولاة الأمور»، «جبّـار» و«عنيد»، رغم الرموز والصفات الدالة على الذات النبويـة (الرحمة والعطف وحسن الصورة والشمائل والهيبة والخشية والسماحة والندى والتقى والتسبيح والحمد)؛ ورغم المعانـي الصوفيـة في بعض أبياتها:

«لك في كيانـي صورة

        منها حياتـي تسـتمد»،

و«معنىً من الحسـن الذي

        فيه المعانـي لا تحـد»،

و«سبحـانك اللّهم! هذا

        واحـد في الخلق فـرد.»(٥٥)

من منطلق تقصيـر «القارئ» التقليدي عن رصد البعد العاطفي عند الشـاعرة العربيـة أعيد قـراءة عدد من القصـائد النسويـة، وأتساءل الى أي حدّ ساهم «القارئ» و«الشارح» و«الناقد» التقليدي (دائمـًا بصيغة المذكر!) في إضعاف الحضور النسائي في فـنّ المديـح النبـوي؟  ومن هذا المنطلق ايضـًا أتقصّى البعد الأنثـوي في مديح الباعونيّـة للنبـي بمنظار آخر يختلف عن منظار «الشارح» التقليدي. واسأل هل تفوّق البوصيـري، شهرة وفعلاً وتأثيـرًا، مردّه فقط تقدّم البوصيـري زمنيـًا وفنيـًا؟  أم سببه خروج مديح الباعونيّـة الأنثـوي عن التقليد الذي وضعت أصوله «بـردة كعب» و«بـردة البوصيـري»؟

لا شك أن الباعونيّـة كانت امرأة فريدة في زمانـها.  حفظت القرآن الكريم ولها من العمر ثمانـي سنوات، وتلقّت النسك والتصوف على شيوخ معروفين.  وخرجت أو رحلت (مثل الرجال) في طلب العلم، فدرست في القاهرة حيث نالت حظـًا وافـرًا من العلوم وأجيزت بالإفتاء والتدريس.  وفوق هذا اهتمّت بالشأن العام (وهي من عائلة مرموقة في هذا المجال)، فالتقت رجال الحكم خاصة قانصوه الغوري آخر سلاطين المماليك.  لكن شـعرها على غزارته لم ينشر منه إلا القليل، وبقيت هي في ظلّ البوصيـري وغيره من الشـعراء الذين سبقوها (ابن الفارض والحلّـي وابن حجّة) والذين جاؤوا بعدها.

    قد يُفسِّر «عامل الأصـالة» في مديـح الباعونيّـة، أو بالأحرى الابتعاد عن الأصـالة الشعريـة والدينيـة، زمنيـًا وفنيـًا، «تهميش» مساهمتها في فـنّ المديـح النبـوي شـعرًا وغنـاء.  أقول «تهميش» لأن الباعونيّـة لم تلقَ من النقاد والشـعراء الاهتمام الذي أولوه للبوصيـري، حتـى في العصر الحديث.  والذين أعجبوا بمديحها لم يخلُ إعجابهم من النقد.  مثلاً القطب الصوفي والعالم الدمشقي الشهيـر الشيخ عبد الغنـي النابلسي (ت 1134 هـ / ١٧٣١ م)،( ٥٦) الذي نظم بديعية «نسمات الأزهار» إعجابـًا ومعارضة لمدحيـة الباعونيّـة «الفتح المبين»، في شرحه الشخصي على بديعيته (الشرح بعنوان «نفحات الأسحار») يقيم النابلسي مقارنة مع بديعيـة الباعونيّـة مدّعيـًا انـه أبرع منها.( ٥٧)  لا يستغرب ادّعاء النابلسي وقد قال شـعر مديح في ذاته دلّ على اعتداده بنفسه،(٥٨) لكن لهذا الإدعاء دلالة خاصة على نظرة الشـعراء «الدونيّـة»، إذا صحّ التعبيـر، الى مديح الباعونيّـة.  وهنا يحضرنـي السؤال هل كان صاحب الكشـكول، بـهاء الدين العاملي المتشيّع (ت في أصفهان سنة ١03١ هـ / 1622 مـ)، اهتمّ بحفظ ونقل أبيات «رايقة» للباعونيّـة «تمدح بها الحبيب الأعظم» لولا ما فيها من مدح ظاهر لآل البيت؟  رغم الدلالة الهامّـة لاسم مُحَمَّد، لا يرد اسم النبـي في الأبيات المختارة وفيها تشيـر الشـاعرة الى «الحبيب» بأسـماء آلـه، وتصفه بــ«خيـر مبعوث» و«صاحب الجاه» و«كمال الحسـن» وبأنـه «جـدّ الحسنين.»

 مديح آل البيت:

 لبـهاء الدين العاملي المعروف بتشيّعه لآل البيت اهتمام واضح بمديح النبـي وآلـه وقد ضمّن كشكـوله مدائح عديدة منها قصيدة الباعونيّـة المذكورة وقصيدة من شـعره الخاص يمدح فيها آل البيت بعنوان «الفوز والأمان في مدح صاحب الزمان»، وهي مديح في المهدي المنتظر (63 بيتـًا)، وقصيدة لوالده حسين بن عبدالصمد العاملي في مدح الرسـول وعلي والأئمّـة، وهي معارَضة لبـردة البوصيـري (69 بيتـًا) ومطلعها

 «أسِحرُ بابلَ في جَفنيك أم سَقَمِ

         أَمِ السُّيوفُ لِقَتلِ العُربِ والعَجَم».(59)

    ومديح آل البيت تعود بداياته الى الشـعر السياسي الذي قيل تأييدًا لحق علي بن أبـي طالب وبنيه في الخلافة، ومنه شـعر للكُميت الأزدي وكُثيِّـر عزّة ودعبل الخزاعي.  وتبقى أهم مدائح آل البيت في المرحلة التأسيسيـة قصيدة الفرزدق في زين العابدين التـي يقول فيها:

هـذا الذي تَعرِفُ البَطحـاءُ وَطأَتَـهُ

        وَالبَيـتُ يَعـرِفُهُ وَالحِـلُّ والحَـرَمُ

هـذا ابنُ فاطمـةٍ إن كُنتَ جاهِلَـه

        بِجَـدِّهِ أَنبِيـاءُ اللهِ قَد خُتِمـــوا

    تطوّر مديح آل البيت في الشـعر العربـي خصوصـًا في العراق حيث استقر الشيعة.  فتأثـر بنشاطهم السياسي والعقائدي واتخذ «طابعه الثائر الحزين»، خاصة بعد مقتل الحسين ونكبة آله في كربلاء التـي تسبّبت بكثير من الأسى للعلويين، «وأثارت شـعرا حزينًا وقصصًا طويلا»، بتعبير أحمد الشايب.(60)  وأكثر ما يميّـز الشـعر الشيعي انـه مزيج من المديـح للرسول وآل بيته (من أبناء علي وفاطمة) والرثاء والابتهال الى الله والاحتجاج السياسي والعقلي (أو الدينـي).  وبالاضافة الى موضوعه السياسي والمذهبي، وهو حقّ آل البيت «المسلوب» بالخلافة والإمامة، ركّز هذا الشـعر على قرابة الأئمّـة بالرسـول من جهة ابنته فاطمة.  و«صلة الرحم» بالنبـي هي برأيـي البعد الأساسي والجوهري لمديـح ورثاء آل البيت في الشـعر العربـي الحديث (وفي الإنشاد).

 شـعر المديح في العصر الحديث

في إطار البحث عن تطور الشـعر العربـي الحديث في العراق، يجد علي عباس علوان أن مديـح ومراثي آل البيت شكّل مع مديـح النبـي والشـعر الصوفـي اتجاهـًا رئيسيًا في شـعر القرن التاسع عشر.  وفيما كان معظم الذين مدحوا الرسـول من السـنّة، إختصّ شـعراء الشيعة بمديـح آل البيت، ومنهم عبد الباقي العمري الذي حظي باهتمام مميّـز ومكانة عالية بعد ان نشر مجموعة من قصـائده في مدح آل البيت سـمّاها «الباقيات الصالحات»، ركّـز فيها على تصوير مقاتل آل البيت ونكباتهم.  ويبدو أن الشـعراء وجدوا في اسشهاد الحسين خاصة ونكبات آل البيت عامة متنفسًا لهم عن سوء أوضاع الشيعة في العراق في ظل الحكم العثمانـي في أواخر القرن التاسع عشر.  فعمرت دواوينهم بالشـعر الحزين «المليء بالآلام والأحزان والدموع».  حتـى غدا رثاء آل البيت ومدحهم غرضـًا تقليديـًا «لاستدرار الدموع» على آل البيت على منابر العزاء.( ٦١)

من جانبهم عمد شـعراء السـنّة الى تقليد المديـح الذي وضع أصوله البوصيـري (كما فعل غيرهم في أقطار عربيـة أخرى).  فانحصر همّهم في تخميس وتشطير مدائحه وبعض قصـائد عمر بن الفارض، وكرّروا الموضوعات والمعاني والصور التقليديـة.  لكن جديدهم قصّر عن اللحاق بالأصل في جمالية الخيال وصدق العاطفة والأحاسيس.  فجاءت مدائحهم نظمـًا لسيرة الرسـول، وسردًا لصفاته وأخلاقه، وصلت أحيانـًا حدّ إضافة الخرافات لشخصيـة النبـي. (لا ننسى أن بـردة البوصيـري ايضـًا احتوت على معتقدات صوفيـة وشعبيـة كثيـرة اعتبـرت من «المخالفات الشرعيـة» في نظر بعض الفقهاء). وأخذ علوان على الشـعراء العراقيين ابتعادهم عمّا يمكن ان توحيه سيرة الرسـول وأحاديثه لمواجهة القضايا الراهنة فلم يلتفتوا مثلاً الى شخصيـة النبـي «باعتباره ثائـرًا ومجدّدًا ومصلحـًا وداعية . . . الى حياة جديدة وآفاق انسانيـة رحبة.»(62) وهكذا بقي شـعر المديـح النبـوي في القرن التاسع عشر بمعزل عن التجربة الإنفعاليـة بقضايا العصر الإجتماعيـة والسياسيـة والفكريـة.  ولا تختلف التجربة العراقيـة كثيرًا عن سائر الأقطار العربيـة.  

من أهمّ قصـائد المديـح النبـوي لكبار شـعراء مصر في هذه الفترة قصيدة محمود سـامي البارودي (1840-1905) «كشف الغمّـة بمديـح سـيّد الأمّـة»، ومطلعها

«يا رائدَ البـرقِ يَمِّم دارةَ العَلَـمِ

         وَاحدُ الغَمـامَ الى حَـيٍّ بِـذي سَلَـم».  

وهي قصيدة طويلة جداً في ٧٤٤ بيتًا على وزن وقافية وروي بـردة البوصيـري، وإن لم تكن معارِضة لها تمامـًا.  يُعتبـر البارودي «أول المجدّدين في الشـعر العربـي الحديث» من حيث التعبيـر الصادق عن التجربـة الانفعاليـة المعاصرة، وبعث الأسـلوب القديم لتعود للشـعر جزالته ورصانته.(63) من هذه الوجهة يمكن أن نعتبـر قصيدة البارودي من باب المديح النبـوي «المتجدِّد»، خاصة إذا ما قارنّـاها بالبديعيّـات وبالشـعر الذي قلّد بـردة البوصيـري، أو حتـى بالبـردة نفسها.  ولكن رغم بعض الصور الشعريـة والتجديد اللغـوي (عدم الإلتزام بنظم البديـع مثلاً)، تبقى قصيدة البارودي من نوع المديـح الكلاسيكي التقليدي السلفي ليس فقط بسبب محاكاته أساليب القدماء من فحول الشـعراء في الجاهليـة والعصر العباسـي (خاصة في قوة الألفاظ والوصف والاستطراد)، ولكن ايضـًا لأنـه بنـاها على غرار بـردة البوصيـري (الاستهلال بالنسيب وتعـدّد الموضوعات) وكـرّر معانيـها، ولو بتفاصيل أدقّ (وصف الغار وجيش الرسـول)، فأتت قصيدته وكأنـها نظم شـعري للسيـرة النبويـة.  وكما فعل البوصيـري اختتم البارودي مدحته بالتوسّـل الى النبـي أن «اقبل رجائي فمالي من ألوذ به سواك» (وهذه محاكاة شبه حرفـية لنصّ البـردة)، وطلب الشفاعة منه «لدى الأهوال والقحم» ولمغفرة الذنوب يوم «الحشر والنار.»(64)  وهكذا من جهة الغاية والأسـلوب معـًا بقي البارودي - رائد التجديد الشـعري - تابعـًا للتقليد البوصيـري في المديـح النبـوي.  وعلى نهج البارودي المجدّد في تقليد البوصيـري سار أحمد شوقي كما سنرى.

    بتطوّر الحركة الشعريـة في القرن العشرين، أصبح مديـح النبـي وآل البيت بابـًا يطرقه الشـعراء في مناسبات معينة الى جانب مواضيع دينيـة واجتماعيـة وسياسيـة أخرى شغلت بالهم.  وبتأثيـر من ثقافتهم التراثيـة، الشـعرية والدينيـة، استوحوا في معالجتهم لهذه القضايا العامة تعاليم القـرآن وسيرة الرسـول ومـآثر آل البيت.  ففي «ملحمة» شـعرية صغيرة بعنوان «ثورة في الجحيم» مثلاً، يثيـر الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) فكرة العدل الإلـهي والحبّ الذي يحوّل كل ما يلمسه جمالا في الدنيا والآخرة.  فجاء وصفه للجنة مطابقـًا لصورة الجنة في القـرآن.(65)  وفي قصيدة بعنوان «أم عوف» هي من أجمل قصـائده، يصف الشاعر الكبيـر محمد مهدي الجواهري (ولد في النجف حوالي 1899 وتوفـي في دمشق 1997) نزوله على راعية غنم أكرمته وأحسنت ضيافته.  وتعبق القصيدة بالصور والتلميحات الدالة الى حادثة «أم معبد» التـي أضافت الرسـول وأكرمته حين كان مطاردًا.  وفي قصيدة اخرى بعنوان «عاشوراء» يصوّر الجواهري استشهاد الامام الحسين في كربلاء مؤكدًا مبادئه الدينيـة وقيمه التـي ثار من اجلها.  

والجديـر بالذكر أن الجواهري، وهو آخـر شـعراء الكلاسيكيـة العربيـة، التزم بالهموم الإنسانيـة والقضايا الوطنيـة الكبرى، فغنّـى الثورات والإنتفاضات التـي عاشها أو قادها.  وارتبط شـعره بالجماهيـر العربيـة التـي شاركها المعاناة من منفاه في مدن الوطن العربـي، فاتّسم بالواقعيـة الشديدة والثوريـة دون أن تغيب عنه الروح الدينيـة التـي تشرّبـها الشـاعر في نشأته الأولى في النجف.  فكان لثقافته الدينيـة حضورها المميّـز في وقفاته الشعريـة على منعطفات حاسـمة من تاريخ وطنه العربـي الكبيـر (منها مثلاً قصيدته في ثورة الشريف حسين وفيصل وأخرى في استشهاد شقيق الشاعر (جعفر) أثناء الإنتفاضة العراقية ضد الانكليز سنة (1948).(٦٦)  فلا نستغرب أن يستوحي شـاعر كبيـر كالجواهري مناسـبات مفصليـة أخرى في التاريخ العربـي الإسـلامي كسيـرة الرسـول واستشهاد الحسين.

إلا أن أهمّ المناسبات التـي أوحت بمدائـح لا تحصى في كافة أنحاء العالم الإسـلامي فتبقى احتفالات المولد النبـوي التـي استفاد منها الشـعراء للتعبير عن انفعالاتهم الشخصيـة وتجاربهم الفكرية والانسانية في أجواء دينية لا يمكن فصلها عن الإطار الإجتماعي والسياسي العام.  تكتسب بعض هذه المدائـح الحديثة (زمنيـًا وفنيـًا) أهميّتها بشكل خاص كونها من نظم شـعراء انشغلوا بالهموم الاجتماعيـة والوطنيـة والإنسانيـة العامة، أو بالمسائل الدنيويـة أكثر من الدينيـة، لكنهم وجدوا في مولد النبـي مناسبة للتبـرّك واستنهاض الهمم للرجوع عن «الضلال» وجمع الشمل وردّ الظلم بهداية النبـي وشفاعته.  من هذه «المولديات» نذكر على سبيل المثال لا الحصر قصيدتين للشـاعرين العراقيين معروف الرصافي (1875-1945) وبدر شاكر السـيّاب (1926-1964)، وهما من أهمّ شـعراء العربيـة المحدثين.  اشتهر الأوّل بشـعره الفلسفي والكونـي العلمانـي وبجرأة آرائه السياسية،(67) وارتبط اسم السـيّاب بشكل خاص بتيّـار الحداثة و«الإلتزام القومي والإنسانـي العام» في الشـعر العربـي المعاصر.(68)

 إذا قرأنا المديـح النبـوي من المنظور الواقعي، كون الشـعر تعبيـرًا عن موقف انفعالـي وفكري بواقع اجتماعي وسياسي وثقافـي، لا يمكن فصل مديح الرصافي، وسائر شـعره، عن تربيته الدينيـة والتزامه بالتصوّف لعدّة سنوات في مطلع شبابه قبل انصرافه الى العمل السياسي المناهض للإنتداب (في الثلاثينات كان عضوًا في مجلس النواب العراقي).(69) وسعة التجربة الانفعالية وتنوّعها تفسّر تعدّد موضوعاته الشـعرية وامتدادها من الكونيات والفلسفيات، الى التاريخيات والسياسيات والنسائيات (وهذه في الدفاع عن حقوق المراة)، مرورًا بالاجتماعيات التـي أُدرجت فيها قصيدته «في حفلة المولد النبـوي» (٤٤ بيتـًا) والتـي استهلّها بـ:

«وضح الحق واستقام السبيل

        بعظيم هو النبـي الرسـول».(70)  

استفاد الرصافي من معرفته الدقيقة ونظرته الناقدة الى سيرة النبـي، أو «القوة الناقدة» بتعبير معاصره المفكر الكبير امين الريحاني،(71) في معالجة مسائل فكريـة وعقائديـة واجتماعيـة كانت تشغله.  في قصيدته اشارات نقديـة الى المسائل التـي استغرقت الشـعر الصوفي والمديـح النبـوي في زمانه.  فالرصافي يعتقد بمسألة التفوّق المحمدي ولكن من جهة توضيح الحق وتقويم السبيل والدعوة الى الهدى «بكتاب عربي قرآنـه ترتيل» (اشارة الى أميّة الرسـول) ولجهة «عزة» النبـي وعلو «همته» و«مقامه الرفيع» بين من جاء «قبله» من الأنبياء.  وتكمن «عظمة» النبـي في انـه رسـول الله و«سيفه» الذي جرّده «للحق»، وغير ذلك من الصفات الإنسانيـة التـي جاءت في كتب السيرة كالـ«عزم» و«الاصطبار» وصواب «الرأي» و«الدهاء» في مواجهة «دواهي الدهر»، وفي أن «كل أوصافه الجليلة بِدْعٌ (أي أصيلة لم يُسبَق اليها) ... فهو من عبقرية مجبول».

    تجلّت «عبقرية» النبـي في منجزات يمكن أن نصفها بـ«العلمانيـة»، بمعنـى العِلم والعالمية والعقلانية.  فالرصافي يركّـز على أن الرسـول «أطلق الناس من تقاليد جهل» كانوا فيه مغلولين مقيّدين، و«أنهض القوم للعلاء» بعد أن «شفاهم بهديه من ضلال» كان علّتهم أجمعين.  ويؤكد الشـاعر بنفَس عروبـي أن «نهضة» الإسـلام «العالمية» قامت بـ«همم يعربية وعقول»، فهي إذن نهضة «للعقل» و«الهدى» شهدت لها الدول وأقرّت بها الاديان.  صاحَبَ هذا الموقف النقدي العلنـي الرافض للسائد من الافكار والمعتقدات غير المعقولة حملة على طقوس «العبادة» الشعبيـة كـ«حج القبور» وما صاحبها، وممارسات «التزمير والتطبيل» في «الدعاوى في الحق«.  هذه «البِدَع» وأفعال «الشرك» التـي حادت عن «دين التوحيد» و«النهج» الذي خطّه النبـي وأتى به القـرآن، هي برأيه التـي أنزلت «غضب الله» على المسلمين فصارت «حالهم» الى «رجوع» و«نزول» و«اختلاف» و«تفرقة» مما اساء الى الرسـول والإسـلام.

في ختام القصيدة، يتوجّه الرصافي بلسان الرسـول الى المسلمين (بدل التوسّـل الى الرسـول بلسان المسلمين) يطالبهم بإعادة «حبل الإخاء» «الوثيق» مع «إخوة دين» لهم جاءهم به «التنـزيل»، مؤكدًا انـه (أي الرسـول) لم ييأس من «نهوضهم» «المأمول» ولو «بعد فترة»، شرط أن يـ«جمعوا الشمل ناهضين» لإن «عجزكم والخمول» هو «الكفر في الدين».  بذا اختلف مديح الرصافي عن المديـح النبـوي التقليدي في الغاية وفي الأسلوب، فكريـًا وفنيـًا (لم يستهل بمطلع الغزل أو حب النبـي)، لأن غايته من المديـح ليست التوسّـل والتشفّع الى النبـي لنيل المغفرة وإنما لتوطيد الأمل بالنهضة العربيـة القائمة على أساس الرابطة القوميـة التـي تجمع بين المسلمين على اختلاف فرقهم وإخوتهم في الدين (في القصيدة وفي شـعره عامة دلالات على «عروبة» فكره).  

أمّا قصيدة بدر شاكر السـيّاب «مولد المختار» المتأخرة زمنيـًا (حوالي سنة ١٩٦١) ومطلعها:

 «دموع اليتامى في دجى الليل تقطرُ

        ونوح الثكالى عاصفٌ فيه يصفر»،(٧٢)

ففيها إشارات الى نكبة «فلسطين المدماة» و«الكيد اليهودي»، والى الجزائر المحتلة، «وهران والأرض حولها»، و«العلوج» الذين «أباحوا واستباحوا ودمروا».  وفيها يرجو الشـاعر أن يكون مولد «نبـي الهدى» و«نفحة الله» و«خير ما جاد الزمان» الموعد المنتظر لـ«ميلاد أمّـة وميعاد بعث» مُقدّر. ويستغلّ السـيّاب هذه المناسبة لإثارة الهمم و«الجهاد على اسم الله»، ولطلب الشفاعة لنفسه لأنـه «ككل الناس» «تمرّس بالآثام»:

«ولكنّ من ينجده طه فقد نجا

        ومن يهده - والله - هيهات يخسر».  

والملفت للانتباه أن يلجأ السـيّاب في أواخـر سني حياته (أصيب سنة 1960 بمرض عضال توفي منه سنة 1964) الى التقليد الدينـي والشـعري وهو الذي انشغل بهموم الحداثة والتجديد في الشـعر العربـي، بدليل انفعاله بمناسبة دينية وشعبية كالمولد النبـوي في سياق التعبيـر عن معاناته الإنسانيـة والقوميـة.

والواقع أن شـعراء آخرين غيـر السـيّاب من أصحاب الرؤيا الجديدة في الشـعر العربـي عمدوا الى تجريب رؤاهم الفكرية والفنيـة في المديـح النبـوي.  من التجارب التـي سبقت السـيّاب زمنيـًا قصيدة «أشواق الحجاز» للشـاعر الفلسطينـي ابراهيم طوقان (نابلس، فلسطين 1905- ١٩٤١) فيها يبثّ حبه للنبـي وأشواقه لأماكن الحضرة النبـوية.73  كان طوقان شـاعرًا مجدّدًا فكريـًا وبيانيـًا، وله قصيدة مشهورة عارض فيها شوقي واعترض على «تبجيله» للمعلمين.  إلاّ أن قصيدته «أشواق الحجاز» بعيدة كل البعد عن شعر شوقي ومدائـحه التقليديـة.  (ولو اتّسع المجال لكانت قصيدة طوقان حَريّـة بالمقارنة مع قصيدة تقليديـة بعنوان «مكـة» للشـاعر السعودي المعاصر حسن عبدالله القرشـي، وهي متأخّرة زمنيـًا عن قصيدة طوقان نشرها القرشـي لأول مرة سنة (1964).(74)  

في «أشواق الحجاز»، يتنقل طوقان في نظام القصيدة من بيت الشطرين الى السطر الواحد بلغة شـعرية جديدة وأسلوب مبتكر (لا بكاء على الأطلال ولا شكوى اللائمين).  وبموسيقى غنائية تتنوّع فيها الأوزان والقوافي والروي يصف الشـاعر هيامه بحبّ «النبـي الأمين» وحنينه الى «بلاد الحجاز»، «بلاد الكرام» و«شموس الهدى»، و«مشرق نور الكتاب المبين»، «عماد الحياة» «وركن العلا»، و«ربوع النبـي» و«صحبه الهداة».  وما زال إيقاع النشيد:

    ذكـرى الهادي والأمجـادِ

    مِـلءُ الوادي والأَنْجـادِ

    أَثَـرُ الهِمَمِ منـذُ القِـدَمِ

    حولَ الحَـرَمِ أَبَـدًا بـادِ

مطبوعـًا في ذاكرتنا الطفوليـة، إذ كنا نردّده أثناء اللعب دون أن ندري حتـى مَن وضعه، أو فيمن قيلت معانـي الهدى والمجد والقدم فيه.

    طبعـًا لم يشتهر أيّ من طوقان أو السـيّاب أو الرصافي في فـنّ المديـح النبـوي.  فهؤلاء من الشـعراء الذين تميّز شـعرهم بـ«العلمانيـة»، أو الانشغال بهموم العالم الدنيـوي لتمييزه عن الإتجاه الدينـي الخالص.  وطوقان والسـيّاب بشكل خاص من روّاد «الأدب الجديد» الذي، بتعبيـر الناقد أنطون غطّـاس كـرم، «استقلّ عن تقليد الأساليب الاتباعيـة الى حدّ، واستوحى ثقافة غربيـة مفارقة للموروث العربـي، وتفاعل مع محصول التراث الإنسانـي أدبـًا، وفنـًا، وفلسفة ونمطـًا تعبيـريًا.»75  وهذا برأيـي ما يعطي قصائدهم المدحيـة أهميـة خاصة لانـها تعكس هاجسهم الروحانـي والدينـي الى جانب همومهم الإجتماعيـة والسياسيـة والفكريـة والفنيـة.  وتعكس ايضـًا مدى تقديـرهم للتراث العربـي، الأدبـي والدينـي، في التـزامهم بقضايا أمّتـهم وتفاعلهم مع التراث الانسانـي الذي استلهموه.  ورغم انشغالها بالقضايا الزمنيـة وبهمّ الحداثة -وهذه من أهمّ قضايا الأدب العربـي(76) تبقى هذه القصـائد استمرارًا لمسيـرة المديـح النبـوي، مع بعض التبدّل في الأسلوب والغاية بحسب إطار الزمان والمكان الذي تحرّك فيه الشـعراء.

    ليس غريبـًا أن تبرز هذه المواضيع العلمانيـة الى جانب الإتجاه الدينـي في الشـعر العربـي الحديث.  يقول أمين الريحاني الذي عاصر النهضة الأدبيـة العربيـة وساهم فيها في بدايات القرن العشرين، «وما الشـعر العربـي الحديث في مجمله غير أصداء لأصوات الشـعر الماضية، وأشباح لألوانه وأشكاله.  فهاكم القصيدة بوجوهها القديمة كلها - بمحاسنها اللغويـة والبيانيـة، وبمصادر وحيها، وبقوالبها القاسية، وبمواضيعها الأبديـة - المديح والرثاء، والغزل والإستجداء.  أمّـا في الجيّد من هذا الشـعر فقد يغلب في هذا الزمان الحماسة الوطنيـة، والمنازع القوميـة، والاكتئاب والنحيب... الصوت الأعلى لشـاعر اليوم، إن كان في القدس او في بيروت، في بغداد او في النجف، في مكة او في القاهرة... يهزّ من النفس أصولها وفروعها، بل يضرم فيها نار الغيرة على أمّـة مستضعفة، ووطن مستعبَد، ويحبّب اليها الجهاد في السبيل الأشرف، سبيل الاستقلال والحرية.»(٧٧)