|
|||||
|
قال ابو العلاء المعري: ولا تحمدَ حسانكَ إن توافتْ بايدٍ للسطـــور مُقوِّمات فحملُ مغازلِ النسوان أولى بهنَّ من اليراع مُقلمَّاتِ قال المتنبي: «ودع كل صوتٍ غير صوتي انا الصادعُ المحكيُّ والآخرُ الصدى» وقال بدر شاكر السياب: «والصخر يا سيزيف/ ما أثقله/ سيزيف ان الصخرة الآخرون» بين ومضٍ خاطف كأنه الزوال، وديمومة تطوف بالتوتر وتمتلىء بانشطارات الذات في الذات_ حتى يصير للذات من ذاتها وجه وقناع_ يستأثر غازي القصيبي بومض الشعر، وترف السرد، يستلهمه من عالم مكتظٍ بأوجهه وأقنعته، كلما ضاق العيش في الحياة، وتسلل الى تراكمات النفس المدلهمة، يرويها في «حضرتي الأنت، والأنا الذي هو آخر الآخر، ويقينه ان الأنت، وآخر الآخر يملك الحق، ولو ان واحداً احداً، لا يملك الحقيقة». أمينــــــة غصـــــن كاتبة واكاديمية من لبنان فغازي القصيبي الجائع إلى إحساس إنساني قديم يمارس ما قال فيه «هويت»: «إن اصل الرواية يردّ الى العرب، لأنهم جنس موهوب في الكذب»، حتى لكأن الكذب هو الذي تجحفل في عتمات شهرزاد التي ايقنت ان العجز عن اجتراح ما لم يجترحه الآخرون من حكايات، وأحاديث، يجعلها تقف مباشرة في عين موتها. فما اجترحته شهرزاد لدرء الموت، من افعال طقوسية، هو نفسه ما تدرأ به غازي القصيبي في «العصفورية» بحجرة تنغلق على كثير تعتيم وظلمة، يأتيها صاحبها فيخرج بها إلى العلن بسرد جنوني، يُدخل المفتاح في الثقب المهجور، ويترك للحجرة أن تفيض بما احتجب فيها واستتر. وإذ يستعيد غازي القصيبي ما لم تدجّنه العادة، يعود الى ما سماه بودلير «طفولة سعيدة»، فيكتبها شعراً، ولهباً يتغلغل في تاريخ الهوامش، وجرحاً يتدفق من مشكاة دماء. فحين اوثقوا قدمي «سحيم» ويديه، ورموه إلى النار، قالوا: رأينا سواد الفحم يصير جمراً، ورأساً يتدحرج ماجناً فاسقاً شاهداً: للحرية، متوضئاً بالنار، بغير افصاح عن اي كلام، إلا غربته القصية التي اعتقت كلماته من الكلمات، وجسده من عبء المكان، وهو يقول: ليس من شعري إلاّ لغة وحشية، وليس في رأسي إلا جنون الضياء الذي يتفتت من سرة الشمس، ويفضح الأقنعة التي لبست سواد الجريمة والطغيان!! يكتب غازي القصيبي غربة ساخرة، فتعلق كوجع في الضمير،أوتدوي كقهقهة من قهقهات البغايا. ليس لكتابته غير جلدها الأرقط الذي لا ينتزع. كتابته لا تئن بهزائمها بل تتجحفل بتفوقها المتعالي. هي كتابة ترصد الوجود العربي غير الواجب الوجود، لأنه الوجود الذي يفيض بالعدم، ولا يمتلىء، وكأنه الهوة، لا ندم التاريخ. يكتب غازي القصيبي عن غرباء، يقتصون من ماضيهم، لأنه بعيد وفضاح، بعد ان تعبت أقدامهم من السعي إليه، وهي تسير القهقرى، إلى نقائها الجارح الذي لم يعد، بعد ان كان. يكتب عن غرباء يجرون التاريخ بقرنيه، لعل فيه يتقاطع الأصل بما لا يشبهه، والمرآة بأوهامها. هذا هو المنفى الغريب، الذي لا يزال عند غازي القصيبي، ممكنا في فضاءآت الندم. هويات العرب الغرباء تشبه فقاعات قابلة للإنفجار، كخيار أعمى يترنح، بثمالاته العالقة في القعر من زمن يدور بهم، ولا أمام له. فالأمام الذي يجهله العرب هو الذي لا يلتفت، والوراء هو المقيم الذي ينتحب. فعن الكتابة وفن ممارستها جاء في موسوعة الفلسفة والسخرية، ومض حوار بغير تعليق : «قصد غلوكون سقراط ليشكو له سلوك صديق ممن يعاشرهم. فقال الحكيم : أنبئني قبل شكواك لو أنك عدت الى غربالات ثلاثة، وتركت لشكواك ان تمر بالخروق منها، قبل الحديث عنها ! ! ولما أخذت الدهشة مأخذها من الشاكي، سأل: اتتحدث عن غربالات ثلاثة ؟ أجاب سقراط، أجل هو ما قصدته بنفسي، وما أدركته انت بالسماع. فالكلام المغربل هو الكلام المنتقى على ما جاء في الحديث : كيف بكم إذا كنتم في زمن يغربل فيه الناس غربلة، حتى لكأنهم يعلقون، ولا يهتدون للخروج من الخروق، وهي عند سقراط : _ خروق للحقيقة _خروق للإغتراب والسخرية _خروق للإستمتاع واللذة _ خروق للنسيان فكلام سقراط إذ يشبه كتابة غازي القصيبي، يملأ الفراغات التي تتكىء إليها الكلمات لتستريح من أثقال الحقيقة، التي تحملها وتنوء بها. فلذة الكتابة عند القصيبي لذة عنيفة، وإن مؤلمة، يسعى وراءها، لأنها لا تطلب لذاتها، بل تتخذ متعة لمعالجة الغربة، وقولها. فالإنسان المبدع عنده أشبه بمدينة محاصرة، يجب على المحاصر فيها ألا يستجدي لذَّات القول، بل ان يجدها. هذا الإبداع الذي يلذ لغازي القصيبي قوله يجعل منه نداً لإبيقوريس (270) ١٤٣ق. م. القائل: «ينبغي ان نضحك ونحن نتفلسف». ينتصب غازي القصيبي بإتراب روحه، وبدَع القلم بين افقين: امتداد البوادي، حتى يمسي كمن أرمَلَ زاده، بعد رحيل امه، وهو في التاسع من شهوره، ويهبط وحيداً كقلقٍ على من مَرَجَ البحرين وخلطهما حتى التقيا، بغير أن يبغيا، كبغي ملح الحياة عنده، على عذبها. فامتداد البوادي، حصير الرمال المنسوج والمسفف، كان عنده، يغيِّب جحافل الذكريات، قبل ان تتدثر بالبحرين وتنمحي: حاملةً عن غازي القصيبي عقدة اوديب ومآسيها. فغازي القصيبي يعيش بغير عقدة اوديب، مذ لم يعد له ام، يتأهب لقتلها، والغوص في دمائها. فهو في ذلك البعيد الذي كأنه التيه، يأتيه عويل الرياح بإشارات ابي حيان التوحيدي وهو يغني: «إني غريبٌ في غربتي» ويرفده العويل بنشيد ابي الحسيد قائلاً: «تغرّب لا مستعظماً غير نفسه ولا تاركاً إلاّ لخالقه حُكما» هو من يزعم أن انشتاين ابتدع نظرية النسبية باستلهامه واستيحائه، والنقل عنه، ومحاكاته؛ مذ ايقن أن الـ(E) هي الحبيبة، والـ(M) هي الغلالة التي تحملها وتتدثر بها، والـ(C2) هي السرعة الأسطورية التي تدحض بها الحبيبة الوقت، والأيام، وكذب التاريخ. فغازي القصيبي، إذ اثقله النسيان، حذَّرَ العالِم سمير تابت أن يسأله «عن امه ورحمها» وعن «شهوته الجنسية الأولى»، طالما أن البروفسور، وقبله المُعلِّم سيغموند فرويد، عجزا عن تفسير عقد هتلر الذي كان ينام مع ابنة اخته كما فعل انشتاين، وفرويد الذي كان ينام مع اخت زوجته ابتداعاً وزندقة، لا محاكاة لانشتاين أو هتلر !! وكان من الغريب أن واحداً من آباء علم النسبية والذرة، ومذهب النازية، وعلم العقد النفسية، لم «يسكن إلى زوجة كانت لباساً له، وكان هو لباساً لها»!! هذه الغرابة الغريبة، جعلت الإبداع كالإبتداع كلمة لجأ اليها غازي القصيبي من باب «تعويد النفس على المكاره» وهو يتحدث عن عقد «العربستان» وعقد «رفاعة رافع الطهطاوي» «وطه حسين» و «ومصطفى صادق الرافعي» و «عباس محمود العقاد»، الذين راحوا يتباهون «بعقدة الخواجة» التي أنستهم «عقدة اوديب» وعقد «العربستان» التي لم يعاينها «ابو الحسيد» القائل : «انت الذي لو يُعابُ في ملاء ما عِيبَ إلاّ بأنه بشرُ اعاذك الله من سهامهم ومخطىءٌ من رَميهُ القمر» فالإغتراب الذي عاناه غازي القصيبي، بعد «ابي حسيد» لا يشبه تحريم فقهاء المسلمين لهذا العلم والتحذير منه، لأنه الأشبه بالمفهوم الرئيس لدى الهيجليين من الشبان، أمثال شتراوس (1808-1874)، وباور (1792-1860) وفيورباخ (1804-1872) الذي يعالج غربة الإنسان والواقع العياني العشوائي المتأرجح بين المثالية والعبثية. فالإغتراب الذي عالجه فيورباخ في كتابه المشهور: «مستقبل الوهم» Ilusion The Future of هو كتابٌ يؤسس لعلم الأمراض، وعلاجها بالعودة الى طبائع الأشياء التي منها ماء الإيونيين عند طاليس، والأعداد عند فيتاغوراس، والذرة والفراغ كمبدأين أزليين عند ديموقريطس، وقانون الصيرورة والتحول عند هيراقليطس القائل «ليس بإمكانك ان تنزل النهر مرتين» !! لذا قال علماء النفس «الاغتراب موقف مرضي، يقذف به الإنسان، نفسه خارج نفسه، ويتماهى بصورة غير صورته، حتى ينتهي إلى تأليه «أناه» ؛ والتصالح مع الأصحاء في العالم، الذين يعبرون الجسر إلى ذواتهم الغائبة، وإلى الله». فالضربات الكبرى التي وجهها غازي القصيبي في شعره، وقصصه، ورواياته أصابت نفاق «العربستان»، ومجتمع الحياد، والجهل، واللامبالاة، وغياب الحماس والوعي، ومجتمع الأوهام، والحقائق المزيفة، والشائعات. فمي زيادة، الأنثى التي اطلقت الف ديوان شعر، ولم يعجبها كل عتاولة مصر، كانت تعاني من عقدة «الخواجة» الذي يعيش في نيويورك: «جبران خليل جبران الذي كان رساماً من الدرجة الثالثة، ولوحاته مليئة بالرموز الدينية، صلبان في كل مكان، وكأنك في حرب صليبية». ولما صدر كتاب «جبران في حياته العاصفة» زعم جبرا ابراهيم جبرا «ان العبقري جبران كانت لديه مع الفرد داي ميولٌ جنسية غير طبيعية»!! أما القصيبي في «العصفورية» فيرى ان مشكلة جبران لم تكن الشذوذ، بل اعجاب العجائز به، لأنه أنكر أمه، كاملة رحمة، وراح يبحث عن عجوز «خواجة» يستجير بها «أما» تفجر فيه «عقدة اوديب»، وتستحق قتلها!! ومثل عقدة الخواجة عند مي زيادة وجبران خليل جبران. هذه العقد المتزاحمة كانت تدفع بغازي القصيبي إلى كثير من الاغتراب، يكتبه بدماء القلب على صفحاته البيضاء، وليس بالمداد الأسود على أوراق جوفاء. فالحقيقة عنده هي الإنسان، لا العقل الغيبي المجرد أو المثالي الذي يضحي بالعياني، ليقوضه بالوهم والخداع. لذا يمكن ان يتسمى غازي القصيبي «بالفيورباخي» صاحب الفلسفة الإنسانية، التي تجعل الوجود الإنساني، هو الوجود الحقيقي، وتقيم فلسفة وضعية لا تأملية، وفلسفة تاريخية، لا فلسفة دون ماهية مسبقة، مثل جوهر سبينوزا، أو ذات كانط وفيخته، وهوية «عربستانية» لا هوية مطلقة كما عند شيلينج وهيجل، إذ ان الإنسان هو اكثر الموجودات واقعية وموضوعية في علاقاته الحسية بالعالم وأشيائه وموجوداته. فالإغتراب الأول الذي عاناه غازي القصيبي هو اغتراب وجودي، انتزع منه الرحم الذي رحل عنه، وتركه لمصيره وحيداً في مفازة الغربة المفروضة على الإنسان فرضاً، كمأساة يصارعها فيقع صريعها، بعد ان صارت ذاته هي صلب وجوده. فسورين كيركغارد يرى أن هذا الحمل لا يستطيع الإنسان ان يحمله إلاّ بمساعدة الإيمان، ولو أن الإيمان لا يرفع الشك ولا القلق، كما انه لا يؤسس لإمتلاك الفرد لذاته في علاقة محتمة عليه كمثل علاقته بغربته، وبالكون الذي يجعله يقف دائماً امام الصيرورة وقانون التحول. إزاء الصيرورة وقانون التحول، يدفع فريدريك نيتشه «بإرادة القوة» التي هي إرادة الإنسان الفردية، التي تتشوق إلى الوجود، وتنزع إلى الحياة. وهي نزعة قال فيها هنري برغسون: انها النزعة الخلاّقة التي تهدم في الإنسان طابعه الحيواني الغريزي، لتحل محلها صورة الإنسان «المبدع لذاته» الذي يخرج على «حياة القطيع» ويجعل الحرية اساس كل عمل إنساني، لأنه الإنسان ليس «ما هو» بل «ما يصير». فالوجودية التي صارت وجوديات أوطان ولغات في المانيا وفرنسا، هل لها أن تستوطن «عربستان» وتتحول إلى سؤال، عالجه غازي القصيبي بغير أن ينظر له، إذ انصرف لإبداعه، لا لفلسفته، بمعالجته للذات، والذات الأخرى، والحرية، والوعي، والكائن المهدد. فالوجود الإنساني «العربستاني» هو عند غازي القصيبي هو وحده المهم، أما الباقي فعبث، لأن الوجوديين مذ رافقوا ضياع الإنسان الذي اصبح لا مأوى له ولا جذور، عادوا ليطالبوا الفلسفة بالعودة إلى السؤال حول الإنسان المهدد بالتأثيرات الوافدة عليه من خارج: كالشعور الديني والفكر اللاهوتي والأسس الميتافيزيقية التي تحوِّل الإنسان نقطة عبور لقوى خارجة عنه، واختزال مصيره الفردي إلى وجود زمني عابر في العالم، بغير بصمة وبغير أثر، وكأنه لا يدين للوجود، ولوجوده بشيء. في هذا السياق رأى كارل ياسبرز أن الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يقول «انا» ؛ لأنه موجود متفّرد، غير قابل لأن يحلّ محله موجود آخر، هو «المنتصب خارجا» بوصفه كائناً، يلقي بنفسه باستمرار في الوجود العيني، الذي دونه التشيؤ، أو «الوجود غير الأصيل» !! فالوجود لدى «كيرغارد» هو الوجود العيني الفريد «للأنا» التي يبحث عنها غازي القصيبي، في جحافل «الأنات» «العربستانية» الفارغة كلياً من قلق الوجود، وصنعه، بعد ان استعاضت عنه بالإقامة الدائمة في «التوكل» وفي «الغيب» !! فإلحاح المشاكل الاجتماعية، وتفاقم الفقر والبؤس، بالإضافة الى ما جاءت به تطبيقات العلوم النووية والذرية من تهديد لحياة الإنسان، وتدمير لمحيطه الطبيعي والحضاري، حمل غازي القصيبي، على اشتداد شعور «العربستانيين» بالضياع، والإغتراب أمام المعطيات الجديدة، يستهلكونها، ولا ينتجونها؛ مما زاد من هلعهم وقلقهم تجاه حاضرهم ومستقبلهم. فعند غازي القصيبي كما عند هنري برغسون من قبله: الوجود هو نزعة نحو الحياة، وبناءٌ للذات المتعالية، أو الأنا_ الإنسانية، قبل الأنا_الغيبية؛ التي يجب الاّ تختزل كل «انا» سواها. هذه «الأنا» هي عند «العربستان» والدول المناوئة للإستكبار العالمي، هي «انا» استاذ كامل متكامل مكمّل أكمل، اي استاذ كرسي يشبه الديك الذي يقهر كل الدجاجات، بعد ان طارت شهرته الآفاق بسبب من عبقرية كتبه الضخمة التي من عناوينها:«أبعاد الآماد» «الباقلاء والأدب: دراسة ابستمولوجية، سوسيولوجية، بيولوجية، فسيولوجية، مترولوجية، جيولوجية، كزمولوجية، ميتولوجية». وهكذا وبسبب الباقلاء صار الديك استاذ كرسي، وقرر ألاّ يفارق الكرسي، لا في الحياة وفي ما بعدها، إذ أمر بدفن الكرسي معه بعد موته. لأن عقدة الكرسي لا تقل في خطورتها عن عقدة الخواجة. هذا عن الكرسي الذي يردّ «الأنا» إلى «أناها» قبل ان تنصرف إلى الحياة الأكاديمية، وظرف مجالسها التي منها: الف مجلس في الجامعة المتقدمة، وأضعاف ذلك العدد في الجامعات المتخلفة: كمجلس المادة، ومجلس المنهج، ومجلس الفرع، ومجلس القسم، ومجلس الكلية، ومجلس الجامعة المتوسط، ومجلس الجامعة العالي، ومجلس الجامعة الأعلى، ومجلس الجامعات. وهذا كله غير المجلس العلمي، والمجلس الثقافي، ومجلس الترجمة، ومجلس النشر، ومجلس التعيين. تجتمع كلها لترى في دقة موضوعا يقدم للبحث بعنوان «ما العلاقة بين الباه والدكتوراه؟». هي أيامٌ خوالٍ، يتذكر فيها غازي القصيبي «الباه» العربستاني موضوع الدكتوراه، ونظام الساعات الذي استغرق البحاثة لمناقشته، وهو نظام نما وترعرع حتى امسى نظام سنوات. وقد ينمو ويترعرع في مقبل السنوات ليصير نظام قرون. فالمخلوقات الأكاديمية المنصرفة عن «ذواتها العليا والسفلى» هي مخلوقات تتحدث عن غيرها وباههِ، بأفكار فوق مستوى الدهماء والسوقة. فنصف دول العالم «العربستاني» تموت من الجوع وجامعاتها تعلن حالة الطوارىء استعداداً لترقية استاذ مساعد الى استاذ مشارك. العالم يبحث مشاكل الإنسان، والتنمية وثورة الإتصالات والمواصلات والثورة المعلوماتية، وهندسة الجينوم والجامعات «العربستانية» تبحث في مخطوطات الباه وتقيم لها: لجنة سرية ولجنة علنية ولجنة لختم المظاريف ولجنة لفض المظاريف، وكأن المخلوقات الأكاديمية «العربستانية» ما تزال تعيش الفترة الذهبية من العمر، وتشرب الحياة الجامعية حتى الثمالة. هذه الذكريات المفعمة «بالتلصص» على الآخرين، وظرفهم، وغرائب فحشهم ومجونهم، جعلت غازي القصيبي يعارض رأي ابي حسيد مذ ربط بين الذكاء والتعاسة، ليرى «أن لا لذة في العيش إلا للمجانين»، ومن متعهم قراءة الجاحظ في الممنوع والمسكوت عنه من كتاب «المفاخرة بين الغلمان والجواري» الذي مات صاحبه صريعاً تحت كتبه، في حين كان الامبراطور أكبر أمياً لا يقرأ ولا يكتب ولو خطرت بباله صدفة، توحيد البشر على عقيدة فاشلة، هو الذي انتهى إليه المجنون، الذي فقد عقله، وأمسى «يوطوبيا»، وكائناً خطيراً حلّت عليه اللعنة، كما حلّت من قبله على ابي العلاء المعرّي القائل: «ولا تطيعنَّ قوماً ما ديانتهم إلا احتيالٌ على أخذ الأتاوات وإنما حمل التوراةَ قارئها كسبُ الفوائدِ، لا حبُّ التلاوات» ثم اضاف : «في كل امركَ تقليدٌ رضيت به حتى مقالُك ربي واحدٌ أحدُ وقد أمرنا بفكرٍ في بدائعِه وإن تفكرّ فيه معشرٌ لحدوا وأهل كلَّ جدالٍ يمسكون به إذا رأوا نور حقٍ ظاهرٍ، حجدوا ثم اضاف : «إن الشرائع القت بيننا إحنا وأورثتنا أفانين العداوات وهل أُبيحتْ نساء الروم عن عرض للعربِ، إلا بأحكام النبوات؟» فأقوال «المجنون» تتخطى المعايير، لتؤسس للحق، وتتمرد على الخطيئة والإثم، وتضم تحت جناحيها المنبوذين من الفقراء، والبغايا، وكل حطامٍ آدمي مستباح!! فالجنون قصة طويلة في مسارها المأساوي، تقنّع بها بودلير، واندريه بريتون، وآرتو، وشوبنهور، وشكسبير، وبيكاسو، ونيتشه من العباقرة الذين جعلوا من الجنون نمطاً وجودياً به شنوا حربهم ضد المجتمع البورجوازي المريض، والمؤسسات اللاهوتية التي احلت الكهان ورجالات الدين محل الأطباء، لإثارة الذعر من العقاب الإلهي، ونيران جهنم!! فالمجنون هو الوحيد المرتحل في مملكة ذاته، الذي يتآمر عليه أطباء الروح والجسد ليعودوا به إلى عالم التبعية والتشويه، ويقطعوا عليه مغامرة العيش، بعيداً عن سخافة الوجود وعبثية الزمن وحقارة البشر وانحرافاتهم، لأن المجنون يرفض التكيف مع عالم التزييف، والعنف، والظلم، والتقليد. ففي حياة ينعدم فيها الرجاء، وتنعدم فيها الحرية، يصير للمجنون شريعة من نفسه، يحرق فيها كتب التاريخ العربي على اعتبار ان هذا التاريخ سيظل يُكتب مُزوراً، وهو يحكي كوابيس الرعب، الى كل روح جائع إلى الحرية، ترفع راياتها وتكم افواه، الذين يعانون مرارات التكفير، والصمت، والاغتيال القاتل. فللمجنون وحده مرايا تعكس في صفائها الصريح الصور والوجوه التي للجلادين والضحايا. فالمرايا عيون أمة تدور في مآقيها معانٍ لسخرية مهزومة، تختزن في كل مفصلٍ من مفاصلها مقداراً من محرقة الروح. فالسخرية التي خبرها غازي القصيبي موقفاً من الذات ومن الوجود، جاءته انكاراً للواقع المهلهل، والمرقع، والمتهاوي، فكان منها الحذق في إصابة الهدف، وسرعة الخاطر، وحضور البديهة. فعدم إمكانية حسم السخرية عنده امرٌ يختلف عن نصه، بوصفه ما لا يمكن حسمه. فان ما لا يمكن حسمه، بوصفه «كلمات» او «تصورات»، يميل باتجاه الذات، ومثلها باتجاه الوجود، بغير ان يقتصر على أحدهما؛ وهذا ما يظهر في سياق المفاهيم الميتافيزيقية، أو الفلسفية، أو الأساليب الأدبية المتعددة. فغازي القصيبي يكتب «كتابة مزدوجة» عن «اناه» وعن «العالم» لما لا يمكن حسمه بين الـ neither والـ nor، ولو انه يضع حدوداً لنفسه، ويؤسس تخومه الخاصة، واستطراداته، واطرافه، ومحيطه؛ وبالرغم من التأسيس «لأناه»، يتدفق النص، كمرآة تقدم سرداً، وتكشف عالماً من السيرة الذاتية، والرؤى الفقهية، والنصيات الكلامية والتاريخية المخفية عن العيان، مما يتيح رؤيتها ومعانيها. فلئن أمكن مع غازي القصيبي الراوي، والقصاص تحديد ما هو داخل النص، وما هو خارجه، فهل تقع الشروح والتأويلات والقراءات داخل النص أم خارجه؟ فالنص عنده، كما في العصفورية، ليس عملاً، ولا سلسلة من الكلمات، وليس كتاباً، وليس كتابة أو كلاماً، بقدر ما هو الموقف المباشر من التاريخ ومن الثقافة، ومن الإنسان، ومن الحاضر. ولما شاء غازي القصيبي التربع على عرش «الأنا المتعالية» هجر ابا حسيد، ليتقّنع بـ«اناه الخالصة» ويتشرنَقَ بـ«سحيم» الذي لم يمتلك سلطة رغِبَ في إدعائها، إلاّ سلطة الشعر التي بسببها قتلت عشيرة بني الحسحاس عبدها الشاعر حرقاً، لأن الشعراء هم الغاوون الذين يكذبون، وفي كل وادٍ يهيمون: «سحيم كيف يكون السواد وسيماً؟ يكون! سمية كانت تحب السوّاد سمية تلك التي راودت عنترَ الأسود العبد عن جسمه فتأبى!! وجاء ابوه. وصاحت سمية: «شدادُ! عبدك هذا اراد افتراشي!» وجنت سياط. وسالت دماء!! أننزف_ نحن العبيد_ دماً؟ أم هو الحبرُ أسود في لون سحنتنا؟» فذات «سحيم» هي المركز، والأساس، ونقطة الإنطلاق، وملاذ الإستغاثة الأخير، في تراكيب «أنا»، تؤكد اعتلاءها عرش المتعة، لإعادة تقييم إنسانيتها، وسلطة ذاتيتها. هي الأنا «الشاعرة» تقف في قطب الإختلاف، لا في «قطب الما بين» لأن قطب الما بين هو المكان الذي تقول فيه الذات الشاعرة، أنها ليست ذاتاً متفوقة. فسحيم كتب حقيقته الإنسانية شعراً، مذ رأى أن واجبه الإلزامي، المجاهرة بقول الحقيقة، تنزف دماً، وتستنطق فيه قابلية العشيرة على رؤية الأشياء المرئية في العالم التي منها سواد الحبر، ووسامة السواد!! فسحيم الأسود لم يعرف غير مجتمع يسَوّد البيض ويسكّع السود، إذ عاش في برزخ حرج بين انتهاء الجاهلية وامتداد الإسلام. فاللعنة التي حلّت على سحيم جاءت من : «إدخاله العالم إلى بيت اللغة»، عبر قرين غير منظور، من الكائنات الغامضة التي من مهماتها ان توسوس في الصدور، وتزيّن معاصي القول، وتدفع اليها؛ لأن الشعر نكدٌ بابه الشر، ولأن صاحبه حين يتوهج ويصبو يطأ المحرمات ويعاقرها. مما جعل الشاعر سحيم ينوء بلعنتين: لعنة الشعر ولعنة السواد والعبودية، اي لعنة العبد الآبق الذي إذا جاع هجا رجال العشيرة، وإذا شبع شبب بنسائها، حتى دارت حوله حكايات: بيعه، ونوادره، والكيد له، وسجنه، ومقتله الطقسي الاسطوري، وشعره الذي تعدد مؤلفوه، وظلّ يتكوّن عبر ازمنة طويلة، حتى جاء النص المركزي «ديوان سحيم عبد بني الحسحاس» لمحققه عبد العزيز الميمني، الصادر في القاهرة عام 1950. غير أن سؤالاً يوجه لغازي القصيبي صاحب «سحيم»، يدور حول «الأنا» الشاعرة، وما يتنزل عليها من «لعنات»، حققها نفطويه النحوي الشهير، مما حفظه الرواة عن سحيم، وسرده عنه ابو الفرج الأصفهاني، في كتب التراجم، وقد جاء فيها: «يُكنى ابا عبد الله، وقيل في اسمه حيّة. وسحيم ترخيم الأسحم بمعنى الأسود. قتل في حدود الأربعين من الهجرة، ولكن الرواة اطبقوا ان مقتله كان في زمن عثمان اي قبل ٥٣ من الهجرة». هذه الترجمة تفجّر اسئلة عالجها غازي القصيبي بالصمت لا بالمجاهرة، ومنها: هل يعرف للعبد تاريخ ولادة وموت؟ وهل لشعره أن يرفعه الى مرتبة، أصحاب الإسم والكنية؟ هل تلبّس غازي القصيبي أردية العبد الآبق، لأن الشاعر العائد، ما زال يطوف، بين آلاف التقاليد الحقيرة، وسحيم يتوضأ باللهيب وهو يصيح: كل ما كتبته محض حروف، وكان حلمي ان الحروف تملأ رقادي بالطيوف، وأن يدي حول امواتي تطوف. دمي كان المداد، وديواني الأوحد، يغزوه الرماد مذ كان صراعاً طبقياً بين قوى الظلام والإنسان. فالشعر ببلاغته الكاذبة، ليس ترفاً بل واجب وجود لما يستحيل ولا يتحقق. فللشاعر من جلده، كما كان لسحيم ولغازي القصيبي، قناعان لوجه واحد: هو وجه المتمرد في عالمي الإغتراب والسخرية. ولما كان الشاعر صانعاً للإنسان الثائر، وجب عليه أن يرتاد أصقاع الأزمنة، ليحمل منها نبوءات الحرية، كبشير لها أو نذير!! فالشاعر يمتطي صهوات «الثورة» بالكلمات، والتمرد، والغربة، التي تجرّده من بعض ذاتيته، لتبعده عن الغنائية والرومانسية وتترك له ان يعانق التاريخ، والرمز، والأسطورة، والمدن، والأنهار، يستبطنها، ثم يعود ويتجاوز ما كان منها، متنبئاً بما سيكون. فغازي القصيبي إذ عاد يبتعث مأساة سحيم الأسود، وقف بوجه السلطة الزمنية الغاشمة وما تملكه من اساليب المكر في قتل الخلق والإبتداع والمروق، والزندقة، ظناً أن الخلق والإبتداع ينتهي بموت الفنان الفاجع، وبغير وعي ان الموت يجدد الفاجعة الحقيقية على مدى التاريخ. من هنا فإن غازي القصيبي الذي يؤكد قيمة الإنسان، الشاعر خالقاً وسيداً لمصيره كما في «ديوانه سحيم» تحلّ فيه روح الزمن الإنساني البعيد، وتشتعل الحرائق في لغته، كإشتعالها في جسد سحيم، إذ تحوّلت لهباً، واختفى فيها الوجود بالوجود، والنبوءة، والرؤيا بالرؤيا، والعشق بالعشق، ولو موتاً!! السيد يولد فيسميه ابواه، لكن من يسمي العبد؟ إن اسم العبد يسقط عنه عند انخلاعه عن عشيرته، كما سقط عن سحيم الحبشي يوم غادر افريقيا إلى آسيا وسكن لغة غريبة، صارت له منفىً، فاعتلى بمنفاه بيضاء حقاً وصدقاً، ووطىء من لا تحق له، هو الذي تقلب في اسواق الرق، يباع ويشترى، ويفتك لا بغمار الحرب، بل «بحرائر أسد بن خزيمة». اسم سحيم، الذي سلم من التدمير، والذي استعاده غازي القصيبي من اصحاب التراجم الذين خلطوه مع سحيم بن وثيل الرياحي، وردّ اليه عشيرة ابن الحسحاس،، لن يبقى واقفاً على حافة السديمي، ولن يكون له وضع النغل أو اللقيط المجهول، الذي لا اب له. فسحيم الذي أتى من مكان غامض معلّق بين الحبشة والنوبة، هو الشاعر المارق، المولع بالمجاهرة، ورفض العبودية والإقصاء والدونية، حتى لكأنه عانى ما عاناه محمد الفيتوري القائل في الشعر والحياة: «دائماً تحاصرني عيونهم... ضحكاتهم... تتابعني حيثما أسير...فأثير فيهم روح السخرية والإستهزاء...لقد فضضت سرّ اللغزة والمأساة: إنني قصير وأسود ودميم»: «فقير أجل..ودميم دميم بلون الشتاء بلون الغيوم يسير فتسخر منه الوجوه وتسخر حتى وجوه الهموم ولكنه ابداً حالم وفي قلبه يقظات النجوم قامته لصقت بالتراب وروحه هزئت بالقمم» ويضيف في قصيدته «انا زنجي» متحدياً: «قلها لا تجبن!! قلها في وجه البشرية انا زنجيٌّ وأبي زنجي الجدّ وأمي زنجية انا اسود... اسود، لكني حرٌّ، امتلك الحرية» وقال غازي القصيبي في سحيم: «غراب وعبدٌ!! والعبدُ يحترف الشعر والعبد يسكنه العشق» وقالت سميّة: «غرابٌ عجيب! عهدنا الغراب يحب النعيب وانت تحب الشيب!!» وكانت امّ سحيم، تطلب إليه الخيانة، لتدفع عنه الموت، الذي يجلجل بسهام «تطن طنين الذباب، وسيوفٍ تنق نقيق الضفادع» وسحيم يقول :«أبي كان اطول من كل نخلة، وكان إذا سار يترك فوق الشواهق ظله. سليل العماليق كان. وكان سحيم يسأل امه : ما اسم أبي؟ نسيت وما نسيت!! فلو باح لتمكن منه السحر. كان يقول: انا زعيم الصقور، وحيناً يقول: مليك النمور، ما اعظم الشعر! فهو حين تذوي الحرائق بجلد سحيم، يشبّ شعره على جبهة الدهر، ويعصى الزمان، ويشمخ بالسحر». فغازي القصيبي إذ يتلبس جلد سحيم الشاعر الأسود فإنما ليؤكد أن الغريب اللامنتمي لأشبه بصاحب التجلي، والظواهر النبوية، في تقبّله لطاقات الجنون المقدس، والإلهام، والهذيان، فهو يتكلم عن نفسه، ولو جعل من سحيم، مرآته العاكسة. فالمرآة العاكسة التي سجنت وجه غازي القصيبي، صارت منفىً، لا سفر فيه، ولا ارتحال، بل إقامة ضيقة، مبتوتة الصلة بالعالم، وكأنها تحيا في عزلة عنه، أو كأنها لا تتوخى من الحياة إلا قليلها: وهو البقاء بغير لهب واحتراق، البقاء، بأقل حياة ممكنة: بولادة لقيط يرحل الضوء عنه، فينشد : كم ان العتم بقاء، وسادته تسرق ذاكرتي، وتهدهدني، وتسند رأسي لئلا اغفو أو انام. ذاك العتم الباقي من سحنة سحيم وجلده هو العباءة/الملجأ، التي قال فيها غازي القصيبي ما لا تؤديه الكلمات، ومأساة اللهيب، لأن الشعر عنده، هو السبيل إلى اكتشاف :«الأنا» و «الآخر»، بما بقي يدوّي منهما في الذاكرة بعد رحيل «الأنا» و «الآخر». فالشعر عنده، ملك المجانين الذين يؤرقهم الجسد المكفن بالعري والبلاغة وكذب الخطيئة الأولى!! فلو كان لغازي القصيبي شاعر، هويةٌ، فإنها تلك التي ما تزال تمسح آثار العدوان عليها، وتقول إن لي وطناً صغيراً، هو الإنسان. فالهوية الشعرية عنده ليست هوية صراعية مع الغير، بل هوية تسير باغترابها من ارض التيه والضياع، نحو اخرى مجهولة تحنو عليها، وتتلبسها انخطافاً، ثم إشراقاً، وتصير حضوراً «بالواحد» الذي ليس هو «ذات» وليس هو «غير». فإن الشعر عند غازي القصيبي هو لغة الغبطة، التي تقوم بين «الذات» و «الآخر» اي بين «الأنا» و«الأنا» المرآة التي تعكس ما لا يقول إلاّ ذاته، وقد لمحها «بعين القلب» التي فيها يلتقي رحم التراب وروحه!! ففي الغربات صبوات، تشتاق الربيع، يتنزل بحقائبه، ويوزعها على الفساق، والمجانين، والشعراء، ومنهم سحيم، الذي خرج على رماده، وصار في عروق القصيبي بعثاً يتربص كلمات اللهب والنار. فغازي القصيبي لا يمارس في شعره نرجسيةً ابداعية هي له، بل يتقمص كائنات يحكيها، كاشفاً ومُبدعاً، وكأنه يتقمص وجعاً، ليزيد الوجع حضوراً، ولتزيد حروفَه سخريةً، تخترق ما كان، لتصير وجهاً لوجه مع ذاتها، والآخر. فالشعر وحده يشبه المرايا المبثوثة في الجهات الأربع لرصد الأقنعة والجلود والسحنات المليئة بالمسبق، والجاهز، والمتراكم، والمحجوب، والمختلف. فسحيم بوجهه الأسود لا يعود نقيضاً لوجهه، بل يتحول فيه، إلى وجهه الآخر؛ يبني به «عالما» يقوم فيه «العالم» ويشهد على حياته لا على موته، كما يشهد على كينونته لا على رقه وعبوديته!! فمذ محقت الثقافة إسم سحيم العبد المارق وجرّدته من اغترابه، ومحقت «اناه» الدالة عليه، التي كانت «انا الشعر»، وطردته خارج لعبة «الضمائر»، وأسكنته في «ضمير غائب» ينوب عنه، عاد غازي القصيبي لسحيم الذي ظل اسمه القديم واضحاً رغم المحق والمحو، وكأنه يعود إلى الذي كان صاحبه، عن طريق اداءٍ أنثوي قال بغتة: «اشعارُ عبدِ بني الحسحاس فمن له يوم الفخار مقام الأصل والورق» بحيث نفت هوية الشعر هوية العبودية والإقصاء والدونية، والسواد، والعلاط، وخطوط الوجه، والرثاثة، وسحق العباءة. فالثقافة التي أقرّت ان سكان الجنة بيض، يشربون من كؤوس بيضاء، فلا سواد ولا شوب: «يوم تبيض وجوه، وتسوّد وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم، اكفرتم بعد ايمانكم، فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون» آل عمران ٦٠١ «يطاف عليهم بكأس من معين، بيضاء لذة للشاربين» الصافات ٥٤/٦٤. يضاف الى النص المقدس، قول منسوب للرسول «صلعم» جاء فيه : «لا خيرَ في الحبش، إن جاعوا سرقوا، وإن شبعوا زنوا» وإذ اقرّت الثقافة بعبدها الآبق، وغرسته في المروق والتجديف واللعنة، فإنها اقرّت بمن نظم بلغتها المقدسة، المتأبية على الأعاجم، ولو انحرف شاعرها بالعقائد، وأثار الفتن، وحمل بين جنباته الوقود الآثم الذي سيعتقه من وطأة غربته، ويحله في لغة ثانية، خان من اجلها لغة أمه. بعض مراجع البحث: ١- Arvon, H : L.Feuerbach ou la transformation du sacré. PUF, Paris 1957 ٢ - Feuerbach,L : Textes choisis (1839-1945), Trad.L. Althusser, PUF, Paris 1960 ٣ - Wahl,J : L'Expérience Métaphysique,Ed,Flammarion, Paris 1965 ٤ - Freud,S : The Future of an illusion, Hogarth Press, 1949 ٥ - Perroux,J : Alienation et Société industrielle Gallimard, Paris 1970 ٦ - Lefebvre,E : L'Existentialisme, Paris 1946 ٧ - Mounier,E : Introduction aux Existentialismes, Paris 1947 ٨- القصيبي، غازي : العصفورية، دار الساقي، بيروت 1996 ٩- محفوظ، محمد: البروفسور غازي القصيبي وعالمه الغريب جداً، لندن 1998 10- بدوي، عبد الرحمن: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، بيروت 1982 ١١- سلامة، بولس:الصراع في الوجود، القاهرة 1952 12- ماكوري، جون: الوجودية، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، الكويت 1982 13- ديوان المتنبي: دار صادر، بيروت، لا.ت. 14- بدوي، محمد : بلاغة الكذب، القاهرة 1999 15- ديوان سحيم عبد بني الحسحاس: تحقيق عبد العزيز الميمني الهندي، طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب في القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر 16- القرآن الكريم 17- بدوي، عبده: السود في الحضارة العربية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986 18- عابدين، عبد المجيد: بين العرب والحبشة، بغير ناشر وبغير تاريخ 19- ديوان محمد الفيتوري: المجلد الأول، ط، اولى 1972، ط. ثانية 1974، ط. ثالثة 1979، دار العودة، بيروت 20- القصيبي، غازي: سحيم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1996 |
|||||
|
|||||