|
|||||
|
الشاعر الغشري سعيد بن محمد بن راشد بن بشير الخليلي الخروصي.. و«الغشريون» فخذ من أفخاذ قبيلة «بني خروص» العمانية ذات الشهرة والصيت الكبير التي قدمت لعمان ثلاثة وعشرين إماماً حكموا في فترات مختلفة تمتد في مساحة الزمن بين القرن الثاني الهجري وحتى القرن الثالث عشر الهجري عدا العلماء الكبار والفقهاء العظام حتى لقد قيل في المثل العماني القديم (كادت الامامة أن تكون خروصية وكاد العلم ان يكون كندياً) وحسبنا قول شاعرنا الأكبر أبومسلم الذي قال: وأين قوام أمر الناس قادتهم بنو خروص حماة الدين مذ كانوا أحمــــد الفــــلاحي كاتب من عُمان ولد الشاعر الغشري في بلدته «ستال» وهي قرية جميلة من قرى «وادي بني خروص» المعروف بأنه من أجمل أودية عُمان وأحصنها تحيط به الجبال من كل جانب ويتكئ القسم الأكبر منه على الجبل الأخضر الشهير ويشتمل على عدة قرى رائعة المنظر تمتلئ ببساتين النخيل والأشجار وأهله لهم أسبقية في العلم وهم أهل كرم ونجدة وشهامة. وفي هذه القرية توفي وقبره موجود بها ومعروف. وله أحفاد من نسله يقيمون الآن بمدينة «العوابي» ومن آثاره في بلدته وقف يصام به شهر كل سنة كفارة عنه حسب وصيته. وقد مجد الغشري قريته هذه وافتخر بها. وكانت حياة الغشري في القرن الثاني عشر الهجري وللأسف لم نظفر بتاريخ ولادته ولا بتاريخ وفاته ويرى الشيخ مهنا بن خلفان الخروصي انه توفي بعد عام 1171هـ لأنه قد ثبت لديه من وثائق مكتوبة تعود لذلك الزمن انه كان حياً حتى هذه السنة 1171هـ وللأسف ايضا لم نجد مصادر تغنينا فيما يتعلق بالغشري وحياته ولهذا لم يكن أمامنا حين أردنا التعريف به سوى أشعاره وقصائده نتتبعها ونحاول استنطاق مضامينها للخروج بصورة مقربة لسيرته وحياته وأحوال زمنه. وقد صدر ديوان الغشري ضمن سلسلة مطبوعات وزارة التراث والثقافة. الغشري شاعر له تميزه بين شعرائنا لكونه عبر بصدق عن كل ما كان عليه حال مجتمعه ووطنه وعكس لنا صورة واضحة لذلك العصر المضطرب الذي عاش فيه، ولا نعلم أديباً عمانياً سجل الحالة التي عاشها ورآها كما فعل الغشري ولم يكن شعره في الحقيقة تسجيلاً مجرداً لواقع الأمر وانما كان استنهاضاً لقومه واستصراخاً لهم ليبادروا الى تغيير الحال والانطلاق الى محاربة الخصم وتوحيد الصفوف واغلب شعره من هذا النوع تحس فيه الغضبة وتجد فيه الثورة والغيرة. وكانت حياة الغشري في أواخر الدولة اليعربية حيث غلب الفرس على البلاد وتسلطوا على أهلها وأذاقوهم مر العذاب وحصلت مآس وفضائع رهيبة أثارت شاعرنا ووجهت شعره وجهة الاستنهاض وتحرير البلاد. والغشري شاعر متعدد الموضوعات له في الغزل وفي الحكمة وفي الوصف وفي الفقه والتوحيد وفي الرثاء وفي الإخوانيات وفي أمور أخرى مختلفة. فنجد له قصيدة في بناء منزل أو في هطول المطر أو نحو ذلك من الأشياء التي تحدث في المجتمع، وتلك طريقة كان يتبعها الشعراء الأقدمون بيد ان شعره في الوعظ والزهد يكاد أن يكون أكثر من ثلث ديوانه وهو يمقت المديح ولا يحبذ مدح الملوك والأمراء ولكنه يمدح قبيلته «بني خروص» ويفتخر بها وقد احتلت مدائحه فيها شطراً ليس باليسير من ديوانه. وهو يعتز بذاته كثيرا مما يدلل على شخصيته التي لا تقبل الخضوع ويبدو من خلال تأمل شعره ان له مكانة اجتماعية رفيعة وانه ذو همة عالية ونفس كريمة أبية ولذلك كان اهتمامه في شعره بالقيم وبأحوال قومه ووطنه ولم تكن نظرته الى الأمور نظرة مادية. وحتى ان اقتضاه الحال أن يوجه شعره الى الحاكم فانه يتوجه اليه ناصحاً ومرشداً ومبيناً للخطأ والصواب كما في نصيحته للامام سلطان بن مرشد اليعربي ونصيحته للامام أحمد بن سعيد البوسعيدي بعد ذلك ففي قصيدته لم يكن يمدح وينتظر الجائزة ولكنه كان يؤدي واجب النصح ويوضح بمنتهى الصراحة ما يريد توضيحه للإمامين. وهو شاعر زاهد شديد التدين متعلق بالآخرة وبعزة الاسلام. وكما يبدو من شعره انه عاصر أواخر الدولة اليعربية وشهد انتهاءها وأدرك الدولة البوسعيدية وزامن منشئها الإمام أحمد بن سعيد وكانت فترة مضطربة مليئة بالأحداث والحروب وتسلط العدو الخارجي على البلد في ظل فرقة أهلها وانقسامهم ومن ثم نجد الشاعر يعيّرهم بهذا الضعف وهذه الذلة ويثير نخوتهم وحميتهم الوطنية والدينية ويتفطر قلبه ألماً للحالة التي وصلت اليها الدولة بعد الصيت العظيم الذي كانت عليه دولة اليعاربة التي أدرك هو بنفسه طرفاً من أمجادها. كما اننا نلمح من شعره ان له محاولات للقيام والثورة ويبدو في بعض قصائده كأنه متفائل بنجاح حركته وانتصارها ولكن ما نلبث أن نراه يعود الى التحسر والأسف. والحق انه ليس هناك ما يشير صراحة الى انه قام بحركة ما ولم يوفق ولكنها تلميحات واشارات قوية ومتعددة الى هذا المعنى سوف نقف عند بعضها. ولعله كان يتهيأ للقيام ويتفاءل بالنجاح فلم يتيسر له ذلك أو انه قام فأخفق. بيد أن شعره السمة الغالبة فيه هي الاستنهاض والتحريض لقومه وبني وطنه. الاستنهاض الحالة التي كانت عليها عمان في ذلك الزمن القاسي دفعت الشاعر الغشري ليقوم باستنهاض أهل عصره وتحذيرهم من الظلم وكوارثه المميتة فهو عدو للظلم كاره له أشد الكراهية كأي إنسان سوي ولذلك نجده يتحدث عن بشاعة هذا المسلك بين البشر وفضاعته وخطورة عواقبه المدمرة داعياً إلى مجانبته والابتعاد عنه ومقاومته وعدم مقاربته. وكان هذا هو الخط الأبرز الذي هيمن على كثير من قصائده وقد كشفت المقدمة النثرية الطويلة التي تصدرت الديوان عن هذا الهاجس الملح لديه فهي البوابة التي جعلها تستقبل القارئ لحظة دخوله لتقوده نحو أفكار الشاعر وقناعاته قبل وصوله إلى أشعاره ويتجلى في هذه المقدمة إصراره على اقامة العدل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «والبغض لأعداء الله وترك المداهنة والمصانعة للظالم ولا ترهبوا من مخلوق زائغ عن طريق الحق وإن ملك الأرض وأقطارها فإن المخلوق عاجز ضعيف» وبعد تلك المقدمة الواعظة المنبهة تبدأ القصائد وهي مرتبة على الأحرف الألفبائية وفي القصيدة الأولى وهي على قافية الألف يصرخ الغشري متألماً للحالة التي انحدرت إليها بلاده عمان في تلك الفترة فهو يرى أن مرض «الرمد» قد أصابها في عينيها وحال بينها وبين الرؤية وما ذلك إلا بسبب الطبيب الذي أفقدها الإبصار بدوائه المضر وعلاجه الخاطئ. ثم ينتقل في قصيدة أخرى بائية لينذر الظالم بالنهاية التي تنتظره: ألا يا ظالماً فاحذر سهاماً تصيبك في الدّجى من كل باب سهاماً ليس تخطئ من رمته فان حسامها ماضي الضراب ويبدي الشاعر حزنه وأسفه على أولئك الذين يرون الحق وقد طمست مصابيحه وهم في لهوهم وعبثهم لا يحسّون بشيء ولا تهمهم إلا شؤونهم الخاصة وتمتعهم بلذاتهم: وكيف تطيب النفس والحق طمست مصابيحه ظلماً وهدّت مناقبه وكيف ينال المجد من ظل لاهياً تلاعبه قيناته وكواعبه ثم يخاطب قومه داعياً اياهم للتوحد وترك الفرقة والمشاجرة واقتفاء طريق الأجداد وهو طريق العدل والإخاء ومن ثم تولية الأمر لرجل مؤهل يستطيع قيادة الوطن والنفاذ به من هذه المحنة وتوجيه الأسلحة نحو العدو لتخليص البلاد من شره وطغيانه: يا عصبتي من بني أزدٍ ألا تسمعوا مني مقالاً بأن الحق منبلج ذروا التشاجر فيما بينكم ودعوا قول الوشاة فما قولي به عوج لا تشمتون بنا الأعداء وانتهجوا مناهج العدل ما آباؤكم نهجوا ألا تعالوا لنسعى في سبيلهم لعل يبلغ بعض ما له عرجوا والأمر نوليه أهل الرأي ليس له ذو قربة أبداً قد مسه عوج يا أسعد الله ذاك اليوم يوم به طرف الأسنة في أعدائكم يلج ما أسعد ذلك اليوم يتوجه فيه السلاح ناحية العدو في حملة واحدة يقودها من هو أهل للقيادة لا بحكم النسب والقرابة بل بحكم الكفاءة وحدها سعياً لإقامة العدل ونشر الحق. ولكن ليس هناك من يسمع. وتتصاعد زفرات شاعرنا وأناته ويطلق شكواه من هذا الدهر الجائر الذي انتزع منا ثيابنا وألبسها أعداءنا وحرمنا ميراث آبائنا معطياً إياه لغيرنا فيا له من دهر غريب ألهب القلب ناراً من الحزن والأسى: إلى الله أشكو جور دهرٍ مفجعٍ لقد شب ناراً في الفؤاد وأزعجا وألبسنا ثوباً بلونا جديده وألبسه جوراً سوانا وتوجا وحرمنا ميراث آبائنا الأولى وأورثه قوماً سوانا وولجا ولكنه مع ذلك واثق بان الدوائر تدور وان الظلم زائل مهما تعاظمت قوته فالظلم شؤم على الظالمين وكم من ظالم يعيش في أوج سلطانه وعظمته فاذا به في لحظة يسقط شر سقطة دون أن يحسب حساباً لذلك لأن الظلم بطبيعته يصرع اصحابه: والظلم شؤم الظالمين ألا ارتقب آياتهم من ذلة وتبار والظالمون فعن قريب ما ترى منهم على دنياك من ديار كم ظالم مستدرجٍ بنعيمه حتى يؤاخذ بغتة بدمار وفي مكان آخر يكرر شاعرنا نفس المعنى مؤكداً ان البغي صراع الرجال وان الظلم لا تبنى عليه دار: والجور خرَّاب الديار وأهله والعدل فيه أثارة وعمارُ والبغي صراع الرجال فهل بقي للظالمين بأرضهم ديارُ ويبدي الشاعر أسفه لقومه للضياع الذي صاروا اليه فهم اذا قام فيه قائم يدعوهم الى الوحدة والى القيام لطرد العدو واقامة العدل يخونونه ويخذلونه ويغدرون به ولعله يشير الى نفسه او الى أناس يعرفهم: لكنما الظلم صراع لصاحبه يلقيه في عجل في ظلمة الحفر هذه هي الحقيقة الأبدية الثابتة فلابد للظلم من نهاية ولكن كيف هذه النهاية ومتى؟ ورجال العدل والحق قد ماتوا وليس هناك من يثيره الظلم فلم يبق الا البكاء والأسف وارسال الدموع دماً للأمر المهول: إبك على العدل وايامه ما جن ليل وبدا بدر واسكب شآبيب دم أحمر والحق خال ربعه قفر فأين قوام الهدى يا فتى أضحوا وأين السادة الغر ماتوا فمات الحق من بعدهم واشتد أمر وبدا العذر الحق لا يموت ولكنه أراد المبالغة والتهويل لفضاعة الموقف الرهيب واستنهاض الهمة فكأنه يقول لقومه ان الحق يبدو كأنه قد مات حينما مات أولئك الرجال العظام الذين شعارهم «نقيم الحق بالغداة ولو غليت لحومنا بالمراجل في العشي» ولم يبق إلا أنتم الذين ضعفت نفوسكم وقصرت همتكم فليس ثمة إلا البكاء والتحسر: أذوب أسى والعين تبكي صبابة على العدل والدين الحنيف المنور لقد مات دين الله وانطمس الهدى لموت رجال من نزار وحمير لقد كافحوا عن دينهم ثم نافسوا فحازوا جهاراً كل مجد ومفخر توالوا على اظهار دين نبيهم فآبوا بتوفيق الاله الميسَّر لهم لاح نور العدل في كل موقف بهم باد كل البغي مع كل منكر ويواصل الشاعر حزنه وتحسره على ما يراه بوطنه من سوء الحال ومن الضعف والتفكك ويؤكد أن لا خلاص من هذه الظروف الصعبة والحالة السيئة إلا بالاتحاد ونبذ الفرقة والنهوض بعزيمة وصدق. هكذا يتواصل صراخ شاعرنا واستصراخه لقومه لكي يقوموا وينفضوا عنهم غبار الذل وينطلقوا لاقامة العدل ولمحو الظلم فالأمر أصبح لا يطاق. الحقوق مغموطة والفساد قد استشرى والأخيار والاحرار قد نبذوا وابعدوا: إلى متى نهج هذا الدين مرفوض وعهد خالقنا الجبار منقوض ومنهج الحق والمعروف مندرس ومنهج الجهل مسلوك ومعروض والظلم في كل أفق لاح بارقه ومنكر ما له نهي وتقويض ولا حقوق تؤدى مثلما وجبت هل ذا يجوز وقول الحق مرفوض واستعملوا اللهو والفحشاء قاطبة في كل ناد وحبل اللهو مفروض وقدموا سفهاء يقتدون بهم وصاحب الفضل مقليّ ومبغوض انه لحدث جلل هذا الذي حل بالبلاد فكيف يمكن السكوت وكيف يستطاع العيش والبغي قد عم وانتشر والظلم يسيطر في كل مكان. أين عصبة الله التي تبيع نفسها وتفدي وطنها ودينها بأرواحها. أين أهل العزائم الصادقة الذين يرفضون الذل ويأبون الهوان، ان ورود الموت أشرف من هذه الحياة الذليلة المستضعفة أليس هناك من يعرف تاريخ خالد بن الوليد وتضحياته الجسام ومن يتخذه قدوة ومثالا. أليس هناك من لديه الاستعداد للضرب بالسيف والقتال لإحقاق الحق وإبطال الباطل: كيف السلوّ وكيف العيش في شرف والناس ذلك منهوب ومرضوض والظلم والبغي فيما بينكم ظهرت أعلامه وأتا من وبله فيض ما للعزائم والهمات خامدة والعز تجلبه البراقة البيض ما أفلح الجبنا هلا هموا سمعوا بخالد اذ بحتف الأنف مقبوض كم مارس الحرب مرساً في شدائدها كم جسمه بجراح السيف مقروض فيا بني زمني إني أحرضكم على الجهاد وفي القرآن تحريض انه يحرضهم على الجهاد ويحثهم على القيام ويقص عليهم خبر خالد بن الوليد القائد العظيم حينما ادركته الوفاة فقال قولته المشهورة «ليس في جسمي موضع إلا وفيه ضربة بسيف او طعنة برمح وها أنذا أموت على فراشي كما تموت العير فلا نامت أعين الجبناء» ويصيح فيهم مستنهضا: فمالي أرى الأحداث أغطش ليلها وانتم كأمثال السوائم ترتعُ ألا شمروا لله في نصر دينكم لعل شعاع الحق والدين يسطع ألا زحزحوا بالسيف من كان جائراً ألأ بكّتوا رأس النفاق وقطعوا ألا فاجدعوا بالسيف قسراً لأنفه ولو جدّه في سالف الدهر تبع ان اليوم الذي يتحقق فيه انكسار الظلم وانهزام الجور تحت وقع سيوف الثائرين القائمين من أجل توطيد العدل واقامة حكم الحق والخير لهو اليوم المنتظر وهو اليوم الفاصل بين الحق والباطل فيجب ان نسعى اليه وان نعمل له مهما كلفنا ذلك من التضحيات فالموت بالشهادة في سبيل الله وفي سبيل المبدأ الأكرم أفضل من الموت على الفراش طالما انه لابد من الموت: ألا نعم ذاك اليوم فيه لثائر وويل لوهنٍ خائف يتروع فلن يبلغ العليا فتى غير ضارب بصمصامه هام العدو وينجع إذا لم يكن للمرء بد من الفنا فموت الفتى بالصارم العضب أرفع الظلم أحقر الاشياء واقذرها وهو الخطر الخطير والداء المهلك الذي يدمر الديار ويخرب الاقطار ويذل الناس والظالم لابد من سقوطه وان يحيق به ظلمه أيا كان جبروته ومنعته: وان الظلم أقذر كل ذنب وشؤم الظلم لا يخفى وشاعا وان الظلم يهدم كل قصر وان به المدائن صرن قاعا فما من ظالم إلا وشيك بحب هواه ينصرع انصراعا ويبحث عن الحر الذي تثور نخوته وتأبى شكيمته الخضوع والخنوع الذي يبيع نفسه العزيزة من أجل زوال دولة الظلم. وينادي قومه أن يتحركوا فان الخرق قد اتسع والظلم قد عم وساد والدين قد انتهكت حرماته: من لي بحرّ يذود الظلم وهو يرى بيع الحياة بجنات وخير بقا هل عصبة من بقايا الأزد راتقة للخرق حين رداء الدين قد فتقا ما للعزائم والهمات خامدة والجور والظلم في الدنيا قد اتسقا ويلتفت حوله فيرى الاستكانة ويرى النفوس وقد أصابها الضعف وخلت منها الغيرة والحمية والانتخاء وأصبح الهم الاول للكل هو توفير العيشة الرخية والحياة المرفهة حتى وان كان في ذلك سقوط للكرامة وتحطيم للمروءة وللدين فيصرخ شاعرنا وهو يرى ذلك من أعماق قلبه هاتفاً يبحث عن النوعيات التي يريدها ويتمناها: أين الجحاجحة الشمّ الذين همُ نور الاله من الغرّ المصاديق أين الذين بهم كشف الظلام وهم نور الدياجير بل ضوء الغواسيق أين الذين لهم صبر الحديد على حر الوغى حينما قامت على سوق ماذا الثواء ودين الله مندرس والسيف من ذاته فتح المغاليق إني أرى خطباء الحق قد خرست وكم خطيب بجمع الجور منطيق وتتواصل دعوته الى القيام والى النهضة والى التحرك للخلاص من هذا البلاء الفادح ويستثير القوم للدفاع عن كرامتهم وعزتهم ووطنهم ودينهم ويبشرهم ان النصر آت لا محالة متى صدقت العزيمة واستقام القصد فبالعزم والحزم تنكشف الغمة وينال المراد. أما العجز والتكاسل فهو شأن النساء الصغيرات اللواتي يخشين القتال والحروب وليس ذلك هو شأن الرجال الأحرار فانهم لا يخشون الإقدام ولا يهابون الموت أليس الموت في سبيل الله هو احدى الحسنيين والطريق الى الخلود الأبدي: قوموا فلابد احدى الحسنيين تروا والعجز دأب الخريدات الغوانيق قوموا يطالعكم سعد وينصركم رب العباد بتأييد وتوفيق فالعزم والحزم فيه كشف غمتكم فشمروا ودعوا كل التعاليق وتتردد الحسرة ويتضاعف الأسى لدى الغشري وهو يرى - أولوا الحجى- كما يسميهم قد ماتوا وأوشكت البلد ان تخلو منهم والاوغاد والاراذل هم الذين يتسنمون القياد ويتعالون فوق الناس. وهذه عمان تسفح دموعها للخطب المروّع الذي حل بها ودهاها: فيا أسفي لما أولوا العُرف والحجى تقضوا وأقوت دورهم والمنازل وأنغص عيش للحليم اذا نشا بدهر سمت أوغاده والأراذل وان عماناً تسفح الدمع عبرة ولما تزل اذ فارقوها الأوائل ويزداد ألمه ومعاناته ويشتد به الغيظ والأسى للحالة الأليمة التي صارت عليها البلاد فلا يملك إلا الصراخ من أعماق نفسه ناقماً أشد النقمة هذا الهوان وهذا التهاون والتخاذل مخاطباً بني وطنه بأقسى العبارات قائلاً لهم انكم خرجتم عن الدين وخرجتم ايضا عن الشيم العربية التي تأبى الذل وترفض الانقياد فأصبحتم لا شيء عدمكم أفضل من وجودكم كلكم من أشرافكم وعامتكم: سماعاً عباد الله أهل عماننا فلستم على شيء بأخرى وعاجل اذا لم تقيموا بالكتاب وحكمه فتعساً لكم من سوقة وقبائل فلستم تمسكتم بدين نبيكم ولا شيم العربا كرام الشمائل هل العرب العربا على الذل والأسى تقر وهل تخشى مصالة صائل وبعد ان يفرغ هذه الشحنة الغاضبة من نفسه يناديهم للقيام ويستنفر نخوتهم وشيمتهم ليشمروا ويثوروا لدرء الذل وتحطيم الباطل. انه يخاطب فيهم العروبة والدين والحمية ليحركهم ويستثيرهم فمن كان حراً وقد تغذى بلبن حرة فلابد ان يتحرك وأما الذي يرضى البقاء فهو العبد المسترق الذليل: فمن كان منا راضعاً در حرة يشمر عن ساق لإخماد باطل ونصرة دين الله يبذل نفسه كذا ماله يلقى غداً خير نائل وهو يشخص عمان كأنها كيان بشري يحس ويتألم فهي تارة تسفح الدموع حزناً وألما لما تشعر به وتحسه وهي تارة تبحث عن الطبيب القادر على علاجها من الداء المستفحل الذي ألم بها ويكرر هذا المعنى في كثير من قصائده بل يردد نفس الكلمات- الداء الخطير والهلاك الذي يدنو والطبيب النطاسي الذي لديه العلاج- وقد مرت بنا نماذج من ذلك. وهنا يكرر نفس المعنى بنفس العبارات تقريباً: وأن عماناً قد تعاظم داؤها فكادت الى نحو الهلاك تميل فهل من طبيب حاذق بشفائها وهل عصبة ذو همة وعقول نعم فان الداء العضال لا يزيله سوى الطبيب الحاذق وهو في هذا الحال القائد الحر الغيور الذي يأبى لوطنه ان يكون مستعبداً ومهاناً وتدفعه همته وعقله الى تخليصه من المحنة والمعاناة: ألا هل فتى ذو همة علوية يكون به كشف البلاء الذي عما يشمر عن ساق ويشهر سيفه لإظهار دين الله يسقي العدا سما لقد عم البلاء واستفحل الخطر ولابد من فتى ذي همة عالية يخرج بعزيمة صادقة وروح قوية رافعاً سيفه لكشف هذه الملمة الصعبة ولكن كيف يكون ذلك وقد ذهب الأحرار وشتتوا وتولتهم الأشرار فجرَّعتهم أشد كاسات الإذلال وأصبح اللئام هم القادة والمتحكمون على أحرار الناس وكرامهم: لقد جار الزمان أشد جور بتقديم اللئيم على الكريم وجرّع كل حر كأس ذلٍ تجرُّعه أشد من الحميم ويدعو القوم الى الحرب وان كانت مريرة وصعبة ويقول انها لا بد منها حامية الوطيس تطحن العدى وان طحنت غيرهم ايضا فلا بد من التضحية في سبيل الهدف الأسمى وهو يقدم نفسه ويبدي استعداده لأن تطحنه رحى الحرب فان جاء النصر وتحقق المراد فذاك هو الشيء المبتغى وان كان الموت هو النتيجة فتلك هي الشهادة ومعها العذر بأن هناك من حاول فما أفلح: فأي معيشة من بعد هذا وأضحى الأمر أمر الجاهلينا أقيموا للحروب رحى طحونا ولـو اني أكــون بهــا طحينـا الى أن يستقيم الحق جهراً وان مـتم فــأنتم مُعـــذرونــا فان نصر فذلك من إلهي وإن حــتف فــأنتم رابحــونا فهل من غيرة في الله تبدو وقــد ظهــر اعــتداء المعتدينا لقد تمكن العدو وظهر الاعتداء والجميع في نوم عميق كأنهم لا يستشعرون ذلك الخطر المحدق بهم فأين الغيرة الدينية وأين الحمية والإباء فان كانت غيرة الدين قد انطفأت فأين الغيرة العربية هل ماتت هي الأخرى؟: إني أرى جيش العداة أظلكم وجميعكم في حالة النومان وكتائب العدوان حلت مصركم يا لهف أين رجال أهل عمان ان كان لا دين بقي هل فيكموا من شيمة العرب الأولى العربان ان المرء وهو يتابع هذه الأبيات ليستشعر الغيرة التي كانت تعتمل في نفس الشاعر الغشري والغضبة التي تملأ جوانحه لما حل بوطنه من بلاء عظيم فهو يصوّر واقع الحال ويشخص للناس الداء ويبين لهم الدواء ويحذر من مغبة السكوت وينبه حميتهم الدينية وشيمتهم العربية ويظل يضرب على هذا الوتر ويلامس هذه المشاعر الحساسة فلعلهم يثورون أخيراً ويستجيبون لدعوته: رجال عمان هل لكم بعد زلةٍ تدارك توب فالمتــاب سبيــل وهل لكم بعد الغواية مرجع لنهج الهدى والنور فيه دليل فان تقتفوا حكم الاله وامره فحالكـم في الحـالتـين جميـل هكذا توالت صرخات الغشري ونداءاته لقومه تحرضهم وتهيب للقيام بأمر الوطن والنهوض بحقه الواجب وترك الفرقة والاختلاف والسعي للم الشمل والتوحد في مواجهة الخصم والتضحية بالراحة الذاتية في سبيل مجد الوطن وعزته ومن أجل رفع راية الدين وقهر الظلمة والمنحرفين. تحريض العلماء ومعاتبتهم ويتوجه الغشري بنداءاته الى علماء الدين للمكانة المحترمة التي ما برح العلماء يحتلونها في نفوس الناس وللتقدير والإعزاز الذي يحظون به في أوساط المجتمع فكلمتهم لها وقعها ولها تأثيرها والناس أكثر استجابة لهم واكثر انقياداً إليهم وهم بعد ذلك يختلفون عن عامة الناس لأنهم بحكم المستوى العلمي الرفيع الذي هم فيه يدركون ويحسون الخطر أكثر مما يدركه ويحسه العوام والأميين والجهلة الذين يقادون ولا يقودون ومن يقودهم ان تخلف العلماء عن القيام بهذه المهمة. وهو يعاتب العلماء على سكوتهم وخوفهم ومداهنتهم ويشنها حملة شعواء عليهم يستصرخهم باسم الدين وباسم الاخلاق والقيم وباسم الوطن. ويدعوهم الى اخذ زمام المبادرة وقيادة الأمة وترك الطمع والمداهنة فهم المؤهلون لذلك للمكانة التي يحتلونها لدى الجمهور وللعلم الذي يحملونه والذي يلزمهم القيام فلا عذر للتقاعس او المسايرة فالداء قد استفحل والحاجة ماسة للعلاج: عمان تفشـى داؤهــــا وتطــورا فأين طبيب القوم يشفي الذي عرا وأين الفتى المأمول يرجى به الشفا لداء دفــين فـــي القلــــوب تكــورا أيرجى شفاء والرجال تقاعسوا وحزبان صارا في المدائن والقرى فإما ظلـــــوم للفســــاد مشمـّر وإمــــا لــــبيب بالخمـــول تدثــــرا فيا شهداء الله في الأرض هذه محجـة ربـــي تستبين لمــن درى فلا حيرة هذا الكتاب امامكم وهذي سيوف الهند والدين يسرا وتتلوه في وقت العشيات والضحى به الحق وضــاح لمــن قد تدبـــرا وأنتم بحمدالله ملح بلاده بكم يهتدي مــن للرشـــاد تنـــورا أحذركم من خصلتين أراهما هلاك وشؤم فعلها صارع الورى هما طمع ثم التداهن بينكم وللــه يبـــدو كـــل شـــيء تســـترا يحث العلماء ويستصرخهم ويدعوهم الى الحركة ويحذرهم من الركون الى الطمع ومداهنة الظلم ويبين لهم ان الدين واضح ولا ابهام فيه ولا غموض فليس هو العبادات وفقط بل هو مقاومة الجور واقامة العدل والقيام بجانب من الدين وترك جانب آخر هو تنقيص للدين والدين لا يكون إلا كاملاً ويقول ان فساد عامة الناس أقل ضرراً بالنسبة لفساد العلماء الذي هو الأخطر والأعظم: وان سوقة يوماً عثت لم يضرنا وان دخل الملح الفساد فما ترى ثم يقطع عليهم العذر أن يقولوا اننا لا نقدر ولا نستطيع وأن الامور فوق طاقتنا فهو يقول لهم اننا لم نطلب منكم ما هو فوق طاقتكم ولكن بما تقدرون عليه ويؤكد لهم انهم لو قاموا لنصر دينهم فان العدو سيخشاهم وسيحسب لهم ألف حساب فهم علماء الأمة وقادتها وبعد ذلك فان على المرء ان يؤدي واجبه وان لم يحالفه التوفيق فله عذره وأجره: وليس عليكم فوق مبذول جهدكم ومن بذل المجهود يوما تعذرا فمهما تواليتم على نصر دينكم تموت أعاديكم بغيظ تحسرا وليس على الساعي يكون موفقاً ولله تقدير على الخلق سطرا ومرة أخرى يكرر نفس العتاب ونفس الاسف لسكوت علماء الدين عن الظلم وعن الجور واستكانتهم ومداهنتهم له وهم بهذا السكوت يخالفون الكتاب والسنة ويغضبون الله ورسوله فهم يقرأون القرآن في كل حين دون ان يستجيبوا لأحكامه وينفذوا أوامره بمجاهدة أهل الظلم ومقاومة اعوان الجور: خيار دهري وهم قد داهنوا أسفاً أمري وقولي تصريح وتعريض وانهم نبذوا حكم الكتاب وهم يتلونه كل حين وهو معروض أيرتضي ذاك ربي والرسول وذو الاسلام كلا وكفي اليوم معضوض أوه فهل عبرة في الله تأخذكم ياعارفون وطرف الحق مغموض ما لي ارى علماء الدين قد لبسوا ثوب التقية والاسلام مدحوض ويتردد النداء مرة بعد مرة نحو علماء الدين يناشدهم قيادة الناس لإظهار الدين واقامة العدل ودك صروح الظلم فلقد بات الأمر خطراً ولا يجوز العذر او السكوت فالعذر في هذه الحال هو إعراض عن منهج الدين ولا بد من القيام والمحاولة مهما كان الأمر فقد حدثت من الأحداث ما يشبه الزلازل في عنفها وتأثيرها: فيا علماء الخير حجة خالقي على خلقه لله قوموا وحاولوا لإظهار دين الله في كل ساعة وان لام لوّام وعج العواذل فما العذر والإعراض عن منهج الهدى وقد حدثت بين الأنام الزلازل ويستمر الغشري في عتابه لعلماء الدين الذين داهنوا وصانعوا وسكتوا وجنحوا للطمع والحصول على المال والجوائز الكبيرة على الرغم من معرفتهم وعلمهم واذا أمكن عذر الجهال لجهلهم وعدم ادراكهم فما هو عذر العلماء المفترض أن يكونوا القدوة التي توضح للناس وتوجههم وتقودهم، انه يشبههم بالملح الذي يحفظ اللحم من الفساد فان فسد الملح نفسه تكون عندئذ الكارثة وذلك مثل شعبي دارج وقد تكرر كثيراً لدى الغشري في هذا السياق: لهفي فان عماناً أهلها نقضوا ميثاقهم وأتوا بالافك والأشر ما قام بالأمر فينا قائم ودعا إلا وخانوه بالخذلان والغدر لهفي على علماء الخير إذ جنحوا للمال والطمع الأدنى على غرر لهفي على علماء الخير ما لهموا قد اعرضوا عن سبيل السادة الزهر لهفي على العلم لم يعمل به وهموا قد ذاكروه مع الآصال والبكر يا قادة الناس يا كشف الغماء ويا ملح البسيطة من سهل ومن وعر فالملح يصلح للأشياء ان فسدت وان عثا الملح صار الناس في خطر الملح هو الذي يحفظ الأشياء ويبقي لها خصائصها فان خثر الملح وفسد كانت المشكلة الكبرى والطامة العظمى والعلماء هم قادة الأمة وقدوتها وفسادهم هو الضياع الكبير والخطر الأعظم. محاولات الغشري الذاتية والغشري وهو يستنهض ويحذر ويبصر لم يكتف بهذا ولكنه يبذل الجهد ويقوم بالعمل من اجل تطبيق ما يدعو اليه عملياً وليس بالكلام فهو يقرن القول بالفعل. ودعونا نستشف ذلك من شعره ايضا وبعد أن مررنا سريعاً باستنهاضياته فلنمر ايضا بمحاولاته الشخصية في سبيل ما يدعو اليه ويبشر به وفيما يتبادر من بعض نظمه انه قام بحركة او مسعى الى شيء من ذلك فهو يقول: إلهي إلهي عالم بالسرائر وتعلم ما تخفي ببطن الضمائر فما قصدنا شراً وتأسيس فتنة وازهاق أرواحٍ بماضي البواتر ولكن قصدنا الأمر بالعرف والهدى احتساباً وإظهاراً لنكر المناكر لأن التراخي لا يجوز وعنده يحل انتقام من عزيز وقاهر ولو أمروا بالعرف كنا لأمرهم نطيع ولكن أمرهم بالمناكر وهي أبيات يتضح فيها القصد جلياً. ويمهد لحركته بأنها حركة لا يراد منها بث الفتنة أو إزهاق الأرواح لغير سبب ولكن دافعها اقامة العدل وإنكار المنكر احتساباً ولو ان القائمين بالأمر اضطلعوا بهذه المهمة لما قام بحركته ولكان هو ومن عنده من أولئك المطيعين لأمرهم. اشارة واضحة انه حاول أو قام بحركة ما ضد الأمر القائم يومئذ تحمل التبرير للدواعي التي دعته للقيام بهذا الأمر والدفاع عن مشروعية مثل تلك الحركة. وفي مكان آخر نجده يقول: تحاول أمراً والنجوم تبادرت فكم آفل منها وكم هي تطلع فما طلب العلياء سهل مرامه ولا خامل يدنو إليها ويطمع انه يحاول أمراً من الأمور الصعبة غير السهلة ومثل هذا المطلب الرفيع لا يمكن أن يقوم به أهل الخمول من الناس فهو مطلب عصي المرام لا يتبادر له إلا ذوي الهمم العالية والنفوس الأبية: دعني أنافس في العليا وخلهم لواؤهم بلوا الشيطان موثوق لعل تبدو شموس العدل طالعة بلوذعي ربيط الجأش فاروق لعل ربي بفضل منه يجعلني مكثرا عصبة القوم البطاريق أين الجحاجحة الشم الذين هموا نور الاله من الغر المصاديق أين الذين بهم كشف العضال وهم ضوء الدياجير بل نور الغواسيق أين الذين لهم صبر الحديد على حر الوغى حينما قامت على سوق إني ارى خطباء الحق قد خرست وكم خطيب بجمع الجور منطيق قوموا يطالعكم سعد وينصركم رب العباد بتأييد وتوفيق تبدو المسألة هنا ربما أكثر وضوحاً فهو يدعو الى القيام بحركة تقيم العدل وتنهي الجور وتمحو الظلام المخيم وهو يبحث عن أناس لهم صفات معينة يمكن الاعتماد عليهم من ذوي الهمم السامية الذين يهمهم سطوع شمس العدل ولهم صبر الحديد وقوته على احتمال المكاره مهما تعاظمت في سبيل الهدف الأسمى الذي يتطلعون إليه ويطمحون له بعد أن خرست خطباء الحق وتعالى صوت خطباء الجور والظلم والفساد ونراه في موقف، آخر يدعو الى ذلك الهدف الذي يبتغيه ويحرض على ذات المهمة الصعبة: وهل لك أن تجيب نداء داع دعا جهراً بحيّ على الفـلاح كفاح منه يطوي كل جور وينشر كــل عــدل بالســلاح فان من الصلاح قتال قوم أبوا عن نهج منهاج الصلاح انه هنا يدعو جهراً الى الكفاح المسلح فهو يرى أن الجور المتعاظم لم يعد يطويه إلا السلاح الذي يرتجى بسبيله نشر العدل والصلاح فقتال أولئك المنحرفين عن نهج الصلاح هو الصلاح المنشود والمبتغى بذاته: ولو أني قدرت ملأت عدلاً جميع الأرض من بر وبحر فتعلم نيتي وضمير قلبي وما أخفيـه مــن سـر وجهر ومهما فرصة عرضت فإني أبادرهــا وذلكـــم فعـــذري كلمات كلها دالة على نيته وهمته ورغبته في فعل شيء ما نحو اخماد الجور وإعلاء راية الحق والدعوة لإقامة العدل يبرر سعيه ويدافع عن عزمه ويدعو الى هدفه مستنصراً العصبة من أهل الغيرة والتقى. يقول في الرد على خطاب صديق له يبدو انه يتحدث اليه في ذات الهموم التي تشغله: أشرت لداء عضال بنا دوا مثل هــذا عزيـز المــرام فيحتاج هذا الى عصبة ذووا غيرة وتقى واعتصام فلا رأي عندي سوى نزعها بعزم وحزم وبالاقتحام وحسن اتكال على خالق وعقد صحيح غداة الزحام وصبر جميل لحر الوغى وترك المقيل وهجر المنام لابد إذاً من الاقتحام والاتكال على الخالق فبالعزم والحزم والهمة والاقدام يحصل المراد بعيداً عن التردد والتراجع والتعالي والخوف والتذبذب والاحجام بل التوكل والاقدام والصبر الجميل في مواجهة الصعاب. وبعد هذه التحريضات القوية والدعوات الحارة والعزائم الوثابة والصيحات الصادقة نجد شاعرنا أكثر تفاؤلاً وثقة في نجاح مطلبه ومقصده: قل للأسيف لك البشرى بعائدة لا تأسفن فان الأمر قد قربا فسوف ترنو شموس العدل طالعة تجلو الحنادس ليلاً تحرق الشهبا وقد ترى بوجوه القوم بادية نضارة عمت الاعجام والعربا هل اقترب حقاً من محاولاته وطموحاته؟ هل اشرقت بالفعل شموس العدل التي يرتقبها ويسعى لطلوعها؟ هل تحقق له النجاح في الهدف الذي يرومه ويبتغيه؟ كيف حصل ذلك ومتى وأين؟ تلك اسئلة يصعب استنباط اجوبتها من اقوال الشاعر ولكن الشاعر نفسه يؤكد في مكان، آخر مستبشراً فرحاً: تولى الجور واندفع اندفاعا وجاء الحق وانتشر اتساعا وليس عن المحجة من محيص لمنتجع نصيحتنا انتجاعا ومن يعرض عن المنهاج حينا كشفنا في عداوته القناعا المجالات الاخرى التي تناولها شعره اذا تجاوزنا القضية الوطنية في شعر الشاعر ودعوته الى اقامة العدل وازاحة الجور واستنهاضه لقومه للدفاع عن وطنهم واقامة دولتهم واشاعة العدل والحق في بلدهم. اذا تركنا هذا الموضوع وقد اهتم به الشاعر كثيراً وأفرد له جانباً واسعاً من نظمه وقصائده. اذا تجاوزنا هذا الى الاغراض الأخرى التي طرقها شاعرنا الغشري فاننا نجده في الغزل متكلفاً يمر به مروراً سريعاً في مطالع قصائده كما هو المعتاد في تلك الايام من حيث استهلال القصائد بالمقدمات الغزلية وكان غزله بارداً لا حياة فيه ولا روح بل هو تقليد ومحاكاة وهو على أية حال قليل جداً في ديوانه. وفي الذاتيات وأحوال المجتمع وجدناه يهتم بالكثير من الحوادث والامور التي كانت تقع على أيامه فنجده يتحدث عن الخصب الذي عم البلد في سنة من السنين وعن الامطار والجوائح التي أثرت على الزروع والثمار. وأبيات في بناء سور مدينة العوابي ووصف الهجوم الذي تعرضت له من أعراب البادية الذين أغاروا عليها فكان بناء هذا السور لاتقاء شرهم. وقصائد أخرى في بناء مسجد أو تأسيس منزل. بيته في الرستاق وقصيدة عن بيته في الرستاق الذي يصفه ويصف موقعه الممتاز في تلك المدينة العريقة التي يحبها ويثني عليها وعلى أهلها أطيب الثناء: اني اصطفيت من المساكن منزلاً في جنبه الشرقي نهر جاري بجواره لله بيت عامر يا حبذا لك بيته من جار وفي هذا المسجد الذي شاء ان يتخذه جاراً لبيته الآذان واقامة الصلوات الخمس وقراءة القرآن وتعلم الفقه والعلوم ثم ان هذا المسجد تقدم بحذائه المأكولات التي أوقفت من قبل المحسنين لأبناء السبيل ولمن يحتاج الى الأكل: ومآكل بصباحه موقوفة للحاضرين وجملة السفار والقائمون مفوضون لكل ما شاءوا من الحلواء والأثمار ثم يتحدث عن جيرانه الطيبين الكرماء الذين ليس فيهم شامت أو حاسد أو متكبر كما يتحدث بالاشادة عن البلد التي حل بها و«اصطفى» منها منزله وهي «الرستاق» واصفاً اياها بأنها «بلد عزيز طيب» وله عن «الرستاق» قصيدة أخرى يشيد بها ويمدحها أيضا: من يبتغي يأكل اللذات مبتهجاً ويسحبن ذيول اللهو في الزمن فليرحلن الى الرستاق ناقته وليصحبن بها من شاء من قنن الإخوانيات: وله أشعار اخوانية منها مواساته لأحد أصدقائه الذي تعرض للسجن وكان حقه الإكرام والإعزاز. ومنها معاتبته لنفر من قومه تركوا بلدتهم المخضرة الجميلة وذهبوا للسكن في مسقط سعياً وراء المال. ويعزي صديقا له في وفاة ابنه ويهنئ الشيخ خميس بن مبارك الخروصي بالعيد. وقصائد أخرى شبيهة تنحو مثل هذه المناحي في التهاني والمعاتبات والمراسلات. يقول لصديقه المسجون: ما كنت بالحبس الجدير وانما بالعز والتمكين والتمهيد وعلمت لاعجب فعادة دهرنا أبداً معاداة الكرام الصيد وعلمت ما فعل الزمان بيوسف في السجن عاش بذلةٍ وقيود ويقول لأولئك الذين تركوا قريتهم الجميلة من أجل الربح والغنى: يا قاطنين بـ«مسكد» من جملة المثرين اني ناصح وخبير وسكنتموا بمساكنٍ ضنكية خير المرافق حوضها المنشور وتركتموا بلداً على غرفاتها نخل تحف وبينهن «خمور» ومزارع مثل الخضم تدافعت أمواجها ولدى القصور نهور وصنوف أشجار تميس غصونها بثمارها ولطيرهن صفير تبدو على سكانها آثارها سيما النعيم نضارة وحبور والخمور هنا هي أشجار العنب في لهجة أهل وادي بني خروص وأهل الجبل الاخضر. كتابه الذي غرق ومما يدل على اهتمامه بالكتب واعتزازه بها قصيدة طريفة عن كتابه الذي غرق في الماء فخاض وراءه مجتهداً لإنقاذه فلما لم يجده بكى عليه في حسرة وحزن: دهتني ولا أشكو لربي مصيبة اتتني وحلت في فؤادي وفي قلبي كتاب ثوى من بعدما قد رفعته على حجر في جدول دائم السكب وقد خضت أقفو إثره لم أقف له على خبر يؤتى ببعد ولا قرب كتاب عليه العين تنهل عبرة فلا عوض لي فيه عن سائر الكتب ومن المؤسف انه لم يخبرنا عن هذا الكتاب الذي لا يمكن استعاضته بالكتب الاخرى لأهميته ولكن هذا الحزن والأسف يرشدنا الى اهمية هذا الكتاب ونفاسته. نقش على الصخر ويشيد في قصيدة أخرى بما فعله أحد أصدقائه الذي نقش على الصخر في مدخل وادي بني خروص تواريخ عدد من الحوادث والقضايا العمانية ولا تزال تلك النقوش والكتابات باقية الى الآن تخلد الكثير من الاحداث وقد أضيفت اليها كتابات أخرى في عصور تلت لتسجيل أحداث استجدت ويبدو أن تلك كانت عادة يحرص الناس عليها في هذه المنطقة الجبلية لتاريخ الحوادث والامور المهمة وحتى وقت قريب كان هناك من يمارس هذه العادة: محمد قد أحسنت فيما كتبته على جانب الوادي بظهر صفاة رقمت بصدق ما جرى في زماننا الى يومنا هذا جميعا باثبات قريته (ستال) | |||||