|
|||||
|
فيليب نيمو: هنري كوربان، كنت أول مترجم لهايدغر بفرنسا، ثم أول من أدخل الفلسفة الإيرانبة الإسلامية إلى الثقافة الفرنسية. كيف تتوافق هاتان المهمتان في الشخص نفسه، باعتبار أن مارتن هايدغر كان يعتبر الغرب وطنه؟ ففلسفته ذات طابع ألماني خاص، وربما كان ثمة تباين بين الانشغال بترجمة هايدغر والانشغال بترجمة السهروردي.... هنري كوربان: إنه سؤال كثيرا ما طرح علي، وقد لاحظت بمرح أحيانا الدهشة التي تعتري محاوري حين يكتشفون أن مترجم هايدغر ومترجم الفلسفة الإيرانية الإسلامية هما الشخص نفسه. وكانوا يتساءلون: كيف انتقل من أحدهما إلى الآخر؟
لقد حاولت أن أقول لك من مدة في حوار كان لنا بُعيْد وفاة هايدغر أن هذه الدهشة أحد أعراض الانغلاق ووضع يافطات محددة لمباحثنا. يقال بأن ثمة الجرمانيون والمستشرقون. ومن بين المستشرقين ثمة المختصون في الدراسات الإسلامية، وثمة المختصون في الدراسات الإيرانية، إلخ. لكن كيف ننتقل من الاستشراق إلى الدراسات الإيرانية؟ ولو كان لمن يطرحون هذه الأسئلة فكرة أولية عما هي الفلسفة ومسعى الفيلسوف، ولو أنهم تصوروا أن العوارض اللسانية ليست لدى الفيلسوف سوى عوارض طريق لا تشير سوى إلى تنويعات طوبوغرافية ذات أهمية ثانوية، لو كان الأمر كذلك لما اندهشوا بتلك الدرجة. أغتنم الفرصة لأقول هذه الأشياء لأني سبق وأن عثرت على صيغ لسيرتي الروحانية غاية في الغرابة. فقد كان لي حظ قضاء لحظات لا تنسى مع هايدغر بفريبورغ في أبريل 1934 ويوليو 1936، أي في الوقت الذي كنت أقوم فيه بترجمة النصوص التي نشرت بعنوان: ما هي الميتافيزيقا؟ وقد حدث أن علمت وبنوع من الاندهاش أنني انقلبت إلى التصوف لأنني كنت خائبا من فلسفة هايدغر. وهذا الزعم خاطئ تماما. فأولى منشوراتي عن السهروردي تعود إلى سنة 1933 و1935 (وشهادتي من مدرسة اللغات الشرقية تعود إلى سنة 1929)، ولم تظهر ترجمتي لهايدغر إلا سنة 1938. والفيلسوف يمارس مسعاه وبحثه في الوقت نفسه على جبهات متعددة، خاصة إذا كانت الفلسفة لا تنحصر لديه في المفهوم الضيق للعقلانية الذي ورثه آخرون اليوم عن «عصر الأنوار». الأمر أبعد من ذلك. فاستطلاع الفيلسوف يلزم أن يشمل حقلا أكثر شساعة يمكن أن تدخل فيه الفلسفة الشهودية لأشخاص كجاكوب بوهم، وابن عربي، وسويدنبورغ، إلخ، باختصار كي تدخل فيه معطيات الكتب المقدسة وتجارب عالم المثال imaginal مثلها مثل كل المصادر المنذورة للتأمل الفلسفي. وإلا فإن عشق الحكمة philosophia سيكون غير ذي علاقة مع الحكمة Sophia. إن تكويني هو في الأصل فلسفي بالكامل، لهذا فأنا في الحقيقة لست جرمانيا ولا حتى مستشرقا، وإنما أنا فيلسوف يتابع مسعاه حيثما تقوده الروح. وإذا كان قد قادني إلى فريبورغ وإلى طهران وأصفهان، فإن هذه المدن تظل في نظري «مدنا رمزية»، أي رمزا لمسير دائم. ١. وما أريد أن أبلغه للأفْهام، مع أنني يائس من النجاح في ذلك في هذه اللحظات القليلة إذ علي أن أكتب كتابا في ذلك، هو ما يلي: ما كنت أبحث عنه لدى هايدغر، وما أدركته بفضل هايدغر، هو ما كنت أبحث عنه وما عثرت عليه في الميتافيزيقا الإيرانية الإسلامية، في مؤلفات شخصيات سأذكر فيما بعد ببعض أبرز أسمائها. لكن مع هذه الأخيرة كان كل شيء متموضعا في مستوى آخر، ومنقولا في سجل يفسر سرُّه لماذا لم يكن من محض الصدفة في نهاية الأمر أن يكون من قدري أن أبعث في مهمة إلى إيران غداة الحرب العالمية الثانية؛ إيران حيث لم أكف، منذ ثلاثين سنة عن ربط العلاقات وتعميق ما كانته الثقافة الروحانية والمهمة الروحانية لهذا البلد. لكن سيكون مدعاة للغبطة، بل من الضروري أن أدقق الأمر أكثر، لكي يفهم الآخرون ما تكلل عنه عملي ومسعاي، وما أدين به لهايدغر وما احتفظت من ذلك خلال مشواري كباحث. قبل كل شيء، ثمة فكرة التأويليات (الهرمينوسيا) التي تظهر منذ الصفحات الأولى لكتاب «الوجود والزمن». ستظل مزيَّة هايدغر الكبرى هي أنه مَـحْور فعل التفلسف نفسه حول التأويليات. فكلمة «تأويليات» هذه، حين كانت تستخدم لدى الفلاسفة قبل أربعين سنة كانت تبدو غريبة بل همجية. والحال أنه مصطلح مستقى من الإغريقية وكان جاريا الاستعمال لدى دارسي الكتاب المقدس. ونحن ندين باستعماله الاصطلاحي لأرسطو. فرسالته «عن التأويليات peri hermêneias » ترجمت إلى اللاتينية بعنوان « De interpretatione » وهنالك أمر أفضل، ففي الاستعمال الفلسفي اليوم، ما يعرف بالتأويليات هو ما يسمى بالألمانية « الفهم das Verstehen » إنه فن أو تقنية «الفهم omprendre (( كما عرفه ديلثي. وكان أحد أصدقائي القدامى، برنارد غروثويسن، وهو تلميذ لديلثي، يعود إلى هذا المصطلح كثيرا في محادثاتنا. فثمة فعلا علاقة مباشرة بين الفهم باعتباره تأويليات في «الفلسفة الفهمية» لديلثي والتحليلية، أي فكرة التأويليات لدى هايدغر. لكن هذا المفهوم لدى ديلثي مشتق من شليرماخر، اللاهوتي الكبير للرومنسية الألمانية، الذي خصص له ديلثي مؤلفا كبيرا ظل غير مكتمل. وهنا بالضبط نعثر على المصادر اللاهوتية، وبالأدق البروتستانتية، لمفهوم التأويليات الذي نستعمله اليوم استعمالا فلسفيا. وللأسف لدي انطباع أن هايدغريينا الشباب قد فقدوا شيئا من هذا الرابط بين التأويليات واللاهوت. ولاستعادته، من اللازم طبعا أن ننعش اليوم فكرة عن اللاهوت تكون مختلفة بما يكفي عن تلك التي غدت اليوم، في فرنسا كما في غيرها، خادمة لعلم الاجتماع إذا لم تكن خادمة «للسوسيوسياسة». هذا الإنعاش لا يمكنه أن يتم إلا بمساهمة التأويليات التي تمارَس في ديانات الكتاب، أي اليهودية والمسيحية والإسلام، لأن التأويليات تبلورت هنا باعتبارها تفسيرا exégèse عفويا، وتحافظ على انبعاثها المستقبلي. لماذا؟ ذلك لأن لنا كتابا يتعلق به كل شيء. والعبرة في إدراك فحواه وفهم معناه الحقيقي. هناك ثلاثة جوانب: ثمة فعل الفهم، وثمة ظاهرة المعنى، كما ثمة الكشف عن حقيقة ذلك المعنى. وهذا المعنى الحقيقي هل هو ذلك الذي نسميه عادة المعنى التاريخي، أم هو معنى يحيلنا الى مستوى آخر ليس هو مستوى التاريخ بالمعنى الجاري لهذه الكلمة؟ من الوهلة الأولى فإن التأويليات التي تمارس في الديانات التوحيدية تستوعب الموضوعات والمعجم المتداول في الظاهريات (الفينومينولوجيا). فكلما كنت أجده بافتتان لدى هايدغر، كان في المجمل صادرا عن التأويليات منذ اللاهوتي شليرماخر؛ وإذا كنت أعتبر نفسي منتميا للظاهريات، فذلك لأن التأويليات الفلسفية هي جوهريا المفتاح الذي يفتح المعنى الخفي (أي الباطني) الثاوي وراء الملفوظات الظاهرية. فما قمت به ليس سوى متابعةٍ لتعميق ذلك، أولا في المجال الشاسع البكر للعرفان الإسماعيلي الشيعي، ثم في مناطق العرفان المسيحي والعرفان اليهودي المجاورة. ولأن مفهوم التأويليات كانت له نكهة هايدغرية من جهة، ولأن منشوراتي الأولى كانت تتعلق بالفيلسوف الإيراني الكبير السهروردي، فإن بعض «المؤرخين» تمادوا في التلميح إلى أنني خلطت (هكذا) بين هايدغر والسهروردي. لكن استعمال مفتاح لفتح القفل لا يعني أبدا الخلط بين المفتاح والقفل. ولم يكن الأمر يتعلق حتى باعتبار هايدغر مفتاحا وإنما باستعمال المفتاح الذي استعمله هو نفسه، والذي كان في متناول كل الناس. ومن حسن الحظ أن ثمة تلميحات تجعلها بلاهتها ضربا من العدم، ومن جهة ثانية سيكون للفينومينولوجي الكثير مما يقوله عن المفاتيح الزائفة للتاريخانية . l'historicisme من هذا المنظور، هنالك كتاب لا يتم الحديث عنه كثيرا في مجموع مؤلفات هايدغر. صحيح أنه كتاب قديم، وأحد الكتب الأولى التي صنفها هايدغر، باعتبار أنها كانت «أطروحة تأهيله». يتعلق الأمر بكتابه عن دون سكوت. يتضمن هذا الكتاب صفحات كانت لي بمثابة المنارة، لأنها تتعرض لما كان فلاسفتنا الوسيطيون يسمونه النحو التأملي. وقد وظفتها مباشرة حين دعيت لخلافة صديقي الراحل ألكساندر كويري في شعبة العلوم الدينية بمدرسة الدراسات العليا بباريس خلال سنوات 1937-1939. وبما أنه كان علي تناول التأويليات اللوثرية، فقد وظفت ما تعلمته من النحو التأملي. ثمة فعلا مصطلح يهيمن على لوثر الشاب، هو الدلالة المفعولية، التي يعالجها «النحو التأملي». ووجد لوثر الشاب نفسه في مواجهة آية المزمور التي تقول: In justitia tua libera me، أي كيف يمكن للعدل الإلهي، وهو المتسم بالحزم والصرامة في مقابل الرحمة، أن يكون أداة للخلاص؟ كانت المواجهة من دون مخرج، طالما جُعل ذلك العدل صفة تمنح لإله في ذاته. كل شيء يتغير حين يتم إدراكه في دلالته المفعولية، أي العدل الذي به جعلنا عادلين. وذلكم أمر الصفات الإلهية الأخرى، التي لا يمكن فهمها (النمط المعقول) إلا في علاقتها معنا (نمطنا المحسوس)، والتي يلزم التعبير عنها دائما في صيغة الفاعل أو صيغة المبالغة (الواحد، الجبار، العزيز، إلخ). هذا الاكتشاف هو ما جعل لوثر الشاب يصبح المؤول الأكبر للقديس بولس، فيما كان سيغدو ضحية له. وقد لاقيت هذه الوضعية التأولية في العديد من النصوص الكبرى للفلسفة الصوفية للإسلام. وكانت خصوصيتها ستظل مستغلقة علي لو أني لم أكن أملك مفتاح الدلالة المفعولية. لنقدم مثالا بسيطا على ذلك: وجود الوجود في هذه الحكمة الصوفية يتمثل في وضع الوجود في صيغة الأمر: كُنْ. أي ما هو أول. هذا الأمر المدشن للوجود هو أمر فعلي، لكن بالنظر إليه في الموجود الذي يوجده، أي الكائنات التي هي نحن، سيكون الأمر نفسه، لكن في دلالته المفعولية، أي باعتباره أمرا مفعوليا. يمكننا القول بأن انتصار التأويليات باعتبارها فهما يوجد هنا، بالنظر إلى أن ما نفهمه في الحقيقة، لا يكون سوى ما نحس به وما نتقبله وما نتأثر به في كياننا نفسه. لا تتمثل التأويليات في مناقشة هذه المفاهيم، إنها أساسا كشف لما يعتمل فينا، وكشف لما يجعلنا نبث تصورا ورؤية، وإسقاطا من قبيل ذاك، حين يغدو انفعالنا فعلا، أي تأثرا مؤثرا، نبوئيا وفاعلا poïétique. إن ظاهرة المعنى، التي تعتبر أساسية في ميتافيزيقا كتاب الوجود والزمن لهايدغر، هي الرابط بين الدال والمدلول. لكن ما الذي يصنعه هذا الرابط الذي من دونه سيظل الدال والمدلول موضوعا للتقصي النظري؟ هذا الرابط هو الذات، وتلك الذات هي الحضور، حضور نمط الوجود لنمط الفهم. لا أريد أن أعود هنا إلى الدواعي التي جعلتني في تلك المرحلة، وباتفاق مع أصدقائي، أترجم الدازاين بالواقع الإنساني. أنا أعرف ما يعتريه من ضعف، خاصة حين يتم، وبلامبالاة متكررة، السهو عن صلة الوصل التي شرحنا أهميتها الجوهرية. Da-sein: الوجود هنا، والأمر واضح. لكن الوجود هنا يعني جوهريا ممارسة الحضور، ممارسة ذاك الحضور الذي من خلاله ومن أجله ينكشف المعنى في الحاضر، ذاك الحضور الذي من دونه لن ينكشف أبدا شيء شبيه بالمعنى في الحاضر. إن نمط هذا الحضور الإنساني هو أن يكون كاشفا، لكن بشكل يكشف فيه عن نفسه ويكون هو نفسه منكشفا وهو يكشف عن المعنى. ومن جديد نجد أنفسنا أمام تلازم الانفعال والفعل. باختصار، فإن الرابط الذي تجعلنا الظاهريات منتبهين إليه هو الرابط الذي لا ينفصم بين النمط المعقول والنمط المحسوس، بين أنماط الفهم وأنماط الوجود. فأنماط الفهم ترتبط جوهريا بأنماط الوجود. وكل تغير في نمط الفهم ملازم لتغير في نمط الوجود. وأنماط الوجود هي الشروط الوجودية الأصلية existeniales للفهم، أي للتأويليات. فالتأويليات هي الشكل الخاص لمهمة الفينومينولوجي. ٢- لنمر إلى المعجم الغريب الذي يضعنا هايدغر أمامه، والذي وضع مترجمه الأول إلى الفرنسية في محنة قاسية. أفكر في كلمات من قبيل Erschliessen, Erschlossenheit (الانبثاق)؛ وفي كل المصطلحات التي تعين العمليات التي من خلالها تتكشف صيغ الحضور الإنساني (الدازاين)؛ أفكر في مصطلحات من قبيل Entdecken أي الاكتشاف، و Verborgen أي الكشف عن المستور. وما عشته قليلا بعد ذلك كتجربة، هو أنني وجدت مقابلات لهذه الكلمات في العربية الفصحى للمتصوفة الشهوديين الكبار في الإسلام. لهذا ليس من العسير العثور على الجسر. أثرت قبل قليل كتاب هايدغر عن دون سكوت. ونحن نعرف، كما وضح لنا ذلك إتيين جيلسون، أن ابن سينا يعتبر منطلقا لفكر دون سكوت. ثم إننا بفضل مؤرخي مدرسة طليطلة في القرن الثاني عشر، امتلكنا معجما فلسفيا مشتركا عربيا لاتينيا. وقد ذكّر دونيس دو روجمون سابقا وبمرح أننا في الوقت الذي كنا فيه رفيقي الشباب، قد لاحظ أن نسختي من كتاب الوجود والزمن لهايدغر كانت تحمل في هوامشها العديد من التعاليق بالعربية. أعتقد بالتأكيد أنه كان سيكون من الأعسر علي ترجمة معجم السهروردي أو ابن عربي أو الملا صدرا الشيرازي وغيرهم لو أني لم أتدرب مسبقا على التمارين والألاعيب التي قمت بها لترجمة المعجم الألماني غير المشهود الذي نجده لدى هايدغر. وأنا أفكر هنا في مصطلحات من قبيل «الظاهر» و»الباطن». فثمة باقة من الكلمات تنتظم حول هذين المصطلحين. هناك الظهور والإظهار، والـمُظهر والـمَظهر أي شكل التجلي، والمظهرية، أي وظيفة تجلي المظهر. وفي الفارسية ثمة كلمات مثل: «هاست كردن» التي تعني الإيجاد؛ و«هاس كننده» أي الموجِد،... وليس لي هنا أن أبدأ في صياغة معجم لذلك. فهذه المصطلحات تكفي لكي نحس بوجود معجم الظاهريات بكامله. لذا لست بحاجة إلى الإلحاح على الخدمة المتبادلة التي يمكن أن تسديها معرفة المعجم الصوفي الإسلامي ومعرفة معجم الظاهريات بعضهما لبعض؛ هذا بالرغم من الاختلاف في علو المرمى كما سأوضح ذلك بعد قليل. ثمة بالفعل ما يمكن أن نسميه «المستويات التأويلية». وهذا المصطلح غدا اليوم متداولا؛ أما في ذلك الوقت فقد كان شيوعه أقل بكثير. يتعلق الأمر طبعا، وفي كل الحالات، بالنظر في المستويات التأويلية (الأنماط المعقولة) بالعلاقة مع مستويات الوجود (أنماط المحسوس) التي يشكل كل نمط منها عمادا لما يقابله. فهذه الأنماط أو الصيغ هي التي يجب تمييزها بغرض تفادي كل خلط متسرع بين أنماط الفهم؛ وهو الخلط الذي لم أكف عن اتحذير طلبتي منه بباريس كما بطهران. ولهذا الغرض، علينا أن نمتلك في هذا الجانب وذاك مفهوما بالغ التحديد للظاهريات والتأويليات. فمن البديهي أننا غالبا ما تساءلنا عن الطريقة الأكثر أمانة لترجمة فكرة الظاهريات سواء بالعربية أم بالفارسية. وثمة حل، ولو أنه ليس كذلك، يتمثل في ترجمة الكلمة كتابيا فقط إلى العربية: فينومينولوجيا. والطريق ليس أفضل حين يقوم المرء، كما رأيت ذلك من طلبتي أو من كتاب المتابعات لكتبي، بالبحث العنيد عن مقابل في المعاجم. والأجدى كان البدء بالتساؤل إذا ما كان المعجم العربي الفارسي للعرفان يمكننا من مصطلح يعين المسعى المقابل لها. وثمة مصطلح متداول في العرفان، وهو من التداول بمكان بحيث يوجد عنوانا للعديد من الكتب. إنه مصطلح «كشف المحجوب». أليس هذا بالضبط هو مسعى الظاهريات؟ إنه المسعى الذي، وهو يظهِر المعنى الباطن المخفي تحت الظاهر، وخلف الظاهرة، يطبق بطريقته الخاصة برنامج العلم الإغريقي: sôzein ta phainomena، أي إنقاذ الظواهر. الكشف (Enthüllung, Entdecken) هو ما يمكن من إظهار حقيقة المحجوب تحت الظاهر (لنفكر في ما قاله هايدغر بصدد مفهوم الـ alêtheia أي الحقيقة). هذا الحجاب هو نحن، ما دمنا لا نقوم بالحضور، وطالما لم نكن هنا (دا-زاين) في المستوى التأويلي المطلوب. وإذن، أليس علينا أن نترافق في الطريق بالرغم من ضرورة افتراض اختلاف في علو المرمى، وهو اختلاف يعلن عن نفسه في كون متصوفتنا، يعنون بهذا الكشف، الكشف عن الباطن تحت الظاهر. وبهذا المعنى فتأويلياتهم تظل وفية في الآن نفسه للمصدر وللواسطة: «ظاهرة الكتاب المنزل» الذي ذكرت به فيما سبق. ذلك بالضبط هو ما يقترحه علينا المصطلح الذي يقابل بالعربية مصطلح الهيرمينوسيا، أعني مصطلح التأويل. فالتأويل يعني لغة «رد شيء إلى أوله». إنها تقنية «الفهم» التي مهر فيها عرفانيو الشيعة الإثناعشرية والإسماعيليون في تأويلهم الباطني للقرآن. إنه «ستر الظاهر وكشف المحجوب». والخيميائيون أنفسهم لم يكونوا يدركون حجر الفلاسفة بغير هذه الطريقة. في هذا السبيل، ثمة العديد من المستويات التأويلية التي تقابل العديد من مستويات الوجود. لهذا فإن التأويل الحقيقي لا علاقة له «بالأمثولة» المثل في مفهوميه القرآني allégori التي لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن قد يحدث أن يمنحنا صعود هذه المستويات التأويلية الانطباع بأننا قد تركنا وراءنا رفيقنا الفينومينولوجي الغربي. لكن بما أننا سرنا على الطريق التأويلي نفسه، فلماذا إذن لا يلحق بنا؟ إنها المسألة التي تتصل بعلاقاتنا المستقبلية، المسألة نفسها التي لاقيناها منذ لحظة بخصوص الدلالة المفعولية. فقد كان يكفينا، بل كان يهمنا متابعة ما تعلمناه في النحو التأملي لمتابعة الحديث الرائع للمتصوف ابن عربي المتعلق بمعنى الأسماء الإلهية. إنه تمرين بسيط يمكّننا من القول بأننا إذا لم نكن مدربين كفاية على سر الدلالة المفعولية، فإننا معرضون إلى التردد ومجانبة الأمور الجوهرية. ولتسمح لي بالإحالة هنا إلى كتابي عن ابن عربي. هذا باختصار ما كانت عليه فكرتي التوجيهية في الكتب التي تشكل مؤلفاتي كباحث في العلوم الفلسفية والدينية. ٣- من اليسير عليك إذن عزيزي فيليب نيمو أن تدرك لماذا لم أستطع ولم أرغب في أن أكون «مؤرخا» بالمعنى العادي للكلمة، أي عالما يضع حصيلة الماضي، ولا يحس بنفسه أبدا مسؤولا عن ذلك الماضي؛ بل ولا حتى مسؤولا عن المعنى الذي يمنحه له، في الوقت الذي يكون هو الذي يمنح له معنى أو آخر ويشغِّل السببية التاريخية تبعا للمعنى الذي قرره له. فحسب المؤرخ الوقائع وقعت، وأصبحت الأحداث ماضيا، بينما هو المؤرخ لم يكن هناك. فالأجدر ألا يكون المؤرخ هناك، في أي وقت وأي مكان حدث ذلك. بل من اللازم ألا يكون هناك، أي ألا يكون «حاضرا» لهذا الماضي حتى يستطيع الحديث عنه بكل «موضوعية تاريخية». وحتى حين يقدم مصطلحات من قبيل «الماضي الحي»، و«حضور الماضي»، فإن ذلك الحضور ليس سوى مجاز لا يسمن ولا يغني من جوع عذره الشخصي. بالمقابل، فإن الفينومينولوجي التأويلي يلزم أن يكون دائما هنا (دا-زاين)، لأن لا شيء يكون لديه ماضيا أو متجاوزا. فهو حين يقوم بالحضور بنفسه يقوم بعملية الإظهار لما هو محجوب تحت الظاهر. هذا القيام بالحضور يتمثل في فتح المستقبل وإعلان ولادته، المستقبل الذي يخفي ما يعتبر ماضيا متجاوزا. إنه رؤيته في الأمام، وذلك شيء مخالف للحضور الأدبي المجازي والمسالم «للماضي الحي». وهذا يعني في الآن نفسه الإحساس «بالمسؤولية عن الماضي»، لأن المستقبل يتم التكفل به. صحيح أن ذلك يعني أيضا نمطا معينا من الوجود، لكنه نمط وجود يشرط هذا المستوى التأويلي. (ليس لنا أن نشكك جدليا في أنماط الوجود. إنها تُفهم، وتُرفض ولا تفنَّد). لهذا ظللت دائما ذلك الفينومينولوجي الذي كنته في شبابي. أعرف أن ذلك قد يكون ضلَّل بعض زملائي المستشرقين، العالمين إلى هذا الحد أو ذاك بصرامة الفيلسوف. لكن، بما أن وضعية البحوث تطلبت مني أن أقوم بتحقيق للعديد من المجلدات من النصوص العربية والفارسية، فقد برهنت على أن الفيلسوف يمكنه أن يجمع بين المعرفة اللغوية الكاملة وضرورات الفهم الفلسفي. لهذا فقد كنت مفهوما أكثر من جانب الفلاسفة، الذين أدركوا فحوى خطابي من الوهلة الأولى. لكن هنا نحس بنتائج فقر برامجنا الرسمية، إذ يلزم البدء بالتعريف بأسماء الفلاسفة الأجانب، والفروق في التحقيب، وجرد المصطلحات، إلخ، أي كل الأشياء التي كان يلزم أن تكون جارية التداول، والتي ربما ستغدو كذلك في يوم ما، حين سيمتلك فلاسفة الغرب والشرق معا خيوط تراثهم. قد لا يكون من الضروري أن أقول بأن مسير أبحاثي قد وجد أصله في التحاليل الفريدة التي ندين بها لهايدغر، التي تبين عن الأصول الأنطولوجية للعلم التاريخي، والتي تبرز أن ثمة تاريخية أكثر أصلية وأكثر بدائية مما نسميه تاريخا كونيا، أي تاريخ الوقائع الخارجية، باختصار التاريخ بمعناه العادي والمتداول. وللدلالة على ذلك ابتكرت كلمة تاريخ أصلي historialité وأعتقد أن علينا الاحتفاظ بهذا المصطلح. فالعلاقة بين التاريخية الأصلية l'historialité والتاريخية l'historicitéهي العلاقة نفسها الموجودة بين الوجود الأصلي l'existential والوجودي l'existentiel. كان ذلك لحظة حاسمة. فقد تبدت لي تلك التاريخية الأصلية فعلا باعتبارها محفزة ومانحة للشرعية لرفضنا الانصياع للاندماج في تاريخية التاريخ، وفي نسيج السببية التاريخية، وباعتبارها تدعونا للانسلاخ عن تاريخية التاريخ. فإذا كان ثمة «معنى ووجهة للتاريخ» فهو لا يوجد على كل حال في تاريخية الوقائع التاريخية؛ إنه موجود في تلك التاريخية الأصلية، وفي تلك الجذور الوجودية الأصلية السرية والباطنية للتاريخ والتاريخي. وإذا كانت اللحظة آنذاك حاسمة، فلأنها كانت كذلك، ومن دون شك، اللحظة التي وجدت نفسي فيها أتخذ من التحليلية الهايدغرية نموذجا، وأنصاع لاستهداف مستويات تأويلية لم يكن برنامجه قد تطلبها بعد. يتعلق الأمر بما سميته فيما بعد بمصطلح التاريخ المقدس hiéro-histoire ، الذي لا يستهدف الوقائع الخارجية لـ»للتاريخ الديني»، «تاريخ الخلاص»، وإنما شيئا أكثر أصالة، أعني الباطني المختفي تحت الظاهر الحرفي، أي ظاهر قصص الكتب المقدسة. لقد وضحت التباين بين التاريخية الأصلية والتاريخية؛ وهو تباين معروف مسبقا وإن كان قد تم التعبير عنه بكلمات أخرى لدى العرفانيين والقباليين في ديانات الكتاب. فأصدقاؤنا القباليون اليهود، على سبيل المثال، يتحدثون عن أسرار التوراة الأساسية، أي التوراة الحكمة التي تتضمن الأنماط الأصلية للخلق والتي تأملها الحق لآلاف السنين قبل أن يخلق العالم. لكن ليست قصة الإنسان الأول، وقصة كوري، وقصة حمارة بلام، هي التي استقطبت تأمله في مظهرهم الحرفي.؛ فليس بذلك خلق العالم. فما تأمله هوس المركز الروحاني الأكثر حميمية للتوراة والإنسان، أي مركز التوراة كما هي موجودة في مستوى العالم الأسمى. وذلك هو ما تعلمنا التأويليات الروحانية قراءته في الكتاب المقدس. والأمر نفسه لدى العرفانيين الشيعة، الاثناعشريين والإسماعيليين؛ فما نسميه نحن تاريخية ومعنى التاريخ، لا يشكل في نظرهم سوى مجاز لحقيقة الوقائع والأشخاص الميتافيزيقيين في ما قبل خلق عالمنا. وهذا ما يعلمنا التأويل قراءته في القرآن. ولو لم يكن ذلك، وهو ما صرح به بشكل حاسم الإمام الخامس للشيعة محمد الباقر (القرن الثامن عشر)، ولو كان ثمة فقط المظهر الحرفي المتعلق بظروف نزول الآيات القرآنية، أي لو كان ثمة فقط التاريخي، كان القرآن سيكون منذ زمان كتابا ميتا. والحال أن هذا الكتاب سيظل حيا إلى يوم القيامة، وإذا ما كان حيا فذلك لأن التأويل الروحاني هو الذي كشف من جديد عن معانيه الخفية. وها هي التأويليات الفينومينولوجية تعود، من خلال ذلك، إلى أصولها اللاهوتية. وإذن يا لسخرية الأقدار. فما يراه الناس العاديون، أي الظاهريون، باعتباره المعنى المجازي، هو ما يراه العرفانيون باعتباره المعنى الحقيقي، وذلك لأنهم لا ينزلون بالمعنى الروحاني إلى مستوى المجاز أو التمثيل. وما يراه الإنسان العادي معنى حقيقيا، أي معنى تاريخيا عيانيا، لا يكون في نظر العارفين سوى معنى مجازي، أي مجاز الحقيقة. وها هو علمنا التاريخي ومؤرخونا وقد صاروا مجازات وحالة مجازية. وما القول في الفقهاء المفسرين الذين يرغبون اليوم في معرفة معنى آخر غير المعنى المسمى «تاريخيا»، فيهدمون التاريخ المقدس بإدراجه مهما كان الثمن في تاريخية التاريخ، لأنه ليس ثمة من «واقع» آخر في نظرهم. وفي أحسن الأحوال سيتم التسليم بنمذجة غير مقنعة ولا تسمن ولا تغني من جوع من قبيل هذه. وربما لم يكن لي سابقون كثيرون ليقوموا بهذه المقاربات، غير أنها تبدو لي ضرورية لأنها تمكننا من أن نرى أفضل إذا ما كانت التحليلية الهايدغرية قد توقفت في محطات سابقة لأوانها. فلأن التاريخية الأصلية للتاريخ المقدس تحررنا من تاريخية التاريخ فهي تمكننا من النظر بسخرية لهيجان التاريخي والتاريخية السائد في أيامنا هذه. ثمة «مفاتيح تاريخية»، و«مؤتمرات تاريخية»، و«مقترحات لقوانين تاريخية»، و«منعطفات تاريخية»، إلخ. فالتاريخ المقدس يعلمنا أن ثمة تسلسلات أكثر جوهرية وأكثر حقيقة من التسلسلات التاريخية، وهي من الجوهرية بمكان بحيث إن الحظوة الممنوحة للتسلسلات التاريخية من قبل «العماء عن اللامرئي» تبدو تافهة. إننا لا نرتبط بالعوالم الأخرى التي تمنح «معنى» لهذا العالم من خلال رابط «تاريخي». فالتحليلية الهايدغرية لها، من بين ما لها، تلك الأهمية القصوى المتمثلة في جعلنا نفهم الحوافز التي تجعل من الإنسانية في أيامنا هذه تتشبث «بالتاريخي» تشبثها «بالواقع» وحده. ويتولد لدينا الانطباع بعلْمنة لفكرة التجسيد تجر اللاهوتيين أنفسهم في مدار سوسيولوجيا معمَّمة وحاضرة بقوة. والحال أن تحيليلية فعل الحضور، والدا-زاين (الوجود هنا) الذي فيه يتولد مستقبل الماضي، باعتباره «يحيِّن» ما كان في الماضي مستقبلا، يملك فضيلة تحريرنا من سراب هذا الولع بالتاريخية الذي يجعل ما سيكون لنا مجد الانتماء إليه أمرا ينتمي إلى الماضي، وذلك لأن تلك التحليلية تبدد سراب فكرة الماضي بتحويله. لنفكر مجددا في المعجم الجديد الذي وضعنا هايدغر أمامه لنطرح السؤال التالي: هل تصبح أفعال الحضور الإنساني منتمية للماضي الخالص والبسيط؟ أم أنها تظل في الحاضر باعتبار أنها موجودة باعتبارها قد كانت؟ لكن، إذا كانت موجودة، فذلك لأن الحضور الذي «يمارس الحضور» هو دائما في الآتي، في مستقبل لا يكف عن التشكل كحاضر. والماكان لا يمكنه الآن أن يكون قد كان إلا باعتباره المستقبل المتولد باستمرار من المستقبل. فلا وجود للحاضر إلا لأن المستقبل لا يكف عن الصيرورة ما كان. والحاضر هو ما يلي: إنه المستقبل وقد كان ما سيأتي، لكن بما أن المستقبل هو ما كان، فهو يحتفظ في الحاضر بكل ممكناته وافتراضاته. كل شيء متعلق ب»فعل الحضور)) (الدا-زاين) الذي يكون به ما كان هنا. وهنا تكمن سيرورة تزْمين الزمن. وذلك يبدأ مع إيران ما قبل الإسلامية، أي كل ما يتصل بالزرفانية(٭) zervânisme. وفي إيران الإسلامية يميز السمناني (القرن ٥١) بين الزمان الآفاقي، أي زمن الزن الأكبر، زمان العالم الطبيعي، والزمان الأنفسي أي الزمن النفسي الروحاني. أما القاضي سعيد القمي (القرن ٧١)، فسيميز بين زمان كثيف أي زمان لطيف وزمان الألطاف. وقد كانت لي فرصة التطرق لذلك في كتبي. وما حاولت إثارته هنا يمكِّنني من أن أوضح كيف أن مسعى الفيلسوف الشاب السهروردي في القرن ٢١م، وهو يقترح قصدا وفي قلب إيران الإسلامية، «بعث حكمة النور لحكماء بلاد فارس القديمة»، لم يكن ليتبدى لي بهالته الساطعة تلك لو لم أكن ذا تكوين ومعرفة أدين بهما لتلك الفينومينولوجيا. ففي نظر المؤرخ، قد يبدو مشروع السهروردي باعتباره «نظرة روحية» حسب التعبير السائد آنذاك، أي مشروعا اعتباطيا بلا أساس تاريخي. بيد أن السهروردي نفسه لم يفكر ولم يمارس فكره باعتباره «مؤرخا». فهو لا يناقش المفاهيم، ولا التأثيرات، ولا الآثار التاريخية المبحوث عنها ولا القابلة للتشكيك. فهو بكل بساطة هناك، يمارس حضوره. وماضي إيران الزارادشتية يتكفَّل به، ويضعه هكذا في الحاضر. إنه لم يعد ماضيا بلا مستقبل، باعتبار أن كل تسلسل قد تم قطعه. فالرابطة الروحانية تتجاوز كل قطيعة تاريخية، وهي من القوة بحيث يمكنها لوحدها أن تشكل تسلسلا مشروعا. فمنذئذ سيغدو حكماء فارس القديمة، أي الخسراويون، في الحقيقة روادا للإشراق وأسلافا للإشراقيين، أي أفلاطونيي إيران الإسلامية. كتب شيخ الإشراق: «ليس لي من سابقين في مسألة مثل هذه». إنها بالتأكيد جرأة مفكر شاب لا يتجاوز عمره الخامسة والثلاثين يحرك فعل حضوره ويمنح المشروعية لتحويل الماضي إلى مستقبل، لأن كلية مستقبل ذلك الماضي هي التي تتشكل من جديد باعتبارها حاضرا، في حاضر «فعل حضوره». وذلك هو الحقيقي من منظور التاريخية الأصلية. يظل السهروردي شيخ الإشراق منذ مدة في نظري البطل النموذجي في الفلسفة. وعلى منواله سعيت إلى فهم الثقافة الروحية لإيران بكاملها، كي أمنحها بعدها المستقبلي. ولربما أكون بذلك قد ساعدت أكثر من صديق إيراني أعرفه أو أجهله على العثور على نفسه. وقد تلقيت بصدد ذلك الشهادة لأكثر من مرة، وهذه الشهادات كانت دائما تؤثر في. لكني متيقن أن فعل حضور كهذا يلزم أن يمارس من قِبل أي واحد يرغب في إبلاغ الغرب رسالة مثل رسالة الروحانيين الإيرانيين. وأعتقد أني عاجز عن تقديم شهادة أكثر مباشرة من هذه لتدعيم ما قلته منذ لحظة عما احتفظت به من هايدغر طيلة مشواري باحثا. وهذا يكفي ليبدد نهائيا سوء التفاهم الخطير الذي نددت به سابقا، على الأقل طالما كان سوء التفاهم ذاك ذا طُوية حسنة. ٤- هذه الملاحظة قيلت منذ زمن: في الحقيقة، كانت التحليلية، أي بلورة التأويليات الهايدغيرية تفترض مسبقا وبشكل مضمر اختيارا فلسفيا وتصورا للعالم (Weltanschauung) وهذا الاختيار يعلن عن نفسه في الأفق نفسه الذي تتبلور فيه تحليلية الـ«دا» (حضور) الزاين (الوجود). لكن ليس من الضروري الاعتقاد في هذه الفلسفة أو الرؤية للعالم المضمرة ليطبق المرء بدوره كل موارد تحليلية هذا الدازاين، الذي ترجمته من لحظة ب»ممارسة الحضور)). وإذا كانت رؤيتك للعالم لا تتطابق مع رؤية هايدغرللعالم وفلسفته، فهذا سيترجم في كونك ستمنح لـ»دا» الدازاين وضعية situs أخرى وبعدا آخر لا يمنحه إياه كتاب الوجود والزمن. قمت سابقا بالمقارنة بالمفتاح الذي يقدم لك لفتح قفل. هذا المفتاح هو التأويليات. ولك أن تمنح لهذا المفتاح الشكل الذي يتماشى مع القفل الذي ترغب في فتحه. والأمثلة التي ذكَّرت بها منذ لحظات توضح لنا أن هذا المفتاح التأويلي، إذا ما تم تكييفه بهذا الشكل، سيفتح كل الأقفال التي تغلق إمكانية بلوغ المحجوب والمخفي والباطني. فبالمفتاح التأويلي فتح سويدنبورغ أقفال الألغاز السماوية للكتاب المقدس. يمكن القول إن هذا المفتاح هو الأداة الرئيسة التي يعتمد عليها تجهيز المختبر الذهني للفينومينولوجي. لكن استعمالك هذا المفتاح التأويلي لأن هايدغر قد بيَّن لك كيف يمكن استعماله وتكييفه، لا يعني أبدا ولا يتطلب أبدا أنك تنتمي مع ذلك إلى تصور هايدغر للعالم وإلى فلسفته. وإذن، حين تم التلميح أنني قد «خلطت» بين هايدغر والسهروردي، لم تتم الإحالة إلى هذا المفتاح الذي لم يكن أصحاب التلميح يعرفونه أبدا؛ لقد تم التلميح إلى أنني قد قمت بالتوفيق بين فاسفة هايدغر وفلسفة الإيرانيين. وهذا التلميح أخرق إلى درجة أنني لم أشكك في سلامة نية أصحابه. لقد استعملت بدقة المفتاح التأويلي وكتبت صفحات لا تحصى لكي أبين الاختلافات التي تفتح أبوابها. لكن ما جدوى ذلك مادام النقاد البلهاء لا يقرؤونها ويراوحون عند وضعيتهم الخرقاء. وكمثال على مجهوداتي لتبيان الاختلافات والتنبيه إلى كل خلط ممكن، أحيل إلى أحد أكبر الفلاسفة الإيرانيين، الملا صدرا الشيرازي (القرن 17) باعتباره أيضا متأولا كبيرا لإشراق السهروردي. لقد تناولت الملا صدرا في العديد من كتبي؛ وقمت بتحقيق وترجمة إحدى رسائله بالكامل وألقيت العديد من الدروس عن مؤلفاته سواء في طهران أو باريس. والملا صدرا صاحب ثورة حقيقية في مجال الميتافيزيقا والفلسفة التقليدية الإسلامية. فقد كان أول من خلخل ميتافيزيقا الجوهر الهشة، ليستبدلها بميتافيزيقا تمنح لفعل الوجود وللوجود الأولوية والسبق على الجوهر. ولم أكن أحتاج لأكثر من ذلك كي أسمع بطهران طلبة وباحثين يعلنون باقتناع أن الملا صدرا كان المؤسس الحق للوجودية! أما آخرون ممن وقعوا تحت فتنة علم النشأة الكونية وعلم النفس لدى الملا صدرا فقد عثروا فيه بفخر واعتزاز على ما تمثلوه بهذا القدر أو ذاك من العمق في النزعة التطورية. والحال أن النفحة اليوحناوية (نسبة إلى القديس يوحنا) التي نجدها لدى الملا صدرا وغيره من الفلاسفة الإيرانيين: «لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها»، غريبة كل الغرابة عن النزعة التطورية. وفلسفة الخيال الفعال باعتباره قوة روحانية خالصة لدى الملا صدرا يمكن أن تبيح لنا بعض المقارنة مع برغسون صاحب المادة والذاكرة والطاقة الروحانية. بيد أن الأفق الأخروي لفلاسفتنا الإيرانيين ليس أفقا برغسونيا. وإذن، كان علي في كل مرة أن أبذل قصارى جهدي والعودة للمعركة كي أتفادى الأخلاط التي تهدم كل محاولة جدية للفلسفة المقارنة. وقد قمت بذلك مستعينا بالمفتاح الهرمينوسي، أي بالبرهنة على أنه، بالرغم من بعض التوافق، يظل ثمة اختلاف أساس بحيث إننا أمام عالميْ فهم صادرين عن عالميْ وجود مختلفين كل الاختلاف. فقد كان علي أن أوضح أن علو الهدف في الحالين معا يطابق مستويين تأويليين مختلفين في الدرجة. لذا وأنا أحقق وأنشر مؤلفا للملا صدرا، أي كتاب «مفاتيح الغيب» حانت الفرصة للإلحاح طويلا على خصائص معجم الوجود في الإغريقية واللاتينية والعربية والفارسية والفرنسية والألمانية. صحيح أن مترجمي مدرسة طليطلة الذين تحدث عنهم منذ قليل قدموا لنا عناصر معجم عربي لاتيني حيث توجد باللاتينية مفردات ماهية (quidditas, essentia) ووجود (esse, existere)، وموجود (ens )، إلخ. ولا حاجة للرجوع لذلك لاكتشاف أن لا أثر لما سمي «وجودية» في فرنسا يوجد لدى الملا صدرا، أعني لا شيء في فلسفة الوجود تلك التي أطلق عليها هذا الاسم. ففي هذا الجانب وذاك، فإن أنماط الوجود باعتبارها أساس الأسبقية الممنوحة «للوجود» مختلفة اختلافا جذريا. هذا من غير مساس بالحكم الذي عبر عنه هايدغر نفسه إزاء «الوجودية»، وهي الكلمة التي ما كان الهايدغريون الأوائل ليتفوهوا بها أبدا. وإذن، نحن نلامس الاختلاف الأساس الذي عنه ينتج ذاك الانتقال، «انتقالي أنا» من هايدغر إلى السهروردي، وهو اختلاف سوف أختم به. لقد أشرت منذ قليل كيف أن استعمال المفتاح التأويلي الذي وضعه هايدغر بين أيدينا لا يعني مباشرة الانخراط في فلسفته ونظرته للعالم. فالتأويليات تشتغل انطلاقا من فعل الحضور الذي توحي به «دا» الدا-زاين؛ فمهمتها تكمن في تسليط الأضواء على أن الحضور الإنساني وهو يفهم نفسه يموضع نفسه، ويحدد «الدا» (الهنا) أي وضعية حضوره ويكشف الأفق الذي كان حتى ذلك الوقت محجوبا عنه. وميتافيزيقا الإشراقيين، وميتافيزيقا الملا صدرا بامتياز تبلغ أوجها في ميتافيزيقا الحضور. ولدى هايدغر تنتظم حول هذه الوضعية لَبْس التناهي الإنساني الذي يعينه باعتباره «وجودا من أجل الموت». ولدى الملا صدرا وابن عربي، ليس الحضور كما يعيشانه في هذه الدنيا، أي حضورا تكون غائيته الموت كما تكشفه لهما «ظاهرة العالم وظاهره» المعيش، وإنما «وجودا فيما وراء الموت». ونحن ندرك منذ الوهلة الأولى أن تصور العالم، والاختيار الفلسفي السابق للوجود، سواء لدى هايدغر أو لدى حكماء التصوف الإيرانيين هي نفسها عنصر مكون لـ«دا» (هنا) الدازاين، ولفعل الحضور للعالم ولتنويعاته. ومن هناك، ليس علينا سوى حصر مفهوم الحضور عن قرب ما أمكننا ذلك. لأي شيء يكون الحضور الإنساني حضورا؟ سيبدأ التحقيق كما ينبغي ذلك بعرفان الإسماعيليين. فهم يميزون ما يلي: ثمة معرفة أو علم صوري هو العلم في صورته المعتادة؛ وهو يتم بواسطة إعادة تصور وشكل خيالي في النفس. وثمة علم يسمونه علما حضوريا، وهو لا يمر بواسطة تمثيل أو تصور ولا بشكل خيالي وإنما هو حضور مباشر، ذلك الحضور الذي به يفترض فعل حضور النفس ذاتها حضور الأشياء التي يسمونها أيضا علما إشراقيا، باعتباره في الآن نفسه طلوع مشرق الوجود على النفس وطلوع الإشراق الصباحي للنفس على الأشياء التي تكشف عنها وتتكشَّف لذاتها باعتبارها حضورا مشتركا comprésence. ومن الهام أن نحتفظ دائما لكلمة إشراق بدلالتها الأولى، أي طلوع ومشرق الكوكب، الكوكب في مشرقه. لكن المشرق هنا مشرق لا ينبغي البحث عنه في خرائطنا الجغرافية، فهو النور الذي يطلع، النور السابق على كل شيء منزَّل وعلى كل حضور، لأنه هو الذي يكشف عنها، وهو الذي يوجِد الحضور. وإذن فإن الاختلاف كله سيكون هنا حين سنطرح السؤال: أي حضور يستحضر الحضور الإنساني لنفسه بممارسة فعل الحضور؟ بعبارة أخرى: بأي كوكبة من الحضور يحيط «دا» (هنا) الدازاين نفسه بتكشُّفه لذاته؟ ولأي عوالم يتم الحضور بالوجود هنا؟ هل عليَّ الاقتصار على ظاهرة العالم الذي يحلله هايدغر في كتاب الوجود والزمن؟ أم علي الحس بحضوري والقبول به وتمديده إلى كل العوالم البيْنية، كما يكشفها لي ويوحي بها لي الحضور الإشراقي لحكماء التصوف الإيرانين الإسلاميين؟ إنني بطرحي لهذا السؤال، لا أقوم سوى بتوضيح الاختلاف الذي تحدثت عنه من لحظة. فإذا كان هايدغر يعلمنا كيف نحلل «دا» الدازاين، وفعل الحضور، فهذا لا يعني أبدا، كما ترى، أن تفرض حدود الأفق الهايدغري نفسها على فعل الحضور هذا، ولا أن يتوقف ذلك الفعل بشكل مبكر. لهذا فقد أشرت منذ قليل إلى اللحظة الحاسمة التي انجرفت نحو مستويات تأويلية لم تتوقعها التحليلية الهايدغرية التي كانت في متناولي آنذاك. أعني بُعدا لفعل الحضور نجد أنفسنا فيه بصحبة التراتبات الدينية للأفلاطوني الجديد بروقليس، وللعرفان اليهودي، والعرفان الفلانتيني، والعرفان الإسماعيلي. من هذا المنطلق فالمستقبل وبُعد المستقبل هو ما يتقرر. فإذا كان فعل الحضور هو المستقبل الذي لا يكف عن التشكل في الحاضر، وإذا كان يتعلق بفعل الحضور هذا أن أشكل في الحاضر الآتي الدائم الخاص بي، فما هو هذا المستقبل؟ لا يمكننا هنا مداورة عملية الاختيار، أي الاختيار الفلسفي المضمر في ما قبل المسعى الهرمينوسي، ذلك الاختيار حاسم: فالتأويليات لا تقوم سوى بالكشف عنه. فمن جهة، يصدح القول المأثور والمؤثر للتحليلية الهايدغرية: الوجود من أجل الموت. ومن جهة ثانية نحن مدعوون بصرامة إلى حرية فيما وراء الموت. لنحافظ على كلمة هايدغر Entschlossenheit أي القرار الصارم، وهو ما يعبر عنه اليوم بالقرار بلا رجعة. ذلك أن الأمر يتعلق بمعرفة إذا لم يكن هذا القرار، وبأي مقدار، حركة تراجع أمام الموت، وعجزا عن أن يكون المرء حرا من أجل ما وراء الموت، وأن يكون حاضرا للموت ومن أجل ما وراء الموت. وأنا أخشى أيما خشية بالفعل أن تخفق الإنسانية في أيامنا هذه أمام الحرية من أجل ما وراء الموت. لقد راكمنا بالكثير من العبقرية كل الأسوار الممكنة، من تحليل نفسي، وسوسوسيولوجيا، ومادية تاريخية، ولسانيات، وتاريخانية، إلخ. وكل شيء تم استنفاره لمنعنا من كل نظر وكل دلالة في الما وراء. والإنسانية المتطورة بالغ التطور، في منتهى مئات الآلاف من السنين، التي يتصورها فرانز فرفيل في روايته «نجم الذين لم يولدوا بعد»، حتى هذه الإنسانية، فيما عدا المؤهلين لذلك دائما وهم «حكماء الزمن»، لا تكف عن السقوط في ما تحت ذاك التطور باعتبارها إنسانية بالغة الهشاشة والشيخوخة بحيث لا تستطيع حمل عبء مستقبلها إلى ماوراء ذلك. وثمة في آخر المطاف المعنى الميتافيزيقي لكلمة «غرب»: الانحطاط والغروب، وهو المعنى الذي أثبته السهروردي في قصته المؤثرة والقصيرة «قصة الغربة الغربية». سوف أصرح يوما ما كيف أن قصة الغريبة الغربية هذه كانت بالضبط اللحظة الحاسمة الذي رميت فيها جانبا بثقل التناهي الذي كانت تنوء تحته السماء المكفهرة للحرية الهايدغرية. وكان علي أن أدرك أنه تحت هذه السماء المعتمة، كان «دا» الدازاين جزيرة صغيرة ضالة، أي جزيرة «الغربة الغربية». يهدئ الناس أنفسهم دائما بالقول: «الموت جزء من الحياة». وهذا أمر غير صحيح، إلا إذا نحن فهمنا الحياة في معناها البيولوجي. بيد أن الحياة البيولوجية بنفسها مشتقة من حياة أخرى هي مصدرها وهي مستقلة عنها هي الحياة الجوهرية. وطالما ظل القرار الصارم «لأن يكون المرء حرا من أجل الموت» فإن الموت سيكون عبارة عن انغلاق وسياج لا مخرجا. وآنذاك لن نخرج من هذا العالم أبدا. وأن يكون المرء حرا من أجل ما بعد الحياة يعني حدسه وجعله يأتي كمخرج وبوابة للخروج من هذا العالم باتجاه عوالم أخرى. بيد أن الأحياء هم الذين يخرجون من هذا العالم، لا الأموات. أتمنى أن أكون قد نجحت، بالرغم من كل شيء، خلال هذه اللحظات القصيرة أن أجعل القراء يفهمون كيف أن الفيلسوف نفسه يمكنه أن يكون في الآن نفسه أول مترجم فرنسي لهايدغر والمتأول للواقعة الدينية الإيرانية. أعني أن يفهموا كل ما دنت به للسلاح الذي استقيته من تأويليات هايدغر، وكيف ولماذا استخدمتها لأبلغ معالي مستهدفة. وأعتقد أن ذلك كان تجربة بالغة الاختلاف عما مثلته التقاطعات، الناجحة إلى هذا الحد أو ذاك، بين فلسفة هايدغر واللاهوت. علينا أن ندرك أيضا كيف أنني بعد السنوات الطويلة لزيارتي المشرق بعيدا عن أوروبا، كان من الصعب علي إعادة الارتباط من جديد بشخص هايدغر وفلسفته. ف. نيمو: تحدثتَ قبل قليل عن هايدغر الذي قمت بترجمته سنة 1938. وقد شدَّدتَ على التباين بين التأويليات الهايدغرية للدازاين والتأويليات التي كشف لك عنها الفلاسفة والمتصوفة الإيرانيون. هذا التباين تقيسه بالإحالة إلى كلمتي «شرق» و«مشرقي»، كما يستعملهما هؤلاء الفلاسفة. لكن هل علينا أن نفهم أن مؤلفات هايدغر بعد 1938 شهدت توقفا وثباتا على المواقف المكتسبة إلى حدود ذلك الوقت. هل علينا أن نفهم أن القسم الثاني من مؤلفات هايدغر، بعد مرحلة كتاب «الوجود والزمن» و«ما هي الميتافيزيقا؟» لم تغير من هذا الانغلاق الذي أحسست به في القسم الأول من مؤلفاته؟ هـ. كوربان: حذار! لا أريد بأي حال أن أستعمل كلمة «انغلاق» إزاء فيلسوف علمنا أن نفتح العديد من أقفال الوجود. بيد أن السؤال الذي طرحته علي يتعلق بحالتي أنا: ما الذي كانت تمثله مؤلفات وفكر هايدغر لباحث معروف في الوقت نفسه أو منذئذ باعتباره متأولا لفلسفة إيرانية إسلامية ظلت أرضا مجهولة في الغرب؟ لقد حاولت الإجابة حسب مستطاعي على سؤالك، وطبعا لم يكن للأمر أن يتعلق فقط بمؤلفات هايدغر كما كانت متوفرة لدينا سنة 1938 والتي كانت مؤلفات ذات وزن لا يستهان به آنذاك. والسؤال الذي تطرحه علي الآن يستهدف مجمل أعمال هايدغر. وللإجابة عليه يلزمنا دراسة مقارنة كاملة لهذا المجموع مع مجموع الفلسفة الإيرانية الإسلامية. وقد تكون هذه المهمة ممكنة في يوم ما، لكني أعترف أنها حاليا تتجاوزني. فلا يزال أمامي الكثير مما أقوم به جهة الفلاسفة الإيرانيين، بالضبط لكي يغدو ذلك البحث الفلسفي المقارن ممكنا في يوم ما. وهذه المهمة ستكون أليق بزملاء فلاسفة شباب، من جهة أولئك الذين حافظوا على علاقة وطيدة مع الإنتاج الفلسفي اللاحق لهايدغر، وهو الاتصال الذي فقدتُه لا محالة خلال سنواتي المشرقية الطويلة، ومن جهة ثانية الفلاسفة الشباب، وطلبتي والآخرون الذين شجعتهم على الدراسة الشخصية للعربية والفارسية، حتى يستطيعوا الفعل في مجال الفلسفة بتخليص الفلسفة والتصوف الإسلاميين من «غيتو» ما يسمى عادة «بالاستشراق». لقد كانت وفرة مؤلفات وامتدادها، كما تعلم، هائلا. فقد تم الإعلان عن نشر الأعمال الكاملة التي تتضمن نصوص المناظرات، في ما يناهز السبعين مجلدا. وهو ما يعادل منشورات فلاسفتنا المشرقيين. ثمة إذن آفاق جميلة للعمل و«لإرادة الوجود»، وهي لامحدودة وتتطلب الفهم. ولقد حان الوقت لإعادة القول: أيها الفلاسفة، لتركبوا سفنكم للإبحار. وعلى كل حال، فأنا أعتقد أنه من المفيد القيام بشهادة في أفق جواب على سؤال يطرح وغالبا ما طرق أسماعي، ويبدو أشبه باللغز. هذا السؤال يتعلق بمصير ما كان يعتبر الجزء الثاني من كتاب الوجود والزمن، وهو الجزء الذي من دونه لا يغدو الجزء الأول سوى قوس محروم من عماده، والذي كان سيكمل البنيان الأنطولوجي للتاريخية الأصلية الهايدغرية. وقد رأيت بأم عيني مخطوط الجزء الثاني هذا على طاولة عمل هايدغر في يوليو 1936 بفريبورغ. وهو كان موضوعا في مشَدٍّ كبير. بل إن هايدغر تسلّى بوضعه بين يدي كي أقدر وزنه، وكان ذا وزن ثقيل. ما الذي حدث بعد ذلك لهذا المخطوط؟ ثمة إجابات متناقضة، ولا يمكنني أنا بنفسي أن أقدم إجابة عن ذلك. لأعد لسؤالك. فكما أنني لا يمكنني الحديث عن «انغلاق» في المسعى الفلسفي لهايدغر، كذلك لا تمكننا سعة مؤلفاته من الحديث عن توقف أو ثبات. والحقيقة أن المسألة لا تكمن هنا. فالمسألة تتعلق بمعرفة إذا ما كانت التحليلية الهايدغرية طيلة هذا الإنتاج التأليفي، والتي تم تشغيلها في مظاهر متعددة، قد حافظت ضمنيا على المسلمات المضمرة لفلسفة ورؤية للعالم قابلة لأن نقف عليها منذ البداية. فتحليل الوجود من أجل الموت باعتباره استباقَ إمكانية تكوين كلٍّ مكتمل عند الكائن الإنساني، هل هذا يفترض أم لا، من البداية، فلسفة للموت؟ أعتقد أن فكرة تناهٍ مفترض، لدى الفلاسفة «المشرقيين» الذين أتيت على ذكرهم، يرفض بالعكس القبول بتناهي وجود محكوم عليه أن يتراجع إلى الخلف. لهذا فضلت الحديث عن تأويليات للوجود الإنساني تتوقف مبكرا عند منتهىً هو في الحقيقة لا يقبل أبدا الاكتمال والانتهاء من غير قفز إلى الأمام يكون قفزا باتجاه الما وراء. ف. نيمو: أريد أن أطرح عليك سؤالا أخيرا. لقد بينتم التباين بين أفق التحليلية الهايدغرية والأفق «المشرقي». لكن إذا كان صحيحا عدم وجود مكان لمفهوم الله لدى هايدغر، بما أن الله يتمثل لديه في مفهوم ميتافيزيقي، مفهوم الكائن المطلق، ثمة مع ذلك لدى هايدغر مكان لبُعد المقدس، ولاختلاف يسميه الاختلاف الأنطولوجي بين الوجود والموجود، أي للاختلاف بين عالمين، العالم الأبدي الأعلى، وعالم مؤقت دانٍ. وإذن، ألا يوجد هنا سبيل للملاقاة بين هايدغر والفكر الديني؟ هـ. كوربان: لدي انطباع، يا عزيزي نيمو، أن السؤال كما تطرحه يسعى ليجعل من هايدغر أفلاطونيا كبيرا. وهو سيقودك في طريق وعر، حيث سيكون عليك أن تراقب كل خطوة من خطواتك. وأنا لست متأكدا أنه بإمكاني أن أتبعك فيه. لنذكِّر أولا أنه بإمكاننا القول بأن هايدغر على الأقل قد حدس بالبعد «المشرقي» بالرغم من أن الأمر لا يتعلق بـ«المشرق» بالمعنى الذي يمنحه له الإشراقيون، «أفلاطونيو بلاد فارس». وقد تكون أنت نفسك قد بلغتك أصداء عن تصريحات مدهشة لهايدغر تتعلق بالأوبانيشاد(٭٭) جعلتنا نحس أن ما كان يرغب فيه هو شيء من ذاك القبيل. من ثم، علينا أن نعترف أن العلاقة بين الوجود والموجود لا تعادل البتة العلاقة بين العالم العلوي والعالم الدنيوي. فلا يكفي أن نعارض بين عالمٍ للوجود وعالم للموجود للوصول إلى المقدس. فعالم الموجود أو الكائن لا يعني كونه العالم الباطل والمؤقت، ذلك أن كل أكوان الآلهة والملائكة هي أكوان خالدة للموجود. بالمقابل، أنت تضع الأصبع جيدا على شيء أساسي بتذكيرك بأن مفهوم الله في نظر هايدغر هو المفهوم الميتافيزيقي للموجود الأسمى أو المطلق، وهو كان يدرك صعوبة ذلك المفهوم بالتساؤل عن العلاقة الممكنة بين هذا الكائن الأسمى وبين اللاموجود، أي العدم، حين يقال بأن الموجود المخلوق موجود من عدم، أي من العدم بفعل الموجود الخالق. ونحن هنا نلامس صعوبة أساسية، بل جذرية أيضا، بحيث إنها تشكك في معنى التوحيد بكامله. وقد رصد حكماء التصوف المسلمون بحذر فائق هذه الصعوبة بما أن أفق الفكر والروحانية الإسلاميين بكامله يهيمن عليه التوحيد أي توكيد الواحد. فما هو حال هذا الواحد؟ بإمكان هذا الخلط الكارثي أن يحدث. وقد ندَّد به حكماء التصوف الإيرانيون بفكر ثاقب، محذرين من الخلط الذي قام به العديد من المتصوفة ومن بعدهم أكثر من مستشرق. إنه الخلط بين الوجود والموجود. صحيح أننا نقارب هايدغر في هذه النقطة. ففي الحكمة الصوفية الإسلامية، أقام ابن عربي (القرن 13) بقوة الاختلاف بين التوحيد الألوهي والتوحيد الوجودي. فالتوحيد الألوهي الظاهر يؤكد وحدانية الله باعتباره موجودا مطلقا، وبوصفه الموجود الذي يبسط هيمنته على كل الموجودات الأخرى. أما التوحيد الوجودي الباطني يؤكد الوحدانية المتعالية للوجود. فالوجود في جوهره واحد أحد. والموجودات التي يحيِّنها الوجود في فعل وجودها هي جوهريا متعددة. والوجود الواحد الأحد هو الألوهة الواحدة الوحيدة، غير القابلة للمعرفة في غيبها. إنه ما يستعصي على التعرّف، وما يمكن تحديده فقط، ومن بعيد، من قبل اللاهوت التنزيهي أو السلبي. وهو لا يمكن معرفته إيجابيا إلا في تجلياته. فالتجلي إذن أمر جوهري كي يكون ثمة لاهوت توكيدي ممكن. لهذا بالضبط تكون الألوهة واحدة ووحيدة، أما الآلهة، أي الأسماء الحسنى، والصور الإلهية وصور التجلي فهي متعددة. ولا أحد منها يمكن أن يأخذ وظيفة العلَّة المطلقة. والخلط بين إحدى هذه الصور الضرورية والإله الواحد الأحد يعني إقامة صنم وحيد مكان الأصنام الأخرى بحيث يتهدم التوحيد في انتصاره. وتوكيد الوجود في أحديته، باعتبار ذلك الوجود الأحد هو الألوهة نفسها، يعني توكيد جوهره نفسه، لكن هذا لا يعادل أبدا وفي أي شيء توكيد وحدانية الموجود. فسيكون أمرا مخيفا القول بأن ليس ثمة غير موجود واحد؛ إذ سيكون ذلك ضربا من العدمية الميتافيزيقية يتكفل الواقع بتفنيدها. فإن الموجودات الأخرى تغور في اللاتحدد والعدم، وينمحي انتظام الوجود في تراتبية الموجودات. وذلك هو الوهم الذي أسكر العديد من المتصوفة المدّعين، وهو ما سماه بعض المتأوِّلة الغربيين «وحدة الوجود» onisme existentiel ، من غير أن ينتبهوا إلى أن هذا الاصطلاح يتضمن تناقضا في الصفة، باعتبار أن الوجودي l'existentiel هو جوهريا متعدد. أما العلاقة بين الوجود الأحد والموجودات (هذا الأحد المتعالي في الحقيقة على الوجود الذي يوجِده في الموجودات)، فقد بلوره في الأصل في أفضل صورة بروقليس الكبير، في العلاقة بين إله الآلهة l'Hénade des hénades وتراتبيات الموجودات التي تجوْهِر فرديتها بمنحها الوجود. فليس ثمة فعلا من وجود-موجود إلا كل مرة باعتباره وجودا (سواء تعلق الأمر بإله، أو بملك أو بإنسان أو بنوع، أو مجموعة من النجوم، إلخ). لهذا فإن حكماء التصوف المرآوي spéculatifs (لا التأملي) الكبار قد اعتبروا دائما أن ذات التوحيد هي الواحد نفسه. إنه الواحد الموحِّد. فهو الذي يجعل من كل موجود، ومن كل واحد منا موجودا أحدا وفريدا باعتباره هو أحده. ذلك هو ما عبر عنه الحلاج بقوله: «حَسَبُ الواحد إفراد الواحد له». ربما كنا قد انسقنا هكذا بعيدا عن الوجود والموجود لدى هايدغر. لكن ذلك ليس سوى مظهر، بما أن سؤالك هو الذي جرنا إلى إثارة هذا الجانب الحكمي الإلهي من ميتافيزيقا الوجود، الذي يظل ابن عربي في مضماره معلمنا الكبير. وكما ترى فقد قلت بأن التجلي الإلهي جوهري، وذلك في صور متعددة توافق كل واحد من أولئك الذين لهم ومن أجلهم يتم التجلي. لكن الإله الشخصي المتجلى لا يمكنه أن يقوم بوظيفة العلة المطلقة المحجوبة. هذا الخلط، بخلفياته السياسية، هو ما لا يتخلص منه التوحيد إلا بالمفارقة الباطنية للواحد المتعدد. من الناحية الوجودية الأصلية قد نقول بأن الإنسان هو الذي يكشف لنفسه شيئا (كائنا) كالله. من الناحية اللاهوتية الله هو الذي يتكشف للإنسان. والحكمة التصوفية المرآوية تتجاوز الاختيار الصعب بجعلها الحقيقة التزامنية للطرفين مترابطين ترابطا لا ينفصم. فالله المتشخص personnalisé بالتجلي الشخصي، وهو يتكشف للإنسان، يكشف الإنسان لنفسه، وبكشفه الإنسانَ لنفسه يتكشَّف لنفسه ويكشف ذاته لذاته. فمن هذا الجانب وذاك، تكون العين التي تنظر هي العين التي يقع عليها النظر. وكل تجلٍّ (بدءا من الدرجة الدنيا للرؤية الذهنية) تتم في تزامن هذين الجانبين. وربما كان لدينا هنا شيء يشابه أفلاطونية جديدة متجاوَزة، بيد أن التجاوز يعود لابن عربي أكثر منه لهايدغر. صحيح أنه يبقى علينا القيام بالعديد من الأبحاث في هذا المنحى. لكن، بانتظار ذلك، يبقى الانطباع الذي أحتفظ به هو ما عبر عنه أحد الزملاء، وأعتقد أنه بيير طروتينيون بقوله: إن التأويليات الهايدغرية تترك لدينا انطباعا أنها لاهوت من غير تجلٍّ. فليب نيمو: علينا تعميق البحث، لأن ثمة موضوع الكلمة التي أسست في العمق في العصر الحديث من قِبل هايدغر، والتي تتوافق مع التقليد، خاصة التقليد المسيحي لكلمة الله، وهنا نجد أنفسنا في قلب تقليد المقدس. وسواء أخذ هذا المقدس اسم الله أو أخذ فقط اسم الوجود، فما يهم في العمق هو بالأحرى الاختلاف الأنطولوجي في ذاته، أي الاختلاف بين الوجود والموجود، بالشكل الذي يوجد في الديانات اختلاف بين العالم العلوي والعالم الدنيوي. وإذا ما نحن أخذنا هذا الاختلاف في ذاته ولذاته، ألا نجد ثمة وحدة في المصادر بين هايدغر وما يتبقى من عالم الديانات؟ هـ. كوربان: أدرك جيدا همك هذا. فسؤالك يقودنا إلى العلاقة بين اللوغوس الوجوي الهايدغري واللوغوس اللاهوتي، أو بعبارة أفضل: لوغوس لاهوت ديانات الكتاب كلها. وقد ذكَّرت في البداية بهذا القول المأثور المشترك بين كل الحكماء الإلهيين والذي ليس سوى إشراقة من إشراقات إنجيل يوحنا: « لا يصعد إلى السماء إلا ما نزل منها». فهل نزل لوغوس التحليلية الهايدغرية من السماء كي يصعد إليها؟ أنا أعتقد أني أرمِّز بذلك بحثك عن استلهام مشترك بين هايدغر والديانات الأخرى. لكن، إذا نحن تمكنا من التحليل السهل لسيرورات العلْمنة التي نزعت الطابع المقدس عن المقدس، فلا يبقى لنا أي شاهد على إعادة تقديس ما غدا علمانيا. صحيح أننا نلاحظ انتعاشا متواترا للمعلْمن، يمنح لهذا الأخير الحظوة والامتيازات التي كانت للمقدس. لكن ذلك ليس في الواقع سوى كاريكاتور شيطاني. فالعلمنة الميتافيزيقية لا تقنع إلا بموت الآلهة لا بانبعاثها. وعلينا إذن أن نركز جهدنا كله على كلمة «بعث» هذه. فكل المعاني التي تفترضها تعني القطيعة مع نظام منتظم للأشياء: انتزاع، وخروج من القبر. والبعث يتم إعلانه لنا فيما بعد: من خلال لغز قبر الفراغ. بالمقابل، فإن علْمنات يومنا هذا ترتضي بالتقديس المزيف. وأعتقد أن المبشر المعلن لكل انبعاث وبعث هو الكلمة بامتياز، أي الكلمة ذات النبرة الإلهية العليَّة. هكذا وبهذه الطريقة الوجيهة يقودنا سؤالك إلى موضوع الكلمة، وإلى التقليد التوراتي للكلمة الإلهية. ثمة بالتأكيد لدى هايدغر موضوع للكلمة. لكن لا يلزم أن ننسى أن أصدقاءنا القباليين اليهود مثلهم مثل القباليين في المسيحية والإسلام كانوا ولا يزالون منذ قرون، في هذا المضمار، معلمينا الأفاضل ومرشدينا. فقد حللوا بروعة ظاهرة الكلمة، أي كيف تغدو الكلمة كتابا، وكيف تنبعث الكلمة المكتوبة في الكلمة الحية. ومقارنة مع ذلك فإن كلمة هايدغر تبدو لي موسومة بلَبْس يتمثل في ما يلي: هل هي غروب، غروب يكون عبارة عن علْمنة للكلمة؟ أم هي فجر يعلن عن ولادة ثانية وعن انبعاث للكلمة في التقليد التوراتي؟ والجواب متعلق بهؤلاء وأولئك، والأجوبة الكامنة في هذه الإجابات تجعلني أعتقد أن فلسفة هيجل إذا كانت مصدرا لولادة نزعة هيجيلية يمينية ونزعة هيجيلية يسارية، فإن السؤال الذي طرحت من بين تلك الأسئلة التي يمكن أن تقود الفلسفة الهايدغرية إلى أن تكون مصدرا لنزعة هايدغرية يمينية ونزعة هايدغرية يسارية. لكن ما يبدو لي جوهريا في هذه اللحظة، وما يبدو لي أيضا أنه يؤكد على انسجام حوارنا هذا، هو أن سؤالك يعيدنا إلى ما كان نقطة بدئنا. فقد انطلقت من فكرة التأويليات لدى هايدغر، التي ذكَّرت بأصولها اللاهوتية. وها هو سؤالك عن الكلمة، باعتباره يحتل الصدارة في التأويليات، يعيدنا إلى تلك الأصول. وهكذا نكمل معا الدائرة الهرمينوسية، وهو فأل حسن. أعتقد أن تجربتي الخاصة، كما حاولت رسمها، تتوافق مع الهمّ الذي يشي به سؤالك، بالمقدار الذي كانت به التأويليات الهايدغرية، المنبثقة من بعيد من شليرماخر، كانت لدي العتبة المنفتحة على تأويليات كاملة. لنوضح مرة أخرى تلك الملامح. فأنا لا أعتقد أن المعاني الأربعة العادية التي ارتبط بها التفسير الوسيطي المعروف كان لها فضل قيادتنا إلى مستوى غير مشهود من الوجود، أي نحو مغامرة تأويلية «لا تراجع فيها» ولا عودة. بالمقابل، ثمة تأويليات للكلمة مخصوصة بديانات الكتاب، كان لها جوهريا فضل إنتاج تسامٍ وخروج وانفتاح نحو هذه العوالم اللامرئية التي تمنح معنى حقيقيا لعالمنا، أي لـ«ظاهرة عالمنا». وأنا أفكر في المجال المسيحي في جواكيم دو فلور، وسيباستيان فرانك، وجاك بوهم، وسويدنبورغ، وف. ك. أوتنغير، وغيرهم. إنهم شاهدون يؤكدون بمعية زملائهم الباطنيين في اليهودية والإسلام أن ظاهرة الكتاب المقدس، بعيدا عن تجميد انطلاق مبادرات الفكر، هي المحفز الأكبر لها. لكن، كما أن آخرين تحدثوا عن ضرورة «ثورة دائمة» ، فأنا أدعو إلى ضرورة «تأويليات دائمة». وأنا أعني بذلك التكيف مع الاكتشافات التاريخية والأركيولوجية، التي تنتهي في الغالب إلى اختزالٍ لـ«النشيد التاريخي» للكتاب المقدس في بُعْد عادي وحوادث يومية لها تفسيرات سوسيولوجية جاهزة، تكتفي بإزاحة بعض الكلمات التي تعتبر نافلة وذات بُعد مقدس مزعج شيئا ما. فالتأويليات الدائمة لا تشوه أي كلمة من التقليد، فكل كلمة يتم الحفاظ عليها، لأنها تساهم في لقاء ساطع بين الصورة والفكرة. لكن، هل كان هايدغر سيتبعنا في هذه العملية التي تنحو إلى تحويل اللوغوس في طابعه الأنطولوجي إلى لوغوس لاهوتي؟ فحين حصل له أن واجه بين الفلسفة واللاهوت (وثمة مقال له يحمل هذا العنوان)، ففي أي منحى قام بهذا التحويل؟ ثم ما يلزم أن يكونه الإلهي؟ ذلك ما سعيت إلى قوله. بيد أن الحيرة التي يمكن نكون فيها بفعل جوابه الممكن أمر ثانوي. فالحديث عن «أرثودوكسية» هايدغر أمر غير مقبول، وعلينا متابعة مهمتنا بالشكل الذي نراه. وربما استطعنا العثور في خضم الكم الهائل من مؤلفاته غير المنشورة، أو في إحدى حواراته المسجلة، على إشارة إلى جواب معين. وربما أيضا قد يكون سره قد دفن معه إلى الأبد. لهذا أفضّل أن أقول اليوم وببساطة، ما يقال عنه بالعربية: رحمة الله عليه. (حوار مسجل لفائدة راديو فرانس كولتور، الأربعاء ٢ يونيو 1976. وهو نص راجعناه وأكملناه انطلاقا من النقط التي سجلناها بهذه المناسبة، قبل إجراء الحوار وبعده). ٭ الزرفانية: إحدى الديانات القديمة بإيران. وهي سابقة على الزارادشتية، وتعتمد على التضاد الصارم للخير والشر، باعتبار أن أهورمزدا وأهريمان صادران عن مبدأ وحيد هو «زرفان أكاران»، أي الزمن اللامشروط الذي يمكن اعتباره مفهوما أكثر منه إلها. وقد اعتبرت المزدكية الأرثودوكسية هذه الديانة هرطقية. وهي في أصل المثرائية والالمذاهب المانوية. ٭٭ الأوبانيشاد upanishads يعني حرفيا بالسنسكريتية: «أوبا» التنقل المادي، و»ني» الحركة نحو الأسفل، و»شاد» الجلوس، وهو ما يعطينا الجملة التالية الحرفية: أن يأتي المرء للجلوس باحترام وتبجيل أمام المعلم كي يستمع لدروسه». وهي أجزاء من النصوص التي تشكل «الشورتي»، وتتمثل في تأملات فلسفية تضيء النص الذي تحيل إليه، وكل جزء يعتبر نفسه جزءا من الفيدا، أي النصوص الدينية التي تنتمي للفيدية، وهي الديانة الأم للهندوسية.. |
|||||
|
|||||