خطابُ جسد المرأةِ فـي المسرحِ العربيِّ مسرحية : «طقوس الإشاراتِ والتحولاتِ نموذجاً»

 

آمنة الربيع


مقاربةٌ لمفهوم الخطاب:

 

«إن تحديدَ المفاهيمِ الأدبيةِ مَهمَّةٌ ليستْ باليسيرة، خصوصاً عندما يكونُ ظهورُ المفهومِ ملتبساً يلفه غبارُ الغموضِ ومحاولاتُ التأويل. هذا ما يظهرُ عند محاولةِ طرحِ مفهوم الخطاب نقدياً، وللوقوفِ على هذا المفهوم ترى الباحثةُ أن يُجابَ عن الأسئلة التي تؤرِقها. وأول تلك الأسئلة سؤالان: الأول: ماذا يعني الخطاب: ما مضمونه ومكوناته، ما خصائصُه؟ والثاني: ماذا يعني الجسد؟

 

وإذا كان العنوان هو مدخل أولي للأرق، فإنّ محاولةَ تقديمِ الأسئلةِ هي الثقافةُ التي ينبنيِ عليها الجواب.»

  

مصطلحُ الخطاب Discourse

 ما الخطاب؟

 تجوالٌ في المعاجمِ وفي الدراساتِ العربيةِ الحديثةِ والمترجمةِ لتعريف معنى الخطاب:

 عرف العربُ في الدراساتِ القديمةِ الأدبيةِ منها والنقدية، مصطلحي الخطابةِ والنثرِ، الأمرُ الذي يكشف عن أن مصطلحَ الخطابِ بالمفهوم الحديثِ والمتداولِ في الدراساتِ اللسانيةِ الحديثةِ لم يكُنْ متداولا. فـ(ابنُ منظور) يعرّف في اللسانِ الخطابَ على هذا النحو: «والخِطابُ والمُخَاطبةُ: مُراجَعَة الكلامِ، وقد خاطَبَه بالكلامِ مُخَاطَبَةً  

وخِطَاباً، وهما يتخاطَبَان«(١) و(الزمخشريُّ) يقولُ عنه هو «المواجَهَةُ بالكلام»(٢) وفي المُعجَمِ الوسيطِ يرِدُ الخطابُ بمعنى : «الكلام والرسالة»(٣) وفي معجم الأخطاء الشائعة «الخطابُ: هو المكالمَةُ أو المواجهةُ بالكلامِ أو ما يُخاطَبُ بهِ الرجلُ صاحبَهُ ونقيضهُ الجواب.»(٤) وهذه التعريفاتُ تدلّ على أنّ الأدباءَ العربَ كانوا ينظرونَ إلى الخطابِ نظرتهم إلى الخطابةِ نفسِها، في حين نرى الأدبَ الحديث ينظرُ إلى الخطابِ نظرةً خاصةً سوفَ نتطرقُ لها لاحقا.

 وقد ظهر «مصطلح (خطاب( في حقلِ الدراساتِ اللغويةِ في الغرب، ونما وتطوّر في ظلِّ التفاعلاتِ التي عرفتْها هذه الدراساتُ ولاسيما بعدَ ظهورِ كتابِ العالمِ اللغويِّ (فرديناند دو سوسير) :محاضراتٌ في اللسانياتِ العامةِ.(٥) متضمناً المبادىَء الأساسيةَ التي جاءَ بها (سوسير)، وأهمّها تفريقهُ بين الدالّ والمدلولِ، واللغةِ كظاهرةٍ اجتماعيةٍ والكلامِ كظاهرةٍ فرديةٍ، وبلورتُه لمفهوم[نسق] أو [نظام] الذي تطوّر فيما بعدَ إلى [بنية](٦).  

 ونظراً لتعدّدِ اتجاهاتِ الدراسةِ اللسانيةِ الحديثةِ ومدارسها، فقد تعددتْ مفاهيمَ هذا المصطلحِ، نوردُ بعضَها فيما يلي:

 أ- خطاب: مرادف لمفهوم دي سوسير «كلام» وهو معناهُ المعروفُ به في اللسانياتِ البنيويةِ.

 ب- وهو أي (الخطابُ) ما نُسبَ إلى فاعلِ، وحدةٌ لغويةٌ تتجاوز أبعادها الرسالة أو المقول.  

ج- وبهذا المعنى يلحقُ الخطابُ بالتحليل اللساني، لأنَّ المُعَتبَرَ في هذه الحالةِ هو مجموعُ قواعدِ تسلسلِ وتتابعِ الجُمَلِ المكونةِ للمقولِ. وأولُ من اقترحَ دراسةَ هذا التسلسلِ هو اللغويُّ الأمريكيُّ (هاريس).

 د- يتحددُ مفهومَ الخطابِ في المدرسةِ الفرنسيةِ لدى مقابلته بمفهوم مقول.

 هـ- والخطاب حسب (بنفنست) هو كلُّ مقولٍ يفترض متكلما ومستمعا تكونُ لدى الأولِ نيةُ التأثير في الثاني بصورة ما. ونلاحظ من تعريف (بنفنست) للخطاب قربَهُ من مفهومِ الخطابة «فالخطابةُ تحتاجُ إلى خطيب ومستمعين، وهدف الخطيب التأثيرُ في سامعيه عن طريق فصاحتِهِ في الكلامِ وقدرتهِ التعبيرية عمّا يريد»(٧).

 بل إننا إذا قمنا بتوسيع هذه العلاقةِ المتبادلةِ، ما بين الخطيبِ والسامعينَ، ونقلناها إلى الأدب الحديث، سنجد أن علاقةَ الخطيبِ بالسامع «قد أصبحت [كـ] علاقة الأديب بالقارئ أو الكاتب بالقارئ، حيثُ أخذَ الكاتبُ مكان الخطيب، وبدأ بتوجيه خطابه إلى القارئ للتأثير فيه، باستخدامِ كلِّ المحسّنات البيانيةِ والبديعيةِ في اللغةِ، والتي كان يستخدمُها الخطيبُ في لغة خطبتِه»(٨)

 و-«ويمكنُ إضافةُ مفهومٍ للخطابِ بمقابلتِه بمفهومِ لغة كمجموعةٍ متناهية من العناصرِ مستقرةٍ نسبيا. فيكونُ الخطابُ عندئذ مجالا للإبداع تتشكلُ فيه وبطريقةٍ غيرِ ملحوظة سياقات تعطي قيما جديدة للغة. وهكذا فإنّ تعدّد معاني لفظةِ صيغِ خطابٍ ما، تتحولُ بالتدريج إلى ظاهرةٍ لغوية»(٩) فالدارسُ يجد أنّ الخطابَ يعني «الكلامَ المتبادلَ سواءٌ الشفويّ منه أو المكتوبُ، وبالتالي له طرفان: متكلّمٌ ومخاطَب، ويُرى من ذلك أنّ الحوار أو المواجهة صفةٌ ملازمةٌ لهذا المفهوم»(10)

 وقد أسهم الشكليّون الروسُ بمساهمة توصفُ بالثورة في مجال قراءة النص الأدبيّ، حين نادوا بظهور علم جديد يُدعى بويطيقا الأدبِ، كمقابلٍ لبويطيقا (أرسطو). فبحثوا في البنية ونظام النصِّ «وفي ما يجعلُ من عملٍ ما عملا أدبياً، ومقولتُهم الشهيرةُ بأنّ موضوعَ العلمِ الأدبيِّ ليس هو الأدبَ وإنما الأدبية».(١١) ومن أجل الكشفِ عن بُنيةِ نظامِ النصِّ انطلق البنيويّون من مُسَلَّمةٍ تقولُ «بأنّ الأدبَ مستقلٌ تماما عن أي شيء إذ لا علاقة له بالحياة أو المجتمع أو الأفكار أو نفسية الأديب...إلخ لأنَّ الأدبَ لا يقولُ شيئا عن المجتمع، أما موضوعُ الأدبِ فهو الأدبُ نفسُه»(12)  ويُقصدُ بنظام النصِّ الذي يجعلُ من العملِ الأدبيِّ عملا أدبيا في رأيِ بعضِ البنيويين الكيانُ أو الجسَدُ أو النظامُ اللغويُّ المستقلُّ الذي يولدُ بداخلِ النصِّ ويعيشُ فيهِ.

 ولكنّ ممّا يُؤخذُ على هذا الطرحِ الذي قدّمَهُ الشكليّونَ والبنيويّونَ هو إغفالُهُم وربّما تجاهُلُهم للبعدِ التاريخيِّ «أو التطوريِّ للأدب».(13) ومن هذا المنطلقِ فعلى القارئ وكذلك الناقدِ إذا أرادَ أن يصلَ للبنيةِ اللغويةِ العميقةِ في النصّ، ينبغي عليهما أنَ يَخلّصا «النصَّ من الموضوعِ والأفكارِ والمعانيِ والبُعْدَيّن الذاتيّ والاجتماعيّ، وبعد عملية التخلص أو الاختزال يتمّ التحليلُ البنيويّ أو تحليلُ النص بنيويا من خلال دراسةِ المستويات النحويةِ والإيقاعيةِ والأسلوبية»(١٤) فتكون مهمة الباحثُ بعد قراءة النصِّ الأدبيّ هي دراسة البُنى الحكائيةِ والإيقاعيةِ والأسلوبيةِ، وتقسيمُ النصِّ إلى وحداتٍ أساسيةٍ وثانويةٍ، وتحديدُ وظائفِ الشخصياتِ، ثُمَّ تحديدُ الإجراءاتِ التركيبيةِ التي فيها يتمَّ «تخليصُ النصِّ من جميعِ الإشاراتِ التي تدلَّ على المكانِ والزمانِ... كما يُخَلّصُ من فئةِ الشخوصِ وتوضَعُ بدلا منها فئةُ العوامل»(١٥)

 لا شك في أنّ تعاملَ البنيويّةِ مع النصِّ الأدبيِّ بهذه الآلية العلمية لاكتشاف أدبيّته، وتركيزَ باحثيها ونقادِها على «إظهار التشابهِ والتناظرِ والتعارضِ والتضادِ والتوازيِ والتجاورِ والتقابلِ بين المستوياتِ النحويةِ والإيقاعيةِ والأسلوبيةِ والحكائية»(١٦) ، من شأنهِ أن يؤجّل اكتشافَ المعنى أو الدِّلالةَ في النصِّ الأدبيِّ، -لأنَّ تخليصَ النصِّ أو اختزالهُ من مجرّد نصٍّ إبداعيٍّ يحملُ فكرةً ويقول رسالةً ويسجلُ موقفاً من الناسِ ومن الكتابةِ ومن العالمِ، إلى مجرّدِ نصِّ لغويٍّ له وجودهُ ومنطقه ونظامُه الخاص- يضعُنا أمامَ سؤالٍ كبيرٍ يتعلقُ بدور المتلقي! أهوَ كائنٌ موجودٌ أم مُتَخَّيلٌ؟ وإذا كانَ موجودا فما دوره وما مهامّه التي يمكنُه أن يقومَ بها؟ وكيفَ يمكنُه أن يستقبلَ النص؟ وما الكيفيةُ التي يستقبلها فيه؟ وما الطمُّوحُ الذي يسعى نحوه، والبنيةُ التحتيةُ أو الخفيةُ لم تظهر أو تنكشف أو تُقرأ؟ يجيب البنيويّون على هذا السؤال من داخلِ النصِّ نفسه، فالنصَّ برأيِهِم : «يحاورُ نفسَه، والقارئُ هو الكاتبُ الفعليُّ للنص»(١٧)  ولقد برزت العنايةُ الحقيقية بالقارئ، أول ما برزت واعية بمقصدها، في نطاق علمِ اجتماعِ يُعني بالظاهرةِ الأدبيةِ، فلئن ركزت الدراساتُ في هذا الاتجاهِ عنايتَها على تدخّل السياقاتِ التاريخيةِ في نشأةِ الآثارِ الأدبيةِ، فقد ذهبت، مع ذلك، إلى أن المجتمعَ لا يتدخلُ في الإنشاءِ الأدبيِّ، من حيثُ هو مصدرٌ لها فحسبَ، وإنما هو يتدخلُ فيها أيضا من حيثُ هو مُتَقّبِل يتلقاها»(١٨)

 والباحثةُ تذهبَ في هذه الورقةِ إلى الاستفادةِ من بعضِ اكتشافاتِ التحليلِ البنيويِّ، لاسّيما ما قال به الناقد (لوسيان غولدمان)( ١٩) حين أفادَ من عالم النفسِ البنيويّ (جان بياجيه)( ٢٠) في تعريفه للبنيةِ، بأنها شموليةٌ ومتحولةٌ وتتميزُ بالضبطِ الذاتيِّ، وليست بنيةً ثابتةً بمعزلٍ عن الذاتِ وسيرورةِ التاريخ؛ وأكد (لوسيان) على معارضة الطرح الشكليّ والبنيويّ في نظرتهِما الثابتةِ والمنغلقةِ للبنية، والانطلاقِ بها إلى آفاق تنسجمُ مع التفسير الماركسي للتاريخ، فقالَ بمقولته المركزيةَ (رؤية العالم)، وهي في رأيه: «هذا المجموعُ من التشوّقاتِ والعواطفِ والأفكارِ التي تجمع جماعة-وفي الغالب أعضاءَ طبقةٍ اجتماعية-وتجعلهُم على تضادٍّ مع الجماعاتِ الأخرى»(٢١) كما أنَّ الباحثةَ لا تتفقُ مع كلِّ ما قال به البنيويّونَ لاسيّما في الجزء الذي يتعلقُ بانفصالِ الأدبِ عن الحياة، فلا أقف عند حدودِ الجملةِ وعدِّ النصِّ مجموعةٌ من الجملِ والأنساقِ المغلقةِ، وإنمّا نسعى لقراءةِ النصِّ أولا وثانيا وثالثا، قراءةً تُفضي بنا للسؤالِ عن دلالتهِ ومعناهُ والبحثِ في الإشكالاتِ التي فرضته والعواملِ المؤثرةِ في تشكيلهِ، كما أرى عدمَ ضرورةِ عزلِ الجانبِ الدلاليِّ المتعلقِ بالمعنى في الأدب.

ومن الخُطُواتِ الواسعةِ التي وسَّعَت من مفهوم الخطاب المحاولةُ التي قام بها الباحثُ (ميخائيل باختين)(٢٢)، حين نظرَ إلى عدم وجودِ انفصالِ ما بين الشكل والمضمون في الخطاب، فالشكلُ والمضمونُ شيءٌ واحدٌ داخلَ الخطاب، فعُدّ الخطاب ظاهرةٌ اجتماعيّةٌ وليس معنى لغويا مجردا، وبذلك يكونُ (باختين) قد نقلَ الخطابَ من دائرةِ اللفظِ المجرّدِ الذي قال به الشكليّونَ (تودوروف وبارت)(23) إلى المعنى الإنسانيِّ الشاملِ ومكوّناتِه المختلفةِ: من لغةٍ وأنظمةٍ وعاداتٍ وتقاليدٍ ودينٍ وفكر»(24)

 واكتسب معنى الخطابِ في العلومِ الإنسانيةِ والفلسفيةِ دِلالةً واسعةً، لينتقلَ من دائرة «الكلام الذي يُقصَدُ بِهِ الإفهامُ، وهو اللفظُ المتواضعُ عليه»(25) و«ما يدلُ على الفكرِ الذي يتكوّنُ على مراحلَ عبرَ مسيراتِ اللغةِ، وصيروراتِها، وفقا للسّبُلِ العقلية»(26)، كما انتقلَ من «مفهومِهِ اللغويِّ المجرّدِ إلى مفهومِهِ الإنسانيِّ الأشملِ والقائمِ على كيفيةِ استخدامِ الإنسانِ لهذا المفهومِ ليدلَّ على ماهيةِ الكلامِ والفكرِ والعلاقةِ بينهما حيثُ يُعَّدّ الكلامُ أداةً للفكر»(27)

 -ميشيل فوكو والتحولّ الداخليّ للخطاب.(٭)

 تشيُّؤ الخطاب الفوكويّ:

 إن النقلةَ النوعيّة لمعنى الخطابِ التي قدّمها (باختين) أرَّخت انبثاقةَ الخطابِ في النقد الحديث والدراسات الثقافية.(28) لكنْ لم يكن لمثل هذه النقلة أن تحدث لولا الباحثُ (ميشيل فوكو) الذي طوّر من معنى الخطاب وحيويّته في فضاءه وسلطته.  

تاريخيا، تحدث فوكو عن الخطاب والممارسة الخطابية بدءاً من تاريخ الجنون(م)، ثمَّ استعمله في مولد العيادة(م)، «ولعلَّ أكبرَ مكانةٍ يحتلُّها الخطابُ في الدراسات السابقة عن أركيولوجيا المعرفة تظهر في الكلمات والأشياء(م)، حيث يحتل الخطاب مكانة بارزة ويغطي فترة كبيرة، هي فترة العصر الكلاسيكي كما يشكل ثقافتها ومنطقها» كما يقول الباحث الزواوي بغورة»(29)

 لقد قدّم (ميشيل فوكو) نظرةً ثقافيةً للخطاب يصفها النقاد بأنّها تكاد تكونُ متميزة. ففي كتابه نظام الخطاب (١٩٧١م) يقول فوكو : «كلمة Discoures مصطلح لساني متميز عن نص وكلام وكتابة وغيرها بشمول لكل إنتاج ذهني سواءً كان نثرا أم شعرا منطوقا أو مكتوبا فرديا أو جماعيا، ذاتيا أو مؤسسيا، في حين أن المصطلحات الأخرى تقتصر على جانب واحد. وللخطاب منطق داخلي وارتباطات مؤسسية، فهو ليس ناتجا بالضرورة عن ذات فردية يعبر عنها أو يحمل معناها، أو يحيل إليها، بل قد يكون خطاب مؤسسة أو فترة زمنية أو فرعا معرفيا ما».(30) ماذا نستخرج من هذا التعريف؟ لا شك أننا نجد أنفسنا أمام تحول داخلي عميق لمعنى الخطاب، هذا التحول نتبينه في النقاط التالية:

 ١- «الخطاب يشمل كل إنتاج ذهني، وهذا الإنتاج الذهني يستوعب الفرد والجماعة والزمن»(31)

 ٢- الخطاب قابل عند (فوكو) «لأن يكون المسرح أو الساحة التي تتصارع عليها الإنسانية وبالتالي، فالخطاب إنتاج إنساني لا يشكله الفرد حتى ولو كان الناطق به»(32)

 ٣- الخطاب صراع من أجل السلطة، «إن الصراع بين الرغبة والسلطة له الدور الأكبر في هذا الإنتاج الخطابي»(٣٣)

 ٤- «الخطاب إذن هو التاريخ، هو الاقتصاد، هو السياسة، هو مجالات المعرفة الإنسانية وبالتالي لا بد إذن من تشكيلات لهذا الخطاب»(34)

 وهذه الاستنتاجات تؤكد ما ذهب إليه (فوكو) حين يقول : «إن الخطاب شيء بين الأشياء وهو ككل الأشياء موضوع صراع من أجل الحصول على السلطة فهو ليس فقط انعكاسا للصراعات السياسية، بل هو المسرح الذي يتم فيه استثمار الرغبة فهو ذاته مدار الرغبة والسلطة»(٥٣) هنا (فوكو) يتجاوز دراسات العلوم الإنسانية والفلسفية والبنيوية، فيغدو الخطاب «ميدانا رحبا»(36)، وتصبح الممارسة الخطابية خاضعة لما يفرزه الميدان الرحب لمعنى الخطاب، فيعرف الممارسة الخطابية بقوله : «هي مجموعة من القواعد الموضوعية والتاريخية المعينة والمحددة دوما في الزمان والمكان، والتي حُددت في فترة زمنية بعينها، وفي نطاق اجتماعي واقتصادي وجغرافي أو لساني»(37)

 وأرى أن عبارة «القواعد الموضوعية والتاريخية المعينة والمحددة دوما في الزمان والمكان» عبارة صادمة، لكونها تتعاضد مع فهم (فوكو) للسلطة المتجذرة في كل مكان، سلطة مهيمنة، متعاضدة ومتفشية بشكل لا متناه لدرجة يتعذّر مقاومتها أو تجنبها ناهيك عن مجرد تغيير مسار هيمنتها»(38)، كما أنها عبارة «متشائمة مكفهرّة» (39)، وتعليل ذلك بأنّ الشحنات التي تتضمنها العبارة الفوكوية تجعل من حتمية القواعد أمرا محسوما لا ينفع معه جدال أو نضال، وكأن تلك القواعد المعينة والمحددة دوما تشكّل تكتيكا استراتيجيا لفئة من الجيوش يصعب إزاحتها أو زعزعتها!

 يقول (إدوارد سعيد) ما يلي: «يبدو لي، أن المسار التأريخي، الذي أخفق (فوكو) في استيعابه بشكل تام والذي استحوذ عليه فكرياً وسياسياً في أواخر أيام عمره، كان ذا نمو مُطَّرِدٍ متماسك وأحادي الاتجاه. ولقد تزامن مع وجهة نظر (فوكو) هذه عدم ملاحظته لعامل هامّ ألا وهو المقاومة الوثّابة لطغيان السلطة... وعبّر (بيتر ديوز) عن هذا حين قال: رغم أن (فوكو) على بيّنة بأنّ المؤسسات ليست مجرد مؤسساتٍ مفروضةٍ، بيد أنّه كانت تعوزه العدّة والعدد للتعامل مع هذه الحقيقة التي يتمخَّض عنها ان اتباعِ نهجِ تقليدٍ سائدِ أو عُرفٍ جارٍ لا يعني ضرورةً وبشكل دائم ان مثل هذا السلوكِ يوازي الانصياعَ إلى السلطة.. ما لم نكنْ على بيّنةٍ من هذا التمييز فإن كل تحديدٍ سيؤول إلى إقصاءٍ، وكلَّ إقصاء، يُؤول بدورِهِ إلى مُمارسة السلطةِ ذاتِها»(40)  

وَشَغلَ معنى الخطاب Discoures اهتمامَ العديدِ من الباحثين العرب والنقاد المعاصرين، وقد حاول كل باحث أو باحثة، أن يحدد مفهومه حسب رؤيتهِ وطرحهِ لموضوعه(41) فظهرت عناوينُ كثيرةٌ حاول بعضُها الاستفادة من ترجمة المصطلح في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، في حين حاولت الأخرى استعماله من دون ترجمات، فظهرت في الساحة عناوين (على سبيل الشاهد) : الخطابُ الشعريُّ، والخطابُ الروائيُّ العربي، والخطابُ النقديّ العربيُّ، والخطابُ العربيُّ المعاصرُ، والخطابُ السياسيُّ، والخطابُ الراديكاليُّ، والخطابُ القوميُّ، والخطابُ الناصريُّ...إلخ، وهي كلها تسمياتٌ متعددةٌ حاولتِ الاستفادةَ من منجزات العلم والحوار الثقافي والنقدي ما بين الحضارات.

 والآن يبدو للباحثة أن الخطاب يتكون من شكل ومضمون، وإذا استخدمنا كلمات البنيويّينَ فالخطاب يتكون من متن ومبنى، وللخطاب فعاليته التي ينتجها الأفراد في المجتمع والبيئة، كما أن للخطاب رسالة يظهر معناها في النصِّ الإبداعيِّ، وأن ممارسة الخطاب تقتضي علاقةً أساسيةً ما بين هذه العناصر: المُرِسل، والنَّصّ، والمُرسَل إليهِ الخطابُ. فالخطابُ بهذا المعنى بنية متماسكة ومتجذرة في كل مكان، وما السلطة إلاّ شَكْلٌ من أشكال هذا الخطاب.

 وبعد عرض هذه التعريفاتِ المختلفةِ لمعنى الخطابِ، يَنجلي سؤالٌ بحاجةٍ إلى تعريف مضَمونه وتوضيحة: ما الخطاب المسرحي؟  

 ما الخطاب المسرحي؟

 عَبرَ الخطاب الأدبي، سوف ندخل إلى تعريف معنى الخطاب المسرحي. تعني عبارة الخطابِ الأدبيِّ فصلا لنوع معينٍ من الخطابِ عن أنواع أخرى. أو تعني على الأقلِّ بأنَّ وجودَ خطابٍ أدبيٍّ يفترضُ وجودَ خطابٍ غيرِ أدبيٍّ لكلّ من الخطابين مقاييس تميزه. والتعرّف في الخطاب الأدبي على هذهِ المقاييسِ يعني استخلاصَ أدبيّته وتبيّنِها، أي استخلاصَ جملةِ الشروطِ والخصائصِ والمقاييسِ التي تجعلُ من خطابٍ معينٍ خطابا أدبيا. وهو ما جعل بعضَ الدارسينَ المحدثينَ يرون بأنّ هدف علمِ الأدبِ ليس دراسةَ الأدبِ، بل دراسةُ أدبيّة الأدبِ. ذلك أنَّ الخطابَ الأدبيَّ لا يختصُّ بمضمون محدد كالخطاب السياسي أو الرياضي مثلا، فكل الموضوعاتِ والمضامينِ التي تشكلها العوالمُ المعنويةُ للغةٍ ما بإمكانها أن تشكل مادة مضمونه(42)

 وقد مرّ معنا في التعريفات المختلفة للخطاب محاولة تحديد الشكليين الروس لمعنى أدبية الأدب، وانطلاقا من تصور (توماشفسكي)(43) وتمييزه ضمن المادة الحكائية بين أمرّين متلازمين هما : (أ) المَبْنى الحكائي، (ب) المتنِ الحكائي، فإنّ الخطاب هو «الطريقةُ التي تقدَّم بها المادةُ الحكائية»(٤٤) ويتوقف تقديم خطاب المادةِ الحكائية كما أشرنا عند الكاتب/ الكاتبة، على الموقف الثقافيِّ والفكريّ والأيديولوجيّ والعقائديّ، فتختلف الخطاباتُ هنا، باختلاف الاتجاهاتِ والمواقفِ. «فهناك إذن جانبانِ للخطابِ : ما يقوله الكاتب وما يقرؤه القارئ»(45)

 وباتَ حضورُ القارئ بوصفه مكوّنا بنيويا في النص الإبداعي من المرتكزات الرئيسة في العملية الإبداعية. فالقارئ هو الذي سيعيد قراءة النص وفق ثقافته وهمومه وإشكاليات طموحه، ولكيْ يقومَ القارئ بهذه المهمة المركزية، فإنّه يتتبع القواعدَ والإحالاتِ المنتشرةَ والمتجذّرة في النص الإبداعي، ومن هذه الزاويةِ نستنتج أن الخطاب هو ما «يعبرُ عن فكرةِ صاحبهِ، فهو يعكسُ أيضا مدى قدرتهِ على البناء، وبعبارة أخرى فأنه لما كان كلُّ بناء يخضعُ، حَتْما لقواعدَ معينةٍ تجعله قادرا على أداءِ وظيفتهِ، فإنّ الخطابَ يعكسُ كذلك مدى قدرةِ صاحبهِ على احترامِ تلك القواعد»  (46)    

 ما أريد أن أصل إليه هو أنّ لكلِّ خطاب إبداعيٍّ قناة تعبير تخصّه، فالأجناسُ الأدبيةُ الإبداعيةُ المكتوبةُ كالقصيدةِ والقصةِ والروايةِ، والمرئية كالسينما والتلفزيون، والمسموعةُ كالراديو، والفنونُ التشكيليةُ، كلها لها آليتها الخاصةُ بها التي من خلالها تنتج علاقتَهَا مع المتلقي، سواءٌ أكان هذا المتلقي جالسا في بيته أو في المقهى أو في سيارته، فكل خطاب من هذهِ الخطاباتِ السابقةِ التي أشرنا لها يحَملُ في نسيجهِ الداخليِّ مفرداتهِ التي تجعلُ علاقتَهِ مع المتلقي علاقةً قائمةً على التبادلِ.

 والمسرحُ خطابٌ إبداعيٌّ يقولُ ما لا تقوله الخطاباتُ السابقةُ : كالقصيدة والقصة والرواية والموسيقى... إلخ، وقناة هذا الخطاب هو اللفظ «ففن المسرحيةِ يتوسل بالحوار dialogue، تفريقاً له عن السَّرد narration، والحوار معناه تبادل الكلام بين شخصين dialogue أو أكثر، وقد يكون في صورة حوار داخلي يتخذ على المسرح شكل الحديث المنفرد monologue)(47) ودعامةُ هذا الخطابِ في العرض المسرحيِّ هي الجسد. منّ هنا فإنّ الخطاب المسرحيَّ هو «النص الذي تم تثبيته بواسطة الكتابة»(48) ويتضمن هذا النص رؤية ومنهجا، لا يقتصران على الناقد وحده، بل مُبدِع/ مُبدِعة النص الأدبي؛ فالرؤية هي «خلاصةُ الفهمِ الشاملِ للفعاليةِ الإبداعيةِ في نواحي النسجِ والبنيةِ والدَّلالةِ والوظيفة» أما المنهجُ فهو «سلسلةُ العملياتِ المُنظَّمَةِ التي يهتدي بها الناقد للاقترابِ من الأهدافِ التي تنطوي عليها الفعالية الإبداعية»(49)

 مدخل لمفهوم الجسد وقراءته:

 أشرنا في معرض حديثنا عن المسرح وخطاب العرض المسرحي إلى أن الجسد هو دعامة خطاب العرض المسرحي. ولم يكن اختياري عنوان هذه الورقة (خطابُ جسدِ المرأةِ في المسرحِ العربيّ) مبنيا على رغبة في الفصل ما بين الجنسين: المرأة والرجل؛ لإيماني بأن الجسد الذي نراه فوق المنصة يتلفظ ويتحرك ويومئ ويتطوّح ويغرق ويبكي ويضحك ويُسلي ويذوي ويموت، هو شكل من أشكال القربان، ألم يقل (رولان بارت) بأن المسرح في وجه من وجوهه، هو احتفال بالجسد الإنساني؟ وقبله بخمسة قرون ألم يقل (شكسبير) بأن : الحياة ظِلٌّ يمشي، مُمثّلِ مسكينٌ يتبخترُ ساعتَه على المسرحِ، ثمَّ لا يسمعُه أحدٌ: إنَّها حكايةٌ يحكيها معتوهٌ ملؤها الصَّخَبُ والعنفُ، ولا تعني شيئاً! بل إن الدافع الحقيقيَّ وراء اختيارِ هذا العنوان (خطاب جسد المرأة) هو الإحساس الثقافي-إنّ صحَّ هذا التعبير- بأنّ الجسدَ الإنسانيَّ في المسرح، وجسد المرأةِ على وجه الخصوص، يُشكِّلُ علامة سيميائيةً ومفهوما متشعبا، فجسدَها «كان ولم يزل موضوعَ أبحاثٍ ودراساتٍ متنوعةٍ، له لغته الخاصةُ، وأدوارُه المتشعبة، كما له أبعادهُ النفسيةُ والاجتماعيةُ والثقافية»(50) وقد يعترض البعض على هذا التخصيص، فيقول لنا بأنَّ «كل شيء في العرض المسرحي علامة سيميائية»،(51) فنجيبه بأنَّ كل شيء في العرض المسرحي هو علامة، فالمرأة علامة، والرجل علامةٌ أيضا، ولكننا نُخصص القراءة النقدية عن خطابِ جسدِ المرأةِ لكونِهِ الجسدَ الأكثرَ وقوعا تحت جبروتِ الرمزِ(52)، «ففي الوقتِ الذي تسعى فيه المرأةُ إلى تأسيس ميثاقٍ أنثويِّ يحمي وجودَه المؤنثَ من تسلّط الثقافةِ الذكوريةِ، فإنَّ ميثاقا جسديا آخر يُعيدُ رفع رأسه ليضعَ الجسدَ الأنثويَّ بين قوسين، أو بين إيقاعين»(53) فأسئلةُ جسدِ المرأةِ وخطابُها في المسرح العربي كثيرةٌ وكبيرةٌ ومعقدةٌ؛ فبفعلِ الصورةِ الذهنيةِ التجريديةِ، لجسدِ المرأةِ في مدوّناتِ التراثِ والمجتمعِ والأجناس الأدبيةِ الثقافيةِ والصورةِ البصريةِ، باتَ من المُهمّ التخلي عن تقديم المرأة كنمطٍ أو نموذجٍ ساكنٍ غيرِ متحركٍ، كأن تأتي رمزا للوطن أو الأرض، وما قد يترشح عن هذا التنميطِ الوظيفيِّ من معانٍ وقيمٍ أخلاقيةٍ ومثاليةٍ ، تبتعدُ عن تقديمها ككائن دراميِّ أو إنسانِ حيّ، له كيانه النابضُ بالحياةِ والموتِ، وبالسلبِ والإيجابِ، وبالقوةِ والضعفِ.

 ومن ناحية أخرى هناك نصوصٌ تُظهِر أشكالاً وأدوارا وظيفية للمرأة؛ فنجدها على سبيل الشاهد: المرأة الحرّةَ، والجاريةَ، والأمَّ، والزوجةَ، والأختَ، والابنةَ، والعاشقةَ، والمعشوقةَ، والوفيةَ، والغادرةَ، والزاهدةَ، والبخيلةَ، والكريمةَ، والماكرةَ والغيورَ، والكاهنةَ، وهناك نصوص أخرى يغيبُ فيها جسدُها ويحضرُ فقط الإشارةُ إليها وفْقَ سياقِ المعانيِ والقيمِ الأخلاقيةِ، فيُرْمَزُ للكرامة بها وحَدَهَا، وكأن الرجلَ بلا كرامة!

 فكيف قُرِأَ جسدَ المرأةِ كمدخلٍ لتشَّكُلِ خطابِ الجسدِ-جسدِها-؟

 من أجل الوقوف على هذه القراءةِ سوف ننطلق من المعجمِ، ونبحث في مادتيِّ (جَسَد وبَدَن) للكشف عن أبعاد الدلالة:-

 «الجسد: جسم الإنسان». «والجَسَدُ: البدن». و«بَدَنُ الإنسانِ: جسَدهُ. والبدنُ من الجَسدِ، والجمعُ أبدان»، ولكنه يعني أيضا: «الجسدُ: هو الذي لا يعقلُ ولا يميزُ، إنما معنى الجسدِ معنى الجُثَّةِ فقط» وورد هذا المعنى في تفسيرِ ابن سيده لقوله تعالى: «فأخْرَجَ لهم عِجْلا جَسَداً له خُوار». ويأتي الجَسَدُ: بمعنى الدَّمِ اليابسِ. كما يعني الجَسَدُ أيضا: «الثوبَ المُجْسَدَ إذا صُبغَ بالزعفران، ويقال للزَّعفران: الرَّيْهُقان.» «والمَجاسِدَ: جمع مُجْسَد، وهوَ القميصُ المُشَّبعُ بالزعَفرانِ. والجَسَدُ أيضا: من الدّماءِ ما قدَ يبس فهو جامد» ويعني المِجْسَد أيضا: الثوبَ الذي يلي جسدَ المرأةِ فتعرقُ فيه. وقال ابنُ الأعرابي: المَجاسِد جَمعُ المِجْسَدِ، بكسرِ الميم، وهوَ القميصَ الذي يلي البدن». «والبَدَنةُ: من الإبل والبقر كالأضحيةِ من الغنم تُهدى إلى مكةَ، الذكرُ والأنثى في ذلك سواء». ويأتي البَدَنُ بمعنى: «شِبْهُ دِرِعٍ إلا أنه قصيرٌ قدْر ما يكونُ على الجسد فقط، قصيرُ الكُمَّينِ. وبَدَنُ الرجلِ: نسَبَهُ وحَسَبُه»(54)

 فما الدلالاتُ المترشحةُ عن هذهِ المعاني؟

 أولا- يُسجلُ معجمُ لسانِ العربِ للعلامة ابنِ منظور هذه الحادثةَ في حديثِ الشعبي: «قيل له إنّ أهل العراق يقولون إذا أعتق الرجلُ أمَتَه ثم تَزوَّجها كان كمنْ يَرْكبُ بدَنته؛ أي من أعتقَ أمَتَه فقد جعلها مُحرَّرة لله، فهي بمنزلة البَدَنةِ التي تُهدى إلى بيت الله في الحجّ فلا تُرّكبُ إلا عن ضرورةٍ، فإذا تَزوَّج أمَتَه المُعْتَقة كان كمن قد رَكِبَ بَدَنته المُهداة»

نلحظُ أنّ الحديثَ عن المرأةِ جيء به كخَبَر مبثوثٍ لتأكيدِ السياقِ الاجتماعيِّ والثقافيِّ للجماعةِ، فالمرأةُ في هذه الحادثَة هي جاريةٌ مِلُكُ صاحبِها أو سيدِها، كالبَدَنِ من الإبل التي هي مُلُكٌ لسيدها، فإذا أعتقَ السيد جاريتَه، أصبحَتْ حرّة للهِ تعالى، ولكنْها لا تكونُ سيدةَ نفسِها أو ذاتِها. والإبلُ المهداةُ تكونُ محررةً أيضا لوجه اللهِ تعالى. إنَّ تشبيهَ صورةِ المرأةِ بالحيوان في هذهِ الحادثةِ، إرثٌ ثقافيٌّ نجده في مدوّنات التراثِ العربيِّ، كالجاحظ وأبي الفرج وفي السيّر الشعبيّة العربيّة التي تزخر بهذه التشبيهات «فالجاحظُ يشبهُ المرأةُ اللفاءَ الضامرةَ البطنَ بالحيةِ، لأنّ خَلْقَ هذه مجدولٌ لا ترهّلَ فيهِ، وسيرُها مستقيمٌ غيرُ متراخ»(٥٥)  

ثانيا- وتظهرُ التحليلاتُ للأسماءِ والمعاني هنا «أن الجسدَ ليس مؤثِّماً وإن كان نبعَ إثْم أحيانا؛ كما هو عائقٌ. وتكثرُ المكوِّناتُ في لاوعينا الجماعي التي لا تضعه في قيمة رفيعة. ومن تلك المكوِّنات: قصصٌ وحكايا شعبية، وبعض التفسيرات لمعتقدات دينية حول جسد المرأة، والتأثيماتُ الفقهية له أو اعتبارُه حاجزاً يمنع التحقق والكمال»(56) كما تكشف هذه التحليلاتُ عن مدى توّغل الطابعِ العلائقي للكلام عن الجسد بين طرفين، فكلُ «علاقةٍ مع الآخرِ تقعُ في إطار لاوعيٍ جماعيةٍ، حيث توجدُ وتتجسدُ الخرافاتُ والأنماطُ البدائية؛ مثلا تشكيلات صورِ المرأةِ وعلاقتُها بالخرافات ورسمُها على شكل حيةٍ يأتي من خلال المخيِّلةِ والأوهامِ، ويُنظر إليها كمادة أو كشيء، وليس كذات»(57)

 ثالثا- كما تكشفُ التحليلاتُ أيضا: أن «البدنَ بما هو رغبةٌ وشهوةٌ أو جمالٌ والتذاذٌ يُفصح عن وجودِه في لذةِ الخطابِ؛ فالالتذاذُ في الحديثِ عن اللذةِ ومحاولةُ البحث عنها والتعرّفُ إلى حقيقِتها هو نوعٌ آخر من اللذةِ كما يقول ميشيل فوكو»(58)

 إنَّ الصورَ المتعددةَ للمرأةِ وجسدِها التي تزخرُ بها المدوّناتُ التراثيةُ والأساطيرُ تؤكدُ على أنَّ الجَسَدَ في الأدبِ العربيِّ عامةً قد «فازَ بمكانةٍ هامّةٍ في مختلفِ الأغراضِ: الغزلُ، الوصفُ، الرثاءُ، الهجاءُ، المدحُ، فهو، بصفِته شكلا تدركُه الحواسُّ، حاضرٌ بإلحاح في عمليتي الإبداعِ والتلقّي»(59) فإذا تحرّكنا من مَسْرَحِ المُعْجمِ، فإننا نستجلي حضورَ الجسدِ في النصوصِ العقائديةِ الإسلاميةِ التي جعلتِ الجسدَ «يستقطبُ مختلِفَ العباداتِ ومقاصدَها إذ يستجمعُ معانِيَ الطهارةِ بالوضوءِ والاغتسال، والصبرِ بالصوّم، والتوبةِ بالحجِّ والتكاملِ الاجتماعيّ بالزكاة، والضراعةِ إلى اللهِ والاعترافِ بوحدانيته بحركاتِ الجوارحِ في الصلاةِ أو بالشهادتين»(60) وتؤسسُ المعاجمُ والنصوصُ العقائديةُ الإسلامية لخطابٍ للجسدِ يخرج عن إطارها إلى إطار الفلسفة وأصحاب المذاهب والمتصوفة المسلمين لم يفتهم «أن يُحيطوا الجسد-كلٌّ حسبَ مذهبه-بصفات شتّى، لعلّ أكثرها شيوعاً وتواترا صفة الوضاعةِ بسببِ عجزه عن السيطّرة على العالم أو صفة العرضيةِ لأنه زائلٌ ومفارقٌ لجوهره الذي هو الروحُ أو الله»(61)

 يبدو مما تقدم أنَّ الجسدَ مكوّنٌ يَصْعَبُ قراءتُه «قراءةُ الجسدِ أعقد؛ ولعلها ستكونُ عاملَ إخراجِ مكبوتاتٍ وتجاربٍ قديمةٍ، وانجراحاتٍ ورضّاتٍ وذكرياتٍ مدفونةٍ إلى الوعي»(62) ويمكننا القولُ إنّ الجسدَ حاضرٌ في الثقافةِ العربيةِ بقدر ما هو غائبٌ، وأنَّ الخطاب ينبئ عنه بقدرِ ما يحجُبُه، ويتسترُ عليه.

تعريفان جانبيان:

 تبين ليِ من خلال العرض السابقِ عن الجَسَد ومكبوتاته، وتطلّعاته للحرية، ونظرةِ المعجمِ والمدوناتِ التراثيةِ والنصوصِ العقائديةِ والفلسفيّةِ مرافقة مفهومين لمعنى الجسد، هما: (أ): الذاتُ. (ب): النفسُ/ الروحُ ومجاهلُها. فما الذات؟ وما النفس/الروح؟  لماذا يحضر هذانِ المفهومانِ متلازمَيّنِ حين يرِدُ الحديثُ عن الجسدِ؟ فما أن يًطْلِقَ الإنسانُ لفكرِه العِنانَ في جسدهِ، حتى يتحسس حضورَهما، وفي حضورهما ذلك يشعر بغيبِتهما، أو لنقلْ بعدمِّ قدرتِه على الإشارةِ إليهما بسُبابته! فما القوةُ التي يتمتعان بها؟ وهل لهذينِ المفهومينِ عِلاقةٌ مباشرة بالإنسان وبالشخصيّةِ المسرحيّة؟ وما مدى التقابلِ والتضادِّ ومدى التقاطع؟

 أ-الذات

 في التمييز الذي يقدمه الفيلسوف (كارل يسبرز) بين الآنيةِ Dasien وبين الوجودِ الماهَويّ Existenz يضَعُنا أمام واقعةٍ أساسيةٍ حين يقول : «أن الإنسانَ هو الحقيقةُ الأساسيةُ التي أستطيعُ إدراكَها في العلم: فهو يتصفُ بالحضورِ والقربِ والامتلاءِ والحياة. وفي الإنسانِ وبه وحدَه يَصبحُ كلُّ ممكنٍ واقعاً. لهذا فإنَّ إهمالَ الوجودِ الإنسانيّ، أو تغافلَه؛ معناهُ الغَرَقُ في العَدَم»(63)

 إن مفهوم الذاتِ يتضمنُ في النهايةِ، معنى الوجودِ الإنسانيِّ الذي لا يتمُّ التعرفُ عليه إلا من خلالِ إدراكهِ. إدراكِ الإنسانِ لذاتهِ، وإدراكِه لِما حولَه من موجوداتٍ، ومِن ثمَّ إدراكُه لكلِّ الوجودِ الذي من حولِه. والذاتُ يعرّفها علمُ النفسِ بأنَّها جسمُ الفردِ الذي يكون جزءاً منها، لأنها قابلةٌ للامتدادِ لتتضمنَ كل ما يدخل في مجال حياة الفرد: بيتُه، وما يمتلكَه ليدافِعَ عنه، وكذلك آراؤه ومعتقداتُه. والذاتُ ليست قاصرةً على الجسمِ، ولكنَّها تتضمنُ المادياتِ والمعنوياتِ، وتتكونُ الذاتُ نتيجةَ التفاعلِ الاجتماعيّ والتنشئةِ الاجتماعيةِ. فالذاتُ عبارةٌ عن مجموعةٍ من الاستجاباتِ وردودِ الأفعالِ في الإنسانِ نفسه. هل معنى هذا أنَّ الجسدَ إذا حلَّ مكانَ جسدٍ آخر يكونُ قد حلّ مكان ذاتِه؟

 «يستطيعُ كلَّ جسدٍ أنَّ يَحُلَّ مكانَ أيِّ جسدٍ آخر. لكنَّ (أنا) لا تحل مكان (أنا) أخرى. ولا هو يمكنُه أنّ يكونَ إلا هو. الأجسادُ تملاْ فراغاتٍ في المكانِ، أما الأنا والأنتَ والْهَو فإنها تنتمي إلى عائلةٍ لغويةٍ أخرى نسمّيها: ذوات. فالذاتُ ليست الجسدَ، ومع ذلك يصيرُ انتماءُ الجسدِ لها وإليها»(64)

 وفي الاستجاباتِ وردودِ الأفعالِ ينشأُ الكلامُ «فالكلامُ عالمُ الذاتيّةِ ومرآتُها وإنَّ شخصيةَ المتكلمِ تتحّررُ فيه وتُخلقُ، وإنَّ ذاتَ المتكلمِ لا تصلُ إلى الآخرِ وتكشفَ له عن نفسها إلّا بالكلام، فإنَّ هذا الواقعَ لا يكونُ إلا بوجود الآخر، ولا يكونُ للكلامِ وظيفةٌ إلا بوجودِ الآخر، خياليّا كانَ هذا الآخرُ أو واقعيّا»(65) وسوف يتجلّى هذا المعنى الفلسفي للذات في الدراسة التطبيقية للنّماذج المنتخبةِ بوضوح شديد.

 ب-النفسُ/ الروحُ ومجاهلها.

 يقول الباحثُ (الوائلي) معرّفاً النفس: «أمّا النفسُ فما هي إلاّ العواطفُ بنوعيها الإيجابيةِ والسلبيةِ، وما الغرائزُ إلا صدى انفعالاتِ العواطفِ، وبعبارة أخرى إنها الحركاتُ العضويةُ الناتجةُ عن الانفعالاتِ العاطفيةِ، ولا وجودَ للغرائز بدون عواطِفِها، ومن الممكنِ وجودُ العواطفِ بدونِ غرائزِها»(٦٦) وأن «الذاتَ والأنا اسمانِ مرادفانِ لكلمةِ الروح، لعدمِ تصوّر وجودِ أحدِهما بدون الروح، وعدمِ تصوّر الروحِ بدون كل منهما... فإذا قلنا الروحُ فإنّما نقصدُ العقلَ بملكاته العقليةِ الخمسِ والنفسَ بعواطفِها وغرائزِ عواطِفِها. وعلى هذا فالروحُ أشملُ من العقل وحَده، وأوسعُ من النفسِ وَحدها»(67) ويربطُ باحثٌ آخر البحثَ في مسألةِ النفسِ والروحِ ومجاهِلِها بمشكلةِ الإنسانِ والألوهيّةِ: «فالجسدُ والنفسُ هما المادةُ والروحُ، الأرضُ والسماءُ، المحسوسُ والمَجرَّد، المخلوقُ والخالقُ، الفانيِ والسرمدي»(68) كما يربِطِها ببحثهِ عن قضيتهِ الأولى هي: «قضيةُ الجسدِ، أو قضيةَ الجَسَدِ الحَيّ، هي إذن قضيةُ الإنسانِ المُفَكّرِ الأولى؛ هي الإنسان[ومحاوَلاَتُهُ التساؤل]: ماذا نحنُ؟ وماذا سنكونُ؟ من أينَ أتيّنا وماذا سيُحلُّ بنا؟ ما هي الحياةُ وما هو الفكرُ؟ ما هي المادّةُ التي يتكوَّنُ منها الجسدُ وما هو مآلُها»(69)

 يمكنُ ليِ أن أسَتنجَ بهدوء بأنَّ البحثَ في مجاهِل النفسِ والروحِ، بحثٌ إشكاليٌّ يتصل اتصالا قويا بمنابع الأسئلة الكبرى عن الوجود والماهيةِ. كما يتأسّسُ الكلامُ عنهما ليتّسعَ ليشملَ بعد ذلك الكلامَ عن التجربةِ الشخصيةِ المنبنيةِ على التفرّد والفردانيّةِ كوجود خاصٍ متميزٍ، ومقدرةِ تلكِ الشخصيةِ أنّ تختار إمكانيتَها في الوجودِ، فما هو الإنسانَ؟ الإنسانُ هو الإمكانيةُ؛ بمعنى إمكانيةِ أنّ يكونَ ما يشاءُ، وفي الوقتِ الذي يختارُ «فليستِ المسألةُ إذن هي كيفَ أنني كائنٌ في هذا العالمِ، بقدر ما هي (المسألة) أنّ أكونَ ما أنا عليه كائنٌ حقا، دونَ أنّ يشوبَ هذا التأكيدَ أيُّ تفضيلٍ قِيمِيّ، أنطولوجيّ أو أخلاقي»(70)

 بعدَ هذا العرضِ لمفهومي الخطابِ والجسدِ، سنقومُ باستجلاءِ خطابِ النصّ المُنَتخب، الذي اقتضت رؤيتنا المنهجيةُ أن تجيبَ على سؤالِ أساسيّ هو: لماذا سعدالله ونوس؟ يحتكمُ جوابُنا لاعتبار مهمّ هو: إن النصَّ الوَنّوسيَّ يشكلُ منطقةً خَصِبةً ومفازة كبيرة لتجسيد بُنَىَ تفتح ثيماتٍ عديدةً لعلَّ من أهمِّها: القهرَ والعبوديةَ والحبَّ، هذا على مستوى البُنى المركزيةِ. أمّا من الناحيةِ التَّقَنّيِةِ الشكليةِ فتمثّلُ تجربتُه استخداما موفقاً لتوظيفِ أساليبِ التغريبِ المسرحِيّ.(71)

 النصُّ: طقوسُ الإشاراتِ والتحوّلات ٩٣-1994

 أ-البناءُ الِدّرامِيّ للنص.

 المَبنْى والمتْن: وصفُ المادةِ الحكائيةِ المُتَرَشّحَةِ عن مُسْتوى الأقول.

 ضْمنَ المادةِ الحكائّيةِ المكوَّنةِ من مَتْن ومَبنى يَحكيِ لنا (سعدالله ونّوس) في حكايةِ مسرحيتِهِ طقوسِ الإشاراتِ والتحولات، إشاراتٍ وتحولاتٍ أودَت بمصائرِ الشخصياتِ إلى نهاياتٍ مختلفةٍ وغيرِ محسوبة: فمن حيثْ المتنُ وغرضُه  Fable يخبرُنا المؤلفُ حسَبَ النظامِ الوقتيّ والسببيِّ للأحداثِ، حكايةً أوردَها المجاهدُ الشاعرُ (فخري البارودي) في مذكراتِه عن : «كيف استعَرَ الخلافُ بين مُفتي الشامِ ونقيبِ الأشرافِ فيها، أيامَ الوالي (رشدي ناشد باشا)، وكيف تجاوزَ المفتي الخلافَ الشخصِيِّ، ومدَّ يدَ العونِ للنقيبِ حينَ أوقعَ به قائدُ الدَّرَكِ آنذاك، وقبضَ عليه وهو يَقْصِفُ مع خليلةٍ له»(72)

 والمتّنُ هو كما عرّفه (توماشفسكي) قائلا : «إنّنا نُسمّي مَتْنا حِكائّيا مجموعَ الأحداثِ المتّصلةِ فيما بينَها، والتي يقعُ إخبارُنا بها خلالَ العملِ. إنّ المتنَ الحِكائيّ يمكنُ أنّ يُعْرَضَ بطريقةٍ عملية، حسبَ النظامِ الطبيعيِّ، بمعنى النظامِ الوقتيِّ والسببيِّ للأحداثِ، وباستقلالٍ عن الطريقةِ التي نُظِمَتْ بها [تلكَ الأحداث] أو أدخِلتْ في العمل»(73)

 إذا أمْعَنّا التدقيقَ في حكايةِ ذلكَ الخلافِ نجدُه خِلافَاً قدّ شَكّلَ خلفيةً أو بِساطَاً جيء به كجدارٍ للحكايةِ الأخرى، وهذا ما يؤكدُهُ المؤلفُ حين يوردُ إشارتَه التالية: «هذهِ الحكاية هي النواةُ التي بُنِيَتْ عليها هذه المسرحية (طقوسُ الإشاراتِ والتحولاتِ) واستقيتُ منها معظمَ شخصياتِها، وإن افترقَتُ عن الباروديِّ في التأويلِ والمغزى»(74)

 إذنْ هناكَ مستويانِ مُتَمّيزانِ في هذا العمل:

 المستوى الأول: هو مذكّراتُ (فخري البارودِيّ) وفيها جوهر الخلافِ الذي اسَتَعرَ بينَ المفتي ونقيبِ الأشرافِ.

 المستوى الثّاني: فهو التّأويلُ والمغزى، ويتمُّ الكشفُ عنهما بواسطةِ الحَمولةِ الفكريّةِ التي أُلقيتّ على أكتافِ الشخصياتِ، أو أبطالِ هذا العمل، وهذا لا يتعارضُ مع ما صرّح به المؤلفُ في افتتاحيّةِ النصّ، حين قال عن شخصياته بأنّهم : «ذواتٌ فرديةٌ تَعْصِفُ بها الأهواءُ والنوازعُ وتُرهقُها الخياراتُ، أفراد لهم ذواتُهم ومعاناتُهم المتفردة والشخصية»(75)

 إنّ (سعدالله ونّوس) باختياره هذا الشّكْلَ الكتابيّ للنصّ الدِّراميّ يؤكّدُ على جوهرِ اللَّعِبِ المسرحيّ، فهو كعادته في مسرحياتٍ سابقة؛ نذكر منها على سبيل الشاهد (سهرةٌ مع أبي خليل القبّاني-1972م، منمنمات تاريخية-1993م) يستقي الحكايةَ من «مصدر تاريخيّ مُحَقّقا بذلك شيئا من تغريبِ المَشْهد، إذ يعيد إلى الأذهان أنّ هذه الحكايةَ هي حكايةُ من الماضي يمكنُ التحققُ منها في أحدِ المصادرِ التاريخية»(76)

 في المستوى الثاني ينبني المَتْن الحِكائيُّ للمسرحية فـ«يتألّف من نفسِ الأحداث [لنذكر أنَّ المقصود هنا بالأحداث هو الخلافُ الذي استعر بين مفتي الشام ونقيب الأشراف]، بيد أنه يراعى نظامَ ظهورِها في العمل، كما يراعى ما يتبعُها من معلوماتٍ تعيِّنها لنا»(٧٧) ومراعاةُ ظهورِ نظامِ الأحداثِ في العملِ هو انبناؤه وانتظامُه وَفْقَ البناءِ التتابعيّ للأحداث. «إن ما يميزُ نظامَ الصّوْغ هذا، أن المتنَ فيه، يترتّب في الزمانِ على نحو مُتوال بحيثُ تتعاقبُ مكوِّناتُ المادّةِ السرديةِ [الحكائية]جزءاً بعدَ آخرَ، دونَما ارتدادٍ أو التواءٍ في الزمان» (78)

 وعلى الرَّغْمِ من تغريبيَّة المشهد الذي بَنى عليه (سعدالله ونّوس) هيكَل نصِّه الدِّرامِيّ نجدُنا أمام توافقِ رؤيةٍ مسبقة إنّ لم تكنْ جاهزةً لبناء النص عنده، على عكس ما نجده في بعض النصوص المتأخرة حيثُ بلغَ التغريبُ في المشهد المسرحيّ خروجا على البناءِ الكلاسيكيّ للحَدَث، كمسرحيّةِ أحلامٍ شقيّة مثلا!. فما يُمَيِّز الصَّوْغ التتابعيّ ونظامَه أنّه من «أبسطِ أشكالِ النثرِ الحكائيّ التخيّلي»(79) ويبدأُ هذا الصَّوْغ كما هو معلومٌ بمكوِّن ثابت: بدايةٍ/ وسطٍ/ ونهايةٍ، يُراعى فيها القالبُ الأرسطيَّ ولا يَحيدُ عنه.

 وفي المستوى الثاني أيضا تُحْكى هذه الحكاية:

 نقيبُ الأشرافِ يلهو مع الغانيةِ (وردة)، ويتمُّ اكتشافُهُ وتجريسُه على بَغْلَة، وسَجْنَه مِنْ قِبَل قائدِ الدَرَك بتدبير من المفتي. ثم يذهبُ المفتي إلى زوجةِ النقيبِ (مؤمنة بنتِ السيّد محمّد الخزار) ليتفق معها على حيلة مُلَخَصها هو أن تتزوّق وتتهيّأ للخروج إلى السجن حينَ يهبطُ الليل، ليتمَّ استبدالُها بالغانيةِ التي جرَّسوها مع زوجِها نقيبِ الأشرافِ، فتنقلبُ الورطةُ على قائِد الدَرَكِ حينَ يعلمُ الوالي في الشامِ والناسُ عامّةً، أنَّه قُبِضَ على النقيبِ وزوجتهِ.

 إننا نشهدُ في هذه المسرحيةِ تقلباتٍ مفاجئةً في دَواخلِ الشخصياّت، واندفاعاتٍ يَصَعْبُ تفسيرُها من خلال الأحداثِ نفسِها، ومن ذلكَ على سبيلِ الشاهدِ:

 (-) نقيبُ الأشرافِ (عبدالله) تصيبه جذبةٌ قويةٌ يتحوَّل على أثَرِها إلى متصوّف يهملُ أمورَ الدنيا وشؤونَ أهلِها، فَسَلكَ دَرَبَ الصوفيّة على غير طريقةٍ تُعرفُ أو شيخٍ يرشدَه.

(-) العَفْصَةُ. وهو أحَدُ الرِّجالِ المحسوبينَ من رجال المفتي (محمد قاسم المرادي) يتحول من رجل أبضاي إلى رجل حليقِ الشواربِ، ناعمِ الوجهِ يتعمّدُ التخَنْثَ بحركاتهِ وكلامهِ، وحينَ يصدّه (عباس)، يَشنق نفسَه بحبل في خطوة كانت محتومة لا فرار منها.

 (-) المفتي يصدر بعض الفتاوى- تعبير المجتمع الكلاسيكي-تقضي بأن:

 -«يهدر دم البغايا نساءً كانوا أم رجالا. ويخصُّ بالذكر تلك البغي التي تدعى ألماسَة» -«ويحرم أن تتزين امرأة بزيها أو تتجمل على غرارها»

 -«ويحرم أن تسمى أي بضاعة باسمها وما وجد منها يتلف»

 -«ويحرم قراءة الكتب غير الدينية ومن وجدت لديه مثل هذه الكتب فليحرقها أو فليسلمها للمفتي»

 -«ويحرم الغناء والرقص وكل ما ينتسب إلى الخلاعة أو يؤدي إليها»

 -«ويأمر المسلمين بمهاجمة الأماكن التي تصنع فيها الخمور، ويحل لهم إحراقها وإهراق خمورها، ويأمر بالقبض على من يشرب الخمر وجرِّه إلى المحكمة الشرعية لإقامة الحد عليه»

 فما يلبثُ إلا أن يتراجعَ عنها؛ إذ يُصَابُ بسَقم يصلُ به إلى حدّ التلفِ، يجعله يقرّرُ لملمةَ ما بقىَ مِن عزمِهِ لإعلان فتوى أخيرة تبطلُ كلَّ الفتاوي السابقة.

 (-) مؤمنة ابنة السيد محمد الخزار، تتحوَّل بمحضِ إرادتِها واختيارها الكامليْن إلى بائعةِ هوى، فتستبدلُ باسمِها القديم آخرَ جديدا هو ألماسة «وتثيرُ في البلاد فتنة تعصفُ بأهواء الناس وتسلبّ لبَّ المُفتي وكذلك تخطِفُ عقولَ جميعِ التجارِ والنساءِ كما تخطِفُ لبَّ الوالي نفسِه الذي يأمرُ خَصِيَّهُ باتّخاذ الإجراءاتِ كافةً لكي يضمنَ حمايتَها فلا تصابَ بسوء أو مكروه»(80)

 وهذا ما يظهر لنا من تبدّلاتٍ وتحولاتٍ للشخصياتِ في مستوى التأويل.

 خطابُ الرؤيةِ الدراميةِ للنصِّ ومقولتُه المركزية

 تتجسد الرؤيةُ الدراميةُ للنصِّ لاستجلاءِ المقولةِ المركزيةِ من خلال منظورِ المؤلفِ لمادّةِ نصِّه الدراميّ، الأمر الذي يفيدُ خضوعَ تلك الرؤيةِ لإرادةِ المؤلفِ وموقفهِ الفكريِّ والوجوديِّ والمعرفيِّ، سواءٌ أكانتْ تلك الرؤيةُ موجودة في الواقع الاجتماعيِّ والثقافيِّ والسياسيِّ أم اقتصرتْ على النصّ وموقفِ المؤلفِ في النصّ من الكتابةِ الدراميةِ نفسِها. فالرؤيةُ كما سنلاحظُ في أثناء التطبيقِ لا تُسفر عن الموقف الخاص للمؤلف إزاءَ عالمِ نصّه الدراميّ وشخصياتِه فحسب؛ بل وكذا موقفه من العالم أيضا.

 كما أنّ أيةَ خصائصَ أو أفكار قد ننسبها إلى الشخصيات الدرامية وفق رؤية المؤلف بطبيعةِ الحال، عليها ألا تنسينا انتماءَها إلى عالمِ تخيّليِ في المقامِ الأولِ والنهائيّ، هو عَالُم النصِّ الدراميّ المكوَّن من أنساقٍ شتّى تتدخّل في الرسالة نفسِها أو المقولةِ الكليةِ للنصّ التي تتضافرُ مع عدد من الإشاراتِ والإحالاتِ لكشفِ المقولةِ المركزيةِ أو دعمِها أو دحضِها.

 في الحوار الافتتاحيِّ في المشهد الثاني من المسرحيةِ يَجري توضيح دورِ الخطابِ الدراميّ الرئيس في تركيبِ السياقِ الذي سَوف يبلورُ من خلاله المؤلفُ، بتصاعدِ الأحداثِ وتتابعِها، كشفا مبدئيا أو خيطا لرؤيتِهِ الدراميةِ ومقولتهِ المركزيةِ:

 المفتي: «المسألة هي أنّ النظامَ في هذه المدينةِ يرتكزُ على مراتبَ وتوازناتٍ. وما يضبطُ كلَّ شيء هو عددٌ من المناصبِ التي ينبغي أن تحفظ حُرّمتها، وتصانَ هيبتُها. كما أنّ هيبةَ الدولةِ واحدةٌ ومتضافرةٌ، فكذلك الحال في مدينة الشام... إنّ الرجلَ عدوِّي، ولكنّ نقابةَ الأشرافِ مرتبةٌ تسِندُ مرتبتيْنِ وهيبتُها تعزِّز هيبتي. حينَ وَضَعْتَ العمامةَ الخضراءَ على رأس قَحْبَة، أهنْتَ الأشرافَ، وأهنْتَ عمامتي أيضا ومن يعاملُ نقيبَ الأشرافِ بهذا الاستخفافِ، قد يعاملُ المفتي لدى أولِ خلافِ بالاستخفاف ذاتِه»(81)  

تكشفُ النظرةُ الاستقرائية العامّة إلى النتاج المسرحي لدى (سعدالله ونّوس) بروزَ منظومةِ السلطةِ كقضيةٍ أو مقولة مركزية وأساسية يتحالفُ على إبرازها تضافرُ ثلاثِ طبقات هي : طبقة رجالِ الدولة، وطبقةُ التجار، وطبقةُ الناسِ المتنفذينَ، ومِن الممكنِ أن يندرج بينهم أيضا الناس العوامُّ والدهماءُ والبسطاء.

 التالي


تصميم الحاسب الشامل