|
|||||
|
لا يأخذ نص «عراقي في باريس» من النوع الأدبي إلا ما ييسر له وضع شكله واصطناع وجوده، وسرد مختلف الأحداث التي مرت بصاحبه، صانعه، لا يحفل بمخصوص تلقي القارئ لها، هل سيضعها في سجل الواقع، أم هي إلى الخيال والاحتمال أقرب وبهما ألصق. إنك لترى صموئيل شمعون ماض في السرد، يلهث حكيه وراء طريقه الطويل، منسابا تارة، متعرجا أخرى، مراوحا بينهما طورا، وفي الأحوال كلها، إنه آلة لا تتوقف عن عرض ما جرى لها، وما أحست به خلال ذلك. في هذا الفعل الواعي يسرد الحكي تمامه بواسطة ضمير أنا، أنا صريحة، نحوية، أي بوحية، قررت منذ البداية، وإلى النهاية أن تتسلم زمام السرد وتتولى مسؤولية الخطاب وتبعاته. ميع خصائص هذه الأنا، حين تكون قد قرأت النص أولا وأخيرا، يفترض من محمولها، ونسقها، أن تنضوي إلى السيرة الذاتية، وبالتالي تلتزم، وهي تفعل، ببروتوكولاتها المرعية، لقد فعلت، وتذهب في هذا السبيل إلى أقصى ما يمكن حتى إنها لا تترك معلوما أو مجهولا من حياة صاحبها وسنن عيشه وتفكيره ونزواته إلا وأجلته على نحو فاضح. ما الذي يا ترى، والخصائص على ما نرى، دفع السيد شمعون، وهو شخص فطن، على الرغم من «قفشاته» ليضع على غلاف كتابه جنس «رواية» تحديدا، هو الذي يعلم سلفا أن أمره سيفتضح من الصفحات الأولى، فضلا عن أنه «مفضوح» عند خلصائه؟ لا نؤمن بالصدفة، بالاعتباط في الكتابة الأدبية، بحكم التجربة، ومن طبيعة دقة إملاءاتها، نحسب أن كل ما يأتيه الكاتب قولا، وتأملا، داخل ممارسته وعلى عتباتها، شأن العنونة والتجنيس، هما شأن خاضع لتعقل، وموجه لغرض، لأن هذه الكتابة مخصوصة بصفة ومبنية فنيا على أسس، وتتحرى مياسم كما تتقصد مرامي بعينها، وإلا ستعد هدرا للقول، خارج الأدب. كل كاتب، روائي، قاص، بصدد ما نحن فيه، يتحمل مسؤولية الجد لما يعمل لأن الكتابة عمل جدي، وهي لعب يحتاج إلى المهارة حاجة البهلوان إلى مرونة أعضائه وخفة حركاته لإنجاح حيله. عدا ذلك تخفق الكتابة، فاقدة شيئها الذي به تكون أو لا تكون. لذلك لا نريد أن نمر مر الكرام على ما ينهض عليه الشيء الأدبي، ونحب أن نسائله، بالتفاعل مع القارئ، قبل أن ننتقل إلى مضمار شغله ومادة لعبه، فيها ما فيها من أحابيل، هي التي تغلي فوق مرجل واقع صلد. سنقصي في هذه المساءلة تجنبا للإطالة القواعد الشهيرة للجنس السير ذاتي، مفترضين وعيا مناسبا بها، لننتقل مباشرة إلى بحث ما يميز التجنيس الذي طلع به الكتاب«عراقي في باريس»(نعتمد ط٢، 2006، منشورات الجمل)، نعني «رواية». أول ما يجدر الإشارة إليه أن أي رواية هي خدعة، تمتح من الواقع، وتمثل وجوهه المختلفة، ثم تعيد تفكيك روابطه لتصنع الاولويات القرينة بعالمها، حيث علاقات وأمزجة ورؤية ولغة لا توجد إلا في هذا العالم بالضبط، ووفق استراتيجية تخييل تجسده، بديلا عن استراتيجية واقع معطى سلفا، الحادث خارج النص.لا وجود للرواية، للأدب طرا إلا بالنص، في الكتابة، وعلى هدي شروط بعينها، في مقدمها اجتراح التخييل والدربة على أدواته، فهو غير الخيال، تهيؤات أو مجازا في المطلق. هذا الأخير مضماره القصيدة، وسلطته الاستعارة، بينما الأول حلبته الرواية، أداته السرد، وسلطانه أدوات جلب الواقع الفعلي إلى جاذبية المتخيل والمحتمل، وإعلائه باللغة. كيف يجنّس شمعون كتابه روايةً، ويُحمّلها مادةً سير ذاتية، كاملةً غير منقوصة من أي عنصر، فهل أراد النوع من البداية أم يرى في السيرة الذاتية جنسا دونيا، أم الكتابة التي لا تليق إلا بعمر معين، أم بالأحرى حصاد عمر يُسرد على نحو معين، ولا تعد طريقة سرده مع جمالياتها ثقيلة في ميزانها؟ للقارئ، متعجلا أو محترفا، أيضا، أن ينفض يده من أسئلة مماثلة لينشغل بالتجربة، ويركب المغامرة الحياتية الخصوصية للكاتب، وهي غنية، مثيرة، متنوعة وشيقة، مليئة بالمغامرات، والخروج عن المألوف، وباختصار فهي حياة تستحق أن تروى. بيد أن الرهان يختلف في الحالتين، لأن ما يستحق يحتاج أن يروى على نحو يجليه ويبرز خصوصيته، يؤشر أدبيته، وإلى هذا ينصرف اهتمام النقد الأدبي بالدرجة الأولى، لا إلى النزعة الشفوية، والحكائية الفطرية الموجودة في كثير من محكيات البشر، حقيقية أو مهولة. نحن نظن أن الكاتب عني بهذا الجانب، وله رشح تجربته، وعلى حيازاتها الفنية عكف فجاء متنه على ما نرى، قابلا للتأويل على ما يمكن أن يُرى. تذهب النظرية الأدبية المتخصصة في الأنواع، من نحو آخر، وفي هذا السياق دائما، إلى أن الجمع بين المكون الروائي، والمكون الأوتوبيوغرافي بصهرهما في أتون واحد، ينجب ما يسمى «التخييل الذاتي» L'auto-fiction يمكن تعريفه بإيجاز بإخضاع معطيات الذات سيرة وأحاسيس لمقتضيات التخييل، لنسمها تركيب أجنحة لذات مؤلف يرتفع بها عن معيشه وهو فيه. في هذا النوع يكون الكاتب هو ذاته وآخر، قل إنه يصنع آخره سرديا وهو يضفي عليه كثيرا من صفاته على مساحة تجتمع فيها جملة قرائن، بل حجج دامغة يوظفها المؤلف قصدا للتحقق من هويته، من بينها الإسم العلم تحديدا، وضمنها ميثاق غير مبرم علنا للقراءة، خلافا للسيرة الذاتية حيث الميثاق صريح لا ريب فيه، حتى وهو مضمر(ف.لوجون). قليلة هي الأعمال التي تشهر على أغلفتها تجنيسا من هذا القبيل، لكنها كثيرة تلك التي تنزع إلى استثمار وتشغيل آلياته، إلى حد أننا يمكن أن نسقط على كل مسرود ومرصود في النص صورة من حياة مؤلفه، أو معلما لمحيطه الضيق، وإلى هذا يميل نقد ديدنه التقاط فتات خوان الحكي لم يُطل شهي الصحون فوقه. وما عند شمعون قابل لأن يتطابق بيسر شديد مع منظور هذا النوع ومجمل القواعد الناظمة له، تصريحا وتلميحا، ولنا، كما لغيرنا، إن شاء، أن يدخل عمله في خانتها، ويبصمه بمياسمه، فما أسهل التصنيف لدى استحضار مسوغات مبذولة، وهي هنا كثيرة، لجعلنا نتحدث عن هذا الـ«عراقي..» في مسار تخييله الذاتي، ونحسم الأمر. ولكي لا نظهر وكأن تحليلنا يستخف بهذا التصنيف تحديدا بين غيره، فنحن نعتبره ينضوي حقا تحته، لا قصدا بالضرورة، وإنما لما يرشحه له غناه وتعدد إمكانات أبعاده الكتابية. من حق القارئ علينا قبل أن نفيض في تفريعات التحليل والاستنتاج اطلاعه على أهم، أبرز ما احتوت عليه هذه السيرة الروائية ـ لاحظوا كيف أننا ننزلق إلى هذا التوصيف، كأنما ببراءة، فيما هي بدورها نوع فرعي من جنس السيرة الذاتية، المتفرعة كذلك عن جنس شجرة السرد الروائي الكبرى ؛ لا يمكن هنا تقديم تلخيص فلا معنى له لأننا في الحقيقة أمامنمط حياة وإيقاعه ونكهتها، لمن شاء أن يقول حذلقةً فلسفتها، كضرب من الحكمة التي يمكن استخلاصها من عيش تمّ على نحو استثنائي، اعتبر صاحبه أنه يستحق أن يروى بطريقة مميزة. الحاصل أن صمويل شمعون يبدأ حكايته الحقيقية من اللحظة التي قرر فيها مغادرة وطنه العراق، وهو من مواليده في بلدة الحباّنية، رغم أن نسبته إلى الشمال، ليرحل إلى أمريكا من أجل تحقيق حلم التحول إلى مخرج سينمائي. تماما كما حلم بذلك قبله السنيمائي التركي إيليا كازان، اليوناني الأصل، الذي هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة، وأصدر في سني نضجه روايته «الأناضوليي» تروي سيرة عم له في هذا الرحيل، وصورة الحلم الأمريكي، وجسّدها أقوى ما يكون فيلمه الشهير «أمريكا؛ أمريكا»(1963). بعد فترة عيش متقلبة في بيروت يقضيها بالعمل الصحفي في ظل إحدى الفصائل الفلسطينية النشيطة خلال سنة1979، وهي الفترة التي ينتقل خلالها البطل صمويل، وإثر مكابدات، ومعايشات في الوسط النضالي الفلسطيني، بتطلعاته، واحتراباته، يقدم عنها صورا هي بمثابة شهادات تكميلية عن حقبة معينة، شمولية وتفصيلية، موضوعية وحميمية، سيرية بانورامية ومذوّتة، وفي الأحوال ينتقل شمعون في رحلة طويلة، وأوديسية، لإنجاز حلمه من بغداد إلى عمّان، المحطة الأولى، حيث يتشرد، ويتعرض للتعذيب على يد مخابرات هذا البلد متهما بمحاولة التخريب، ويعمل، ويشقى، ومن هناك يُطرد إلى دمشق، فإلى بيروت حيث سيلاقي مصيرا أسوأ، يسام خسفا على يد قوات الكتائب التي تتهمه بالتجسس للفلسطينيين، ولا ينجو من الموت إلا بأعجوبة استظهار معلوماته المحفوظة، وذاكرته السنمائية القوية، التي سنكتشف على امتداد الكتاب أنها مؤرشفة بدقة وغنى، لا نعرف إن كانت ميراث كلها يمكن أن تُحمل على محمل التمثيل والتعبير الروائيين، ولهذا تفصيل مخصوص لا حقا. من بيروت إلى قبرص في ركاب الفلسطينيين، ثم يعبر«عوليس» العراقي المتوسط إلى تونس، حيث يعيش مغامرات إضافية، متقلبا في لحظات عيش غريبة، كما في السابق، وسيحدث له في اللاحق، مغامرات« تقطع النفس» حسب العبارة الفرنسية، لا يعنيك إن كانت حقيقية أو مصنوعة طالما أنها تشد القارئ للقراءة، ومضغة تشويق في مادة الكاتب، طُعم صيد القراء، بكل تأكيد. وصولا إلى المحطة الأخيرة، ما قبل الأخيرة ما دام الهدف الأصلي يتمثل في عبورالأطلسي نحو الضفاف الأمريكية لتحقيق الحلم السينمائي، المعادل في النهاية لـ American dream؛محطة باريس هذه التي بها يتعنى الكتاب، وتشخص أقوى ملامح الكاتب، شخصيته، سلوكا، مزاجا، علاقات، مواضعات مدينية، وحتى حالات هذيانية. مما لا شك فيه أن «عراقي في باريس» تنضاف إلى سلسلة أعمال طويلة كتبت عن هذه المدينة المثيرة وبوحي من الحياة الحربائية فيها، عاشها فنانون وأدباء من أعراق وثقافات عديدة، وفي أحقاب مختلفة، تمثل خزانة ثرية كان العرب من بين المساهمين فيها بلا منازع. عند هذه المحطة تتوقف السيرة الروائية لصمويل شمعون، الذي لن يحقق حلمه، وسيعوضه، مؤقتا ربما، بسرد منفصل للقصة التي اتخذها ذريعة للرحيل، وعمل طول وقته لكتابة سيناريوها، حقيقة أو افتراضا، ما هم، يقدمها لنا بعنوان «البائع المتجول والسينما» (قصة طفولة). تجنيس لا يخلو بدوره من تشويش، ويفتح أفقا مستقلا للتأويل ما أراه إلا يغذي سابقه. لا يفوتنا في سياقه التنصيص على أن القصة الإضافية لا تدخل في حكم قراءتنا، يمكن أن تعد تكملة أو تمطيطا للأولى باعتبار انتسابها لشخص واحد، ولكن إجراء القراءة النقدية لا بد أن يستثنيها لسببين: أولهما أنها قراءة تختص بنص مفرد، لا بمشمول ما بين دفتي كتاب، وكل ما عداه زائدة تفسده، في الأقل لا تدخل في برنامج التلقي، سيتعرض للاضطراب ، انظروا أننا في المتن الأول نتعامل حسب قول المؤلف مع ما جنّسه في الغلاف «رواية»، يقول إنه «كتبها في مراحل متقطعة بين 1990 و2003، بينما القسم الثاني» البائع المتجول والسينما» كتبته في خريف العام1985 على شكل سيناريو لفيلم طويل بعنوان«الحنين إلى الزمن الإنجليزي»، وبدءا من العام 1989 قمت بتحويل السيناريو إلى رواية سيرة ذاتية..»(130). أما السبب الثاني فلكون النص الثاني متناصا في الأول، يكاد يكون علة لخلقه، وتلك حيلة بيّنة. يعرف المخادعون أكثر من غيرهم أن الحيلة بنت اللعب، وفي اللغة الحيلة إسم من الاحتيال، وفي عرفنا أن صمويل شمعون «محتال» بامتياز وإلا لما قدم هذا الكتاب الذي يبدو أنه أوقع قراء عديدين في حباله، وها نحن جميعا نبحث عن الشِّفرات المناسبة لحل «لغزه» كأنه طلسم، بينما معانيه، وأقواله، أيضا، مبذولة في الطريق، بعبارة أبي عمر الجاحظ الشهيرة. فما الخبر؟ يحيلنا سعي البحث عن الجواب إلى منطلق هذه الورقة، إلى تساؤلنا عن نوعية التجنيس، وتراوحه بين الجنس الأب، والأنواع الصغرى أو الدنيا. وعلى الرغم من أن النص يبيح تصنيفا مباشرا في خانة السيرة الذاتية، وثانيا، في الخانة المتفرعة عنها «التخييل الذاتي» فإن وضع تسمية«رواية» على الغلاف لا يبدو أنه ضرب من القوقعة الفارغة. إن فعل التجنيس الأدبي، بعد المحددات المائزة لكل فن علىحدة من قبيل ما هو مدرسي أو مُقعّدٌ بتوارث، عملية يشترك فيها الكاتب والمتلقي، يستخدم فيها كل طرف استراتيجية دربة التأليف، من جهة، والتكييف، من جهة أخرى، ما ينتج عنه ذلك الشيء المشترك الذي يقبل أن يخضع للعب، بذا يكون الفن، أي اللعب، أو لا يكون. أول أداة اعتمدها شمعون أنه استبدل اسمه فتعين بآخر «سامي»، ولقائل إنه مجرد قناع، لكن القناع في التمثيل، سواء تورية أو كناية، يخفي حقيقة ليظهر غيرها قد ينفعل المشاهد لها، يحكم لها أو عليها، إلا أنها في منظور الشعرية صورة أولا وأخيرا.الأداة الثانية أنه حوّل محكيه إلى مغامرة، أخذ يسرده بطرائق وإيقاع المغامر، وما همّ أن تكون تلك حقيقته الأصلية، لا توجد في الرواية أي حقيقة، والسرد التخييلي لا يخضع لهذا المنطق، أو ينتفي الجنس الأدبي من أساسه. حقيقة الرواية هي خدعة تصديق ما تسرد وترسم من وقائع ولذلك تتطلب مهارات العرض والوصف والحبكة، ذروته فن التشويق. شمعون عن دراية بها نرى أنه وضع فيها لمسته الخاصة، وبذا يكون كاتبا، لا صاحب حكاية أو سيرة ويمضي إلى حال سبيله. تبرز اللمسة في الحكائية أو نزعتها ذاتها، في الشفوية التي تسم سرده، كتابة للقراءة والسمع معا، أي للرواية، بمعناها التقليدي. وهو ما ينسجم مع طبع المغامر الذي تحدث له الأشياء بدون توقع، وينتقل في الزمان والمكان بغير حسبان، وبالتالي، وعدا ما يمكن أن يدونه في رأسه، قديما، أو في مفكرة، حديثا، فإنه متعجل، لا يتنفس الصعداء أبدا، تتصيده الحوادث وتدور به الدوائر أنى حل، مثله من لا يعرف الاستقرار أي يعيش حياة التشرد والصعلكة أين يجد المجال الملائم لصنع الرواية، لفعل الكتابة، الجنس الأدبي سوسيولوجيا هو جزء من الاستقرار، والتقليد الأدبي استقرار، ومن لا يتوفر له هذا الشرط لا يبقى أمامه إلا الشفوية، لا عجب أن الرواة رحالة بالطبع، متنقلون بين المجالس. وإذا تغير الزمن فإن التقليد يبقى محفورا في عميق تربة الحكي، يجذبه شمعون إلى أعلى ليسقيه بماء الزمن والمغامرة الحديثة، وبذلك ينعش تقليدا ويجدد شكلا في إطار لعبة محكمة التركيب، متقنة التحبيك، تتحايل عليك إلى حد أنك تصبح طرفا فيها بما تثير مواقف الشخص ـ الشخصية من انفعالات لدى التلقي، وردود فعل تجاه سلوك هو أصلا سير ذاتي، أي خاضع للمعيارية الأخلاقية بالدرجة الأولى، لتنقلب إلى إيهام، إلى تشغيل آلية فعل الإيهام التخييلي الذي نعلم أنه يفعل على مستوى الخيال والوجدان، وتبدو فيه العلاقة بين الواقع وما ليس كذلك على درجة كبيرة من التنسيب، كما هو الشأن في البلاغة التي لا تحتمل حكم الصدق أو الكذب، بما أن غايتها في قيمة أسمى، وكذلك الرواية أو ما يبتغيه الروائي منها.على كل، وكما ذكرنا أعلاه، فإن بلوغ هذا المدرك يتوقف على بناء عملية يشترك فيها الكاتب والمتلقي. الأداة الثالثة تحويله السير ذاتي إلى حلبة تشخيصية كاملة، إلى خشبة أو ركح في مسرح تتناوب فيه الأدوار، ولا يبقى حصرا على ضمير المتكلم، بؤرة الخطاب، فالإرساليات تتعدد تعدد المرسلين، الذين إن كانوا يخرجون دائما من عباءة هذا الضمير، فإنهم يمتلكون تلفظهم، يختصون بسمات معلومة لهم، يحرص المؤلف على رسم مسافة القرب والبعد معهم، بالقدر الذي لا يطغى على مركزيته، وبالدرجة التي تضمن مستوى مقنعا من التمثيل يكرس روائية النص فيما لا يشكك في أوتوبيوغرافية مادتها. مادة تبقى قابلة للفحص، وفي الوقت نفسه هي مجال للعلاقات الإنسانية، لدينامية روائية متميزة.هكذا، تحفل، وتحتفل «عراقي في باريس» بعشرات الشخصيات تؤنسن عالم البطل/ الشخصية، وترقن خصائصه على مستويات عدة، بحيث تضيء مكامن في نفسه، وتعطي أبعادا لوجوده، فضلا عن أنها مرآة لسلوكه العام. تارة نراها نمطية، وأخرى منفردة. في الحالتين هي مشدودة إلى «سامي» بخيط رفيع أو حبل من مسد. يدخل معها في علاقات شد وجذب بما يؤدي إلى صنع حدث، أو بلورة موقف، مادي أو حالة سيكولوجية، وهو فعل ناجع للروائية، وأحد مضانها الكبرى، تقتلها السكونية والفتور.شخصيات تؤثت، أيضا، عالم البطل وتعكس مشاغله، ونوع المغامرات التي خاضها وما لاقاه من عنت في طريق تحقيق الحلم الأمريكي، يتكشف شيئا فشيئا ضربا من الوهم يجري وراءه بطل ملتاع بالمغامرة ونبذ الاستقرار في مكان واحد، أو أن الحياة نفسها تكيل له الصاع صاعين كلما تأتّى له الاستقرار في بقعة، (الواقع)، لإنجاز السيناريو (الوهم). هكذا، فإن باريس عنده بشر أولا وقبل كل شيء. بشر بأسماء وملامح، وطباع، يقاربهم كشخصيات روائية، وهم، أيضا، معارف حقيقيون له، يستطيع المقربون من المؤلف أن يشيروا إليهم مباشرة وإن ذكروا بأسماء مختلفة، ومنهم أعلام، نكتفي بواحد يرد ذكره مرات (آدمس) تتراكم الإشارات لتعييينه بلا لبس (الشاعر أدونيس)؛ هنا يحدث انفصال بين السيرذاتي والروائي، ذلك الانفصال الدال في الحقيقة على انعدام الحميمية في العلاقة، وإلا لبدت روائية. لا نحكم هنا على النوايا، فالتشخيص والتمثيل هما الفيصل، وبدونهما لا يتأتى اللعب. ترى باريس مدبوغة على أجسادهم، محفورة في نظراتهم، منقوعة في روائحهم؛ العاديون والاستثنائيون، الحقيقيون والدجالون، أغلبهم المغتربون، بمعنى الغرباء عن العالم سواء كانوا مهمشين أو بمظهر المندمجين ،ومن هم في وضع المابين. شمعون أحدهم، قريب منهم، لذلك يمتص خلاصاتهم، وفي الآن كلما اقترب مركبه من الرسو، هبت ريح تعاكسه فعاد إلى اغترابه، موقعه، الأصلي؛ إنه به جدير. إن باريس، أولا، مكان، فضاء، أبنية وبيوت وشوارع وأزقة، وجسور ومتاحف، وحانات بلاعدد، «مشهور في الحانات فقط!»(ص165) _وأقبية مترو، هذا أفضل إقامة للبطل، الدائمة، وغيرها مؤقتة، لاحظوا مفارقة تعطي اللامكان بوصفه المكان الحقيقي. «عشر سنوات من التشرد»(ص175) غزارة من العناوين يصعب حقا على من لا يعرف باريس جيدا، بالأحرى الفضاء الذي يتحرك فيه البطل، بين الحي اللاتيني وشارع سان جرمان، ودروبهما الخلفية، بالدرجة الأولى، ثم محطة أوسترليتز في الدائرة 13 مع امتدادات أخرى. وهو اختيار لفضاء مناسب يتلاءم مع مسار شخص السيرة، وحيث كان العرب وطلاب العالم الثالث يتجمهرون حتى نهاية العقد التاسع من القرن الماضي، ثم ذهبت ريحهم. وبقدر ما سبح النص في أماكن متعددة، لمسها عبورا، لا وصفها ولا انفعل بها العابر، بقدر ما مثّل المجال المرصود، المختار والموثق بعنايةـ لولا الأسماء التي كان حريا وضعها بحروفها اللاتينية الأصليةـ فضاء روائيا بامتياز، لتحديده، وغناه البشري، وحركيته، وأفعال التحول داخله، وأساسا، لأنه باريس المقتطعة بالذات لدى الكاتب، باريسه هو، ذاك ما تطلبه الرواية. أما أهم لعبة يلعبها النص، الخطرة، لتحقيق روائيته، فهي ما يمثل جوهر الحيلة أو الاحتيال، الذي انطلقنا منه في بداية التحليل، إنها الخدعة، محمولة على وجهين، ومسخرة لغرضين: الوجه الأول لـ«الطفل الذي كان يحلم بأن يصبح سينمائيا، ليعمل فيلما عن أبيه الفران الأخرس والأطرش الغارق في حب ملكة إنجلترا، وحكاية بحثه عن روبرت دي نيرو لكي يمثل دور ذلك الفران»(ص153)؛ الوجه الثاني، قفا الأول: «إنني في الأربعين(...) أريد أن أبدأ من البداية. أريد أن أكتب كتابا عن رجل كان يريد أن يكتب عن أبيه، لكنه يكتشف في النهاية أنه كان يكتب عن نفسه»(ص148). الغرض رقم ١، خيط يقودنا به المؤلف من البداية إلى مشارف نهاية القصة يعدنا بتحقق أو صنع شيء، وهذا غرض شكلي، على كل حال، فكل كاتب يتوسل بطريقة ليحافظ على زبونه القارئ، إنها الذريعة؛الغرض ٢، الأهم، يخص الكاتب ذاته، ويدخل في صميم لعبته، سنقول في محل آخر هويته. إنه كنهه، بعد مداورات طويلة على امتداد أزيد من مائة صفحة سيضطر للاعتراف علنا، عن طيب خاطر:«أنا شخص حالم»(ص179). في البداية يظهر البطل واثقا منة مشروعه، بل رحيله، مغادرة الوطن والأهل، ومكابدة عتيّ الصّعاب، رهن بتنفيذه، وتدريجيا تأخذ خيوط الحلم البهيّ في التبدد، لا تقريرا، وإنما تسفهها الحياة التي في منطق الرواية دائما تصنع مصير الفجيعة والانكسار. لكأنّ شمعون يريد أن يبرهن لنا، من جديد، أنه لكي تكون شخصية ما روائية فلا بد لها وهي في عمق تجذرها الواقعي، إشباعها باليومي الوجودي، أن تغطس في مسبح الوهم، الذي نحتاج أن ننظر إليه لا نقيضا للواقع، وإنما صورته الورائية، المتخفية في أدغال الوجود متشابكة بأرواحنا، ونعطيها، حسب ثقافتنا، وظروفنا، وطراز عيشنا، غامض الأسماء ومجردها. لذلك نحتاج إلى القول، أيضا، بأنه لا كاتبَ يخدع القراء، كل ما هناك أنه يقودهم في مسالك ودهاليز الخديعة الكبرى، الوهم أو الحلم الدفين، ويجعلهم يتشبثون أكثر برحلة الوهم، وهم يعلمون سلفا أنها خادعة؛ كذلك «سامي» أو شمعون، ما نشاء، ولولاه لما كان للرحيل من سبب، وللرواية من وجود، هذه من ذاك، والعكس، أيضا. لعبة النوع الشطاري على أن أخطر وأهم لعب تخوضه الرواية، وبها تتميز فنا، وجنسا، بين نظيراتها، وتستحق في عين النقد الأدبي أن تصنّف، إضافة إلى ما رصدناه فيها ويمكن لغيرنا أن يضع عليه اليد، احتفاؤها بخصائص البيكاريسك، أو اللعبة الشطارية، عنوانا على نوع محدد من كتابة سرد المغامرة، المميزة قديما في متون معينة، والقابلة للتصنيف في نصوص حديثة ومعاصرة على ضوء نماذج الماضي، كما نراها هنا في «عراقي في باريس» متجلية سواء في التيمات المركزية، أو من خلال سلوك نموذج ـ بطل الحكاية، أو الروح النابضة فيها. لن نعنى بالوجه التاريخي للنوع، فالمقاربة من هذه الناحية تحيل إلى حقبة تاريخية بعينها(القرن الذهبي في إسبانيا)حيث سادت الملكية المطلقة، أدت إلى اختلال البنية الإقطاعية نجم عنه اضطراب اجتماعي وجمود اقتصادي، من مظاهره بروز شرائح من الهامشيين، الشحاذين والمنحرفين، المحتالين والمغامرين، والذين تميزوا بسلوك مشترك في تنقلهم وحياتهم العامة عكستها رواية توصف عند جوستاف رينر، أحد كبار المختصين بهذا النوع، برواية الأعراف الواقعية المحببة إلى الجمهور الإسباني(١). وقريب منه باتايون الذي يربط نشأة النوع بالأسباب الاجتماعية(٢)، فيما يعتبره شاندلر بمثابة رد فعل على قصص الرومانس، ويضع الشاطر، البيكارو، في موقف نقيض للوجه المنحط لرواية الفروسية (٣).عموما، يعتبر مؤرخو الأدب هذا النوع المتصعلك خاصا بإسبانيا، مغلقا، بينما أنتج في البلدان الأوروبية الأخرى طرزا مختلفا، وهو ما يتصل عندئذ بالمقاربة اللاتاريخية له. فيها يصبح النوع متفتحا، وتعتمد هذه بالدرجة الأولى التكوين، والبنية الداخلية للجنس الأدبي محددات تكوينية له. ما يعني إيلاء الأهمية لعناصر البناء وليس لأسباب سوسيو اقتصادية مؤهلة لولادته. بإجمال يمركز روبير ألتر الرواية الشطارية حول محورين: تيمة الوحدة، وهامشية البطل(٤). يضيف ويليك ووارن في كتابهما الشهير «نظرية الأدب» محورا ثالثا هو التعاقب الكرونولوجي. فيما اتجع غيلن لوقف الخلط بين أدب الصعلكة عموما والشطاري خاصة، بحيازة البطل لخصائص معينة أبرزها تداخله مع محيطه، وكون البيكارو لايملك شخصية ذات طباع ثابتة منذ البداية، بل يصبحه بعد الدروس التي يستفيدها من مغامراته، بذا فهو شخصية دينامية، وتظهر الرواية الشطارية حركة تبدل البطل، وفي فضائها تدرس العلاقة التي يقيمها مع محيطه؛ إن هذه العلاقة هي الخط المميز للرواية كجنس أدبي(٥). في آخر مطاف التوصيف النظري ذهب النقد الحديث(الخمسيني) إلى التماس النزعة الشطارية في عناصر الهامشية، واستلاب الإنسان، والاضطراب الاجتماعي، والعالم المختل والمتهافت، باعتبارها تيمات تعبر عن وضع إنساني في فترة انحطاط وتدهور شبيهة بتلك التي عرفها النوع لدى نشأته لأولى في إسبانيا(٦). نكتفي بهذه الإحالات، وإلا فإن النقد الشكلاني يأخذنا إلى مقاربات أكثر تدقيقا وخصوصية، على رأسها نظرية روبير شولس الناهضة على فكرة نماذج التخييل، أو النموذج المثالي، المختصة بأعمال فردية تدرس من زاوية علاقتها بتقاليد محددة، وقابلة لأن نتعرف عليها تاريخيا(٧). إننا لم نقم بعد بمثل هذا التصنيف في الأدب العربي إلا بشكل جزئي رغم أن أدبنا القديم حافل بنصوص غنية، وعندنا نصوص حديثة لا تقل غنى يمكن أن نلتمس فيها حضور النزعة الشطارية ورؤية العالم البيكاريسكي وخصائصه العامة.ليكن معلوما بأن المهم، هنا ، ليس التنظير في ذاته، بل استخدامه لاكتشاف ثراء نص ما أو تعدد أبنيته، وانفتاحه على إمكانات قول روائي يوحي للوهلة الأولى بالانضواء حصرا إلى سجل السيرة الذاتية فيما توسلها أداة لخرق طبيعة الميثاق، وإحداث اضطراب في العلائق الفنية والتيمية المعهودة، يستكين إليها النقد التقليدي عندما يقرأ النص على ضوء القاعدة وليس العكس. وعندما كتب، ونشر محمد شكري سيرته «الخبز الحافي» في مطلع الثمانينات حدث شيء من هذا. أي أن الرجل الذي لم يكن لا كاتبا ولا متطلعا ليضع بصمة خاصة في السجل الإبداعي العربي، والأجنبي بعد ذلك، سيتحول بصدفة قراءة مدربة وماكرة إلى نجم، لنقل إن بطله، هو ذاته، عبر سيرته الذاتية ستنقلب طرازا ممتازا لبيكار وحديث، وهذه المرة في فضاء مدينتي تطوان وطنجة المغربيتين، حيث عاش مغامرات عمره، ورواها لنا، رأيناه فيها يتطور، وينتقل من حال لحال، وعلينا أن نقتنع بأن كل ما رواه حقائق موثقة في عالم أتوبيوغرافي، أي لم تحلق لحظة واحدة في سماء التخييل، اعتمادا على أن ضمير المتكلم فيها يمثل حجة دامغة على حقيقة تظل أبدا مزعومة، هي نفسها التي استعادها محمد شكري، عبر أحداث ووقائع مغايرة في مسار حياته، وسماها سيرة روائية فيقصتي«الخيمة» و«السوق الداخلي»، تماما كما أسمى صمويل شمعون نصه أو جنسه على الغلاف رواية. لاجدال في أن بطل، أو البطل المضاد في «عراقي..» مغامر، وهو أعلن عن مشروع المغامرة منذ مغادرته وطنه العراق ليتنقل في أصقاع أخرى من الدنيا.أما الشطارية الحقيقية، كما تهمنا، فهي أن يرتهن وجود الشخص ـ الشخصية، وهويتها، وديدنها إلى المغامرة نفسها، عبر حلقات الترحل والصعلكة والعيش المتفرد، المهمش. البيكارسكية ككتابة مستقاة من نمط عيش تفترض عندنا، إضافة إلى الخصائص التي أسلفنا، أن ينجح كاتبها، وهو يغامر بوضع ذاته، سيرته، في الصدارة، فيتحويل حياته إلى مركز، وما حوله إلى ما يشبه الهامش. وبما أن هذا لا يتحقق عمليا في الواقع المعيش، فإن السرد التخييلي يبقى وحده الكفيل بإدراك هذا المنال، تحقق منه كثير في نص شمعون، مما يرجح في جوانب عديدة روائيته، بكيفية تموّه مساره السير ذاتي. تصنع الكتابة من الهامش بؤرة، تجمع فيها كل الشتات، وما يوصف بالشاذ وغير الملائم في التفكير والسلوك والمصير، قياسا بما يعد طبيعيا في حكم المواضعات، وما تنفك في تبلورها توسع عملية التبئير، كلما ند عن البطل ميل إلى الانخراط في لعبة المركز الاجتماعية. وما كان هذا ليتحقق لولا أن الرواية الشطارية، ذات الطبيعة المغامرة، هي من طينة حلمية أساسا، ما دام المغامر، المترحل، يعيش باستمرار على إيقاعين:المفاجئ أو غير المتوقع، وحلم بلوغ مرمى ما، غالبا هو بعيد المنال، حسب شرطه الاجتماعي، مما يتطابق كليا مع بطل نص شمعون. نرى، بعد هذا، أن وتيرة نشاط (البيكارو) وهيمنة البراديغم البيكاريسكي في النص تصعد وتخفت حسب مشاركة الطرائق السردية والأسلوبية في عملية تأهيل الجنس الأدبي، رغم ما قد يظهر، أحيانا، من تهافت العناصرالتركيبية اللغوية، والإواليات الأدبية، يجوز اعتبار وصف «لا أدبيتها» سمة خالصة على حيازتها خاصية كتابية استثنائية تنسجم مع هذا الجنس الذي ينهض على الحطام والتفكيك، وينتج حتما بنية نوعية مختلفة أو على الأقل القيام بـ«غارات» متواصلة على المواقع المستقرة في البنية السردية التقليدية، المألوفة، في كتابة تتحرر من أي قيود، تنزع إلى الشفوية، لغوية وطريقة حكي، وتحتفي بالبوليفونية، وهي وظيفة ضرورية لمن عوّل على ربط السرد بالصورة، الحكي بالوصف، بتشخيص المغامرة وإسماع أصوات أصحابها، في قلبهم صوت البطل ـ السارد، لا ينفك يغير أسلوبه وهو ينقلب من حال لأحوال، وصولا إلى تكليم الخرس، والنطق بأصواتهم(لغتهم) على غرار ما يحدث مع الأب. يبقى مهما للانتهاء من معالجة هذه الزاوية القول بأن البيكاريسكي، سواء أخذناه في صورة النموذج، الذي يقضي بتعدد تيمات التخييل (هجائي؛ شطاري؛ كوميدي)، وعمدته المضمون، وبالتالي فهو عابر للتاريخ، أو كنوع محدد(رومانس؛ تراجيديا؛ عاطفي) وهو المتعلق بالثابت، فإن ملامح وخاصيات بارزة منه يجليها بقوة نص «عراقي..» حيث يظهر الطابع البيكاريسكي محسوما بالصفة لا بالنوع ضرورة، المرتبط بمرحلة تاريخية مغلقة. عندئذ يصبح استخدامنا للنزعة الشطارية شكلا لنعت كتابة ما يدخل في الأعم،وهو الأنسب لهذا العمل وانسجاما مع القواعد النظرية. خاصة والنص المدروس يتقلب بين سجلات ومقاربات مختلفة، شأن بطله لا يقر له قرار؛ هكذا، إن من يقرأ هذه الرواية أو السيرة الروائية المموهة لن يفوته التقاط المقذع مع السخرية المرة، إلى جوار جو الدعابة، وكل ذلك بطعم حس تراجيدي مبطن، تارة، ينز عاليا بمأساويته تارة أخرى «إن الألم هو ما يدفع المرء لأن يكون مهرجا»(ص123). لكن تكتيك اللعب، الذي هو روح المغامرة وزمامها ينقذ القص، والقارئ معا،من الوقوع في وهدة ابتآسية وإسفاف من السهل الانزلاق إليهما عند من يسعون إلى جلب الشفقة لأبطالهم أو على مسارهم الشخصي، أكثر من الإقناع بفجيعة المصير الإنساني وعبثيته؛ أحسب أن هذا ما قصد إليه صمويل شمعون، وذاك وضعه. والحق أن الأمر رهن بمتعدد، فيه درجة من منسوب الفن، ودرجة ثانية من اختيار أخلاقي على مستوى تبني قيم معينة، وثالثة تتصل بالبحث الإشكالي الذي ينحو إليه كل عمل سردي جدير باسمه يضع بطله في محك التطلع إلى مُثل عظمى في عالم لا يتوقف عن الانهيار، استعارة من فكرة ج.لوكاش. تبلغ أدوات توكيد الروائية وممارسة حيلها أوجها، من خلال لعبة الهوية وظلالها الملتبسة التي يتحرك تحتها البطل، وما أكثر ما ينوء بوزرها،لأنه بالفعل سيعاني الويلات من ذلك أحيانا. إن اسمه كما تقول أمه أثناء اللقاء بعد فراق طويل سيكلفه الكثير: «هل تعرف يا شمويل، بعد لحظات من تسميتك شعرت بحزن شديد وقلت لنفسي إننا بهذا الإسم الثقيل نضع الكثير على كتفي هذا الطفل»(ص٩)،فأزمة أو إشكالية الهوية لدى البطل تبدأ حقا من اسمه الذي يحيل إلى مرتبة التأويل، مع إثارة مرجعيات إثنية وثقافية ودينية، ولا تنتهي عنده بما أن الإسم ذاته أو مرجعياته ستتضخم عنوانا على تنامي شخصيته على امتداد مسار المغامرة، وفي سعيه لتجديد هويته، عبر تحقيق الحلم الهوليودي الذي من أجله غادر ما سمته أول رفيقة له في السفر «بلاد القتلة المجرمين»(ص14).سيسمى مرة «العراقي الآشوري» وأخرى «العراقي الكافر»، وفي بلاد الإسلام (تونس) سيقوم عمدا بتشخيص، وربما تسفيه لمسألة الهوية في أحد طقوسها الدينية(الختان)حين يطلب من الحلاق الشعبي أن يؤدي المهمة: «عمري 28 سنة وأريد أن أختن نفسي»(ص32)، ليعبر الرجل عن ابتهاجه بعد التنفيذ: «أنا سعيد لأنك أصبحت مسلما على يدي»(م.س) لكن المعني بالأمر ما يلبث أن يخذله: «ولم لا أكون يهوديا يا حاج، اليهود يختنون، أيضا»(ن)، مشددا بذلك على الطابع اللعبي. ذاك الذي سيقرره صديق عابر شاهد على اللعبة: «أعرف أيها المجنون، لقد قمت بهذا لتسخف كل شيء»(ن). فعل التسخيف، عملية بهلوانية، طراز من اللعب نجد له في القصة أمثلة عديدة بالتكاثر أو التضعيف، وحتى التمويه، من خلال شخصيات الممثلين ألدو ماسيوني،مارشيلو ماستريوني، بيكيت، غودار، وغير هؤلاء كثر. والبطل صاحب السيرة ما يفتأ يتعدد، ونراه ينقلب على وضعه، وما يمثل تيمته الشطارية الأم، الصعلكة والتشرد، متراوحا بين مزاج المترحل، المقيم في محطة متروأوسترليز، وذاك المحب للاستقرار والدفء ورغوة الصابون. يعبر عن ذلك باختصار: « أنا لا أقيم في الشوارع(...) إنني فقط أرفض أن يكون لي بيت»(ص63)؛« بالرغم من أنني كنت أتوق لحياة التشرد(...) فقد كنت أيضا أشعر بالحاجة إلى أن أكون في مكان فيه مطبخ وحمام ومكتبة وغرفة نوم وناس.»(ص٤٦). ينبغي أن ننظر،من نحو آخر،إلى ما يعتور الهوية من تبدلات من زاوية الوظيفة الإيهامية،حيث ينتقل الشخص إلى وضع الشخصية، محققا بهذا شرطا أوليا في دفتر تحملات التخييل، أي التحول الإجناسي،من السجل الأوتوبيوغرافي إلى السجل الروائي. وعلىالرغم من اشتراك الإثنين في ضمير المتكلم إلا أن اشتغاله لا يبقى واحدا في كل مرة. أجل، أنا هو آخر،كما قالت مرغريت يورسونار، بالصدد السير ذاتي،لكنها تبقى أنا موثقة، ببطاقة تعريف محددة وأفعال وأقوال مسنودة، الشيء الذي لا يمكن التأكد منه مع النمط التخييلي، ما يوافق لعبة الكاتب في تحويل نفسه وحياته بمعنى الميتامورفوز (Métamorphose) حيث يؤدي الاحتفاظ بالعناصر ذاتها إلي نتيجة مغايرة، وبذا تتوفر أنا على مؤهل الانتساب الروائي، ما حرص شمعون، في صورة سامي،على أن يضمن له أكبر قدر من التصعيد الموضوعي، دون أن يكف عن تذويتها، ثم إشباع الذات بالموضوعي، في تناوب واع يساعد على تثبيته الانفتاح المستمر للأنا على محيط خارجي متعدد، وفي التفضية المتداومة الملازمة لوجود الشخصيات، أولها البطل ـ الضد، والإحالات المتكاثرة لخطاب روائي ولود. لن نقول في الأخير إننا نريد أن ننتهي إلى خلاصات، فصمويل شمعون السارد، أعفانا من هذه المهمة، فقد كان من الذكاء أن ترك قصته،سرده، مفتوحا على مستقبل محتمل، أي أنه لم يغلق الدائرة، كما يحدث عادة مع السيرة الذاتية، وفي البيكاريسك الكلاسيكي، ورجّح الحلمي على الواقعي، التخييل على كتابة الموثوق به. وصل بطله إلى باريس يحمل في جعبة دماغه وشغاف روحه مشروع كتابة السيناريو، الذي لن يكون إلا ذريعة لنشر سحابة حلم يسمح للكتابة بأن تطول، وربما تتجدد غدا. تصعلك فيها على هواه محاولا أن يصنع فيها أسطورته الخاصة، مطاولا قامات الكبار الذين سبقوه إليها،هي طاحونة الأجيال والأوهام،هناك في كليشي، مثلا، حيث أقام هنري ميللر وكتب أوراقا عظيمة عن مدينة الجن والملائكة. غادرها مؤقتا لينهي كتابة السيناريو(المشروع) وقرر العودة إليها وقد أنجزه، لكن ماذا سيفعل بنفسه بعد ذلك.لا نعرف، حسنا فعل الكاتب أن لم يورط سارده في ورطة التكرار، والنهايات الملفقة. ومسك ختامه هذه العبارات: «عندما توقف القطار في المحطة القادمة أثناء العودة، نظرت من النافذة فرأيت طائرا أبيض مضطجعا ميتا عند جذع شجرة. ظللت أحدق فيه وأنا أحدق فيه وأنا أدوّر التفاحة بين راحتي إلى أن تحرك القطار. بعد لحظات قليلة رأيت طائرا أبيض يطير،ورويدا رويدا كان يقترب من نافذتي كمالو كان يريد أن يلمسها.ثم طار بعيدا.»(194). بلى نعرف، فهكذا يجيبنا، بأنه لم ينزل إلى الأرض إلا مؤقتا، وسيظل يطير ملاحقا حلمه، وذاك هو الجدير بكاتب. آن لنا أن نصل إلى «القفلة» في هذا الكتاب الذي لا شك خدعنا جميعا من عنوانه، وبطله معنا، أيضا،: تُرى، ماذا يفعل عراقي في باريس؟ هذا العراقي الذي يعلن أنه ليس عربيا، ويرى أن بلاده «مثل طبق الباييلا الإسبانية» كناية عن تعدد الأعراق(142). إن هذه المدينة ليست له، كما قرّعه أحد رفاقه «..لا يجوز لعراقي أن يسأل تونسيا ماذا يفعل في باريس.الصحيح هو ماذا يفعل عراقي في باريس؟»(48). هذه المفارقة بالضبط هي عصب هذه السيرة العجيبة، هذه الرواية، هذا المتن المكتنز بفطرته، ودهشته، وشطاريته، ولعبيته، وشعريته، وبحساسيته الجارحة، ولذلك هو نص فريد من عراقي «غيرعربي» في أدب العرب. الهوامش ١ـ siècle Hachette Paris p. 7 Le roman réaliste au XVII ٢ ـ Le Roman picaresque ((Introduction)) paris 1931p.11 ٣ـRoge s Progress-Studies in the Picaesque Novel Cambridge Mass. 1964 ٤ـ La Théorie littéraire Seuil paris p301 ٥ـ Roge s op. cit. ٦ـ in La revue de Paris Fevrier 1968 Renaissance du roman picaresque ٧ـ Les modes de la fiction in Poétique3 p509 |
|||||
|
|||||