|
|||||
|
بسلاسة وطلاقة كاتب عظيم : يعتبر Gao نفسه مبدعا على «هامش العالم» ومثل المعري الذي ارتد كاهلا إلى طفولته الأولى، نابذا العالم الخارجي، منزويا في بيته، توقف Gao عن التدخين ، فشرع يتغذى نباتيا رغم نحافته ومشاكله الصحية التي مافتئت تتفاقم سيما بعد ما لحقه من ضغوطات نفسية مكرهة على إثر فوزه بجائزة نوبل للآداب سنة ٠٠٠٢ . لم يعد هذا الأخير يرى في الأدب إحدى إمكانيات الخلاص من الأوهام الميتافيزيقية فحسب بل أيضا من وقاحة الواقع وآليات الخنق والتضييق التي تطال الإنسان وتنال من حريته. على الكاتب أو المبدع في نظر Gao أن يتفادى إصدار الأحكام ، مثلما عليه أن ينأى عن امتهان آليات الإقصاء والنبذ، شأنه هنا شأن دولوز، الفيلسوف الفرنسي الذي تمنى أن يمارس مهنة كناس بدل مهنة قاض. وبخلاف كل رواد الايديولوجيا يصرح Gao على أن الديمقراطية في خطر حد الإجهاز عليها واستنفادها. لذلك إذن اقتفى آثارا زهدية هي وحدها ملاذه الأخير، مزاوجا بين ثلاثة أبعاد لا محيد عنها بالنسبة لكل كاتب كبير. اقصد بعد القراءة والكتابة والحياة. فمن المؤكد منه على حد تعبير «صولز» أنك لن تعرف أن تكتب ما لم تعرف كيف تقرأ لكن لمعرفة القراءة عليك أن تعرف كيف تعيش. لا عجب إذن إن كان الحظ بالنسبة للمبدع (الكاتب) يكمن في انعدام مدرسة تصنعه. فالكتابة كفن من فنون العيش هي وحدها ما كان يقوده إلى حيثما يرمي لا لشيء إلا لأن Gao يمارسها على نحو مخالف للآخرين . وفي ذات السياق نشرت له مطابـع «لوسوي» سنة ٤٠٠٢ عدة مؤلفات منها المؤلف النظري بعنوان «بلا نزعة» isme Sana (٭) من خلاله يصر Gao على العيش والإبداع خارج الانساق الإيديولوجية التي زجت بالقرن ٠٢ في حروب وكوارث ، على اعتبار أن التخلص من كل نزعة بقدر ما لا يعني بناء نظرية بديلة بقدر ما لا يعني كذلك التزام الصمت : فالتحرر من النزعوية هو بالأحرى الشرط الأدنى لتحقق الحرية الفردية لكل إنسان. ٭ خلال الندوة الحالية(١) المنعقدة بمرسيليا حول مشاريعكم الفنية، انتقدتم كل أولئك الذين لا يعيرون أي اهتمام لـ«الإيطيقا والإستيطيقا» عند إقدامهم على انجاز أعمالهم الإبداعية. لماذا يكون الكاتب هو أول من تؤاخذونه ؟ - على الكاتب قبل أي كان ، أن يكون الشاهد عن الطبع الإنساني. مسؤوليته إنما هي أن يأخذ بعين الاعتبار أمر الواقع خارج كل حكم قيمة. فهذه الرؤية وهذا المسعى هما ما أضحى يشكل الأخلاق العليا للكاتب. فالإنسان ليس إنسانا إلا لأنه خارج كل «نزعة»، بيد أن كل تشييد لصرح المعايير لا يعمل إلا على إقحامه داخل النسق. من الأفضل أن يعود الكاتب إلى موضع الملاحظ وأن يتعامل مع آلاف أوجه الحياة الإنسانية بنظرة محايدة، وحالما استطاع بنفس الطريقة ، أن يتعاطى الاستبطان(٭) فسيحصل من خلاله على نوع من الحرية ، أما الملاحظة فسيستمتع بها دونما سعيه وراء تغيير العالم. ٭ ما الذي تقصدونه بـ «الملاحظة» ؟ - أريد أن أوضح مسألة جد دقيقة. ذلك أن المرء عندما يكون كاتبا، من المفروض عليه أن يتحاشى إصدار الأحكام وأن يدفع بالرؤيا إلى أبعد حد ممكن، ثم أن يعمل بالتالي على اختبار هذه الملاحظة عبر مصفاة الكتابة مع الإبقاء دائما على المسافة الضرورية. وأثناء عملية الملاحظة عليه الاستعانة بالحكم الجمالي الذي يفحمه بنوع من الذوق والإثارة واليقظة، وهنا تكمن ميزة الكاتب الذي يتعاطى هذا الصنف من الكتابة، الخالي من كل نفعية واقعية والذي بدونه من الصعب عليه الاستمرارية في حماسته والحفاظ على برودة دمه. ٭ إنكم لاتطرحون أصلا، غير نوع من الإيطيقا المقتبسة من الأدب ... ـ قطعا خاصة إذا أدركنا أن المعايير تعمل على إقحام الأدب في سياق نظري، فتسجنه داخل ايدولوجيا خاصة وتحصره في نطاق تربية أخلاقية كيما يتوافق والنظام الاجتماعي مثلما مع بنى السلطة السياسية . ولئن كان الإنسان واعيا بإنسانيته، فذلك بالضبط ليس إلا لأن استقلاليته كفرد أمر مطلق لا تنازل عنه، وبالمقابل لا وجود للأدب إلا عند ما يكون هذا الأخير في حاجة إلى التعبير عن ذاته. لنقطع نهائيا مع الايديولوجيا والتاريخانية التي مافتئت تعمل على تفييئ الأحكام الاستيطيقية .ألح على أنه من الأفضل أن نعود إلى واقع الإنسان أي أن نعود إلى أحاسيسه وراهنه وأن نكف عن فبركة الخرافات الماورائية. ٭ هل ينبغي العودة إلى نموذج مطلق من الإنسية المعاصرة ؟ ـ أستنتج فيما يخص هذه النقطة أن الوجود المتغير للإنسان يفوق كل شيء، بينما الأحزان والأفراح التي تتولد عنه كما تقلبات الرغبة والنفس كلها أشياء لا يمكن قياسا بواسطة أي نظام معايير كيفما كان. فنحن نعرف من الآن فصاعدا أن الإنسان لا يستطيع أن يتغير لنفسه، فكيف بوسعه والحالة هاته أن يغير الآخرين ؟ لندع الأدب يتحرر من صناعة الخرافات. لنمنحه بالأحرى فرصة إنقاذنا. ٭ هل الديمقراطية هي موضوع الخلاف؟ ـ الديمقراطية في خطر لأنها استنفدت. ينبغي إعادة النظر فيها باستعادة الحرية الفردية للمفكر لا غير. وهذا أمر صعب المنال مادامت وسائط الإعلام لا تولي أهمية تذكر للمفكر كما تقزم كل قول وتختزل كل الأفكار فتشوه دواتنا وتتنكر لمقدرتنا على إعمال الخيال رافضة بالتالي كل صمت. وفضلا عن ذلك فرجال السياسة شأنهم شأن المثقفين، لم يعودوا قط أحرارا. إننا مشدودين إلى صنف من الـ «نحن» لا صلة لها بوجودنا الحقيقي. بوسعنا بكل صراحة أن نتساءل عما يكونه التاريخ في الوقت الذي يكون فيه مصوغا من لدن السلطة. ٭ إنكم بصدد مناداة علانية للفنانين والكتاب من أجل إنقاد العالم! - أدرك حتما أن الخوف قد أعجز الجميع. أما بالنسبة لي، فالموت هو ما كنت أخشاه، منذ نعومة أظافري. لقد كان نوعاً من الخوف المرعب والمرضي ينتابني بقدرما كنت لا أرغب في فقدان هذا العالم الذي انوجدت فيه.عندها تعاطيت الكتابة والغناء مثلما شرعت في إنشاد بعض النصوص بصوت مرتفع وقوي. كان عمري حينذاك ثماني سنوات. وفي السياق الإيديولوجي المتزمت والشمولي حيث كنت أحيا لم يكن باستطاعتي من حل غير السعي نحو نوع من التواجد الباطني. ذلك ما حاولت القيام به دونما اكتراثي بمعرفة ما إذا كان لعملي هذا معنى ما بالنسبة للآخرين. كل ما استوعبته بخلاف ذلك، إنما هو الضرورة القصوى لصيانة ذاتي من أجل أن أبدع بكل حرية. فالإبداع ليس مسؤولية فحسب بل واجبا . لذلك فوجودنا أحوج ما يكون إلى التيهان وإلا فما الجدوى منه ؟ ٭ لماذا غدا صعبا على المرء اليوم، أن يكون كاتبا أو فنانا أكثر من أي وقت مضى ؟ - لسبب في غاية البساطة هو: كون الكتب لم يسبق لها أبدا أن لقيت إقبالا مثلما ذاك الذي تلقاه المنتوجات التسويقية. لعل أصحابها هم ضحايا نظام شمولي غير قاتل حيث يكون عملهم خاضعا لنمطية ما، كما لمعايير حكم جماعية ولمقاسات واستراتيجيات. فعلينا نحن الكتاب والفنانين أن نتخلص ما أمكن من تلك الرغبة الدائمة في نيل الاعتراف (الشهرة) . لكن الضغط أقوى حتى أن الأغلبية سرعان ما تقع في الفخ، سيما وأن السوق في حاجة إلى النجوم والجمال التافه كما إلى التسلية. لكن البعض منا مع ذلك سقط في الفخ بمحض إرادته على اعتبار أن المكافأة الإعلامية والتجارية تأخذ شكل معتقل ذهبي فخم. ينبغي أن ندرك جيدا بألاعلاقة منطقية تربط ما بين مؤلف ما وما لقيه من شهرة إعلامية. فقبل أن أنال حظوة الشهرة الغريبة هاته، من لدن أكاديمية «ستوكهولم». في سن يناهز الستين، كان عدد قرائي ضئيلا للغاية. أما الناشرون الكبار فكلهم كانوا يرفضونني. لقد رسمت كما كتبت كثيرا لكن دون أن يكون لي جمهور واسع ، ولا قراء كثر. وهذا لا يزال ينطبق علي حتى اليوم فإذا انعزلت عن الآخرين ، فليس إلا من أجل أن أستمر في الكتابة بشكل أفضل وأن أرسم وأسجل الأفلام مادام بجعبتي الشيء الكثير. إن حزنا ينتابني وعلي أن أفصح عنه، وكل حظوظي في المقدرة على الإبداع إنما تعود إلى هذا النوع من التزهد الذي طالما فرضته على نفسي لا إلى شيء آخر. ٭ هل أنتم هنا بمرسيليا مرتاحون ؟ - لما اقترح علي عمدة المدينة وصديقي الكاتب والناشر بمرسيليا، «سلفاتور لومباردو» Lombarado Salavatore أن أشتغل هنا لمدة سنة، قبلت الاقتراح، لأنهم خولوني الصلاحيات كلها. وذلكم هو ما كنت أرغب فيه بالضبط: إطار عمل، لإنجاز إبداعاتي الفنية ـ لقد عرضت إلى حدود شهر يوليو «٣٠٠٢»، «تيهان العصفور» بالخيرية القديمة، وهو عبارة عن لوحة جدارية، طولها ستون مترا ـ إذ كتبت هنا، نصا مسرحيا تحت عنوان «الراغب في الموت» كما أنني حاليا بصدد إنهاء أول فيلم لي وهو عبارة عن ورشة سينمائية ذات خصوصية فريدة عنوانها المؤقت هو «الخيال ولما لا الظل» . ٭ ما مضمون ذلك ؟ - إنني، في الواقع، أحاول أن أبني قصة معاصرة من خلال الصور. إنني أسجل على نحو رقمي فيلما هو في آن واحد، شريط شعري وثائقي وتصور ميتافيزيقي يدور حول مسألة كثيرا ما شغلتني هي : مسألة قلق المبدع إزاء هذا العالم المعاصر القائم على أساس العبث والهشاشة. إن هذا المشروع لمؤلم ويردني مريضا . ٭ هل بوسعكم أن تتكلموا لنا عن تلك الطريقة الأكثر فرادة التي تسلكونها أثناء اشتغالكم على مسرحية أو مشهد ما ؟ - هنالك أولا وقبل كل شيء مسألة الممثلين، فتصوري العائد إلى إعجابي بممثلي المسرح الشرقي، يقوم على اعتماد ثلاثة مستويات أثناء اللعب، ثمة بداية الأنا Moi Le (الكائن الحي)، الممثل (نوعيته) ثم أخيرا الدور. (أي الأنا Je الأنت Tu الهو . il) فأثناء العملية التي يحاول فيها الممثل أن يلعب الدور المنوط به، ثمة لحظة وسيطة أسميها بلحظة الممثل المحايد . neutre L'acteur فخلال العرض أو المسرحية ، ليس الشخص ولا الفرد هو الذي يظهر بل، وعلى نحو مباغث، « الممثل المحايد ». إذ يتقدم قائلا : « لاحظوا كيف ألعب دوري! » وفي هذه اللحظة يكون الممثل هو من يتقمص دوره مغمورا بالمتعة والفرح اللذين لامحيد له عنها من أجل التواصل مع جمهوره. الحقيقة أن أصعب ما يكون هو الدفع بالممثل إلى التحرر من القواعد الأكاديمية الهدامة.لذلك أقول للمشتغلين معي في بداية النهار «دعوا كل شيء! انسوا كل شيء!» فما أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم حتى تجدهم أكثر إنصاتا. ٭ وما الذي استفدتموه من خلال هذه التجربة الفنية الجديدة ؟ - إكراها إضافيا، لكنه إكراه مرغوب فيه ومنشود. أريد أن يكون كل من السناد، اللوحة، الكاميرا والمسرحية والقصة هو ما يخدم المشروع لا العكس. لهذا السبب أشتغل على الأفلام السينمائية ، لكن علي أن أؤكد بأنه إذا ما كانت التقنية الرقمية تسهل علي مأمورية العمل، فمشاعري من ناحية أخرى قد أنهكت جراء رهانات الإنتاج سواء منها المالية أو الإدارية أو التقنية. وكل ذلك يفوق طاقتي. ٭ في نهاية المطاف وحدها الكتابة تصل بكم إلى حيث أنتم راغبون. ـ بشكل ما ، اجل . ولربما أيضا لأنني أمارسها على نحو مغاير للآخرين. فأنا على سبيل المثال لا أعير أدنى اهتمام لا للإشكالات اللسنية ولا النحوية ولا التركيبية. كل ما يهمني إنما هو ذلك الصوت الجواني الذي أنصت إليه حتى عندما لا أنبس ببنت شفة. إذ أكتب وأنا أتكلم عبر آلة تسجيل بحيث تكلمني «هذه الموسيقى» وتسعفني على بناء جملي. لعل السؤال الوحيد الذي يشغلني أصلا إنما هو ما إذا كانت اللغة معبرة كفاية للبوح بهذا الوعي الباحث عن ذاته. لكن الأمر يختلف تماما عندما أرسم، إذ علي قبل كل شيء آخر أن أتخلص من جوانيتي . ووحدها الموسيقى تسمح لي بذلك، جان سيباستيان باخ Jean-Sébastien BACH بالخصوص وستيف رايش Steve Reich في الوقت الراهن. إن للصدى والأصوات أهمية قصوى إذن في إنجاز أعمالي. ٭ ما الذي يعنيه بالنسبة إليكم التعليم الفني المرصود لكل هؤلاء الشبان الراغبين، من خلال المعاهد والكليات، في احتراف الرسم أو المسرح والتمثيل؟ - إنه لأمر يخيفني. أخشى فبركة العقول عبر الإوالية الجهنمية للمناهج . فالالتباس عام وكلي مابين التعليم والتلقين الضروريان ومابين مسألة ما إذا كان بحوزة الفنان ما يقوله. وإذا كان الحال كذلك، فالشغل الشاغل بالنسبة لكل فنان إنما هو البحث أحيانا في سياق معاناة نفسية مادية وعاطفية عن حريته المطلقة. يكمن حظ الكاتب أصلا في انعدام مدرسة تصنعه. فليس ثمة غير ناشرين يصلونه بثلة من القراء. ٭ كثيرا ما صرحتم بأنكم تعيشون على «هامش العالم» هل يصح الأمر حتى اليوم ؟ - هذا ما لاشك فيه. فأنا أوجد جسديا وباطنيا مابين الطبيعة والناس. لكن ألاحظ سهولة ويسرا في تواصلي مع الطبيعة أكثر منه مع الناس. هوامش ١- أشغال ندوة الايطيقا والاستيطيقا المنظمة بتاريخ ٦ دجنبر بمرسيليا بمناسبة الاحتفاء بـ Gao xingjin منشورات ترانسبور دور مرسيليا ٣٠٠٢. ٭ عملية بها تتأمل الذات كل ما يجري في الذهن (م). ٭ .4002 ,liueS .dé ,euqiroéht setxet , emsi snaS المرجع : 4002 mars 924n Magazine Littéraire |
|||||
|
|||||