|
تبدو
لحظة سقراط /
افلاطون /
ارسطو لحظة
شديدة
الأهمية في
تاريخ
الفلسفة
الاغريقية،
فهي من جهة
اللحظة التي
شهدت
اصطداما
جذريا بين
المنظومة
الشفافية
العريقة في
التاريخ
الاغريقي،
محنكة
بالمرويات
الأسطورية
والملحمية
والتصورات
الفلسفية
الأولى - وهو
الأمر الذي
كان قد تجلى
من خلال
ملاحم
هوميروس
ومنظومات
هزيود
الشعرية،
وشذرات
الايونيين
والايليين _
وبين
المنظومة
الكتابية
الناشئة
لتوها على يد
افلاطون
وارسطو
والتي لم تكن
قد امتدت
وتوسعت
لتشمل كل
مظاهر
الانتاج
الفكري
آنذاك.
وهي من جهة
ثانية، شهدت
أولى
ممارسات
الإقصاء
والاستحواذ
التي تعرضت
لها معظم
التصورات
الفكرية
التي سبقت
أرسطو،
حينما قام
هذا الأخير،
بإقصاء ما لا
يتناسب
وسياقاته
الفلسفية،
والاستحواذ
على تلك
الأفكار
المتناثرة
التي توافق
سياقاته.
وتكشف هذه
اللحظة أيضا
التدرج
الواضح في
ثلاث مراحل
أساسية
جمعتها حقبة
تاريخية
واحدة:
شفافية
سقراط،
وكراهية
أفلاطون
للكتابة،
وظهور أولى
بوادر
التفكير
الكتابي
المنظم على
يد أرسطو.
وبغض النظر
عما كانت
تعبر عنه
الوسائل
الشفافية
التي ظهرت
قبل
افلاطون،
وارسطو،
وعما عبرت
عنه الوسائل
الكتابية
لديهما، فان
تلك الوسائل
بذاتها،
شفافية أو
كتابية، لها
آلياتها
الخاصة التي
تقوم على
درجات
متباينة من
دمج
الافكار،
واقصائها
وادراجها في
سياقات
مختلفة
دلاليا بفعل
الاطراد
متواصل
التغيير في
الفكر
الشفاهي وكل
ذلك يلزمنا
الوقوف على
هذه اللحظة
التاريخية
الفلسفية
وقفة حذر
وتأن ونقد،
وبخاصة ان
العقل
الغربي جعل
هذه اللحظة
ذاتها أهم
الأصول
الكبرى
لتصوراته
ووعيه. لقد
سعى تاريخ
الفلسفة
الغربية،
بتأثير من
منهج "الوحدة
والاستمرارية:
الى أن ينظر
بطهرانية
الى فلاسفة
الا غريق
ومأثوراتهم
ومارس ضغطا
لا يضاهى من
أجل بث روح
الوحدة
والتماسك
والاطراد في
أفكارهم،
وهو أمر
بحاجة الى
إعادة نظر
شاملة بكل
الأسس
والمعايير
التي قام
عليها. أشرنا
في مبتدأ هذه
الفقرة الى
الأهمية
الاستثنائية
لما أسميناه
لحظة سقراط /
افلاطون /ارسطو،
وهذا
الاصطلاح
مجازي
بالطبع،
لأنه في
حقيقته يمتد
طوال أكثر من
قرن، وهي
المدة
الزمنية
التي تكشفت
فيها
الممارسة
الفكرية
للفلاسفة
الثلاثة
المذكورين،
التي غطت
القرن
الرابع قبل
الميلاد،
وجانبا من
القرن
الخامس اذ
عرف سقراط.
ومبعث تلك
الأهمية
فضلا عما
ذكر؟
الانكسارات
الجوهرية
الشديدة
التي عرفها
التفكير
الفلسفي،
فقد ظلت –على
الأرجح –
الأفكار
سابحة في
فضاء
المشافهة
منذ ظهور
التأملات
الأولى على
يد طاليس (حوالي
624- 546ق.م)
الى سقراط (469 –
399ق.م)،
ثم جنحت الى
شاطىء ذلك
الفضاء على
يد افلاطون (427-
347ق.م)،
واندرجت في
سياقات
البواكير
الأولى
للتدوين
الفلسفي
الكتابي على
يد ارسطو (384-322ق.م)،وهنا
علينا أن
نشدد، ان
التغيرات
التي تتعرض
لها الافكار
في ظل
المشافهة،
لا تقل عن
تلك التي
تتعرض لها
حينما تصاغ
صوغا أدبيا
يقوم على
استحضار
المرجعيات
الشفافية،
كما هو الأمر
في محاورات
افلاطون،
وفي الوقت
نفسه، ينبغي
أن نؤكد أن
التدوين هو
الآخر، كما
ظهر في
المدونات
الأرسطية،
لا يقل خطرا
عن ذلك، فهو
من ناحية
يخضع آراء
متناثرة
لسياق
ممارسة
عقلية
مختلفة وهو
من ناحية
أخرى، يسمح
لمقتضيات
التفكير
الكتابي
وشروط
الممارسة
الكتابية
واجراءاتها،
ان تمارس
قهرا
واكراها ضد
التأملات
الأولى
المعبر عنها
بصيغ لفظية
موجزة
ومكثفة وهي
التي تعرف
الآن بـ "الشذرات".
واذا كان
تاريخ
الفلسفة قد
ثبت الفضل
لأرسطو
بوصفه أول من
أرخ
للفلسفة،
فان الدراسة
الموضوعية
الاستقصائية
القائمة على
المقارنة
والوصف،
تكشف انه لم
يكن يؤرخ،
بالمعنى
الذي يفهم من
الفعالية
التاريخية
المجردة،
فقد كان
ارسطو يقصي
ويدمج في آن
واحد، ما
يتعارض وما
ينسجم مع
منظومته
الفلسفية،
وهو أمر يفضي
الى أن
الافكار
التي ظهرت في
السياقات
الارسطية
الجديدة غير
متصلة
بسياقاتها
الاصلية،
ناهيك عن ان
تلك
السياقات
بافتراض
وجودها
فانها خاضعة
لمرجعيات
شفافية، أما
ما يتعارض مع
السياقات
الارسطية
فقد أقصي
واختفى
لأسباب
تتعلق
بمعارضة
المنظومة
الارسطية
له،
ولضرورات
اجرائية
يقتضيها
الخطاب
المكتوب،
وأما ما وجد
له مكانا في
نسيج ذلك
الخطاب، فقد
اندمج في صلب
التفكير
الاوسطي،
وأصبح جزءا
منه، يتصل به
أكثر مما
ينتمي لغيره –
وسنقف على
استراتيجية
الإقصاء
والاستحواذ
هذه فيما بعد
–
أما الآن،
فينبغي أن
ينصرف
اهتمامنا
الى البحث
فيما ينسب
الى
الفلاسفة
الأول من "مؤلفات
مكتوبة" وهو
أمر يروج له
في أوساط
مؤرخي
الفلسفة
الاغريقية،
دون قرينة،
سوى تأيد
أقاويل
القدامي،
الذين يحوم
الشك حول
اطلاعهم على
أي من تلك "المؤلفات
المفقودة". يسمى
نتشه ( 1844 - 0 190)
الفلاسفة
الأيونيين
والايليين
والأثينيين
الذين ظهروا
آبان
القرنين
السادس
والخامس قبل
الميلاد،
بأنهم "المعلمون
القدامي" و"النماذج
الصافية"
ويصفهم
بانهم
يؤلفون "جمهورية
العباقرة" (1)،
وتفصح
التسمية عن
طبيعة
الحنين الذي
يشده الى
أولئك "الصفوة"،وهو
حنين جارف
وولائي خطير
يضفي تصورات
آنية وذاتية
على رجال ركب
لهم نتشه
صورة شفافة
تعبر عن
رؤيته لعصر
مضى عليه
خمسة وعشرون
قرنا، أكثر
مما تعبر عن
حقيقة ذلك
العصر،
وأولئك
الرجال.
وتتكشف
أبعاد هذا
الضرب من
الإكراه،
حينما يعلن
انه سيدرس
الفلاسفة
الأول
بوصفهم
مجتمعا
منسجما (2)
وهو
قرار يرجح
نوع التصور
الذي يراد من
خلاله انتاج
الماضي، لا
بيان الماضي
نفسه، وكل
هذا يدفعنا
الى الوقوف
على ذيول
العصر
الشفاهي
الذي شهد
أولئك
الفلاسفة
فصله
الأخير، وان
ظلت بقاياه
حاضرة في
نسيب
التفكير
الاغريقي
الى عدة قرون
لاحقة. يؤكد
بوهييه: انه
من العسير أن
نحدد
الأهمية
والدلالة
الدقيقة
لتيار
الافكار
الذي شق
مجراه في
ملطية في
القرن
السادس ق C. فمن
بين
الفلاسفة
الملطيين
الثلاثة
الذين
تعاقبوا على
المدينة،
وكانت عصرئذ
أقوى حواضر
آسيا الصفري
اليونانية
وأعظمها
ازدهارا، لم
يكتب الأول
منهم عن
طاليس شيئا،
ومعرفتنا به
ندين بها
لمأثور لا
يرقى الى ما
قبل ارسطو،
أما
الفيلسوفان
الآخران
انكسيما
ندرس
وانكسيمنس
فقد ترك كل
منهما كتابا
نثريا، صار
يشار اليه
فيما بعد
بعنوان في
الطبيعة
ولكننا لا
نعرف عنهما
بدورهما
شيئا الا عن
طريق ما ذكره
عنهما أرسطو
وكتاب
مدرسته (3).
وهذا
التأكيد
يوافق أغلب
التوصلات
الخاصة
بتاريخ
الفلسفة
الاغريقية
التي تؤكد
انه ليس أمام
مؤرخ
الفلسفة
القديمة،
ولاسيما
الحقبة
المتقدمة
على سقراط،
الا
الإعتماد
شبه المطلق
على مراجع
ثانوية
متأخرة.
وعلى الرغم
ان المصادر
القديمة
تنسب الى قسم
كبير من
قدماء
الفلاسفة
اعدادا
متفاوتة من
المؤلفات،
فلم يصلنا في
معظم
الأحوال الا
شذرات
متناثرة
لبعضهم وردت
غالبا في
تضاعيف
مؤلفات
أرسطو، وهو
الامر الذي
دعا
الكثيرين
الى وصفة
بانه "أول
مؤرخ
للفلسفة"،
الا أن
تلميذه
ثيوفراسطس (ت
286ق.م)،
تبسط في عرض
بعض آراء
القدماء في
الطبيعة.وهنا
تبدو
الاشكالية
مركبة، ذلك
ان مؤلفات
ثيوفراسطس
نفسه قد
فقدت، ولم
يصل الينا
منها الا نزر
يسير (4)، هو
بدوره مبتسر
وغير كاف على
الإطلاق
للتحقق من
السياقات
التي وردت
فيها تلك
الآراء. ومن
الطبيعي ان
تتضاعف
الإشكالية
مع مرور
الزمن، ذلك
ان المراجع
المتأخرة
التي ظهرت
بعد قرون،
والتي تعرضت
هي الأخرى
للطمس
والاختفاء،
أقامت
تصوراتها
ونتائجها
على مؤلفات
مجهولة.
وثمة وجه آخر
لهذه
الاشكالية:
فالمدونات
المتأخرة
التي يفصلها
زمن طويل جدا
عن عصر أولئك
الفلاسفة،
لا تورد
الآراء في
سياق عرض
تاريخي
متدرج تهدف
منه الى وصف
تطور
الأفكار
الفلسفية،
انما تذكرها
في معرض
السجال
الفلسفي،
تأييدا لحجة
أو رفضا لها،
وهو أمر يلمس
بوضوح في
المدونات
المنسوبة
لفلوطارفس (ت
124م)
وامبرايكوس (أواخر
ق2م)
وكليمنتس
الاسكندراني
(ت 218م) وهيبو
لتيوس (ق 3م)
واستوبايوس (ق
5م) وديوجنس
اللائرسي (ق 8م)
وهذه
المدونات
بما تحتويه
من الأخبار
غير
المحققة،
تماثل ما
أورده في هذا
الصدد كل من
شيشرون (ت 53م)
وجالينوس (ت 200م)
والقديس
أوغسطين ( 354- 430م).
وتنطبق صفة
عدم الدقة
والخلط على
المؤلفات
الخاصة
بشروح
أرسطو،
ومنها شروح
الاسكندر
الافروديسي (ق
2م) ،
وثيمسطيوس (ت
287م)
وفيلوبونوس
(5) (ت 586) وهؤلاء
وأولئك
يضمنون
مدوناتهم
مرويات
متفرقة لا
جامع بينها
مستمدة من
أصول لا وجود
لها، ولا
يصار في
الغالب الى
ذكرها.
ونادرا ما
يذكر بعضها
عرضا ولكن
ليس في سياق
الأخذ
الوثيق
عنها، ولا في
سياق العرض
المفصل
الأمر الذي
يذوب تلك
الآراء
المتناثرة
في نسيج يبدو
شديد
الاختلاف
عنها. يعلل
بعض
المؤرخين
ذلك بأنه من
عوارض
الزمن، وكأن
ثمة "حقيقة"
طمستها
عوادي الدهر
وأتت عليها،
ولكن
التواتر
المطرد في
ذلك، وظروف
التأليف
القديم الذي
يردد صيفا،
بوصفها جزءا
من تقاليد
الرواية لا
يبعث على
الاطمئنان
الى شيء مما
ينسب الى
الفلاسفة
الأوائل،وحتى
الشذرات
المنسوبة
اليهم، انما
هي صيغ لفظية
شفافية تعبر
عن آراء
متفرقة في
موضوعات
عملية، صيفت
بإيجاز
ليسهل
استرجاعها
وقت الحاجة،
وهذه الصيغ
هي الوسيلة
الأساسية في
الحقبة
الشفافية،
قبل أن يظهر
التدوين،
وتصبح
الوسائل
الكتابية
معروفة في
تقييد
الأخبار
والأحداث
والتعبير عن
الأفكار (6).
وواقع
الحال، ان
الامر
الاقرب الى
الصحة هو
انهم لم
يدونوا
أفكارهم
وآراءهم،
لأن الكتابة
لم تكن قد
أصبحت شائعة
بما يكفي
للنهوض بهذه
المهمة،
فضلا عن
قصورها في أن
تصبح في تلك
المرحلة
وسيلة تفكير
في مضمار
شديد الدقة
والجدة.
وهذه
النتيجة
تتعارض مع
بعض ما توصل
اليه
المؤرخون من
فقدان
مدونات
القدماء (7)
الا ان حجتها
تاريخية، اذ
أن سقراط
نفسه، لم
يلجأ الى
تدوين
أفكاره، ومع
أن له أسبابه
كما سنرى،
الا أننا نرى
أن من بينها
عدم تطور
الأساليب
الكتابية
وغرابة هذه
الوسيلة في
عالم شفاف
بتواصله
الشفاهي
المباشر، بل
أن سقراط قد
خصص جانبا من
فلسفته
لمعارضة تلك
الوسيلة
الغريبة
والجديدة
التي "تكفن"
الحقيقة
اللفظية.
فاذا كان هذا
التصور
شائعا في زمن
سقراط يصبح
أمر قبول
الاستعانة
بالكتابة
قبل ذلك
بحوالي
قرنين أمرا
صعبا. يضاف
الى كل هذا
أن طبيعة
الشذرات،
بوصفها صيفا
لفظية معبرة
عن أفكار
حياتية
مستمدة من
الخبرات
والتجارب
الشخصية
صيفت لتكثف
مضامين
معينة،
الأمر الذي
جعل منها
امثالا، لا
تأكف وطرائق
الاسترسال
الكتابي،
فالشذرة
بوصفها وحدة
لفظية كيان
تداولي
شفاهي لا
يحتاج الى
خزن إلا في
الذاكرة
لاستدعائه
وقت الحاجة،
ومنها ما
أورده
أفلاطون مثل:
:أعرف نفسك" و
"لا تسرف" و "الاصلاح
عسير". ولا
تنم الشذرات
المنسوبة
لطاليس
وانكسماندرس
وانكسمانس
وفيثاغورس
وهيرقليطس
وبارمنيدس
وغيرهم عن
حاجة لأن
تكون مدونة،
وواضح
الاسراف
والتعسف في
ادخال بعض
الشذرات في
سياقات لا
علاقة لها
بها. ولنقف
على أحد أشهر
الأمثلة
وضوحا، الا
وهي شذرات
هيرقليطس
التي جمعت من
المظان
وصنفت وحللت
واستأثرت
باهتمام
كبير فقد وجد
هيدجر (1889-1976) الى
انها مزق من
عبارات
مبتورة،
وكلمات
متفرقة
تفتقر الى
السياقات
الخاصة بها،
وان مقاصد
المفكرين
المتأخرين
هي التي تحدد
اختيارهم
لها،
وطريقتهم في
اقتباسها
ولو تأملنا
مواضع هذه
الشذرات في
كتابات
المؤلفين
المتأخرين،
لوجدنا أنها
لا تظهر الا
في خدمة
السياق الذي
وردت فيه،
مما يؤدي الى
غياب
سياقاتها
الأصلية،
ولهذا يخلص
هيدجر الى أن
الشذرات لا
تكشف
الملامح
الأساسية
لتفكير
هيرقليطس،
وما يرجح
ذلك، ان بعض
تلك الشذرات
أوردها
كيعنس
الاسكندراني
في سياق
التصور
المسيحي
للإشكاليات
اللاهوتية
الخاصة به،
إثر انقضاء
سبعة قرون
على العصر
الذي يفترض
أن هيرقليطس
قد عاش فيا،
وذلك يكشف
درجة التعسف
في دمج
الشذرات في
سياق أفكار
لا علاقة لها
بها، كما
توصل هيدجر
الى ذلك،
مبرهنا على
فداحة خطأ
التفسير
اللاهوتي
لشذرات
هيرقليطس (9). إن
تحليل
الشذرات
المنسوبة
للفلاسفة
القدماء
يبين انها
صيغ شفافيه
جاهزة، حبلى
بالحكم
العملية
المركزة (10)،
وهي تتسق
وصيغ
التعبير
المألوفة في
المراحل
الشفافية،
ومن هذه
الناحية،
فهي لا تعد
وسائل طارئة
أو غريبة،
انما على
الضد من ذلك
فهي تندرج في
سياق
الوسائل
المهيمنة
المعتمدة
للتعبير في
الثقافات
الشفافية،
لأنها تشكل
مادة الفكر
الشفاهي
ذاته، ذلك
الفكر الذي
يستحيل في أي
صورة متصلة
من دونها
لأنه يتكون
منها (11)، وهو
أمر يصح على
معظم أدوات
التعبير
الشفاهي،
فالقوانين
نفسها، في
الثقافات
الشفافية
مكنونة في
أقوال
صيفية، وما
يميزها،
انها شديدة
الالتصاق
بعالم
الحياة
الانسانية
وتقوم بمهمة
تخزين
التجارب
والتأملات
والتصورات،
ذلك أن
المفاهيم
ذاتها كانت
تستخدم في
أطر شديدة
الاتصال
بالمواقف
والاجراءات
اعتمادا على
مرجعيات
ضئيلة
التجريد،
بمعنى أنها
تظل قريبة من
عالم الحياة
المعيشية.
وهو أمر تتصف
به الشذرات
المعبرة عن
انشغالات
عملية في
شؤون الحياة
والطبيعة
والكون.
واذا أخذنا
في الاعتبار
شذرات
هيرقليطس
مثالا على
ذلك نجد تلك
الصفة واضحة
فيها، فقوله
"طابع
الانسان هو
قدره"، و "خير
للناس الا
يحصلوا على
كل ما
يرغبونه" و "أواه
من أولئك
الذين لا
يعرفون كيف
ينصتون أو
كيف يتحدثون"
و "إن العيون
شهود أكثر
عدلا ودقة من
الآذان" (12)،
إنما هي
اقوال تعبر
عن افكار
مباشرة لا
ترتفع عن
الواقع،
ويعود ذلك
الى أن
التفكير
العقلي لم
يكن قد انتقل
بعد الى طور
تجريد
القضايا
التي يفكر
العقل بها،
وحسب "هافلوك"
فان
اليونانيين
قبل سقراط
فكروا في
العدالة
بطرق عملية
أكثر مما
فكروا فيها
على هيئه
مفاهيم
صورية (13)، وفي
مرحلة
شفافية
الإرسال
كالتي نتحدث
عنها، من
الطبيعي ان
يعبر عن
الفكر بصيغ
اختزالية
تنهض بمهمة
تكثيف
الأفكار
وخزنها في
الذاكرة،
واذا نظرنا
الى الشذرات
من زاوية
كونها حوامل
فكرية، نجد
أنها لا
تجهزنا
بالتحليل
الموضوعي
للظواهر
التي تشير
اليها، انما
كمح وبوساطة
الإيحاء الى
بعض
التصورات،
وعموما فهي
توافق تماما
الصيغ
السائدة في
الثقافات
الشفافية
التي تتصف
بأنها
تجميعية
وتأملية
وانطباعية،
وهي خصائص
تتجلى في
الأقوال
المأثورة،
وكل هذا
يقودنا الى
التأكيد
الآتي: وهو
انه من الصعب
عد الشذرات
حوامل
متماسكة
للحقائق
الأولى التي
فكر بها
العقل
تجريديا.
ومبعث الأمر
وراء عدها
أصولا
للفلسفة
الاغريقية،
هو فضلا عن
ايحاءاتها
الغزيرة
المباشرة،
تعرضها
للإكراهات
الكثيرة
والمتنوعة
بوساطة
الاندماج
غير المسوغ
في سياقات
لاحقة لها
مرجعيات
مختلفة.
وتتأتى
صعوبة معرفة
المرجعيات
التي تحتضن
الشذرات من
الجهل في
معرفة طبيعة
الفكر
واشكالاته
في حقبة
شفافية،
وبخاصة ان
نظام
التفكير
الحديث قد
استبدت به
المرجعيات
الكتابية،
وتعطلت فيه
القدرة على
التحسس
الصحيح
لإشكاليات
حقبه
تاريخية لا
نملك عنها
تصورا دقيقا.
وحسب أونج (14)،
فان
مرجعياتنا
التصورية
المرتكزة
الى الوسائل
الكتابية،
تقضي كثيرا
مما نجهله،
لأنه لم يدخل
في وعينا
بوصفه
موضوعا
للتحليل،
وبافتراض
دخوله، فإنه
سيخضع مظاهر
فكرية
انتجها نظام
شفاهي،
لسياقات
لاحقة هي
وليدة
النظام
الكتابي في
التفكير
والتصور
والفروض
والاستنتاج،
ذلك إن
المجتمعات
قد تشكلت
شفافيا ولم
يصبح بعضها
كتابيا الا
في زمن متأخر
جدا، ووجه
الصعوبة هو
كوننا لا
نستطيع ان
نفهم عالما
شفاهي
التواصل، أو
شفاهي الفكر
الا بوصفه
صورة أخرى من
عالم كتابي
ألفناه، ذلك
أن سيطرة
النصية على
عقول
الباحثين
سيطرة
محكمة، تتضح
من خلال
افتقارنا
الى اليوم
لمفاهيم
تعيننا على
فهم دقيق
لمكونات
الحقبة
الشفافية،
ويخلص أونج
الى القول أن
الأشخاص
الكتابيين
الخلص يجدون
صعوبة شديدة
في تخيل
ماهية
الثقافة
الشفافية
الأولية. عرف
عن سقراط ذم
الكتابة
ومقاومتها،
وهو أمر يرجح
غياب
الممارسات
الكتابية
الفعالة قبل
عصره، وهو
أمر يخفف من
شدة التحمل
المبالغ فيه
في عد
الأفكار
التي سبقت
سقراط أصولا
متماسكة
للفكر
الاغريقي
والغربي
عامة
والتذرع
بفقدان
الآثار
المدونة،
وهي ظاهرة
رافقت تاريخ
الفلسفة
المكتوب،
وهي تختزل
حقيقة
السياق
الثقافي
الشفاهي،
والأرجح ان
الكتابة لم
تكن قد
استكملت
شروطها
الذاتية
لتكون وسيلة
تعبير عن
الأفكار
التي كانت
تمور في
أذهان أولئك
الرجال،
خلال
القرنين
الخامس
والسادس قبل
الميلاد. يبدو
الوقوف على
الأفكار
المنسوبة
الى سقراط (469-399ق.م.)
أشد تعقيدا
من الوقوف
على أفكار
الذين
سبقوه، ذلك
إن أشكال
التعقيد
تصبح مركبة،
اذا تبين لنا
موقفه من
الكتابة،
ومفهومه
للحقيقة
الفلسفية،
الأكثر من
ذلك اذا
اتضحت لنا
شخصية سقراط
الفكرية،
وهي شخصية
لايمكن
الجزم بأي
شيء خاص بها،
لأنها
اقتصرت على
ممارسة
الفكر
بوساطة
الحوار الحي
الشفاهي
المباشر
وحده (15)، وقد
ذهب بنى
المؤرخين
الى أن شخصية
سقراط
خرافية
ابتدعها
خيال
افلاطون
وارسطو فان
ولاسيما انه
ليس في
حوزتنا
مراجع مؤكدة
عن حياته غير
الصور
المسرحية
والحوارية
التي يظهر
فيها سقراط
متصدرا
المناقشة في
أغلب
الأحيان،
كما تمثل ذلك
في محاورات
افلاطون،
ومن يدفعه
الفضول
العلمي
للاستفاضة
في عرض
آرائه، التي
يفترض أن
تكون منسوبة
اليه حقيقة،
فانه "يحتاج
الى اثبات
غير متوفر" (16).
وعلى الرغم
من كل هذا،
فان مرحله
التطور
الفكري
الاغريقي
فرضت ظهور
سقراط، لأنه
يمثل حدا
فاصلا بين
مرحلتين من
التطور
الفكري،
ويخلص
أبوريان الى
أنه سواء كان
سقراط شخصية
حقيقية أم
خيالية، فلا
مناص من أن
يكون ثمة
سقراط (17). وعلى
هذا، فان
سقراط الذي
جعل اسمه
محورا
لتقسيم
تاريخ
الفلسفة
اليونانية
كلها بقي هو
نفسه من غير
تاريخ
واضح،لأنه
لم يترك أثرا
مكتوبا يدل
عليه، ويلف
أفكاره
غموض،
لكونها
متواترة في
الروايات،
ولا نعلم عن
تلك الأفكار
الا ما ورد
في
المحاورات
الافلاطونية،
لأنه، كما
تجمع
المصادر لم
يخضع تلك
الآراء
للتدوين (18)،
وهو من اشد
دعاة
المشافهة في
الفكر
القديم، وله
آراء واضحة
فيها سنقف
عليها لاحقا. الى
جانب الشكوك
التي تحيط
بسقراط
وأفكاره،
ثمة مشكلة لا
تقل أهمية،
وهي المصادر
التي حملت
الينا تلك
الأفكار،وهي
مثار جدل
واختلاف
شديدين،
بسبب اختلاف
المقاصد
والأهداف
التي يظهر
سقراط فيها. وعموما
ثمة مصدران
أساسيان
لهما
الأهمية في
هذا الموضوع:
أولهما
المحاورات
الافلاطونية،
اذ يظهر فيها
سقراط
مجادلا
ومدافعا عن
الحقيقة
التي يبشر
بها، وهذا
المصدر
يكتسب أهمية
استثنائية،
لأنه من وضع
افلاطون.
وثانيهما
المذكرات
المنسوبة
الى
أكزينوفون،
الى جانب
الصورة
المسرحية
الساخرة
لسقراط في
مسرحية "السحب"
لأرسطوفان. لقد أثارت المحاورات الافلاطونية جدلا خصبا وعميقا تركز في طبيعة الأفكار المعروضة فيها، وهل هي منسوبة الى سقراط أو أفلاطون، ولأن سقراط هو المتحدث الرئيس فيها، فقد ذهبت الظنون الى انها آراؤه، وكأن أفلاطون "يوثق" فيها آراء الأستاذ، وذهبت ظنون أخرى الى أن أفلاطون "استثمر" اسم سقراط للحديث عما يرده هو، عما يفكر به هو. وهذه الإشكالية التي تثيرها المحاورات الافلاطونية في مصادرها وطبيعتها ومقاصدها ستكون مثار اهتمامنا هنا، لأن وجهة النظر الخاصة بهذا الموضوع وطبيعة التحليل هي التي ترجح هذا الأمر على ذاك أو العكس. ويرى باحثون كثر ان المحاورات الافلاطونية تفصح ان سقراط ينطق فيها "بعقائد افلاطونية خالصة، ما كان يمكن أن يحلم بها سقراط الحقيقي التاريخي". ومن ثم فلا امكانية لتأكيد أي قدر حقيقي من أفكار سقراط، بيد أن ستيس يتحفظ على هذا الرأي ويعارضه، ذاهبا الى أن محاورات افلاطون الأول، كتبت قبل ان يطور مذهبه الفلسفي، وبالتحديد حينما كان معبرا أحسن تعبير عن مذهب أستاذه، إذ تظهر الشخصية السقراطية المثالية، وعلى الرغم من اقرار ستيس ان المحاورات ليست سيرة ولا تاريخا وأنها تختلق مواقف خيالية لاوجود لها، فانها فيما يرى "تحتوي على لب وقلب فلسفه سقراط"، وهو امر سيقتضي منا تفصيلا وافيا فيما بعد. أما مذكرات اكزينوفون، المقرب الى سقراط والمعجب به، فانها لم تتعامل معه كشخصية فلسفية، بل عنيت بما يفترض ان يكون البعد الواقعي البسيط لشخصيته، فظهر مبتذلا عاديا، ومناقضا تماما للصورة الافلاطونية، مما يعارض الأهمية التي ينبغي أن تكون عليها شخصية خطرة مثل سقراط (20) ويصل التباين. أقصده بين التصورين المقدمين حول سقراط، فغيما يظهر مجالدا في دفاعه عن الحق والعدل والعقل في محاورات افلاطون، يظهر وضيعا في مذكرات اكزينوفون، وفي الوقت الذي لا يستبعد فيه أن جهل اكزينوفون كان له أبلغ الأثر في الحط من شأن سقراط المفكر، فان المبالغة التي أضفاها افلاطون على سقراط لا تقل خطرا عن تقليل الآخر من شأنه.وحسب وورنر فان البيانات في هذين المصدرين لا تزودنا بمعرفة يقينية عمن يكون سقراط في الواقع (21). اما الصورة التي ظهرت في مسرحية "السحب" التي يتهكم فيها ارسطو فان من سقراط مظهرا إياه زعيما للسوفسطائيين، ناشرا عقائد مفسدة للشباب وهي التهمة التي اصطنعت سببا لتفسير نهايته المأساوية - فلا يستبعد انها من نتاج القواعد المسرحية لفن الكوميديا التي تبالغ في الحط من شأن الشخصيات محاولة تعميق المفارقة للإيهام الفني، وهي أخيرا خطاب أدبي ابداعي يصعب اعتماده مصدرا للتحقق من واقعة تاريخية. هذا ما يمكن اجماله بصدد المصادر التي حملت الينا ما ينسب من افكار الى سقراط، ولما كانت المحاورات الافلاطونية هي - حسب معظم الآراء - الحامل لما ينسب اليه من آراء، فان سياق البحث يلزمنا الوقوف عليها بتأن وتفصيل، محاولين استشفاف الامر، بوساطة الاستنطاق والتحليل |