ظل الماء


عبدالله خميس ( كاتب من عمان)
الى: فرجينيا وولف


الشخصيات:

- فرجينيا

-سوزانا

-جورج / آدم

-رجال من ( ا) الى (8)

[تعتمد المسرحية بصفة عامة على الإضاءة الخافتة، بحيث تهمل بقية أجزاء المنصة حين تنحصر الحركة وبالتالي الحزمة الضوئية على زاوية معينة من الخشبة]

الستار مرفوع منذ البداية، غير أن فضاء المنصة عظم تماما.

- موسيقى كلاسيكية هادئة تنبعث، أقرب ما تكون الى "بحيرة البجع " لتشايكوفسكي في حالة اقتطاع الجزء الملائم من السيمفونية.

- إضاءة خفيفة حيث الخشبة فارغة تماما.

- على الجدار الخلفي للمسرح تنتشر تشكيلات ضوئية تشبه سحبا مبعثرة..

- أقصى اليسار فرجينيا تقف جامدة تماما وهي تنظر نحو الحائط الأيمن للمسرح (حسب أعين الجمهور الافتراضي/، لا يبدو منها إلا مقطع طولي لجانبها الأيمن.. لا يمكن رؤية ملامحها لأن الإضاءة تجعلها على هيئة صورة «سلويت»، غير أنه يمكن ملاحظة أنها ترتدي قميصا وبنطلونا، شعرها منسدل على ظهرها، وجسدها الرشيق صامد بثبات. - أصوات لهاث وأنفاس متسارعة تختلط مع الموسيقى، صوت طبول افريقية يسمع من الخلفية يطو شيئا فشيئا. - في نفس الوقت تبدأ أعلى الحائط الخلفي حركة هلامية للتشكيلات الظلية التي تشبه السحب.

- تصل الموسيقى وضربات الطبول والأصوات اللاهثة حدا لا يطاق من الضجيج.

- التماعة إضاءة شديدة خاطفة فتدور فرجينيا حول نفسها دورة كاملة بسرعة بالغة.

- تظهر على الجدار الخلفي في نفس اللحظة ظلال شياطين لهم قرون مدببة يرقصون ويهزون ذيولهم بأيديهم، وحولهم غابة من أشجار شوكية.

- تتحول الموسيقى إلى الإيحاء بالقلق والترقب، كأن مصيبة تقترب وستنفجر بالمكان عما قريب.

- فرجينيا مباشرة بعد أن أكملت دورتها حول نفسها تمسك رأسها بيديها، وكأن الموسيقى المتصاعدة تسبب لها الصداع، مع ثبات قدميها، يتلوى الجزء الأعلى من جسدها ألما.

- زفرات لهاث عالية جدا ممزوجة بالفزع - لها طابع أنثوي - تشق فضاء المكان.

- الموسيقى تتصاعد منذرة أن الخطر يحدث.

- فرجينيا تنئني إلى الخلف قليلا قليلا - مع ثبات قدميها - كأن قوة جبارة تشد جسدها كالقوس نحو الخلف. - في ذات اللحظات تتميع ظلال الشياطين الراقصة على الحائط إلى بقع ظلية هلامية، تبدأ بالتلاشي في الوقت الذي يتحرك فيه من يمين المسرح ظل رجل على الحائط الخلفي، وهو يفتش عن فريسة يتربص بها شرا.

- فرجينيا - دون أن تشاهد ظل الرجل - تدفع يدها اليسرى نحوه كمن يتقي خطرا أمامه، فيما تشد يدها اليمنى على رأسها بسبب الألم الذي تعانيه من جراء الصداع وانثناء ظهرها نحو الخلف.

- فيما تمد فرجينيأ يدها اليسرى أمامها، تنعكس إلى جوارها على الحائط الخلفي صورة ظلية ليدها الممدودة، بحجم متضخم جدا وأصابع مفتوحة متباعدة. - ظل الرجل ينتبه لظل اليد المزروعة أمامه، ويخيل اليه أنها تسعي للقبض عليه، يناور ليداهم اليد التي أمامه. - الموسيقى تستمر في التصاعد بشدة مثلما هو ظهر فرجينيا يتقوس أكثر ويدها اليمنى تشد شعر رأسها من شدة الألم، فيما زفراتها وأناتها تتعالى.

- ظل الرجل يتخذ وضعية الهجوم كمن ينتوي مداهمة اليد التي أمامه فجأة بضربة قاضية.

- الموسيقى التشايكوفسكية بطبولها الافريقية تتصاعد بالشكل الذي لابد فيه من ان تنتهي بما يشبه "القفلة " التي يصمت بعدها كل شيء.

- فرجينيا عبر الاضاءة "السلويت " تبدو كالقوس تماما ويدها اليمنى تشد شعرها بقسوة.

- تتداخل مع الموسيقى "طقطقة " تشبا تكسر العظام. - يقفز ظل الرجل مداهما ظل يد فرجينيا في ذات اللحظة التي تسحب فيها فرجينيا يدها اليسرى الممدودة امامها لتهوي بها كي تشد الجانب الأيسر من شعر رأسها.. وبالطبع ينسحب ظل يدها عن الحائط الخلفي.

-ظل الرجل يهوي ارضا بعد مداهمته السراب، وبذات اللحظة بالدقة تسقط فرجينيا مطلقة صرخة حادة جدا ومدوية جدا ترافقها التماعة إضاءة شديدة تشبه البرق فإظلام تام قبل أن يلامس أي من ظل الرجل أو فرجينيا الأرض التي يهويان اليها.

-القفلة الموسيقية تحدث مرافقة لمشهد سقوط الاثنين..

-يسود صمت تام.

-إظلام-

  يضاء المسرح بعد نصف دقيقة تقريبا، فرجينيا ساقطة على الأرض بشكل عشوائي وتبدو نائمة فيما تحيطها هالة ضوئية، وبقيا المسرح معتم.. صمت تام. من يمين المسرح تدخل سوزانا بزي معاصر أيضا، تبدو كمن يبحث عن أحد يتوقع رؤياه في مكان ما حوله كالعادة.. تبصر فرجينيا وتخطو اليها دون أن تسرع في مشيتها.. تنحني إلى جوارها في الوقت الذي يسمع فيه تفريا مجموعة من الطيور بالمكان (يستمر متقطعا حتى نهاية المشهد بين سوزانا وفرجينيا).

سوزانا: (بصوت أبعد ما يكون عن اللهفة أو القلق): فر جينيا، فر جينيا.. أنا سوزانا.. انهضي الآن، انهضي.. (فر جينيا تفتح عينيها بهدوء، تأخذ نفسا عميقا، تنظر حولها بثبات، تنهض نهوضا جزئيا مستندة على مرفقها.. تركز بصرها على سوزانا).

فرجينيا: آه.. ما هو الوقت الآن ؟

سوزانا: أول النهار

فرجينيا (تحاول الجلوس): إذن مازال الوقت ملائما جدا للانشفال بأشياء كثيرة.

سوزانا (وهي تساعدها على الاعتدال في جلستها): نعم.. أظن ذلك.

فرجينيا: هل لديك سجائر؟

سوزانا: فيما أعتقد

(تخرج علبة سجائرها من الجيب الخلفي لبنطلونها وتقدم لفافة لفر جينيا) هل هو جورج مجددا؟

فرجينيا: ومعه الشياطين هذه المرة.. الا لعنة الله ! (تتناول السجائر، سوزانا تمسك بالقداحة وتشعل لها لفافتها).

اخبريني يا سوزانا.. منذ متى وأنا هنا؟

سوزانا: أحسب أنك أنت فقط من يملك الإجابة على ذلك. فر جينيا: هكذا إذن..

(تأخذ نفسا عميقا من السجائر -تصمت قليلا) هل التقيت بآدم بالأمس ؟

سوزانا: تجنبت لقاءه، كنت أشعر أن ذلك سوف يكون مضجرا بالنسبة لي، كما تعلمين، لآدم أكثر من وجه، وكنت أخشي أن ألتقي بوجهه الذي لا أحبه.. على أية حال، من المحتمل أن يمر من هنا بعد قليل، وقد تتاح لك فرصة رؤيته للمرة الأولى.

فرجينيا: شيء مؤسف..

سوزانا: ماذا.. أن يأتي آدم ؟

فرجينيا (بسخرية): إنك لم تلتق به بالأمس، لعلي أنا إذن كنت محظوظة حين رأيت ذد القوة المطلقة هذه الليلة.

سوزانا: جورج ؟

فرجينيا: ربما.. أخبرتك من قبل عما أعتقده بخصوص ذلك. سوزانا: نعم.. القوة المطلقة..

حين لا تظللنا السماء

وحين اللاشيء هو نحن

يمكننا أن نثني ظهورنا كالقوس

ثم نسقط قبل انطلاق السهام

تحت أقدام القوة المطلقة.

فرجينيا (تأخذ نفسا محمية من سيجارتها): لا أدري إلى متى سوف يستمر هذا!!.

سوزانا: لكن، الا تشعرين أن آدم مختلف قليلا؟ فر جينيا: لا أعلم شيئا، انني أعيش اللحظة فقط ولا ينبغي لي أن أفكر في شي ء آخر.. هل تفهمين ما أعني؟

سوزانا: أن يحضر آدم أو لا يحضر الأمر سيان، ولست بحاجة إلى شغل ذهنك بمن يكونه آدم هذا، طالما أنه ليس لديه خيار في قبول حضوره أو رفضه.. فضلا عن أنه شخص لا يعنيك أمره كثيرا،أليس كذلك ؟ فر جينيا: أظن ذلك.

سوزانا: وجورج ؟!

فرجينيا (مع حركة اليد المتسائلة): ماذا عنه ؟

سوزانا: هل تفكرين فيه حين لا يكون حاضرا؟

فرجينيا: كما أفكر بهذا الحائط الذي أمامي!

سوزانا: أنت على اية حال لا ترينه إلا على الحائط (صمت)

فرجينيا (تتحرك حولها بهدوء): لا أفهم ما الذي يحصل لي.. كل مساء هو شتاء كامل مكثف.. أذكر وأنا صغيرة يوم أن وضعني جورج أمام المدفأة وبدأ بخلع ملابسي.. وأذكر ما حصل بعد ذلك بسنوات طويلة، كيف كان يقبلني وأنا لا أستطيع أن أصده.. كنت ضعيفة جدا وحاولت أن أحقد عليه.. ياه.. تمنيت لو أنني أهرب ساعتها وألقي بنفسي في النهر لأغسل كل ذلك.

سوزانا: النهر؟!

فرجينيا: النهر الأبيض الجميل بأمواجه المنسابة.. حدث أنني سبحت مرة وسط جمع كثيف من الذين أحبهم.. سبحنا عراة سوزانا ولم يفكر أحدهم أننا كنا كذلك.. لن أنسى تلك الليلة أبدا، لكنها من محاسن الصدف التي يرفض الله أن يكررها ثانية.. لكن، أين النهر الآن، انني كلما طالت رحلتي في البحث عنه قاطعة كل هذه المساحة الجرداء من الزمن، كلما التصق بي جورج أكثر.. اخشي أن يقتلني

سوزانا.. أكره رائحة جسده ولا أحتملها، وافزع من أن يصيبني بالجنون..

سوزانا: لكنك تنتصرين دائما

فرجينيا: ولذا أنا أخشى التفكير في الغد، فقد يكون الغد هو ذلك اليوم الذي تسقط فيه مقاومتي.. لم أجد النهر بعد سوزانا، غير أنني لا أفلت من قبضته إلا حينما أقتنع بأنني في النهر.. البارحة، ككل ليلة سابقة عليها، قبل أن يحطمني التجأت للنهر وسبحت طويلا كحورية عارية، أو كما بجعة تنزلق بخفة على سطح بحيرة.. في النهر لا يمكن أن تتحطم اضلاعي، أو يتبعني أي أحد.. حين أصير هناك عارية تماما، لا أعرف ما هو الجنون، وأظل أشعر بالأمان طويلا.

سوزانا (بزفرة): آااه..

فرجينيا: ماذا.. شي ء يتعلق بآدم ؟

سوزانا: كيف عرفت أن ما قلته يذكرني بآدم مع انك لا تعرفينه ؟

فرجينيا: أنا اخشي عليك سوزانا، فكلهم سواء.

سوزانا: اني لن أطيع نفسي لأصدق ذلك حتى ولو بدا لي من العلامات ما يشير إلى أنه صحيح.

فرجينيا: تكذبين ما يلوح حقيقيا، تضحية لأجل ماذا ؟

سوزانا: لأجل آدم.. بل لأجلي..

أتعلمين الفرق بيننا فر جينيا.. أنك ترفضين الجميع حتى من كان خيرا منهم.. ربما لطبيعة أجهلها فيك.. أما أنا فلا أقدر على ذلك.. آدم أفضلهم، وسيكون نضالي للفوز به، سأخلق منه الشخص الذي أريد، لأنني أريد أن يكون هناك شخص ما.

فرجينيا: اتشعرين بالنقص ؟

سوزانا: من يدري، قد انتهي بالخسران، وتنتهين انت الى النهر.. النهر الذي سيسبحون فيه معك دون أن ينتبه أي منكم إلى أنه عار.. خصاء!

فرجينيا (مدهوشة): ماذا؟

سوزانا: ما داموا في كل مكان، لا يمكن غض البصر عن رؤيتهم.

فر جينيا: بالمناسبة، ماذا عنهم، هل هم مستعدون الآن ؟

سوزانا: محتمل، ينبغي أن يكونوا في الكواليس الآن.. سأرى الأمر (تنصرف)

فرجينيا (تدور حول نفسها حائرة): يا الله أيها المطلق الذي يعيش فينا

أعان لابد أن أولد بما أنا عليه

وأن أحمل على كتفي

-فضلا عما أحمله بداخلي

-هذا الوزر العظيم.

وهذا الجنون الأسود الذي يكاد يقتلني كل مساء؟ (تدخن سيجارتها مجددا ثم ترمي بها على الزاوية اليسرى للخشبة، تحرك يديها وذراعيها كمن يستعد لتمرينات الصباح.. تدخل سوزانا من الباب الأيمن).

سوزانا: انهم آتون بعد قليل.. لكن.. ما الذي سنفعله ؟

فرجينيا: لا أعرف تحديدا، لكننا سنمثل أنفسنا هنا، سنفعل ما نفكر فيه.

سوزانا: فيم تفكرين يا فرجينيا؟

فرجينيا: لا أعلم.. هل تتذكرين ماذا فعلنا بالأمس ؟

سوزانا: كنا نرقص أنا وأنت كالعادة.. لم تكوني ترتدين هذا البنطلون، ولذا عندما زلت قدمك ووقعت على الأرض حاولوا أن يختلسوا النظر اليك.. هل تتذكرين ذلك ؟

فرجينيا: ليس تماما، أذكر فقط أن احدهم كان يتحسس بعينيه الجزء النافر من صدرك، فيما كنت تميلين معه في ختام الرقصة..

سوزانا: كان شيئا فظيعا.

فرجينيا: ألم يكن لذيذا؟

سوزانا: اطلاقا.. أتعر فين، أحيانا أشتهي ذلك، لكن ليس وسط كل هذا الجمع منهم.

فرجينيا: عندما تكونين مع آدم دون شك.

سوزانا: ليس دائما أيضا، لكن آدم مختلف بأية حال، كأنه خلق رجلا سهوا!.

فرجينيا (بشرود): ربما!!

سوزانا: ماذا؟

فرجينيا: لا شيء.. أعني أنني على الأقل، لا أصطدم بآدم كامنا خلف صوتي، أو متربصا بي بجوف هذا الحائط.

سوزانا: لكنك لا تودينه.

فرجينيا: لا أخافه ولا أحبه، وحتى إذا ما رأيته فقد لا أعرفه بتاتا، تماما كجورج، الذي أعرفه دون أن أكون قادرة على تمييز وجهه عن بقية وجوههم.

سوزانا: عجيب أن يفعل بك "رجل " كل هذا!

فرجينيا: ربما لأنه متجذر في الماضي يصبح الأمر سيئا.. إنه مستقر برحم شيء لا يمكن إلا أن يكون قوة مطلقة، ودائما ما يأتيني متلبسا إياها كل ليلة.. لكنه لن يقوى على هزيمتي.. إنني كما تشاهدين، لا أزال حية أرزق.

سوزانا: تريدين الحقيقة.. أنا أخشي أدم ايضا، قد لا يكون مختلفا كثيرا عن جورج، جورج الذي لم أره مرة واحدة في حياتي، ولكن.. كما أخبرتك من قبل.. لآدم أكثر من وجه، وأنا مهتمة فيه بوجه واحد فقط.

فرجينيا: أما أنا فكل ما يهمني هو وجهي أنا، مهما كثرت وجوههم حولي، حين لا أفقد وجهي، فإن كل الوجوه الأخرى ستظل لا شي ء بالنسبة لي..

سوزانا: هذا أحسن..

فرجينيا (تتلفت حولها): يبدو أنها ستمطر حالا، وهم يخافون المطر.. إني أسمعهم قادمين.

سوزانا: المطر فأل حسن على ما يبدو!

(يدخل من يمين المسرح أربعة رجال، ومن اليسار نفس العدد أيضا، جميعهم مفتولو العضلات بصدور عارية مطلية بألوان حمراء وصفراء وزرقاء في تشكيلات جمالية متنوعة.. وجوههم مطلية بأقنعة لونية تخفي قسماتهم ولا تبقي إلا على ظل عدوانية مكبوت. الثمانية يصطفون أمام الجدار الخلفي للمسرح، فيما فرجينيا ترقبهم بريبة).

فرجينيا: هل نبدأ؟

رجل 1: بأي شي ء؟

فرجينيا: بلعب ما نفكر به

رجل 2: نحن لا نفكر

سوزانا: جميعكم ؟

رجل 2: جميعنا

فرجينيا: لماذا أنتم هنا إذن ؟

رجل 3: نحن لابد أن نكون هنا.

رجل 4: إذ لا مكان آخر.

رجل 5: أو لعلها المشيئة التي أرادت ذلك

رجل6: أيضا.. أنتما هنا.

سوزانا: ماذا يعني ذلك ؟

رجل 5: يعني أنكما هنا، وليس في مكان آخر رجل

6: فأنتما أيضا لا يمكن اطلاقا أن تتواجدا في مكان آخر.

فرجينيا: من يؤكد ذلك ؟!

رجل 6: الأمر لا يحتاج لتأكيد رجل

7: لو كان المفروض أن تكونا بمكان آخر، لكنتما فيه الآن

رجل 8: ولكنا معكما بالطبع

رجل1: وفي هذه الحالة...

رجل 2: لن يصبح ذلك المكان...

رجل 1: مكانا آخر.

فرجينيا: أهو أمر مقدر؟

رجل 3: ربما!

رجل 4: الآن، نحن هنا.. وأنتما هنا.

سوزانا: إذن...

فرجينيا: فلنبدأ.

سوزانا: لنبدأ

- سوزانا وفرجينيا تبتعدان عنهما.

- الثمانية يصطفون بانتظام أمام الحائط الخلفي..

- على اليمين، موازيا لبداية صف الرجال، تقف سوزانا، وجهها إلى الحائط الأيسر للمسرح، وجانبها الأيسر مواجه للجمهور.

- على اليسار، موازيا لنهاية صف الرجال، تقف فرجينيا، ووجهها إلى الحائط الأيمن للمسرح، وجانبها الأيمن مواجه للجمهور.

- الجميع يكفون عن الحركة تماما ويجمدون.

- يبدأ قرع طبول افريقية بالتصاعد.

- الاضاءة خافتة، فيما مجموعة من الظلال الهلامية تأخذ في التشكل على الجدار الخلفي للمسرح.

- تدخل الموسيقى فجأة ويبدأ معها استعراض راقص. ينبغي، عند التنفيذ مسرحيه، أن يحوي ما يلي:

* أن تتشابه حركتا سوزانا وفرجينيا تماما في ثلاثة الأرباع الأولى من الرقصة.

* ان تضفي الرقصة طابع البدائية على الرجال الثمانية، وتعكس رغبتهم في فرجينيا وسوزانا، لكنه الشبق المكبوت العاجز عن الإقدام.

* توضح الرقصة تحدي فرجينيا وسوزانا لرغبات هؤلاء (حتى بداية الربع الأخير من الرقصة).

- أثناء تأدية الرقصة تنعكس ظلال الرجال على الحائط الخلفي.

- الاضاءة، اجمالا، حمراء.

- الطبول الأفريقية مستمرة مع الموسيقى الملائمة التي تعطي ايحاء جنسيا بحتا، ووحشيا وبدائيا في ذات الوقت. - في الجزء الأخير من الرقصة تبدو سوزانا وكأنها ميالة للاستجابة للنداء الجسدي للراقصين.

- سوزانا تدور حول نفسها منتقلة من رجل "1" إلى رجل "8" وهي تمسح بيدها صدر كل رجل منهم مسحة خاطفة أثناء دورانها حول نفسها.

- فرجينيا تبقى مكانها وتتضاءل حركتها وكأن في الوضع ما يريبها.

- تبدأ ظلال الراقصين على الحائط الخلفي بالتحول إلى تشكيلات هلامية.

- فرجينيا تلاحظ ذلك التحول فتتوقف عن الرقص تماما.

- التشكيلات الهلامية تتحول إلى شياطين بقرون مدببة وهم يهزون ذيولهم أثناء الرقص.

- فرجينيا تصاب بالذعر وتتراجع خطوات الى الوراء بذهول، فيما حزمة الاضاءة تضعف وهي تتبعها، قبل أن تصل إلى باب اليسار بالمسرح تكون الحزمة الضوئية قد خفتت تماما فتختفي فرجينيا من الخشبة.

- الراقصون الثمانية يدورون حول سوزانا كما يدور عبدة النار حولها.

- سوزانا ترقص بحركات محمومة وكأن الطقس شعائري.

- تتركز حزمة ضوء حمراء حول الراقصين فيما تظلم بقية زوايا الخشبة.

- تدريجيا تختفي صور الشياطين من الحائط الخلفي.

- رقصة النار مستمرة.

- على الحائط تظهر صورة فرجينيا وهي تسير مسلوبة إلى الأمام على غير هدى، كالمنومة مغناطيسيا.

- يظهر من يمين جدار المسرح ظل لنفس الرجل الذي ظهر في بداية المسرحية، يتقدم بحركات ذئبية بهلوانية.

- ظل فرجينيا يسير بغير هدى صوب ظل الرجل الذي يبدو أنه يسعى اليها لالتهامها..

- برق شديد يلمع فجأة ويسمع صوت الرعد متداخلا مع الطبول والهمهمات البدائية.

-الراقصون ومشهد الحائط كما هو..

-رعد وبرق أيضا ثم مطر غزير يهطل على المسرح فجأة وعلى الحائط أيضا.

-يتفرق الراقصون بلمح البصر في رعب كأن صاعقة ألمت بهم، يحاولون الهرب فيصطدمون بعضهم ببعض أكثر من مرة.

-ظل الرجل - في ذات الوقت - يهرب عبر الحائط من حيث أتى.

- يبدو ظل فرجينيا كمن استفاق من نومه وأدرك ما جرى، فيتراجع إلى الخلف بسرعة ويختفي من على الحائط..

- يبقى المطر متساقطا بغزارة مصحوبا بإيقاع تساقطه الممتزج مع الطبول الافريقية.

- سوزانا كما هي تظل منتشية برقصتها تحت المطر، تحيطها بقعة ضوئية وجميع المسرح معتم..

-تبدأ الموسيقى بالانخفاض والبقعة الضوئية تضعف وتتلاشى تدريجيا.

-اظلام -

تضاء الخشبة إضاءة متوسطة.. الأرض مبللة ببقايا المطر، على زاوية بيسار الخشبة تجلس فرجينيا وسوزانا وشعرهما مبلل ومنكوش أيضا..

الاثنتان تدخنان السجائر..

أصوات تفريا طيور، والصمت سيد الموقف.

(الحوار التالي يبدأ دون أن تنظر احداهما للاخرى، بل إن كل واحدة منهما تتحدث وهي شاردة بنظراتها دون أن تنتبه إلى وجود الأخرى).

فرجينيا (محدثة نفسها): إنه الشتاء.. إنه الشتاء

سوزانا: الطيور تصدح، وشعري مبلل بالمطر.

فرجينيا: كم هو صع