منى السعودي ثلاثون عاما من الحجارة
* تكوينات الجسد بابعاده الروحية الخالدة تملأ فراغ الكون وتقف في مواجهة الفناء

 

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

  عمر شبانة ( كاتب من الاردن)


منى السعودي.. ام الروح، جسد الحجر في استدارات التكوين، خلق في الخلق. الفنانة التي بعطاءاتها استطاعت ان تخلق للحياة افقها الخاص.

ومجلة نزوى اذ تحتفي بها فانها تحتفي بفنانة كرست حياتها لحبها الذي من اجله طبع مسيرتها عبر السنوات والامكنة ورافقها منذ طفولتها حتى الآن. الفن الذي به.. يخلد الانسان ويبقى.

والملف شاهد وشهادة لمسيرة المبدعة منى السعودي التي بحضورها على الساحة العربية استثناء في المكان وللمكان ايضا.

ويضم الملف الى جانب التعريف بالفنانة شهادات اخرى لمبدعين عرب اضافة الى انجازات الفناة الابداعية في مجالي النحت والرسم.

ما الذي سنقوله لمنى السعودي في عيد ميلادها الخمسين.. ماذا نقول للإنسانة، الفنانة والصديقة وهي تقطع ثلاثين عاما من العطاء الفني المتواصل، انطلاقا من "سبيل الحوريات" في وسط عمان القديمة، قريبا من حجارة المدرج الروماني وسلالم جبل القلعة، مرورا ببيروت وباريس وروما وعودة الى بيروت وعمان، وانتهاء بقرارها الاستقرار في بيروت التي احتضنت أجمل سنوات عمر الفنانة وأطلقتها الى فضاءات العالم والحجارة بعد هجرتها المبكرة الأولى من عمان، حين كانت لم تبلغ الثامنة عشرة... رحيلها الأول وراء حلم الحجارة حجارة الحلم ! ما الذي سنقوله لمنحوتات بلغت الثلاثين من عمرها المديد.. المنحوتات التي صارت صديقة لنا ولكل من يشاهدها لأنها صديقات للفنانة التي شكلتها وكورتها.. المنحوتات التي كلما شاهدناها وعايشناها ازدادت تعمقا وتغلغلا في أرواحنا، وازدادت قدرتها على إعادة صياغة هذه الأرواح الظامئة الى الحب،.. المنحوتات التي نقف أمامها فتغوص في بحر من الجماليات والتكوينات الباهرة بقاماتها العالية وروحها الصوفية الشبقة لامتصاص كل قطرة حياة بالتكوينات الحبل بالرؤى والحب والعطاء.. بالحياة إذن. كل ما قيل، وكل ما يمكن أن يقال.. ليس سوى بعض أصابعنا المرفوعة في احتفا ليتنا المتواضعة لتحية الفنانة - الانسانة، عاشقة الحجر، عاشقة ألوان الحجر، وضوئه وأسراره، الفنانة القادرة، في كل ضربة إزميل، كما في كل فقشة منقاش، على زرع الحروف السرية والرؤى العميقة في كائنات تفجر فينا شهوة التأمل ورغبة قراءة البوح الغامض.

الى منى السعودي في عامها الخمسين.. الى حجار تها وتماثيلها ومنحوتاتها في عيدها الثلاثين.. نرفع أيدي المحبة والامتنان لهذا العطاء الذي جعل لنا فنانة تنقش اسمها وروحها وعطاءها الى جانب أسماء كبار النحاتين العرب والعالميين، الى الفنانة التي استطاعت في ثلاثين عاما من العمل الممتع رغم قسوته، أن تحفر صورتها، صورنا في متحف الفن الخالد مع جواد سليم وهنري مور ودونا تيلو وبرانكوزي.. وفي جوار الجدرانيات الآشورية وراس الالهة النبطية التي طالما عشقتها وعملت على إعادة صياغتها في تكوين يعبر عن رؤاها الحديثة ذات الجذور الممتدة في حقل التراث الانساني. نقف في معرض الثلاثين عاما (1965- 1995) الذي أرادته مؤسسة شومان - في دارة الفنون - معرضا تكريميا، فنطل من خلال تسعة وسبعين (79) عملا من الرسم والنحت - على تجربة فريدة، غنية، متنوعة، وعميقة أيضا. نطل على كل هذا البهاء والشفافية، على الشعر المتحول رسوما ومنحوتات ذات إيقاعات موسيقية، وروع شعرية، ورؤية متمردة، فنلمس كم أن الفن الحقيقي قادر على رتق شقوق الحياة وملء مساحات الفراغ بالكتل الرقيقة رغم صلا بتها.. كم أن الفن قادر على خلق التوازن المفقود واطلاق الحرية وقادر على الولوج بنا الى دهاليز الماضي والقفز بنا الى فضاءات المستقبل. نتوقف امام أعمال الفنانة فنعود الى «محيط الحلم» لنستمع الى نشيد منى السعودي الذي وعدتنا فيه بكائنات جميلة:

"وسأنحت لكم حبيبين، دائما اثنين:

الذكر والانثى، الأم الأرض، والإبن - الجسد

وشكل يعانق شكلا، حوار - صمت..

وما يوجد في الحلم يوجد على الأرض

والانسان نبات حلمه ".

ونشيد منى السعودي الذي في قصائدها، ليس سابقا لنشيد حجارتها، وليس تابعا له، إذ يسير النشيدان في رحلة تكامل المسيرة الفنية والإبداعية المتمثلة في مسارين لا ينفصلان. يتوالد الشعر من الحجارة المشغولة بروح شاعرية خلاقة، مثلما تتوالد الحجارة من قصائد الروع المحتشدة بعناصر الطبيعة ومكنونات الحضارات المتتابعة ويجتمع الشعر والكائن الحجري الساطع في نقطة لقاء حميم تجسد جوهر الإبداع الإنساني اسلما تجسد أحلام الإنسان في رحلته الممتدة منذ فجر التاريخ، ومنذ الرسو مات البدائية على جدران الكهوف، مرورا بالمنحوتات الأولى التي نقلت تصورات الفنانين القدماء للآلهة،وصولا الى احدث التشكيلات الفنية في عصرنا.. عصر هيمنة التكنولوجيا وتراجع دور الابداع، ولكنه عصر تزايد الحاجة الى الفن بكل أشكاله، الفن الذي وحده يمنع سقوطنا في هوت الفراغ الكوني وفي أناشيد منى، الشعرية كما الحجرية، ما يمنحنا هذا الامتلاء الضروري لمواجهة الخواء الكارثي، ومقاومة ذلك السقوط المروع.. في اناشيدها احتفاء بهوية الانسان وكينونته، بحريته وتعاليه وشموخ وجوده الروحي والجسدي/ الفيزيقي، برغباته وشهواته وأحلامه، بانجازاته وقيمه وانطلاقاته نحو عالم اكثر عدالة وجمالا.

بمواصفاته هذه، يغدو عمل منى السعودي، كما هو العمل الفني العظيم دائما، يغدو المعبر الأكثر صدقا عن روح الحياة وجوهرها، مثلما يغدو النقيض الحقيقي للموت والفناء.

ثلاثون عاما - إذن - ليست تجربة قصيرة، لكنها في اعتقاد منى السعودي "لم تكن سوى تمرينات أولى.. والآن تبدأ التجربة " ورغم ذلك فإنها - في اعتقادنا - تجربة متميزة استطاعت بجدارة عالية، أن تمتلك صوتا وهوية، أن تخلق كيانا خاصا لم يسبق اليه الفن في مراحل تاريخه الطويل. وقد نرى في هذه التجربة سياقات من التجريب والبحث ومحاولة التجديد والابتعاد عن النمط السائد.. لكننا نؤمن تماما بأن هذا البحث التجريبي ترك لنا بصمة واضحة المعالم، وآثارا يمكن أن ينبني عليها المزيد من الملامح الابداعية القادرة على تكريسها واحدة من التجارب الفذة، في طريق اختراق الزمان والمكان، في طريق ترسيخ النموذج الخاص الذي ينضاف - بقوة - الى النماذج الرفيعة في الابداع بعامة وفي فن النحت بخاصة.

الطفولة والبدايات

في العام 1945 ولدت منى السعودي في عمان، التي لم تكن حينذاك سوى " مدينة صغيرة تنمو حول ينابيع مياه تأخذ مجراما في ما كان يسمى سيل عمان، وبين مواقع أثرية قديمة، وجبال صخرية فيها مغاور طبيعية يسكنها الرعيان". وتواصل منى فتح ذاكرتها وسرد تفاصيل من طفولتها «كان بيتنا يقع على مدخل سبيل الحوريات، وتطل نوافذه على سوق الخضار، كان يسكن في هذا البيت الواسع أبي واعمامي، وكنا جميعا كعائلة كبيرة واحدة، وكانت اللهجة الشامية هي السائدة.. إذ كانت العائلة قد هاجرت من دمشق واستقرت في عمان أواخر القرن الماضي.. على بعد مائة متر تبدأ أطلال المدرج الروماني، وعلى التلة العالية ترتفع بقايا قلعة عمان. وكانت ملاعب طفولتي مذه المدرجات الأثرية والأعمدة المنقوشة وبقايا التماثيل. كنت اترك اصدقائي لألعب مع التماثيل واتأمل صناعتها وكيف دبت الحياة في الحجر. كانت هذه التماثيل بالنسبة لي كائنات حية، وكانت هذه الأماكن الحقيقية الخيالية تعطيني الشعور بقدرة الانسان على عمل أشياء عظيمة تبقى على مدى الزمن».

في العام 1948، تقول منى السعودي، كان وعيها أخذ يتفتح على المأساة الفلسطينية حين جاءت عمتها بعائلتها مشردين من «مجدل غزة».

وحين كانت في العاشرة من عمرها، توفي أخوها الذي كان المصدر الثقافي الأول، فتعرفت من خلاله على «نبي جبران» و «جلجامش»، وكانت صدمة منى الأول مع الموت حين نظرت الى أخيها فتحي فرأته "يبتسم وهو ينام بعمق.. عرفت أن الموت تحول وليس فاجعة، بل جزء من تكوين دائرة الحياة التي تتوالى كالليل والنهار. تركت المأتم في البيت وخرجت أمشي في شارع الهاشمي، كانت الحياة تنبض ".

وتكبر الصبية في طبيعة تشعل خيالها وتعزز، يوما بعد يوم، رغبتها في صناعة تماثيل تنقل اليها أحلامها ورؤاها.

تتجول بين الصخور واستدارات التلال وحركاتها المتداخلة.. تدخل في جسد الطبيعة البكر.. ثم تقرأ الشعر، منذ إليوت مرورا بأدونيس وأنسي الحاج.. فترى في الشعر "فضاء آخر من الحرية والسفر فيما وراء المرئي". وترسم وتصنع رؤوسا من الجبس سرعان ما تنهار أمام عدم خبرتها، فتلتحق بمحترف الفنان مهنا الدرة لتعلم الرسم بعيدا عن عيني والدها المحافظ والمتدين. لقد جذبها عالم الفن. العالم الجميل الغامض وشحذت روحها اللوحات والتماثيل والشعر ومع نهاية المرحلة الثانوية، كان كتاب «اللامنتمي» يقدم لها نماذج فنانين وشعراء وفلاسفة فتحت ابواب البحث والتساؤل.. حينها شعرت منى «أن عمان ضيقة وفقيرة وساكنة، وكانت لدي رغبة في معرفة العالم الواسع.. حملت رسومي وسافرت الى بيروت بدون معرفة والدي، لجأت الى اخي الكبير هاني الذي كان يعيش في بيروت، وأخبرته عن طموحاتي، وماذا أريد ان أفعل في حياتي، وكان هذا الأخ الصديق ومازال سندي الدائم».

وما بين معرض حليم جرداق ومجلة شعر وصالة العرض فيها، أخذت الآفاق تتفتح امام أحلام الشابة المغامرة،كان هناك يوسف الخال وأنسي الحاج وأدونيس، وبول غيراغوسيان ونزيه خاطر وميشيل بصبوص. تعرفت اليهم في مقهى الصحافة فغدو أقرب اصدقائها. أعطرها عمق خبرتهم وأفكارهم وصحبتهم وشجعوها على مواصلة الطريق عندما اقامت معرضها في المقهى الذي كان يقع في الطابق الأرض من مبنى جريدة النهار. كانت رسوماتها بالأبيض والأسود وتمثل أشخاصا.

من باريس.. بداية جديدة

لم يكن حليم جرداق قد أخذ كلام منى جديا حين قالت له إنها ترغب في الدراسة في باريس ولذلك فوجىء واندهش حين رأى هذه المغامرة تحمل حقائبها وتقف في باب بيته «في البيت اللبناني» الذي يقع خلف البانثيون في باريس. وكان - كما تقول منى «مفتاح هذه المدينة الواسعة، فخلال ساعات وجد لي غرفة في فندق في الحي اللاتيني، وأخذني فورا مع نماذج من رسومي الى المدرسة العليا للفنون الجميلة حيث قدمني الى الاساتذة وتم قبولي كطالبة حرة في البدء، وبعد شهور تقدمت لمسابقة الدخول الرسمية في قسر النحت.. وكان ترتيبي الرابعة بين مشات الطلاب الذين تقدموا لهذه المسابقة ». في باريس الفن والمقاهي والحدائق وصالات الفنون واللوفر والكتب.. تبدأ الفنانة مشوارها من جديد.. في متحف اللوفر تقشف « عظمة بلادنا» من المنحوتات النبطية والسومرية والتماثيل المصرية وحجر مؤدب الأسود الذي خط عليه الملك يوشع تاريخ البلاد في ذلك الزمان. وفي مدرسة الفنون تتعلم من دروس تشريح الجسد، من خلال الموديلات الحية العارية، الخطوط والإستدارات والحركة، كما تتعلم أن «عري الجسد في الفن هو من عري الطبيعة، وأن الأرض جسد والجسد أرض.. لم أفاجأ بهذه الأجواء، بل شعرت كم يحاط الجسد في بلادنا بالمحرمات».

واذا كانت باريس شكلت محطة بارزة في حياة الفنانة، فإن محترف الفنان كولاماريني كان مسقط رأس المنحوتة الأولى لمنى السعودي في العام 1965، وأخذت اسم "أمومة الأرض "، فكانت الأم الحقيقية لكل المنحوتات التي أنجزتها الفنانة طوال رحلتها - كما تعترف منى لدى وصفها شعورها الغامض بأنها كانت تجد طريقها وأسلوبها الخاص في النحت المتمثل في «اختزال الأشكال، استدارتها، التكوين الذي يتمحور حول مركز ثم يمتد نحو الأطراف، تجريد الجسم البشري واحالته الى حضور رمزي.. وقد شجعني أساتذتي على هذا المنحى منذ البداية ووجدوا في طريقتي في العمل أمانة تحتفظ بالمعطيات الأصيلة النابهة من الشرق العربي».

ومن مستقرها الدراسي في باريس، تطير منى الى معامل النحت في "كرارا" الايطالية، فتتعلم «من العمال المهرة أسرار استعمال الأزاميل والمطرقة الهوائية، وصقل الرخام وتركيب المنحوتات وحملها وربطها بالروافع الآلية. وفي هذه المدينة المليئة بالرخام من كل نوع تعرفت الى العديد من النحاتين الذين يأتون للعمل من كل بقاع الأرض.. وكنا نصعد الى جبال المرمر في أوقات الفراغ عبر كروم العنب.. وهناك تعرفت على النحات والحفار الهندي الذي كان يجمع بين كل حكمة وروحانية الشرق وكل معرفة الغرب».

ومع عودتها الى باريس، وتفجر أحداث "الثورة الطلابية" أخذ وعي الفنانة السياسي والثقافي يتعمق، ورؤيتها الى وظيفة الفن وعلاقته بالمجتمع.. وحرية التعبير وتغيير المجتمع، كل ذلك بدأ ينمو أيضا. ولكنها فجأة تشعر بالحنين الى الوطن، وبأن بلادها تحتاج الى مشاركتها في صياغة وبناء أسس فن عربي يتفاعل مع المجتمع.. فعادت الى الأردن لتعمل في مخيمات اللاجئين، وسرعان ما غادرت الى بيروت، فتبدأ مرحلة جديدة من اكتشاف جماليات الرخام الأردني، والمعارض المتتالية والتعرف عن كثب الى الكتاب والنقاد والفنانين والشعراء.. وفي

أجواء الحرب كان الاستمرار في العمل تعبيرا عن رفض الحرب وتوكيدا على قيم الحياة. وتبدو هذه المرحلة من 1969 - 1983 أبرز مراحل عمل في حياة الفنانة، ليس على مستوى الانتاج الكمي، ولكن بصورة أساسية على صعيد اكتساب الخبرة التي أهلت انتاجها لامتلاك صوت وهوية وبدء الانتشار عربيا وعالميا.. فما عادت الى عمان عام 1983 إلا وهي تمتلك هذا الانتشار. عادت تحمل خبرتها ولفتها، وفي حلمها أنها ستملأ شوارع وساحات عاصمتها منحوتات كبيرة. ولكن حلمها لم يتحقق سوى في منحوتتين أو ثلاث، ومع ذلك فهي لم تيأس، فظلت تنجز عشرات التماثيل الصغيرة كمشاريع لمنحوتات كبرى. والى اعتزارها بما قدمته في الأردن، يبدو اعتزارها

كبيرا بمنحوتتها "هندسة الروح" التي تقف بشموخ في ساحة مدخل معهد العالم العربي في باريس، فهو عمل من الرخام بارتفاع ثلاثة أمتار.والشكل مستوحى من الأنساب النبطية بمعالجة هندسية. وقد عالجت - تقول منى - الكتلة الحجرية بحيث يكون بها تقسيمات في الأبعاد تشبه تقاسيم الزمن الموسيقى، وتداخلت رموز الماء والهلال وما يجمع بين الحركة والثبات" أما اسم المنحوتة فقد جاء "بعد قراءة مقال لعبد الكبير الخطيبي استعمل فيه هذه العبارة،وشعرت أنها تلخص اتجاه بحثي في النحت، وهو أن أي عمل إبداعي هو هندسة لما هو روحاني، والروح هنا بالمعنى الانساني الأرضي، حيث تمتزج القداسة بالموجودات ".

والآن.. بعد هذه الرحلة الشاقة والشائقة في آن.. ما الذي تفعلينه ايتها الفنانة.. ماذا تريدين أيضا؟

منذ عام 1983 أقامت منى السعودي في عمان، في طرف عمان، بيتا هندسته بروحها ورؤاها بين شجر الصنوبر العالي. وفي باحته الأمامية تتناثر حجارتها جنبا الى جنب آثار الحضارات التي جاءت الى المنطقة تقف في النافذة فتتأمل استدارة الجبل المقابل، وأضواء البيوت المعلقة في الجبال البعيدة والقريبة، تتأمل بقايا قلعة عمونية قديمة حيث تمتلىء الأرض بقطع الفخار الدالة على عابري المكان منذ آلاف السنوات. في هذا المكان - تقول الفنانة - "تمتزج الأزمنة.. بين هذه التلال الوردية الدائرية التي أحببتها منذ طفولتي، والتي ربما من استداراتها ولدت استدارات أعمالي ".

وتطل منى، من موقعها على خريطة الفن العربي والعالمي، تحلم كأي فنان بامتلاك محترفها الخاص للنحت، تحلم بإعادة المجد لهذا الفن القديم في بلادنا.. وما بين مدارات الحلم ومدارات الفعل تؤكد لنا أن "الانسان نبات حلمه " كما جاء في "محيط الحلم "

وأخيرا...

وبما أنه لا يمكن أن نحشر تجربة فنانة مثل منى السعودي في مقدمة كهذه، مقدمة تطمح أساسا الى توجيه تحية الى الفنانة وأعمالها.. فان تحية هذه صيغتها لا يمكن أن تتجنب الوقفة التأملية الأخيرة لوداع يتمنى للفنانة وعملها عمرا مديدا وهي تودع عمان عائدة الى بيروت في رحلة جديدة هي محطة على طريق كسر الاستقرار والركون الى مكان واحد، بحثا عن مغامرة إبداعية تحقق بعض ما تحلم به فنانة لا تميل الى الواقع الا بقدر ما يكون صورة عن الحلم الذي تهجس به وتسعي لتحويله الى واقع، ولكنه واقع حلمي مثلما هو حلمها واقعي - إنساني - أرض حتى لو ارتدى عباءات الروح الصوفية التي نلمسها في المنحوتات المرتكزة الى قاعدة أرضية صلبة والمتجهة الى الأعلى والمشدودة الى فضاء الحلم الشاسع. هذه - إذن - بعض معالم تجربة تحاول البحث فيما ترده العين عن رؤى لا تظهر للعين الخارجية، رؤى ترسمها الروح وتجسدها الأحلام. الأحلام ذات الشخصية المنتمية الى أرض وحضارة وأمة وعصر.. أحلام ورؤى تبني صرحا فنيا محتشدا، بالأسرار والأسئلة محتشدا بالحب والجمال.

التحية لمنى السعودي وكائناتها.. لطيورها ونسائها، لقصائد منحوتاتها، للموسيقى والألوان والذرات المتحاضنة في رقصة كونية فريدة، للامتلاءات التي تمنح الفراغ دلالات معمقة، للتجريد الذي يصعد بالتجربة الى فضاءات الروح الجسدية، الجسد المسكون بالحياة والنبض.

تأملات / الحجارة
منى السعودي

الحجر الصديق

الحجر الذي هو رداؤك وعريك، هكذا تخلعينه وتلبسينه يتألق حضورك الخفي، ني هذا الصمت يحكي.

أحكي عند استدارات تنبت خطوطا ومساحات. تتحول الى ازمان وأسفار، وتأخذ مداراتها عبر مسارات كونية، وكما تكون الذرة، البذرة كما يكون النظام الكوني، يدخل كل شيء في الحجر، لا ليتحجر، بل ليتفجر، لتنبعث الخصوبة والعشق.

أعشق كل ما هو حي، وكل ما أعشقه يحيا، وما عرفت إلا الإله الذي يسكن في ذرات الضوء والارض، في يدي وفي قلبي وفي عقلي، في القدرة الخالقة حيث كل شيء قابل لإعادة التكوين.

التكوين: حركة البدء الخصبة، أنا أكون فأنا موجود. ت ك و ي ن، يأخذ الايقاع الصوتي للكلمة شكلا إهليليجيا وأراها تتحول الى حجر وردي، يولد فيه في يتموسق حول شكل دائري، ثم يقطع البعد الاول، مارا بالبعد الثاني، ومتجها الى البعد الثالث، حيث يتحول الى سطر رقيق الاستدارة، ثم يعبره الى بعد لا مرئي، تسكن فيه خفقات الروح - الجسد في حالة الوحدة، والاكتمال في حالة الشوق.

وأشتاق الى حجر - صديق أنقش فيه حنين الروح، أشكالي تتعدد، تستدير وترق، تستدير وتتربع، وأدعو أن لا يتركني هذا الشوق، هذه الرغبة في البحث.

أبحث، وما أشكالي الا تركيب معادلات لايجاد نحت /كائن، له مبدأ كينونته، تجسيد إشارة شكلها هو ودلالاتها هي شكلها تتحرك في السكون.

السكون:  كم يشبه السكون الحجر، ففي كل سكون حركة لا مرئية.

كل المنحوتات تنطق بالاسرار، حضارات كاملة منعت ألهتها من الرخام والجرانيت والحجر الجيري والخشب، في الشكل ثلاثي الابعاد، بعد سري، يمكن عبره التواصل مع المطلق، هو حجاب وباب، الحضور الباهر للغياب... وكان الانسان دائما مدركا أنه هو الذي يصنع هذه الآلهة، ويقول إنها هي التي خلقته، يصنعها لتصنعه، يخلقها لتخلقه، حيث لا شيء يأتي من العدم، وانما تتحول الأشياء من ذاتها،وحين ضاق الانسان بصنيعه قال: الآن أسمي إلها ملقا لا شكل له،.. وتحولت كل الاصنام والاوثان الى منحوتات، أعمال فنية رحلت عنها الآلهة، ندرك فيها الجمال، ونتأمل بديع الصنع، ولا نهائيات إملائيات التشكيل، وعلاقة الكتلة بالفضاء.. الشكل في النحت هو توحد كامل في الجوهر، الشكل هو المعنى، الخارج والداخل في آن، فالنحت هو لغة التكوين، إنشاء علاقات بين الحجوم والسطوح والخطوط. إن اختلاف مسافات العمق داخل الكتلة تتحول في المنحوتة الى زمن، وهو الزمن الذي يمنحها حضورها الخاص، وحركتها الداخلية، وبناءها المتموسق، وتأمل منحوتة ما، هو الدخول في عالم بنائها، وبقار ما هي المنحوتة مرئية وملموسة ببساطة مدهشة فهي غير قابلة للمس، وهي سرية.

العمل الواضح المقروء عمل زخرفي معطى بكامله نحو الخارج، العمل الفني الدائم الحضور، يحمل سره الأخاذ فيه، ينزع دائما نحو الداخل بقدر ما يتجه للخارج، وهذا ما يجعله دائما جديدا حيا، وداعيا لطرح الأسئلة.

رأيت وأرى آلاف التماثيل، القديمة منها والمعاصرة < الكاملة منها والمهشمة،.. ولكن حين آخذ حجرا وأحمل إزميلي ومطرقتي، أشعر كأني أصنع أول منحوتة في التاريخ، وكان شيئا لم يكتب بعد، ولم ينحت، ولم يقل وعبورا بين بداية العمل واكتماله أسمي هذا المعبر، معبر الفرح.

تتحدث أدبياتنا عن المعاناة الإبداعية، وتبالغ حتى تحسب العمل الابداعي تعذيبا للذات، أما أنا فأقول إن الابداع هو الفرح،الغامر والمضيء والممتلىء، هو الايجاب ضد السلب، الحرية ضد القهر، والأمل ضد اليأس، هو ما يجعلني احتمل هذا المنفى، وأمد أحلاما للفعل والخلق والوصل.

الحضور الباهر.. كمال ابو ديب

تفاجئك أعمال منى السعودي بحضور باهر، هو في آن واحد تعلق بالغياب، هنا تنتصب المنحوتة كتلة تتوهج بالصلابة وبالليونة، بالانخطاف بين أن تكون أو لا تكون، بين أن تتجه الى الداخل ملتفة على مركزها، وأن تنفتح على الخارج لتستدخله وتحيله جزءا من دا خليتها الحميمة. تفاجئك الكحلة ~ بخطوطها التي تقطع الفضاء، وتفرض نفسها عليه بانحناءات باهرة في حدتها وملاستها وحسيتها، لكنها في آن واحد انحناءات تجوهر الفراغ، فهي مشدودة بين أن تنفي الفراغ وأن تملاه