جيل دولوز
قطب الفلسفة الفرنسية الجديدة
وداعا دولوز


ترجمة وتقديم : كاظم جهاد (مترجم وشاعر عراقي مقيم في باريس)


مني العالم قبل فترة برحيل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز Gilles Deleuze عن سبعين سنة ، وكان قد شكل ، الى جانب ميشيل فوكو وجاك دريدا وأخوين قلائل ، أحد أهم أقطاب الفلسفة الفرنسية مابعد-السارترية . رحل دولوز مختارا، مانحا لموته صيغة قرار ولا أفظع ، بعد ما أثقلت عليه صحبة المرض وتعطل جهازه التنفسي الذي أجبره في الأعوام الأخيرة على التزود بالأوكسجين اصطناعيا. قذف بنفسه الى الارض من نافذة شقته الباريسية الكائنة في الطابق السادس من البناية ، مكررا بذلك حركة الفيلسوف اليوناني أمبدوقليس، التي طالما امتدحها دولوز نفسه . فمثلما قذف الفيلسوف اليوناني بنفسه في قلب بركان "اتنا"، مختلطا بأحشاء الأرض الملتهبة ، رمى دولوز بنفسه الى رصيف الشارع ، ممتزجا بتراب الأحياء.

بدأ دولوز بتاريخ الفلسفة ، فوضع دراسات معتبرة في فكر نيتشه وسبينوزا وهيوم وبرغسون ، وأخوين . مقاربة "خذاعة " لم يغير بها أسلوب العرض الفلسفي فحسب ، بل جعل تناوله لفكر الآخرين يشف عن فكره الشخصي الذي سيفرض بعد ذلك أسلوبه الفريد في "منطق المعنى"  و" الاختلاف والتكرار" و"بروست والعلامات "، الخ . فكر أدخل على الفلسفة وتاريخها تعديلات أساسية ، واطا حركاتها بحركات المجال والأرض والشعوب ، حيثما كان سواه يربطها بتحقيبات زمنية . أسس لعلم بداوة أو "نومادولوجيا" مقابل "المونادولوجيا" أو فلسفة "الأحادة " اللايبنتسية ، ولجيولوجيا للأخلاق بدل "الجينيالوجيا" أو علم أنساب الأخلاق النيتشوي، علما بأن دولوز يظل ، شأن جميع كبار التيار الفلسفي التالي لسارتر، متأثرا بصاحب "زرادشت "، مواصلا الحفر في الأخدود الواسع والعميق الذي فرضه هذا السلف الألماني الكبير على أديم الفلسفة وأرضية المعرفة . كما خاض دولوز حربا لاهوادة فيها ضد "البسيكياتري" أو الطب النفسي الذي يحول في نظره الأفراد الى رمم، وأدان ارتباط التحليل النفسي بالرأسمالية ، يعمل مثلها على تقنين الرغبة ، وتنبأ بمقدم فاشية غربية معممة . وهناك بالطبع كتابة دولوز، جملته الأصيلة التي يصفها هو نفسه بأنها سائحة في جميع الاتجاهات وملموسة مع ذلك على نفسها من الخارج بقوة ، كالبيضة ...

هنا نصان لدولوز، مستلان من منتخبات فلسفية له اختارها بنفسه قبل سنوات ، وترجمتها الى العربية ، في كتاب من المؤمل أن يرى النور عما قريب.

النص الأول ، "مسار فكري" (وعنوانه من وضع المترجم ، فهو بالأصل بلا عنوان)، هو الفصل الأول من كتاب " محاورات " Dialogues ، الذي وضعه جيل دولوز بالاشتراك مع كلير بارنيه Claire Parnet التي اضطلعت فيه بدور المحاور. صدر الكتاب في 1977 في منشورات " فلاماريون " Flammarion ، ضمن سلسلة مكرسة لمحاورة كبار المفكرين والكتاب . ولقد صيغ الكتاب لا على هيئة أسئلة وأجوبة ، وانما في شكل فصول يطرق دولوز في كل واحد منها عددا من الجوانب الأساسية لتفكيره وفلسفته وما يعتقد هو أئه يدين به لتجارب الآخرين الفكرية والفنية .

أما النص الثاني، "الجذمور" Rhizome ، فقد وضعه دولوز بالتعاون مع المفكر والمحلل النفسي الراحل فيليكس غواتاري Felix Guattari، الذي ألف دولوز بالاشتراك معه مؤلفات عديدة ضمن أسلوب في الكتابة الفلسفية المشتركة أصيل و"استفزازي". وقد أصدر دولوز وغواتاري هذا النص في كتيب مستقل في البدء، في منشورات "مينوي " Minuit، ثم جعلا منه بعد ذلك ، ومع بعض التعديلات ، فاتحة كتابهما "ألف هضبة " Mille plateaux (الدار نفسها).

عبر صورة "الجذمور" الذي ينمو في جميع الاتجاهات ، بلا جذر ولا ساق ، يتصدى المؤلفان لصورة الكتاب -الشجرة ، الكتاب المكتمل المنغلق على ذاته ، رمز المعرفة الهيغلية المعلقة . ثم يستطرد الفيلسوفان لمهاجمة الواحدية والمثنوية في مجالات عديدة تذهب من تشريح الدماغ وعمل الذاكرة الى الرياضيات واللسانيات فالأدب . وهذا كله ، إن كان يمنح في الوهلة الأولى للنص بعض صعوبة ظاهرية ، فهو إنما ينتهي الى تثوير صورة الكتاب وممارسته عبر ارتباطه بكل من الرغبة والتاريخ . وتجدر أخيرا الاشارة إلى أن المؤلفين قد مهدا لهذا النص بنوتة موسيقية لقطعة على البيانو.

***

إنه لبالغ الصعوبة أن " يفصح " المرء عن نفسه في محادثة أو مقابلة أو حوار. وفي أغلب الأحايين ، فأنا عندما يطرح علي سؤال ، حتى إذا كان يمسني شخصيا، أجد أن ليس لدي ما أقول . تصنع الاسئلة ككل شيء سواها. واذا لم يدعك الآخرون تصنع اسئلتك ، من عناصر اتية من كل مكان ، ومن أيما شيء، واذا ما "القوها " عليك ، فإنك لن تكون لديك أشياء ذات بال لتقولها. إن فن إنشاء مسألة لهو بالغ الأهمية : تخترع المسألة ، ومرضعه ما للمسألة ، قبل أن يوجد الحل . ولا شيء من هذا يمكن القيام به في محاورة ، أو محادثة ، أو نقاش . حتى التفكير انفرادا، أو مثنى، أو جماعا، ليس ليكفى التفكير خصوصا. أما الاعتراضات ، فأسوأ في كل مرة يعترض علي فيها، تنشأ لدي الرغبة في أن أقول : " حسنا! حسنا! فلننتقل إلى شىء اخر" . إن الاعتراضات لم تأت بشيء أبدأ. والشيء نفسه عندما يطرح علي سؤال عمومي. لايتمثل الهدف في الاجابة على أسئلة ، بل في الخروج ، الخروج منها. وكثيرون يعتقدون بأننا نخرج من الأسئلة بتكرارنا إياها. " ماذا عن الفلسفة ؟ أهي ميتة ؟ هل نحن سائرون الى تجاوزها ؟ " . إن هذا لمضن حقا. لن يكفوا عن الرجوع الى السؤال أملا بالخروج منه . لكن لخروج لا يتحقق على هذه الشاكلة أبدأ. تتحقق الحركة " في ظهر" المفكر دائما، في اللحظة التي يحدق فيها مسهما وتطرف أجفانه . الخروج ، هذا حادث من قبل ، والا فأبدا لن نخرج . تنزع الأسئلة عموما إلى مستقبل (أو إلى ماض). مستقبل المرأة ، مستقبل الثورة ، مستقبل الفلسفة ، الخ .. لكن في تلك الأثناء، وفيما ندور نحن في حلقة مفرغة ، وسط هذه الأسئلة ، فإن هناك صيرورات تعمل في صمت ، خفية عن النظر تقريبا.إننا نفكر أكثر مما ينبغي بمفردات التاريخ ، الشخصي أو الشامل . أما الصيرورات ، فهي امسألتال جغرافية : إنها توجهات ، وجهات ، مداخل ومخارج . ثمة صيرورة -إمرأة لا تختلط بالنساء، بماضيهن أو مستقبلهن ، وينبغي تماما أن تدخل النساء في هذه الصيرورة حتى يخرجن من ماضيهن ومن مستقبلهن ، من تاريخهن . وثمة صيرورة -ثوري (أ) لا تختلط بصيرورة الثورة ، وربما لم تكن لتمر بالضرورة عبر المناضلين . وثمة صيرورة -فيلسوف لا شيء يجمعها بتاريخ الفلسفة ، وهي تمر بالأحرى بمن يعجز تاريخ الفلسفة عن تصنيفهم.

 ليست الصيرورة أبدأ التقليد، ولا التصرف على شاكلة ( هذا أو ذاك)، ولا الامتثال لا نموذج، وان يكن أنموذج عدالة أو حقيقة .لا طرف منه ننطلق ، ولا طرف نبلغه أو ينبغي أن نبلغه . ليس كذلك من طرفين يمكن استبدالهما أحدهما بالاخر. إن السؤال : " ما أصبح عليه ( هذا الشيء أو ذاك)؟ " ، لهو غبي تماما. إذ بقدر ما يصير أحد، فإن ما يصير اليه يتغير قدر تغيره هو نفسه . ليست الصيرورات ظواهر محاكاة ، ولا هضم ، بل هي (ظواهر) قنص مزدوج ، ونمو غير متواز، وأعراس بين عالمين مختلفين . الأعراس مجانية للطبيعة أبدا. الاعراس نقيض الزيجة . ليس من آلات ثنائية : سؤال / جواب ، مذكر/مؤنث ، إنسان / حيوان ، الخ ... يمكن لمحاورة أن تكون هذا: رسم صيرورة ببساطة . إن الزنبور والسحلبية ليمداننا بمثال . تبدو السحلبية في صدد تشكيل صورة زنبور، لكن ثمة في الواقع لدى السحلبية صيرورة - رنبور، ولدى الزنبور، صيرورة - سحلبية ، قنص مزدوج ، مادام " ما " يصيره كل منهما يتغير بقدر ما يتغير " من " يصير. يصبح الزنبور جزءا من جهاز إنتاج السحلبية، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه السحلبية عضوا جنسيا للزنبور. صيرورة واحدة ، وكتلة واحدة للصيرورة ، أو، كما يعبر ريمي شوفان ، " نمو غير متواز لكائنين لا يمت أحدهما للاخر بصلة " . ثمة صيرورات حيوانات للإنسان لا تتمثل في محاكاة الكلب أو القطة ، ما دام الحيوان أو الأنسان لا يتلاقيان إلإ في مسافة ترحل (ب) مشترك لكنه غير متناظر. إن الشيء لشبيه بطيور موتسارت : ثمة في هذه .لموسيقى صيرورة - طائر. على أنها مأخوذة في صيرورة - موسيقى للطائر، فا لاثنتان تشكلان صيرورة واحدة ، كتلة واحدة ، نموا غير متواز: لا تبادل ، قط ، بل " مسارة بلا محاور ممكن " ، كما يقول أحد شارحي موتسارت -، أي، ويإيجازا، محاورة .

الصيرورات هي ما يكون أكثر خفاء، إنها الآفعال التي لا يمكن أن تكون محتواة إلا في حياة ، ولا معبرا عنها إلا في أسلوب . شأنها شأن أنماط الحياة ، ليست الأساليب بناءات . في الأسلوب ، أي أسلوب ، ليست الكلمات هي ما يهم ، ولا الجمل ، ولا الصور ولا الايقاعات . وفي الحياة ،ليست الحكايات (هي ما يهم) ولا البدايات ولا النتائج . إن كلما ليظل ممكنا دائما استبدالها بأخرى. إن كانت هذه (الكلمة) لا تروق لكم أو لاتناسبكم ، فهاكم سواها، ضعوا محل الكلمة السابقة كلما أخرى. لو بذل كل واحد هذا المجهود، لاستطاع الجميع أن يتفاهموا، ولما عاد من مبرر لطرح أسئلة ،أو التقدم باعتراضات. ليس ثمة كلمات نظفتة، ولا مجازات (جميع المجازات كلمات وسخة ، أو تشكل كلمات وسخة). ليس ثمة سوى كلمات غير دقيقة لتسمية شيء ما بدقة  فلنجترح كلمات خارقا، شريطتا أن نستخدمها الاستخدام الأكثر عادية ، حتى نجعل النوعية التي تسميها هي موجودة على قدم المساواة والشيء الأكثر شيوعا. لدينا اليوم طرائق جديدة للقراءة ، وربما للكتابة أيضا. منها ما هو رديء وقذر. يتوفر، مثلا، الانطباع بأن بعض الكتب مؤلفة من أجل القراءة التي يفترض أن يحققها عنها صحفي ما، هكذا بحيث لن تعود من حاجة للقراءة ، بل ، فحسب ، لكلمات جوفاه (ينبغي قراءة هذا! إنه لمدهش ! هيا: سترون !)، وذلك من أجل تفادي قراءة الكتاب وتهيئة المقالة . أما القراءات الجيدة اليوم ، فتتمثل في التوجه إلى معالجة كتاب مثلما نستمع إلى أسطوانة ، أو كما نشاهد فيلما أو برنامجا تلفزيونيا، وكما نتلقى أغنية : كل معالجة للكتاب تطالب باحترام خاص له ، وبانتباه من ضرب اخر، إنما هي اتية من عصر اخر وانها لتدين الكتاب نهائيا. ليس هناك مسألة صعوبة أو فهم قط : إن المفهومات هي بالضبط كمثل أصوات ، ألوان أو صورا إنها توهجات تناسبكم أو لا، وتفلح في المرور أو لا تفلح . فلسفة - لاولا(ت). ليس هناك ما يفهم ، ولا ما يؤول . أود أن أقول ماالاسلوب . إنه محاورة من يقال عنهم عادة " إنهم بلا أسلوب ... " ليس الاسلوب بنيتا دالة، ولا منظومه مفكرا بها، ولا إلهاما عفويا، ولا تجويقا، ولا جملة موسيقيا تتكرر... إنه ترتيب : ترتيب قول . يتمثل الاسلوب في أن نتوصل إلى التأتأة في لساننا نفسه . هذا صعب ، لانه ينبغى أن تكون ثمة ضرورة لمثل هذه التأتأة . لا أن يكون المرء تمتاما في كلامه ، وانما أن يكون تمتام اللغة نفسها بالذات . أن يكون كمثل غريب في لسانه نفسه . أن يجترح منسربا أو خط هروب (ث). الامثلة .لاكثر سطوعا عندي هي: كافكا، بيكيت ، غيراسيم لوكا، وغودار. إن غيراسيم لوكا لشاعر كبير بين أكبر الشعراء. لقد ابتكر تأتأة رائعة، هي تأتأته . حدث له أن قدم قراءات لقصائده أمام الجمهور، مائتي شخص، ومع ذلك فقد كان هذا حدثا؛ إنه حدث يمر عبر مائتي مستمع . من دون أن يعود إلى مدرسة أو حركة . أبدا لا تمر الاشياء حيثما نحسب ، ولا بالطرق التي نحسب .

يمكن الاعتراض بأننا إنما نطرح أمثلة ملائمة ، فكافكا يهودي تشيكوسلوفاكي، كان يكتب بالالمانية ، وبيكيت إيرلندي يكتب بالانكليزية والفرنسية ، وغيراسيم لوكا روماني الاصل ، وغودار سويسري. ثم ماذا؟ ليست هذه مشكلة أي منهم . إن علينا أن نكون مزدوجي اللغة حتى داخل لغة بذاتها: علينا أن نحوز لغة أقلية (ج) داخل لغتنا نفسها بالذات ، علينا أن نستخدم لغتنا نفسها استخداما أقليا. ليست التعددية اللغوية هي حيازة نظم عديدة يكون كل واحد منها متجانسا في ذاته ، فحسب ، بل هي، أولا، خط الهروب أو التنويع الذي يمس كل نظام مانعا إياه من التجانس . لا أن نتكلم كإيرلندي آو رومانى في لغة أخرى سوى لغتنا، بل بالعكس ، أن نتكلم في لغتنا نفسها كأجنبي. يقول بروسة : "إن الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية . تحت كل كلمة ، يضع كل منا معناه أو على الاقل صورته التي هي في الغالب معنى خاطيء. لكن في الكتب الجميلة ، تظل جميع الاخطاء التي نرتكب جميلة " (1) (ح). هذه هي الطريقة الجيدة في القراءة . جميع الاخطاء أو المعانى المضادة جميلة ، شريطة الا تشكل تأويل ، وانما أن تهم استخدام الكتاب ، أن تمدد استخداماته ، أن تجترح داخل لغتها لغة. "الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية ..." هذا هو تعريف الاسلوب . وهذه أيضا مسألة صيرورة . دائما يفكر بمستقبل أغلبي (عندما ستكون كبيرا، عندما سأتسلم الحكم ...) على حين يتمثل المشكل في الصيرورة - أقليا: لا أن نتصنع ، ولا أن نقلد أو نحاكي الطفل ، أو المجنون ، أو المرأة ، أو الحيوان ، أو التمتام أو الغريب ، وأنما نصير هذا كله ، حتى نبتكر قوى جديدة أو أسلحة جديدة .

الامر نفسه بالنسبة إلى الحياة . ثمة في الحياة ضرب من الخرف ، من هشاشة الصحة ، من البناء المعتل ، ومن التأتأة الحيوية التي هي سحر أحد ما. السحر منبع الحياة ، كما يكون الاسلوب منبع الكتابة . ليست الحياة هي تاريخك (حكايتك الشخصية)؛ إن من لا يتمتعون بسحر ليفتقرون إلى الحياة ، إنهم لكمثل الموتى. سوى أن السحر ليس هو الشخص كله . إنه ما

يمكن من القبض على الاشخاص كتركبات ، وفرص فريدة تمخضت عن هذه التركيبة . رمية نرد ظافرة بالضرورة ، لانها تؤكد الصدفة بما فيه الكفاية بدل أن تقطعها، او تطبعها بالاحتمال، أو تبترها. من هنا، فعبر كل تركيبة هشة إنما تتأكد ثورة على الحياة ، بقوة ، بعناد، ومواظبة في الوجود مالها من مثيل . إنه لغريب أن ترى إلى كبار المفكرين وهم يتمتعون بحياة شخصية هشة ، وصحة غير متيقنة ، في الوقت نفسه الذي يرفعون فيه الحياة إلى مصاف قدرة مطلقة أو "عافية موفورة " . ليسوا أشخاصا، وانما هم تركباتهم الخاصة . إن السحر والاسلوب لكلمتان رديئتان ، وينبغي العثور على مفردات أخرى سواهما، واستبدالهما. ثم إنه في الاوان ذاته الذي يمنح فيه السحر الحياة قوة غير شخصية تتجاوز الافراد، يهب الاسلوب الكتابة غاية برانية تفيض عن المكتوب . وهما الشيء ذاته : فلا تتمتع الكتابة بغايتها في ذاتها، مثلما لا تمثل الحياة شيئا شخصيا. تجد الكتابة غايتها الوحيد في الحياة ، عبر التركبات التي تسحبها منها، بعكس " العصاب " (Nervose) (خ) الذي لا تكف الحياة فيه، بالضبط ، عن أن تجد نفسها مشوهة ، محقرة ، مشخصنة ، ومماتة ، والكتابة عن أن تتخذ نفسها غاية . إن نيتشه ، الذي كان ، بعكس العصابي، هائل الحيوية ، ومعتل الصحة ، قد كتب: "يبدو أحيانا أن الفنان ، وخصوصا الفيلسوف ، ليس سوى مصادفة في حقبته ... إن الطبيعة التي لاتثب أبدا ، تقوم لدى ظهوره بوثبتها الوحيدة ، وانها لوثبة فرح ، ذلك أنها تشعر أنها بلغت (هنا) مرامها لاول مرة ، هناك حيث تدرن أنفا، باللعب مع الحياة والصيرورة ، كانت مدفوعة إلى رهان كبير. وهذا الاكتشاف يجعلها تتضوأ، وينطرح على محياها تعب المساء العذب ، هذا الشيء الذي يدعوه البشر بالسحر"(2).

عندما نعمل ، نكون بالضرورة في عزلة مطلقة . لا يمكن أن نشكل مدرسة ، ولا طرفا في مدرسة . ليس ثمة من عمل الا أسود وسريا. سوى أنها عزلة مأهولة بشدة . لا بالاحلام ، أو الاستيهامات ، أو المشاريع ، وانما بلقاءات . إن لقاء ربما كان يشكل والاعراس أوالصيرورة الشيء نفسه . من غور هذه العزلة نقدر أن نحقق جميع ضروب اللقاءات . نلاقي أناسا (وأحيانا من دون أن نعرفهم ومن دون أن نكون رأيناهم أبدا)، لكن كذلك حركات ، أفكارا، تنافيات ، نوعيات . لجميع هذه الاشياء أسماء شهرة ، لكن إسم الشهرة لا يحدد قط شخصا أو فاعلا. يحدد في الواقع تعرجا، شيئا ما يمر أو يحدث بين اثنين ، كما لو تحت ( تأثير) اختلاف في الاحتياطي : " أثر كومبتون " ، أو" أثر كللاان " ( 10). نقول الشيء نفسه في ما يتعلق بالصيرورات : لا يصبح طرف الطرف الاخر، وانما يلاقي كل منهما الاخر، صيرورة واحدة لاتكون مشتركة للاثنين ، ما دام الواحد منهما لا يمت بصلة للاخر، وانما هى بين الاثنين ، وتتمتع باتجاهها الخاص ، كتلة صيرورة ، نمو غير متواز. وهذا هو القنص المزدوج ، الزنبور والسحلبية : حتى ولا شيء يكون في طرف ، أو في الاخر، وان يكونا موعودين بتبادل ، وامتزاج ، بل هو شيء بين الاثنين ، خارج الاثنين ، وانه ليجري في اتجاه أخر. أن نلاقي هو أن نعثر على ...، أن نقتنص ، أن نسرق ؟ لكنه شيء بين الاثنين ، كل شيء هو ثمرة تهيئة طويلة . إن السرقة لهي مضاد الانتحال ، الاستنساخ ، التقليد، أو المحاكاة . والقنص هو دائما قنص مزدوج ، والسرقة سرقة مزدوجة ، وهذا لا يصنع شيئا متبادلا، وانما كتلة غير تناظرية، نموا غير متواز، أعراسا، دائما " في الخارج " ودائما " بين " . انذاك يكون حوار.

"نعم أنا سارق أفكار

لست -أرجوكم - خاطف أرواح لقد بنيت وبنيت ثانية

على ما هو في انتظار

لان رمل الشواطىء

يرسم قصورا كثيرا

في ما فتح

قبل زماني

كلمة، لحنا، خطا، حكاية

مفاتيح في الريح لاهرب من الفكر

ولاهرب أفكاري المغلقة نفحة فناء خلفي

ليس مشغلتي أن أجلس وأتأمل

مزجيا الوقت في التخمينات

مفكرا بأفكار هاهي من الفكر

وبأحلام لم يحلم بها

أو بأفكار جديدة لم تكتب بعد

أو بكلمات جديدة تلائم القافية ...

إني لا أعبأ بالسنن الجديدة

طالما لم تجترح

وأنا أصرخ بما يغني في رأسي

عارفا أننا، أنا وجميع من هم مثلي،

من سوف نسنها، هذه السنن ،

واذا كان أبناء الغد

بحاجة لسنن اليوم،

فلتحتشدوا جميعا أيها القضاة

ما دام العالم ليس سوى محكمة

نعم

لكني أعرف المتهمين أفضل منكم

وفيما تنهمكون في الملاحقات

ننهمك نحن في الصغير

ننظف قاعة المحاكمة

نكنس ونكنس

نصغي ونصغي

غامرين بعضنا لبعض

انتبهوا

الا انتبهوا

لن يتأخر دوركم قط " (3).

كبرياء قصيدة بوب ديلان هذه روعتها، وتواضعها. إنها لتقول كل شى ء. أطمح ، كأستاذ جامعي، أن أقدم درسا كما ينظم أيلان أغنية ، كمنتج مدهش أكثر منه مؤلفا. وليبدأ الشيء مثلي عنده ، فجأة ، مع قناعه قناع المهرج ، ومع فن لكل تفصيل مدروس ، مع أنه مرتجل . إنه ضد المنتحل ، لكن في الاوان ذاته ضد المعلم أو الانموذج . تهيئة طويلة جدا، لكن بلا منهج ولا قواعد أو وصفات . أعراس ، لكن بلا زوج ولا زيجة . أن أمتلك كيسا لاضع فيه كل ما ألاقي، لكن شريطة أن أرضع في كيس أنا أيضا. العثور، الملاقاة ، السرقة . بدل التنظيم ، أو الاقرار أو الحكم .ذلك إن الاقرار هو نقيض اللقاء. يظل الحكم مهنة الكثير من الناس ، وهو ليس بالمهنة الجيدة ، لكن هذا هو أيضا الاستخدام الذي يخضع كثيرون له الكتابة. إن لافضل أن نكون كناسين من أن نكون قضاة . بقدر ما نخطيء في حياتنا، نمنح دروسا. لا أحد يضاهي الستالينيين في إعطاء دروس في اللا-ستالينية والاعلان عن سنن جديدة " . إن هناك سلالة كاملة من القضاة ، وان تاريخ الفكر ليختلط بتاريخ محكمة ، إنه ينادي بانتمائه إلى محكمة العقل المحض أو الايمان المحض ... لذا يتكلم الناس بمثل هذه السهولة باسم الاخرين وبدلا عنهم ، ويحبون الاسئلة إلى هذا الحد ويعرفون بهذه الدرجة من الجودة طرحها والاجابة عليها. هناك أيضا من يطالبون بأن يحكم عليهم ، لا لشيء إلا ليقر بهم مذنبين . ينادى في القضاء بالامتثال ، حتى إذا كان ذلك لقواعد تخترع ، أو لمتعال نزعم إماطة اللثام عنه ، أو لمشاعر نرفضها. إن العدالة ، وقوة الاصابة (في الحكم أو التشخيص)، لهما فكرتان رديئتان . ضدهما ينبغي أن ندفع بصيغة غودار : لاصورة صائبة ، بل مجرد صورة . الشيء نفسه في الفلسفة ، مثلما في فيلم أو أغنية : لا أفكار صائبة ، وانما أفكار وليس أكثر، ذلكم هو اللقاء، تلكم هي الصيرورة ، السرقة ، الاعراس ، " ما بين " العزلات هذا. عندما يقول غودار: أريد أن أكون مكتب إنتاج ، فهو لا يقصد بالطبع : أريد إنتاج أفلامي، أو أريد نشر كتبي بنفسي . بل يقصد ( إنتاج) أفكار فحسب ، لاننا، عند هذا المصاف، نكون وحيدين تماما، إنما كمثل جماعة أشرار أيضا. لم يعد الواحد مؤلفا، وانما مكتب إنتاج ، وهو أبدا لم يكن مأهولا أكثر منه الان . أن يكون " عصبة " : تعيش العصب أشد المخاطر. يمكن أن نعيد ترميم قضاة ، ومحاكم ومدارس ، واسر وزيجات ، لكن ما هو جيد في عصبة ، مبدئيا، هو أن كلا يتابع فيها قضيته الخاصة في الاوان ذاته الذي يلاقي فيه الاخرين ، كل يذهب بأسلابه ، وان صيرورة لترتسم ، وكتلة تشرع بالحركة ، وهى لا تعود إلى أحد، وانما هي " بين الناس جميعا، كمثل قارب يطلقه صغار ويفقدونه ، ويسرقه اخررن . ما فعل يا ترى غودار وميلفيل في المحاورات التلفزيونية " ست مرات اثنين " ، إن لم يكن الاستخدام الاكثر ثراء لعزلتهما، واستعمالها كوسيلة تلاق ، وجعل خط أو كتلة تمر بين شخصين ، وانتاج جميع ظواهر القنص المزدوج ، والابانة عن أن " واو" العطف لاتشكل اجتماعا ولا تجاورا، وانما نشأة تأتأة ، وأثر خط متكسر ينطلق على الدوام في حيدان ، ضرب من خط هروب فاعل وخلاق ؟ و...و...و...

ليس ينبغي البحث عما إذا كانت فكرة صائبة أم مخطئة . ينبغي البحث عن فكرة أخرى مختلفة، في محل أخر. في ميدان اخر، بحيث يمر بين الاثنتين شيء ما، لا يكون في احداهما ولا في الثانية . الحال ، إننا لا نعثر على هذه الفكرة وحدنا عموما، بل تلزم صدفة ، أو أحد يهبنا إياها. ليس ينبغي أن يكون المرء عارفا، أن يعرف هذا الميدان أو ذاك ، وانما أن يتعلم هذا أو ذاك في ميادين جد مختلفة . وان هذا لافضل من القطع "cut - up  " (ذ) . هو بالاحرى إجراء " pick - me - up " (إنعاش)، إجراء " pick - up " ، وهو -في المعاجم : الاقتناص ، انتهاز الفرصة ، استئناف عمل محرك ، التقاط الموجات : ثم إن هناك المعنى الجنسي للمفردة. مايزال " قطع " بورو Burroughs يشكل منهج احتمالات ، لغوية على الاقل ، ولا يشكل ، بعد، إجر