ميلان كونديرا:
طرقات وسط الضباب


ترجمة: حسونة المصباحي (كاتب من تونس مقيم في المانيا)


ما هو التهكم ؟

في القسم الرابع من «كتاب الضحك والنسيان »، تكون «تامينا» بطلة الرواية بحاجة لصديقتها "بيبي". وهى خطاطة شابة. ولكي تحصل على مردتها، تنظم لها بطلب منها لقاء مع كاتب من الاقاليم يدعى "باناكا". ويفسر كاتب الاقاليم هذا للخطاطة كيف أن الكتاب الحقيقيين اعرضوا اليوم عن فن الرواية البالي: " تعلمين ان الرواية هي ثمرة وهم بشري. وهم القدرة على فهم الاخرىن. لكن ماذا نعرف عن بعضنا البعض ؟ [...].كل ما نستطيع أن نفعله هو ان نقدم تقريرا حول ذواتنا[...]. كل ما تبقى كذب في كذب ". ويقول صديق لباناكا وهو استاذ في الفلسفة: "منذ جيس جريس نحن نعلم جيدا ان اكبر مغامرة في حياتنا هي غياب المغامرة [...] ان اوديسة هوميروس انتقلت الى الداخل. لقد اصبحت شأنا داخليا،. بعد مرور بعض الوقت على ظهور الكتاب، عثرت على هذه الكلمات في مستهل رواية فرنسية. وقد أفرحني هذا كثيرا، بل وجعلني شديد الاعجاب بنفسي. وفي الوقت ذاته أشعرني بالحرج ذلك أني اعتبر أن ما يقوله باناكا وصديقه ليس غير حماقات مصطنعة. في تلك الفترة، فترة السبعينات، كنت أسمع مثل هذه الحماقات في أماكن عديدة وهي عادة ما تكون ثمرة ثرثرة جامعية تعتمد على تراث البنيوية أو علم النفس الفرويدي.

عقب صدور هذا القسم من «كتاب الضحك والنسيان» في تشيكوسلوفاكيا في طبعة خاصة (أول طبعة لنصوصي بعد مضي عشرين عاما على منعها من قبل الرقابة) بعث لي الى باريس بمقال صحفي: كان الناقد معجبا بي. وكحجة على ذكائه، استشهد بهذه الكلمات التي اعتبرها جد مهمة: "منذ جيس جريس نحن نعلم جيدا ان أكبر مغامرة هي غياب المغامرة " الخ.. الخ وقد شعرت بفرح ماكر وأنا أرى نفسي أعود إلى وطني الأم على ظهر حمار سوء التفاهم.

ان سوء التفاهم أمر مفهوم: انا لم أحاول أن أسخر من باناكا وصديقه الأستاذ. ولم أبد أي تحفظ تجاههما. بالعكس أنا حاولت قدر المستطاع ان اخفي ذلك راغبا في أن أمنح آراءهما أناقة الخطاب الثقافي الذي كان كل الناس في ذلك الوقت يحترمونه ويقلدونه بحماس وحمية. ولو حاولت أن أجعل كلامهما مضحكا، وذلك من خلال ابراز نواحي المبالغة والمغالاة فيه، لكنت قد قمت بما يسمى فن الهجاء. ان فن الهجاء هو فن يدافع عن قضية. وواثق في حقيقته، هو يسخرهن كل ما يقرر مقاومته. ان علاقة الروائي الحقيقي بشخوصه ليست أبدا علاقة تتغذى من فن الهجاء. إنه تهكمي. لكن كيف يمكن للتهكم الذي هو فن محتشم وكتوم بالأساس، ان يعلن عن نفسه ؟ إنه يفعل ذلك من خلال محتوى النص: إن أقوال باناكا وصديقه موجودة داخل فضاء من الحركات والأفعال والكلمات التي تقلل من شأنها. ان العالم البرونفنسيالي الذي يحيط بتامينا يتميز بأنانية بريئة ؛ كل واحد يشعر تجاهها بود نزيه، ومع ذلك لا يحاول أي احد أن يفهم ما تريد ان تقول، وحين يقول باناكا ان فن الرواية هو فن بال لان فهم الاخرىن وهم، فإنه لا يعبر فقط عن موقف جمالي رائج رواجا هائلا، ولكن لكي يكشف دون علم منه عن بؤسه وبؤس الوسط الذي يعيش فيه: عدم الرغبة في فهم الآخر. عمى اناني تجاه العالم الواقعي.

إن التهكم يعني ما يلي: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تؤخذ الاثباتات في رواية ما معزولة عن بقية الإثباتات الأخرى، ذلك ان كل اثبات يوجد في حالة مواجهة معقدة ومتناقضة مع الاثباتات وأوضاع وحركات وأفكار واحداث أخرى. وحدها القراءة المتأنية، المكررة مرتين أو العديد من المرات يمكن ان تستخرج كل العلاقات التهكمية داخل الرواية والتي من دونها تظل الرواية غير مفهومة.

سلوك جوزف ك الغريب عند الايقاف.

يستيقط ك. في الصباح. ومن فراشه يضرب الناقوس لكي يؤتى له بفطور الصباح. ومكان الخادمة يأتي مجهولون، رجال عاديون، يلبسون لباسا عاديا غير أنهم يتصرفون في الحين بكثير من السلافة حتى أن ك. يستشعر في الحين قوتهم وسلطتهم، ورغم احساسه بأنهم داسوا على كرامته وعلى حويته، فانه لا يجد القدرة على طردهم. بل هو يسألهم بلطف شديد: "ما أنتم ؟".

منذ البداية، نعاين ان سلوك ك. يتأرجح بين ضعفه الذي يجعله مستعدا للانحناء أمام صلافة الدخلاء (لقد قدموا ليعلموه بأنه موقوف) وبين خوفه من ان يبدو مضحكا. هو يقول مثلا وبحزم: "أنا لا أريد أن أبقى هنا أولا أن اكلمكم قبل ان تقدموا انفسكم ".

يكفي ان نعزل هذه الكلمات من علاقاتها التهكمية، وان نقرأها كما هي (تماما مثلما قرأ ذلك الناقد كلمات باناكا) لكي يصبح ك. بالنسبة لنا (تماما مثلما كان بالنسبة لأورسن والس الذي حول المحاكمة إلى فيلم سينمائي) رجلا يتمرد على العنف. ومع ذلك، علينا ان نقرأ النص بانتباه شديد لكي نعاين ان هذا الرجل الذي زعم انه متمرد يواصل اطاعة الدخلاء الذين لا يكتفون برفض تقديم انفسهم، بل يلتهمون فطوره، ويفرضون عليه أن يظل واقفا بثياب النوم طوال هذا الوقت. في نهاية مشهد الاذلال العجيب هذا (هو يمد يده غير انهم يرفضون لمسها) يقول واحد من الدخلاء لـ "ك ": "اعتقد أنك تنوي الذهاب إلى مصرفك ؟ - إلى مصرفي ؟ يقول ك: لقد تصورت اني موقوف:".

ها هو من جديد الرجل الذي يتمرد ضد العنف. انه متهكم ! انه يستفز! تماما مثلما يبرز ذلك التعليق التالي لكافكا: "وضع ك ,،في سؤاله نوعا من التحدي، ذلك انه حتى وان رفضوا الشد على يده. فانه بدأ يشعر منذ ان نهض الحارس بانه اصبح شيئا فشيئا مستقلا عن كل هؤلاء الناس. انه يلعب معهم. وكان في نيته في حالة إذا ما ذهبوا ان يجري وراءهم حتى مدخل العمارة وأن يطلب منهم ايقافه ".

ها تهكم جد حاذق: ان ك يستسلم ويرضخ وفي الوقت ذاته هو يسعى الى أن يرى نفسه شخصا قويا«يلعب معهم »، ويسخر منهم، محاولا ان يتظاهر بشىء من الهزء، بعدم اخذ ايقافه سأخذ الجد. انه يستسلم لكنه يقوم في الحين بتعليل استسلامه بطريقة تساعده على المحافظة على كرامته تجاه نفسه.

في البداية قرأنا كافكا، وعلى وجوهنا مسحة مأساوية. بعدها علمنا ان كافكا بعد ان قرأ النص الاول في «المحاكمة » لجمع من أصدقائه، ضحك هؤلاء كثيرا. وعندئذ بدأنا نحن ايضا نرغم انفسنا على الضحك لكن دون أن نعرف سبب ذلك. وبالفعل ما هو الشيء المضحك في هذا الفصل ؟ سلوك ك ؟ لكن ما هو المضحك في هذا السلوك ؟ ان هذا السؤال يذكرني بالسنوات التي امضيتها في كلية السينما ببراغ. أنا وصديق لي. كنا خلال اجتماعات الاساتذة، ننظر بود ماكر الى واحد من زملائنا وهو كاتب في الخمسين من عمره، رجل حاذق مستقيم غير أننا كنا نشتبه في انه يتميز بجبن هائل لا يمكن قهره أبدا. وقد تخيلنا وضعا كالتالي غير اننا لم نستطع ويا للاسف، أن ننجزه: واحد منا، يطلب منه بغتة ونحن داخل الاجتماع: "اجث على ركبتيك !" وهو لا يفهم في البداية، ولا يدرك مقصدنا. وتحديدا، وسط جبنه الجلي، هو يفهم كل ذلك في الحين غير انه يعتقد انه بامكانه أن يربح قليلا من الوقت حين يتظاهر بانه لم يفهم. وعندئذ نكون نحن مجبرين على ان نصرخ فيه مرة أخرى: "أجث على ركبتيك !". وفي هذه اللحظة هو لن يستطيع ان يتظاهر بانه لم يفهم. وها هو على استعداد لتنفيذ الامر وليس أمامه غير مشكل واحد: كيف له أن يفعل ذلك ؟ كيف له ان يجثوا على ركبتيه: أمام أنظار زملائه دون أن يصاب بالاذلال. وييأس، يبحث عن جملة مضحكة يقولها عندما يجثوا على ركبتيه: "هل تسمحوا لي  يا زملائي الاعزاء أن أضع وسادة تحت ركبتي!".

- "اجث على ركبتيك ولا تتكلم !"

وها هو ينفذ الأمر عاقدا يديه، محنيا رأسه قليلا باتجاه اليسار: "أيها الزملاء الاعزاء.. إذا ما انتم درستم الفن في عصر النهضة، فإنه بامكانكم أن تتبينوا ان رفائيل رسم فرانسوا داسيس بهذا الشكل تماما.

كل يوم نتخيل ألوانا من هذا المشهد البهيج، مكتشفين ومبتدعين جملا وتعابير أخرى يحاول من خلالها زميلنا الحفاظ على شرفه.

المحاكمة الثانية لجوزف ك:

على عكس اورسن والس، كان المفسرون الاوائل بعيدين كل البعد عن اعتبارك. مجرد رجل برىء يتمرد ضد التسلط. بالنسبة لماكس برود، يعتبر جوزف ك. مذنبا ولا يمكن الشك في ذلك. ماذا فعل ؟ يعتقد ماكس برود في كتابه: "اليأس والخلاص في أعمال فران كافكا - 1959" ان جوزف ك. مذنب لعدم قدرته على الحب " Lieblosigkeit " ان جوزيف ك. لا يحب أحدا. أنه يداعب ويغازل فقط. لذا وجب ان يموت. (لنحتفظ في ذاكرتنا والى الابد بالحماقة العظيمة لهذه الجملة). وفي الحين يقدم برود حجتين على عدم المقدرة على الحب: حسب فصل غير مكتمل حذف من الرواية، لم يقم جوزف ك. بزيارة امه منذ ثلاث سنوات. وهو يكتفي فقط بارسال حوالات بريدية لها، ويسأل عن احوال صحتها عند ابن عم له. (يا لتشابه الغريب: مار سولت في "الغريب " لكامو يتهم هو أيضا بانه لا يحب امه) اما الحجة الثانية فهي علاقته بالآنسة "بورستنار". وهي علاقة يصفها برود بانها "جنسية من النوع المنحط ". ذلك ان جوزف ك. بسبب انشغاله بالملاذ الجنسية، لم يعد يعتبر المرأة كائنا بشريا.

أما ادوارد جولد ستوكر، الاختصاصي التشيكي في ب.كافكا، فقد أدان بقسوة ك. وذلك في المقدمة التي خصصها لطبعة "المحاكمة " التي صدرت في براغ عام 1964، رغم ان مستنداته في ذلك لم تكن لاهوتية كما هو الحال عند ماكس برود، بل اجتماعية ماركسية: «ان جوزف ك. مذنب لانه سمح لحياته ان تكون مستلبة، وراضخة رضوفا تاما للايقاع التافه للمياة الاجتماعية، وقابلة ان تمتنع عن كل ما هو انساني. وهكذا نرى ان جوزف ك. عارض القانون الذي ترضخ له الانسانية بأسرها حسب كافكا نفسه الذي يقول: "كن انسانيا". وبعد ان كان ضحية لمحاكمة ستالينية اتهم خلالها بجرائم خيالية، أمضى جولد ستوكر خلال الخمسينات اربع سنوات سجنا. وانا اتساءل: كيف سمح جولد ستوكر لنفسه -هو الذي كان نفسه ضحية لمحاكمة ظالمة - ان يحاكم متهما آخر اقل منه ذنبا؟.

وحسب الكسندر خيالات في كتابه: "التاريخ السري للمحاكمة - 1947" فان المحاكمة في رواية كافكا هي ذات المحاكمة التي يقيمها كافكا ضد نفسه. وك. ليس سوى هو نفسه: لقد ألغى كافكا خطوبته مع فيليس. وجاء أبوها "الى مالمو" خصيصا لمعاقبة المتهم. وكانت الغرفة في فندق "اسكاين " حيث حصل هذا الحادث (يوليو / تموز 1914) تشبه بالنسبة لكافكا قاعة محكمة [...]. بعد ذلك بقليل شرع كافكا في كتابة "المحاكمة " و"اصلاحية الأحداث ". نحن نجهل جريمة ك. والاخلاق العامة تبرؤها. ومع ذلك فان براءته "شيطانية " [...]. لقد ارتكب ك مخالفة بطريقة غامضة تجاه قوانين عادلة غامضة لا علاقة لها بعدالتنا نحن على الاطلاق [...]. ان الحاكم هو الدكتور كافكا، والمتهم هو الدكتور كافكا أيضا. وهو يترافع على اساس الاعتراف بجريمة «البراءة الشيطانية ».

خلال المحاكمة الأولى (تلك التي يرويها كافكا في روايته) تتهم المحكمة ك دون ان تقدم أي دليل على الجريمة. والمختصون في أدب كافكا لا يتعجبون بالمرة من ان يتهم احدهم دون أن نعرف سبب ذلك ولا يسارعون للتمعن في الحكمة ولا لتثمين هذا الجمال زي الابتكار الخارق. وعوض هذا، هم يلعبون دور النائب العام في محاكمة جديدة يقيمونها هم أنفسهم ضد ك. ساعين هذه المرة إلى تشخيص دقيق للخطأ الذي ارتكبه المتهم: أنه ليس باستطاعته أن يحب!. ان جولد ستوكر يقر ان حياة ك. تحولت إلى حياة ميكانيكية لا معنى لها، اما خيالات فيلجأ إلى الغاء كافكا لخطوبته من فيليس ! ومع ذلك علينا ان نعترف لهما بهذا المزية: ان محاكمتهما لـ"ك ". هي ايضا كافكاوية تماما مثل "محاكمة " كافكا. واذا ما كان كافكا في المحاكمة الأولى متهما دون ذنب، فانه يصبح في المحاكمة الثانية متهما بأي شيء. لذا يمكن القول ان الوضع لم يتغير بالنسبة اليه ذلك ان ك. في كلتا الحالتين مذنب ليس لانه ارتكب خطأ ولكن لانه كان متهما. ولانه متهم، فانه يجب ان يموت.

ليس هناك غير طريقة واحدة لفهم روايات كافكا وهي ان نقرأها كما نقرأ روايات. وعوض ان نبحث في شخصية ك عن صورة للمؤلف او نحاول العثور في كلمات ك عن مغزى معين، علينا بالأحرى ان نتابع باهتمام شديد سلوك الشخصيات، وأقوالهم، وأفكارهم، ونسعي الى ان نتخيلهم أمام عيني كافكا[...].

كم من وقت نحن نحتاج لكي يكون الانسان

متطابقا مع ذاته:

إن هوية شخصيات دستويفسكي تكمن في ايديولوجيتهم الشخصية التي تحدد بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سلوكهم الشخصي، فكيرولوف مثلا يجد نفسه غارقا في فلسفة الانتحار الذي يعتبره الرمز الأعلى للحرية. كيرولوف اذن فكرة اصبحت انسانا. ولكن هل ان الانسان في الحياة العادية هو اسقاط جد مباشر لايديولوجيته الشخصية ؟" في رواية "الحرب والسلم "، تمتلك شخصيات تولستوي هي أيضا (خصوصا بيار بيزوكوف واندريه بولكونسكي) ثقافة جد غنية، وجد متطورة، بيد أن هذه الثقافة متغيرة حد انه يستحيل علينا تحديدها انطلاقا من أفكار هذه الشخصيات الذين يتغيرون هم ايضا في كل مرحلة من مراحل حياتهم. ان تولستوي يقدم لنا مفهوما آخر للانسان: أنه طريق. طريق متعرج، رحلة لا تختلف مراحلها وأطوارها فقط، بل انها عادة ما تتناقض وتتعارض تعارضا تاما...

قلت "طريق " وهذه الكلمة توشك ان تضللنا ذلك ان صورة الطريق توحي بأن هناك هدفا ما. لكن الى أي هدف تؤدي هذه الطرقات التي لا تنتهي إلا فجأة، بعد ان يوقفها الموت أو الصدفة ؟ صحيح أن بياربيزوكوف يصل أخيرا إلى الموقف الذي يبدو أنه الموقف النهائي والمثالي: هو يعتقد عندئذ أنه أدرك اخيرا انه ليس مجد مواصلة البحث في معنى للحياة، والنضال من اجل هذه القضية أو تلك. انه الله في كل مكان، في كل الحياة، في حياة كل يوم، وما علينا إلا أن نعيش ما هو مقدر لنا أن نعيشه وأن نعيشه بحب. لذا هو يعود فرحا ليربط صلته بزوجته وعائلته بشكل أعمق وأقوى من ذي قبل. هل هذا هو الهدف ؟ الهدف الذي بسببه تصبح كل مراحل الرحلة السابقة مجرد مدارج ؟ واذا ما كانت الحالة على هذه الصورة، فان رواية تولستوي تفقد تهكمها الأساسي لتقترب أكثر من الدرس الاخلاقي الذي يأخذ شكل الرواية. في خاتمة الرواية التي تلخص ما حدث بعد مرور ثماني سنوات على ذلك ! نرى بيزوكوف يغادر بيته وزوجته لمدة شهر ونصف الشهر لكي يقوم في بطرسبورج بنشاط سياسي شبه سري. مرة أخرى هو يجد نفسه مستعدا للبحث عن معنى لحياته، وان يناضل من جديد من اجل قضية معينة. الطرقات لا تنتهي ولا نعرف لها هدفا..

يمكن القول ان مختلف مراحل الطريق تتواجد في مواجهة بعضها بعضا، ضمن علاقة تهكمية، في مملكة التهكم تسود المساواة وهذا يعني ان كل مرحلة من مراحل الطريق ليست اخلاقيا اكثر سموا من الاخرى. هل كان بولكونسكي يريد، حين بدأ يعمل من أجل ان يكون مفيدا لوطنه، ان يصلح الخطأ الذي ارتكبه بسبب كرهه السابق للمجتمع، وبغضه للناس ؟ لا. ليس هناك نقد ذاتي. في كل مرحلة من مراحل الطريق هو يستجمع كل قواه الفكرية والاخلاقية لكي يختار موقفه وهو يعلم ذلك جيدا. كيف له اذن ان يلوم نفسه لانه لم يكن ما كان يريد ان يكون؟ ولاننا لا نستطيع ان نحكم عل مختلف اطوار حياته من الزاوية الاخلاقية، فاننا لا نستطيع ايضا ان نحكم عليها من وجهة نظر الاصالة: من المستحيل ان نقرر من هو بولكونسكي الذي كان اكبر وفاء لنفسه: بولكونسكي الذي انسلخ عن الحياة العامة أو ذلك الذي انخرط فيها بشكل كامل.

واذا ما كانت مختلف المراحل جد متناقضة، فكيف لنا اذن ان نحدد القاسم المشترك بينها؟ أين المصدر المشترك الذي يسمح لنا بأن نرى بيزو كوف الملحد وبيزو كوف المؤمن شخصا واحدا؟ أين يوجد المصدر القار لـ«الانا»؟ وما هي المسؤولية الاخلاقية لبيزوكوف رقم 1 وبيزوكوف رقم 2؟هل على بيزوكوف المعادي لنابليون ان يتحمل تبعات أفعال بيزوكوف الذي كان قديما شديد الانبهارية ؟ ما هو الفاصل الزمني الذي بامكاننا ان نرى فيه الانسان متطابقا مع ذاته ؟

وحدها الرواية قادرة ان تتقصى هذا اللغز الذي هو واحد من اكبر الالغاز التي عرفها الانسان. ومن المحتمل ان يكون تولستوي هو الأول الذي فعل ذلك..

مكيدة تفاصيل:

ان تحولات شخصيات تولستوي تبدو لا كما لوانها ناتجة عن تطور طويل ولكن كاضاءة فجئية. يتحول بياربيزوكوف من ملحد إلى مؤمن بسهولة مدهشة. يكفي ان يزعزعه الانفصال عن زوجته وان يلتقي مسافرا ماسونيا في احدى المحطات لكي يفعل ذلك. ان هذه السهولة ليست ناتجة عن تقلب سطحي. انها تتركنا بالاحري نحزر ان التحول اعد بسبب تطور داخلي، غير واع، ثم انفجر فجأة في واضحة النهار.

اندريه بولكونسكي الذي جرح جرحا بليغا في معركة "اوسترلتز" هو الان يستيقظ ويعود الى الحياة. وفي هذه اللحظة بالذات ينهار كل عالمه عالم الشاب اللامع. ولا يحدث هذا بسبب تفكير منطقي، لكن بسبب مجرد مواجهة مع الموت ونظرة طويلة تجاه السماء. هذه التفاصيل «نظرة طويلة الى السماء» هي التي تلعب دورا كبيرا في اللحظات الحاسمة التي تعيشها شخصيات تولستوي..

بعد ذلك، منبثقا من شكه العميق، يعود اندريه الى الحياة العملية. هذا التحول كان مسبوقا بنقاش طويل مع بيار على عبارة تقطع نهرا. كان بيار في ذلك الوقت (كان ذلك هو الطور المؤقت في تطوره) ايجابيا، متفائلا، محبا للناس، لذا هو عارض بشدة شك اندريه المعادي للناس. ولكن، خلال النقاش، يبدو بيار بالاحري ساذجا لا يتلفظ إلا بالكليشيهات الفارغة. اما اندريه فقد لمع ثقافيا. والاهم من كلام بيار هو الصمت الذي اعقب النقاش: "حين غادر العبارة، ورفع رأسه الى السماء التي اشار اليها بيار، ولأول مرة منذ "اوسترلتز، شاهد هذه السماء الابدية العميقة التي تأملها وهو فوق حقل المعركة. وفي اعماق روحه، كان ذلك بمثابة تجدد الفرح والحنان ". ان هذا الشعور كان قصيرا، وقد تلاشى بسرعة غير أن اندريه كان يعلم أن هذا الشعور الذي لم يعرف كيف يطوره، كان يعيش في داخله. وذات يوم، وبعد ان مر على ذلك وقت طويل، وكما باليه من الشرارات، اشعلت مكيدة التفاصيل (نظرة الى ورق شجرة بلوط، كلمات مزحة لصبايا سمعت صدفة، ذكريات غير منتظرة) هذا الشعور (الذي «يعيش في داخله »)، وجعله يلتهب. وفجأة، يقرر اندريه الذي كان بالامس سعيدا في عزلته عن العالم «ان يمضي في الخريف الى بطرسبورج، وان يحاول حتى العثور على وظيفة [...]. ويداه خلف ظهره، ظل يذرع الغرفة جيئة وذهابا، عاقدا حاجبيه مرة، ومرة مبتسما، مستعرضا في فكره كل هذه الأفكار غير المنطقية، المتعذر التعبير عنها، والسرية مثل الجريمة حيث يختلط بطريقة غريبة، بيار والمجد والصبية الصغيرة في النافذة، وشجرة البلوط،والجمال، والحب، والتي غيرت حياته جذريا. وفي هذه اللحظات، حين يدخل، أحد ما، فانه سيظهر جافا، قاسيا، قاطعا، سيئا ومنطقيا [...]. ويبدو انه اراد من خلال هذا المنطق المبالغ فيه ان ينتقم من شخص ما بسبب كل هذا العمل اللامنطقي والسري الذي يتم في داخله». (لنتذكر ان مكيدة تفاصيل مثل بشاعة وجوه، وكلمات سمعت بالصدفة في عربة قطار، وذكرى مباغتة هي التي تولد، في رواية قادمة لتولستوي، قرار اناكارينين بالانتحار).

هناك تحول كبير اخر للعالم الداخلي لاندريه بولكونسكي: مجروحا جرحا بليغا في معركة بورودينو، مهددا على طاولة عمليات في المعسكر، هو يعتلا فجاءة بشعور غريب هو مزيج من السلام والمصالحة مع الذات، بشعور بالسعادة لن يفارقا بعد ذلك مطلقا. بقدر ما نجد ان حالة السعادة هذه جميلة وغريبة، بقدر ما نحن نجد أيضا ان المشهد كان مرعبا، ومليئا بتفاصيل دقيقة بدرجة فظيعة حول الجراحة في زمن لم يكن فيه التبنيج معروفا. والشيء الاشد غرابة في هذه الحالة الغريبة حدث بسبب ذكرى غير منطقية وغير منطقية بالمرة: حين ينزع المرض عنه ثيابه، "يتذكر اندريه الايام البعيدة في طفولته الأولى ". وبعيدا نقرا الجمل التالية: «بعد كل هذه الآلام، شعر اندريه بهناء لم يشعر به منذ امد طويل. ان افضل اللحظات في حياته هي تلك التي كانوا يقومون فيها بنزع ثيابه عندما كان طفلا، ثم يمددونه على السرير، وتفني له الحاضنة تهويدة بينما هو محشو الرأس في الوسادة، يستمتع بالفرح لانه يعيش كل هذه اللحظات، تبرز في مخيلته ليس كماض، لكن كواقع ». بعد ذلك فقط، يشاهد اندريه على طاولة قريبة، غريمه الذي تمكن من إغواء ناتاشا، المدعو اناتول، والذي كان الطبيب يقطع له ساقه: «جريحا، ينظر اندريه الى غريمه ذي الساق المقطوعة. وهذا المشهد يملاه بشفقة كبيرة تجاه نفسه وتجاه الانسان بصفة عامة ». غير ان تولستوي كان يعلم ان هذه الكشوفات الفجئية ليست مستندة الى اسباب واضحة ومنطقية وكانت الصورة الغريبة والعابرة (ذكرى طفولته وهم ينزعون عنه ثيابه مثلما كان يفعل له الممرض قبل اجراء العملية الجراحية) هي التي ولدت كل شي ء، تحوله الجديد ونظرته الجديدة للاشياه. وبعد مرور لحظات على ذلك، لابد ان يكون اندريه قد نسي تماما هذا التفصيل الخارق تماما مثلما نساه جل القراء الذين يقرأون الروايات بنفس الطريقة السطحية الخالية من الانتباه التي يقرأون بها حياتهم.

وهناك تحول آخر عند بيار بيزوكوف هذه المرة، الذي يتخذ قرارا بقتل نابليون. وهذا القرار كان مسبوقا بواقعة: هو يعلم من خلال اصدقائه الماسونيين انه ورد في الفصل الثالث عشر من سفر الرؤيا ان نابليون يتطابق مع صورة المسيح الدجال: "من له فهم فليحسب عدد الوحش فانه عدد انسان. وعدده ستمائة وستة وستون ". واذا ما نحن ترجمنا الالفباء الفرنسية الى ارقام، فان اسم «الامبراطور نابليون » يعطي رقم 666  " هذه النبوءة رجت بيار. وغالبا ما كان يتساءل عن ذلك الشىء الذي يمكن ان يضع حدا لقوة الوحش، أي نابليون بمعنى آخر" واعتمادا على العدد المذكور، يبذل بيار جهدا كبيرا للعثور على جواب على السؤال. وهو يحاول في البداية ان يتوصل من خلال العمليات التي كان يقوم بها الى ان يبين ان الوحش يمكن ان يكون الامبراطور الكسندر ثم الامة الروسية غير ان مجمل هذا كان اما اكبر من الرقم 666 او اقل منه، ويوما ما جاءته الفكرة بان يكتب اسمه الخاص: كونت بيار بيزوهوف غير انه لم يتوصل الى الرقم المطلوب. وضع حرف "ز" مكان حرف «س »، واضاف «دي» و«لو» غير ان النتيجة ظلت سلبية. وعندئذ ارتأى انه من الضروري أن يضيف جنسيته اذا ما كان الجواب على السؤال يكمن في اسمه حقا. وهكذا كتب: الروسي. بيزوهوف. غير ان هذه الاضافة اعطت رقم 671 فقط حين حذف حرف "و" من "لو" توصل الى رقم 669. وهذا الاكتشاف بلبل أفكاره كثيرا.

ان هذه الطريقة الدقيقة التي وصف بها تولستوي كل هذه التغييرات التي قام بها بيار بخصوص اسمه للتوصل الى رقم 666 هي بالفعل مضحكة الى ابعد حد. هل يمكن ان تكون القرارات الشجاعة والخطيرة لرجل ذكي بلا ريب خاضعة لمثل هذه الحماقات ؟.

وماذا فكرتم حول الانسان ؟ وماذا فكرتم حول انفسكم ؟

تغير الرأي لضبط م