ابو مسلم البهلاني
رائد الشعر العماني الحديث


محمد المحروقي


يحتل أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم البهلاني (ت 1920م) مكانا مميزا بين شعراء عصره في (عمان)، فلقد لقي من الإعجاب الجماهيري ما لم يلقه سواه، فذاع شعره عبر وسائل مختلفة: مكتوبة ومسموعة، وتعددت المخطوطات التي تضم شعره : حتى بلغ عدد ما توصلنا اليه منها (17) مخطوطا، وهي نسبة مرتفعة في حد ذاتها، ونجزم - في الوقت ذاته - بوجود مخطوطات أخرى في مكتبات خاصة لم نستطع الحصول عليها لضنين أصحابها بها.

وكان ديوان أبي مسلم البهلاني أول ديوان عماني يأخذ طريقه الى المطبعة، إذ تم طبعه عام (1928م)، وهذا على خلاف ما جزم به عبدالله الطائي في كتابه "الأدب المعاصر في الخليج " من أن ديوان سعيد المجيزي هو أول ديوان عماني يطبع، وطبع هذا الأخير ط م (1917م) أي بعد طبع ديوان أبي مسلم بتسع سنوات، وقد توالت طبعات ديوان البهلاني بعد ذلك ثلاث مرات خلال الأعوام التالية (1957 م، 1980م، 1986م).

ولم يكن هذا الاحتفاء بالشاعر متصورا على ابناء جيله، فقد امتد بعد ذلك لدى الأجيال اللاحقة، التي استخدمت معطيات العصر الحديث لنقل قصائد البهلاني الوطنية، وقدمت الاشرطة السمعية فرصة غالية لمن يريد أن يستمع الى تلك القصائد ل أي وقت، وهي مسجلة بأصوات مشهورة بجمال إلقاثها حسب الطريقة العمانية المشهورة في التغني بالشعر، ومن بين هؤلاء الشداة : سالم الحارثي وموسى الرواحي ومحمد الغاربي.

وقد يتساءل المرء عن سبب هذا الاحتفاء الكبير بشعر البهلاني، والاجابة عل ذلك تحيلنا الى استحضار حالة العالم العربي في تلك الفترة (أي خلال القرن 19 وبداية القرن 20)، وصحوة الروح القومية المنادية باسقاط الاستعمار الغربي، وهي حالة تنسحب عل عمان بشكل أو بآخر، وكان شعر البهلاني هو ذلك النذير والمنبه الداعي الى جمع الكلمة ونبذ الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لذا فقد وجد العمانيون في شعر أبي مسلم توصيفا لمواطن أدوائهم، وتعبيرا عن الآمال التي يطمحون الى تحقيقها، وكانت قصائده تتري الى الزعماء العمانيين - رغم وجوده في افريقيا الشرقية - ليتكاثفوا يدا واحدة حول الامام سالم بن راشد الخروصي (13 19م - 1919م).

كما يشكل أبو مسلم البهلاني نموذجا جيدا للشخصية النهضوية متعددة الاهتمامات، فقد كان فقيها مشاركا بمؤلفه الضخم "نثار الجوهر" وقاضيا مبرزا احتل رئاسة هذا السلك، الى جانب ذلك قام البهلاني بتحرير أول صحيفة عمانية.، هي صحيفة (النجاح 1911م)، التي فتحت المجال أمام مشاركات عمانية عديدة، فظهرت عل خطي لم النجاح) الصحف التالية : (الكفاح، 1928م) و(الفلق 1929م) والنهضة، 1951م لم و (المرشد عام 1953م لم و(زنجبار،...)

إن تلك الاهتمامات عل اختلاف مناشطها تجمعها روح البهلاني الاصلاحية، التي تجرب وسائل متنوعة لايصال صوتها ويظل الشعر بينها أقوى ملكات البهلاني،والأداة الفاعلة لايصال صوته الاستنهاضي، بما ضمه هذا الشعر من مقومات فنية ضمنت سيرورته وبما فتحه البهلاني من آفاق جديدة تبعته فيها مجموعة من الشعراء العمانيين بعده، ونشير هنا الى ظهور مدرسة شعرية يمكن ان نطلق عليها «مدرسة البهلاني» فقد كانت دعوة البهلاني الوطنية وكذلك مشاركاته الشعرية الخارجية واستلهامه التراث الشعري في أزهى عصوره أبوابا عديدة تدفعنا الى اعتبار البهلاني رائدا للشعر العماني الحديث.

المعارضة قنطرة الريادة :

ما مدى تمثل أبي مسلم البهلاني (ت 1920م) للتراث الشعري؟ كيف تعامل معه ؟ هل أكتفى باجتراره ؟ أم استطاع امتصاصه، وتوظيفه توظيفا خلاقا؟ ما هي المكانة الشعرية التي حققها أبو مسلم ؟ وما مدى تأثيره على من جاء بعده من الشعراء العمانيين ؟

يضع عباس محمود العقاد أربع مراحل ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة وهذه المراحل هي:

"أولها": دور التقليد الضعيف، أو التقليد للتقليد.

و«ثانيها»: دور التقليد المحكم أو التقليد الذي للمقلد فيه شيء من الفضل، وشيء من القدرة.

و"ثالثها" : الابتكار الناشىء عن شعور بالحرية القومية.

و"رابعها": الابتكار الناشىء من استقلال الشخصية أو شعور بالحريه االفرديه ". (1)

ومكانة أبي مسلم البهلاني من تلك الأدوار تقع في الدور الثالث، وهو بذلك يلتقي مع الدور الذي قام به محمود سامي البارودي (ت 1907م) في النهوض بالشعر العربي، وانتشاله من هوة التقليد التي سقط فيها، وذلك بالعودة الى النماذج الشعرية ابان عصور الازدهار الأدبي، وكانت المعارضات من أبرز القناطر التي عبرت بالشعر الى دور الاجادة الخلاقة، وهنا سؤال يفرض نفسه، ألم تظهر المعارضات الشعرية عند الشعراء العمانيين قبل أبي مسلم ؟ وما الذي منع تلك المعارضات من تحقيق النهضة الشعرية في (عمان)؟ والحقيقة أن المعارضات ظهرت لدى الشعراء السابقين على أبي مسلم، لاسيما شعراء عصر النباهنة، كسليمان بن سليمان النبهاني (ت 915 هد/ 1509م) (وأبي بكر أحمد بن سعيد الخروصي الستالي من شعراء القرن السابع الهجري لم وغيرهما، إلا أننا لا نجد في علك المعارضات بروز الصوت الخاص بالشاعر، وذلك الامتصاص المطلوب، حتى تكون المعارضة جزءا من نسيج الشاعر، يستعين بها كلما أراد التعبير عن تجربته الذاتية، بل إننا نجد أولئك الشعراء يقعون تحت سيطرة النصوص التي يعارضونها، وذلك كما يبدو من النموذج التالي للنبهاني، أحد أشهر شعرائهم والذي يقول معارضا أبا العلاء المعري:

الا في سبيل المجد ما أنا صانع

نفرع وضرار ومعط ومانع

أعندي وقد أحرزت كل جميلة

يذعر جار أو يدعر وادع (2)

بينما يقول أبو العلاء المعري:

الا في سبيل المجد أنا في فاعل

عفاف واقدام وحزم ونائل

أعندي وقد مارست كل خفية

 يصدق واش أو يخيب سائل (3)

ورغم لجوء النبهاني الى قافية مغايرة، إلا أن ذلك لم يحقق استقلالا لقصيدته، وهكذا اكتفى شعراء تلك الفترة باجترار تجارب سابقيهم وأسلوبهم، وظلت مهمة الشاعر المعارض مهمة توليفية. واذا عدنا الى أبي مسلم البهلاني، نجده يحسن توظيف النصوص الشعرية التراثية، ويتمكن في معارضته لتلك النصوص من خلق أجوائه الخاصة، والتعبير عن تجربته الذاتية. لدرجة أن النص المعارض يسجل غيابا ملحوظا، ما عدا بقاء شكله الموسيقي الذي يحيل بطرف خفي الى القصيدة الأول المعارضة - وذلك أمر سنوضحه لاحقا. من هنا ندرك أن دور أبي مسلم البهلاني دور ريادي في البعث الشعري في (عمان)، ولن نتجنى على الحقيقة إذا قرنا دوره بدور محمود سامي البارودي آت 1907م) وعلى الرغم من عدم توافر الأدلة لدينا على أي علاقة كانت بينه وأبي مسلم، غير أننا نستطيع افتراض نوع من الصلة الأدبية، فقد كان أبو مسلم متابعا لما يدور في (القاهرة) من أحداث (4)، والى جانب دورهما في البعث الشعري فقد انشغلا بقضايا أوطانهما، وفضح المكائد والألاعيب التي كان يحركها الاستعمار، يقول عمر الدسوقي عن شخصية البارودي في شعره السياسي: "ومن الأغراض القديمة التي خلع عليها البارودي لباس الجدة، وظهرت فيها شخصيته مجلية تفصح عن نفسه الأبية المتمردة على الظلم والطغيان، المحبة للعدالة والشوري والمساواة بين الناس" (5)، أليست هذه النفس الأبية المتمردة عل الظلم والطغيان هي النفس التي يقابلها القاريء لشبر أبي مسلم، لاسيما في مقصورته وعلى الأخص عندما يقول :

وأصبح استقلالكم فريسة

بين كلاب النار يا أسد الشرى

أليس عارا أن نعيش أمة

مثل اللقا أو غرضا لمن رمى

يلفنا الخزى الى أو كاره

ويحكم النذل علينا ما يرى (6)

إن الانشغال بالهم السياسي والاجتماعي للوطن هو الذي فجر عند الشاعرين روح الابتكار، فهل لنا أن نؤكد ثانية على ما ذهبنا اليه في بداية الحديث : هن وضع أبي مسلم البهلاني في الدور الثالث من السلم الذي اقترحه عباس محمود العقاد، للمراحل التي ينتقل عبرها الشعر من دور الركود الى دور النهضة والاجادة.

ونقترح لبيان الكيفية التي تعامل بها أبو مسلم مع التراث الشعري المحاور التالية :

1- رصد القصائد المعارضة والمعارضة.

2- اختيار نموذجين ودراستهما.

3- دراسة مستويات التضمين.

رصد القصائد المعارَضة والمعارضة:

يقدم لنا الجدول التالي بيانا بمعارضات أبي مسلم البهلاني، موضحا فيه أهم البيانات المتعلقة بالقصيدتين المعارضة والمعارضة :

1- تتمدد المساحة الزمنية لمجالات النصوص المعارضة بدءا من القناص مع قصيدة الفرزدق (ت 772م) العينية، وال القناص مع قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (ت 1870م) غير أن الملاحظ هو غياب النصوص التي تنتمي الى العصر الجاهلي، وان كان ذلك لا يعني غيابها الكامل، فهي تتواجد بشكل أقل كثافة كما يكشف عنها (التضمين)، الذي يعكس مدى تماهي النصوص القديمة مع النص المنتج لأبي مسلم البهلاني.

2- كذلك يكشف الجدول السابق عن عدم انتقائية القصائد المعارضة. وعدم التقيد بالفرض الأصلي لها، فقد عارض أبو مسلم شاعرا متحررا كأبي نواس الحسن بن هانىء (ت 814م)، وعارض شاعرا ملتزما كابن الفارض عمر بن أبي الحسن (ت 1234م) وهو في معارضتيه لم يتقيد بمشاكلة الموضوعات المعارضة.

3- حازت قصائد الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي (1287هـ/ 1870م) أولوية خاصة فقد عارضها أبو مسلم ثلاث مرات مما يعكس مدى عكوف أبي مسلم على شعر الخليلي وتمثله له، فقد كانت تجربته الحياتية مثالا له حاول أن يقتفيه، ودعا الى الاطروحات نفسها التي نادى الخليلي بها، وهو في هذه المعارضات أكثر التحاما بالنص المعارض أو النص الأول – اذا افترضنا أن ثمة نص أول هناك – فقد حافظ ليس فقط على الموضوع (ديني – استنهاضي) بل على وحدة الأفكار ووحدة ترتيبها، لهذا كانت معارضته تخميسا مما يعزز قوة الترابط بين النصين.

4- لم تكن معارضات أبي مسلم الأخرى تكشف عن مصدرها، فلا تشير الى اسم الشاعر المعارض أو الى قصيدته، وانما يلفت نظر الدارس - بصورة أولى - ذلك التشاكل في البناء الموسيقي بين قصائد أبي مسلم والقصائد التي عارضها، فقد كان أبو مسلم يخلق لنفسه عوالمه الخاصة التي تفرضها تجربته الشعرية، ولا يبقى إلا ذلك التناظر الشكلي الموسيقي، والا بعض المقاطع أو التراكيب المهاجرة عن النص الأول، كما حرص الشاعر على تأكيد تلك المجاوزة للقصائد المعارضة بزيادة عدد أبيات قصائده على نظيراتها من القصائد المعارضة، فعلى سبيل المثال تبلغ مقصورة ابن أريد ( 250) بيتا، بينما بلغت مقصورة أبي مسلم (398) بيتا وكذلك بلغت قصيدة أبي الفتح البستي النونية (59) بيتا، بينما بلغت نونية أبي مسلم (382) بيتا.

وسوف نحاول تعزيز فكرتنا حول مدى امتصاص أبي مسلم للتراث الشعري ومقدرته على إعادة توظيفا دون أن يعني ذلك مسخا أو سلخا له، واذا كان الظرف الحالي لا يمكننا من دراسة المعارضات جميعها فليس أقل من أن ندرس نموذجا منها، يمكن أن يقدم لنا تصورا عن مدى تمثل أبي مسلم للتراث الشعري العربي، وطريقته في إعادة توظيفه ويجيب على التساؤلات التي طرحناها في بداية هذه الدراسة.

دراسة نموذجين:

تمثل قصائد أبي مسلم استقلالا عن القصائد المعارضة، وتصلح المقصورة لبيان ذلك الاستقلال كما يصلح غيرها، وقد عارض بها أبو مسلم مقصورة ابن أريد الحسن بن محمد بن أريد (ت933م) والتي تحتل مكانة متميزة في ديوان الشعر العربي، فلقد عارضها كثير من الشعراء، الذين أخذوا باتساق بنائها الفني الداخلي، إذ جعل لها محورا واحدا هو شخصية الشاعر ذاتها (31)، وقد عارضها أبو مسلم بمقصورة حملت دعوته الوطنية، التي استنهض بها مواطنيه في «عمان » و(زنجبار) وحثهم على القيام ضد الاستعمار، وعدم الخنوع له.

على مستوى الغرضين يبرز لنا مدى تباعدهما، وانفلات أبي مسلم من اسار موضوع المقصورة الأولى، وامعانا في إبراز مدى استقلالية النص المعارض عن النص المعارض نقترح دراسة المقصورتين عبر وسيلتين :

أ - الموازنة بين موضوع فرعي مشترك ورد في كلتا القصيدتين.

ب - تتبع مقاطع النص المعارض، وابراز مدى سيطرة مقاطع النص المعارض عليه.

وبالطبع فإن الحركات الرئيسية المشكلة للقصيدتين تختلفان تمام الاختلاف، الا إننا نجد موضوعات جزئية عالجها النصان، وهي:

1- البكاء على المشيب.

2- طيف الأحباب.

3- عتاب الدهر.

4- الجديدان يبليان.

5- وصف اليعملات.

6- وصف الخيل.

7- وصف الفارس.

8- وصف السيف.

9- وصف الفرس.

10- وصف الذات.

11- البرق.

12- الحكمة.

وقد وقع اختيارنا على دراسة موضوع (وصف الذات). على اعتبار أنه الأكثر كثفا عن الهموم الذاتية لكلا الشاعرين.

أ - موضوع "وصف الذات"  مشترك بين مقصورتي ابن أريد وأبي مسلم :

 - ابن أريد يصف نفسه :

56- لست اذا ما بهظتني غمرة

ممن يقول بلغ السيل الزبى

57- وان ثوت تحت ضلوعي زفرة

تملا ما بين الرجا الى الرجا

58- نهنهتها مكظومة حتى يرى

مخضوضعا منها الذي كان طغى

159- ولا أقول إن عرتني نكبة

قول القنوط انقد في البطن السلا

160- قد مارست مني الخطوب مارسا

يساور الهول إذا الهول علا

161- لي التواء إن معادي التوى

ولي استواء إن موالي استوى

162- طعمي شري للعدو تارة

والراح والأري لمن ودي ابتغى

163- لدن إذا لوينت سهل معطفي

ألوي إذا خوشنت مرهوب الشذا

164- يعتصم الحلم بجنبي حبوتي

إذا رياح الطيش طارت بالحبى

165- لا يطيبني طمع مدنس

إذا استمال طمع أو أطبي

166- وقد علت بي رتبا تجارب

أشفين بي منها على سبل النهى

167- إن أمرر خيف لإفراط الأذى

لم يخش مني نزق ولا أذى

168- من غيرها وهن ولكني امرؤ

أصون عرضا لم يدنسه الطخا (32)

- أبو مسلم يصف نفسه :

81- إني أصون صفحتي مقتنعا

بما يطيف من علالات الحسي

82- أنبو والهرب أواري ساعيا

عن مشرب أشربه عل القذى

83- يحمي الكريم عرضه ويحتمي

أن يرد الآجن من كل الركي

85- ولا أقامي طمعا مقاردا

ولست ولاجا بأسواه القمي

86- كي لا ترى عين خسيس موقفي

ببابه منتظرا منه الجدا

93- آليت لا تطو يدي يد امرىء

يسفلها اللؤم ويطغيها الفنى

98- ولا أبات شاكها من حسد

قد هيأ الله لكل ما كفى