|
|||||
|
تقديم: قد
يتساءل البعض عما يهم
الثقافة العربية من إثارة
قضية من مثل الهوية
السواحيلية ومحدداتها. وهذا
التساؤل له حقا ما يبرره حيث
لم يخرج موضوع الوجود
العربي في شرق افريقيا حتى
الآن من متون كتب التاريخ. الثقافة
العربية (أغني الثقافة \الفكر\
الأيديولوجيا) لم تخرج عن
كونها ثقافة استعراضية في
أوجهها العادة. يتبدى
استعراضنا الثقافي في
القضايا التي تثار مثلا حول
الشعر (الشعر العمودي, الشعر
الحر، الشعر النثري،...)
وحول قضايا أخرى من مثل
حرمة قراءة أولاد حارتنا "
لنجيب محفوظ " وغيرها من
المواضيع الشبيهة. ان
ثقافتنا العربية المعاصرة
تنطوي كلى مفارقة مبكية.. إن
لنا كعرب وجودا متميزا في
مجالات تاريخية شتى لكننا
لم نأخذ قضية وجودنا في حركة
التاريخ مأخذ الجد. لقد
أصبحت قضايانا الثقافية
الاستعرافية مركزا، ونمدا
كل شي ء لا يملن تقليصا الى"
مانشيت " عريض هامشا، بل
عدما في الأغلب. وقضية
الهوية اليسواحيلية هي أحدى
القضايا التي لم يولها
الفكر العربي أي أهمية, بل لم
تحظ حسب علمي بأي نقاش في أي
صورة من الصور. وإثارة
الموضوع ليست من قبيل
التباكي كلى ماض لن يعود،
فبيت العجائب في زنجبار ليس
ماضيا، والعمانيون
واليمنيون وغيرهم ممن يجري
في أحشائهم الدم العربي
وكلى ألسنتهم لغة عربية
مازالت محتفظة بجرس الأسر،
أولئك الذين مازا لوا
متشبثين بجذورهم في كلوة
وممباسة وغيرهما من نقاط
الساحل الافريقي ليسوا
تاريخا. انهم مازالوا
هناك. عرف
العرب الشرق الافريقي منذ
قديم الزمان. عرفوه
مستكشفين ودعاة وبحارة
وتجارة وباحثين عن الرزق.
والشرق الافريقي - وزنجبار
على وجه التحديد - له موقع خاص
في الذاكرة العمانية, فقد
كان اليساحل امتدادا لعمان
الأم ثم أصبح في عصر السيد
سعيد بن سلطان مركزا وعاصمة
لعمان. وحتى الستينات من هذا
القرن كان حكام ساحل شرق
افريقيا عمانيين الى أن
دارت عليهم الدائرة فضاع
الساحل العربي في شرق
افريقيا كما ضاعت الأندلس
وغيرها.
حتى الآن لم يدرس العرب
تاريخهم في شرق افريقيا. أجل
توجد دراسات قليلة لكنها لا
تمثل قطرة من بحر من
الدراسات التي يمكن للمتفحص
أن يرى إمكانية إجرائها.
والتاريخ أي سير حياة
العظماء, ليس هو التاريخ
الذي أعنيه هنا. التاريخ
المراد دراسته هو الحركة
الشاملة لحياة الانسان, أي
فحصه وتمحيصه باعتباره روحا.
والمجال اذن مفتوح ليس لعلم
التاريخ فحسب, بل لكل العلوم
التي ترصد الانسان في كل
صوره: مجتمعا، معمارا، فنا,شعرا،
صحافة, غناء.. الخ. ان
المطلوب ليس فقط البحوث "
المدرسية " المتفرقة التي
تتعرض مثلا للصحافة العربية
في زنجبار, أو لماكرات
الأميرة العربية التي هجرت
زنجبار الى أوروبا. هذه فروع
والمطلوب هو المجرى الرئيس
الذي تتموضع فيا كل هذه
الدراسات. ان
ترجمة الفصل الثالث من كتاب
" السواحيلية: لسان شعب
افريقي وهويته " لابراهيم
نور شريف البكري والامين
المزروعي ترمي الى آفاق
تتجاوز موضوع هذا المبحث
لتشكا دعوة للباحثين العرب (والعمانيين
فصوصا) الى ايلاء موضوع
العرب وساحل شوق افريقيا
الاهتمام الذي يستحقه وقيما
يلي ترجمة الفصل المذكو. من
الأمور المسلم بها أحيانا
تلك العلاقة التي لا تنفصم
عراها بين تطور لغة قوم
وأدبهم. ولكن إن لم يكن
بالإمكان فك عرى هذه
العلاقة فبالإمكان على أقل
تقدير اضعافها أو جعلها
غاية في الغموض. ان الجدل
السائد الدائر حول لغة
الأدب الافريقي هو دليل
ساطع على غموض تلك العلاقة
التي يفترض عدم اهتزازها
بين اللغة والأدب. ويثير هذا
الجدل أسئلة ذات شأن حول
جوهر كل من الأدبين
الأوروبي والافريقي. فما هو
الأدب الانجليزي؟ أهو أدب
الانجليز؟ أم أنه يشتمل عن
الآداب الأخرى التي كتبت
باللغة الانجليزية ؟ أم ترى
أن المؤلف الافريقي والروح
الافريقية أمران كافيان
لتشكيل الأدب الافريقي بغض
النظر عن اللغة التي كتب
بها؟ ان هذه التساؤلات تجلب
معها تساؤلات أخرى عديدة.
فمن هو الافريقي؟ وهل هناك
روح أدبية افريقية ؟ وهل
يمكن اعتبار الأدب الذي
كتبا ذوو الأصول الهولندية
في اللغة الافريكانية أدبا
افريقيا؟. إن
تساؤلات واعتبارات شبيهة
بهذه شوشت عالم " الأدب
السواحيلي " ويمكن بغاية
البساطة تعريف الأدب
المكتوب بالسواحيلية على
أنه أدب الشعب السواحيلي
حينما تكون حدود اللغة
السواحيلية مشتركة مع حدود
العرق السواحيلي. ولكن وكما
هو الحال في اللغات
الانجليزية والفرنسية
والبرتغالية والاسبانية
فإن تطور السواحيلية
وانتشارها خارج " حدودها"
العرقية قد أثار تساؤلات
جادة حول أصل الأدب
السواحيلي وارتباطه
بالهوية السواحيلية. ويرسم
تربان هذا السيناريو حينما
يتساءل. هل
الأدب السواحيلي هو ذلك
الأدب الذي كتبه
السواحيليون ؟ واذا كان
كذلك فما هو الأمسواحيلي ؟ -إن
هذا تساؤل مثيرللجدل. هل
الادب السواحيلي هو ?لك الذي
يعني بنمط الحياة السواحيلي
أوشرق الافريقي؟ام انه
الادب السواحيلي الذي كتبه
سكان شوق افريقيا؟ (1968:
161). واذا
كان الرأي العام يشير الى
انه ليس هنالك عرق سواحيلي
وانه ليس هنالك شعب بلغ
ترابطه الجماعي حدا يمكنه
من تكوين وجود عرقي سواحيلي
فعندها يسهل تعريف الأدب
السواحيلي في مصطلحات لغوية
لا لبس فيها، وإلا فيمكننا
أن ننظر للقضية من منظور
وطني فنعرف الأدب السواحيلي
على أنه الأدب الذي ألف
باللغة السواحيلية على يد
كتاب لغتهم الوطنية هي
السواحيلية. وهذا الأدب -اذا
أخذنا بهذا التعريف - سيشتمل
على الأدب السواحيلي (باللغة
السواحيلية ) الذي كتبه
التنزانيون والكينيون والى
حد أضعف الأوغنديون ~لكن هذا
التعريف سيزيح جانبا ذلك
الأدب الذي كتبه الأوروبيون
بالسواحيلية على سبيل
المثال. ان رينرارنولد هو
أحد الباحثين الذين ينحون
هذا المنحر - الى حد ما
- في تعريفهم للأدب
السواحيلي, فالأدب
السواحيلي في أيامنا هذه في
رأيه: ...لا
يمثل إلا الثقافة والمجتمع
السواحيليين في الساحل (المشوق
افريقي) فحسب. لكنه أيضا جزء
لا يتجزأ من الشعوب الحديثة
في شرق افريقيا.ومن الناحية
العلمية سيكون أكثر تأثيرا
أن نسمي الأدب بأدب شرق
افريقيا المكتوب باللغة
السواحيلية.. يعتبر
البعض اذن ان قوى التطور
اللغوي" والتحديث " السياسي
قد شوهت التطور العضوي
للأدب السواحيلي من القاعدة
العرقية السواحيلية. ومما
لا ريب فيه ان بإمكاننا أن
طرح جانبا وجود العرق
السواحيلي دون أن نرفض فكرة
الهوية السواحيلية. وكما
أشرنا سابقا فانه قد أملي من
مقام السواحيلية في تنزانيا
بتنصيبها لغة وطنية, وظهر
على اثر ذلك ضرب من الثقافة
السياسية السواحيلية.وهكذا
يصب من المناسب اذن ان نطلق
مصطلح الأدب السواحيلي على
الأدب الذي ألف باللغة
السواحيلية على يد كتاب
ينتمون الى هذه الثقافة. ان
مفهوم الثقافة السياسية
السواحيلية هذا هو الذي
يبدو انه قد شكل الموقف الذي
يقفه كل من كيانجو وسينجو
حينما يكتبان: ..هنا
في ارض الوطن نعتبر
السواحيلية حامية حمانا,
فقد ?نشأتنا منذالفترة
الاستعمارية ووحدتنا الى
حين حصولنا على استقلالنا.
انها اللغة التي تعبر عن
حيواتنا الجتماعية... ان يكون
المرء سواحيليا
يعني أن يكون تنزانيا. لذا
فمن المرجح ان الناس
سيقبلون أن يلقبوا
بالسواحيلين وسيحاولون
تطوير قيم وعادات واعراف
بدلا من اعطائهم اهمية أعظم
لمفهوم العرق. وهنا عندما
يمكننا القول ان لدينا ادبا
سواحيليا. ومما
لا شك فيا أن تسييس الهوية
السواحيلية وارتباطها في
معادلة مع المخلوق
الاستعماري المسمى الدولة -
الشعب هو ظاهرة تنزانية في
المقام الأول. فرغم أن
السواحيلية هي اللغة
الرهنية في كينيا الا أن
اعتبار الكيني سواحيليا هو
أمر غريب حقا لدى شعب كينيا،
على الأقل في المستقبل
المنظور.ولكن الحال جد
مختلف في تنزانيا حيث يلاحظ
تزايد اندماج الاعراق تحت
لواء روح شعب تشكل اللغة
السواحيلية عموده الفقري
وفي هذا السياق يقول لواهي
في معرض تأييده لكيانجو
وسينجو معلقا. ان
الثقافة التنزانية هيا اذن
المجموع الكلي لكل العادات
والتقاليد الحسنة لدي مختلف
المجمومات-اللغوية في
تنزانيا، سر تم تحويره هذه
الثقافات-الاقليمية التي
استخدمت لغات أو لهجات
محلية الى ثقافة وطنية
تستخدم اللغة السواحيلية
التي تنال يوما بعد يوم
اخلاص التنزانيين وحبهم
وتقديرهم. (11:1974) ولكن
ان عرفنا الأدب السواحيلي
على هذا النحو فإننا وعلى
نحو الي سنقصي الأدب الذي
كتبه بالسواحيلية
السواحيليون وغير
السواحيليين الذين هم ليسوا
من أصل تنزاني. وهذا بلا ريب
قول يصعب تقبله والتسليم به. يقترح
سينكارو ـ تحت تأثير
مفهوم الهوية السواحيلية ـ
تعريفا تجاوز حدود الدولة
الشعب في قوله. في
البداية تحدثنا عن العلاقه
بين أدب المجتمع وثقافته,
وهذه العلاقة ستعيننا في
تعرف الشعر السواحيلي.
وسنقرر ما اذا كان أي عمل
ادبا سواحيليا أم غير
سواحيلي على أساس تصويره
لثقافة الشعب السواحيلي
وعلاقته بهذه
الثقافة. وهنا فإن مصطلح
سواحيلي لا يعني المجموعة
العرقية المكونة للشعب
السواحيلي وذلك لعدم وجود
مثل هذه المجموعة العرقية
في الوقت الحاضر.ان
السواحيلين هنا هم مواطنو
شرق افريقيا ووسطها على وجه
العموم ولا يقتصرون على
أولئك الذين يعيشون على
ساحل الدول. يفترض
سينكارو اذن وجود ثقافة
تتخطى الحدود الرهنية ذات
أدب من المناسب اعتباره
سواحيليا اذا كتب باللغة
السواحيلية وتعلق بتلك
الثقافة وعبر منها. وعلى
نفس منوال سينكارو ولكن دون
التأكيد على. وجود الروابط
الثقافية يجادل روبرت
فيليبسون بوجود أدب يتجاوز
الحدود الوطنية يتضمن الأدب
المكتوب باللغة السواحيلية
وليس بالضرورة الأدب الذي
كتبه " السواحيليون " أو في
الثقافة السواحيلية من
تنزانيا وكينيا وأوغندا.ويجب
حسبما يرى فيليبسون أن يضع
هذا الأدب العابر للحدود
الوطنية في الاعتبار مشاركة
المجتمعات الناطقة
بالسواحيلية في زائير
واسهامها (فيليبسون 1990: 20). وفي
المقيتة يمكن للمرء أن يفرض
مفهوم افريقيا
السواحيليفونية (على غرار
الفرانكوفونية: المترجم )
التي تشمل كينيا وتنزانيا
وأوغندا وجزر القمر وبعض
المجموعات السكانية من
زائير والصومال والسودان
وموزمبيق ورواندا وبروندي
ومالاوي وفي هذه الحالة
سيعرف الأدب
السواحيليبكونه الأدب
السواحيليفوني المكتوب
باللغة السواحيلية. ويبدو
لنا أن آراء كل من كيانجو ه
سينجو وارنولد وفيليبسون
تنتمي انتماء ملائما الى
دائرة الأدب المكتوب
بالسواحيلية فهم ـ ضمنيا
على الأقل ـ يتفادون
إمكانية اعتبار الأدب
السواحيلي أدبا عرقيا للشعب
السواحيلي. ومن نتائج هذا
اذن أنه لا يمكن استخدام ما
يسمى بالأدب السواحيلي كسمة
مميزة للهوية العرقية
السواحيلية. ان
مشكلة هذه الرؤى مي أنها
تتعامل مه الأدب السواحيلي
في لحظة متجمدة تمتد منذ
مقدم الاستعمار الأوروبي
وانتهاء بالوقت الحاضر. ان
هذا الأدب غريب المنشأ من
نواح عرقية وقومية ودينية
وايديولوجية, فهو أدب
يتجاوز حدود الأعراق
والقوميات ولا يربطه رابط
سوى اللغة السواحيلية التي
جرت العادة على أنها تدور
حول نموذجها الكلاسيكي
الفصيح. وقد شارك وساهم في
صياغة هذا الأدب كل من
السواحيلي وغير السواحيلي
والتنزاني وغير التنزاني
والمسلم وغير المسلم. وهذا
الأدب أيضا شفهي ومكتوب
ولكن ان كتب فقد جرت العادة
عل كتابته بالأحرف
اللاتينية. غير
أن الأدب السواحيلي لا يبدأ
مع قدوم الحكم الاستعماري
الأوروبي. وفي الواقع فإنه
لا يوجد سبب يدعونا لنفترض
ان السواحيليين لم يسمعوا
بالكلمة المكتوبة ؤ مرحلة
مبكرة من تطورهم واتصالهم
بالعالم العربي، الا أن هذا
لا يعني انه تم اعتماد
الكتابة مباشرة في انشاء
أدبهم. ومن المحتمل أن أدب
هذا الشعب النامي في مرحلة
تشكله قد ظل شفهيا لقرون
عديدة, وربما انه حين عرف
السواحيليون الكتابة كانت
في البداية حصرا عل توثيق
الانشاءات الشفهية, وعلى
هذا فإن التأليف في الشكل
المكتوب قد يكون أحد
الوظائف المتأخرة للكتابة
بعد معرفة المجتمع
السواحيلي بها. وبعد
أن ذكرنا ذلك فعلينا أن نسرع
لنضيف انه لاين للمرء أن
يقول بأن بداية تاريخ
الكتابة الإبداعية لدى
السواحيليين قد ارتبطت
بتوافر الوثائق المعروفة.
وهذا الضرب من التصور
الاستنتاجي يفترض اننا لا
نعتبر الشي ء موجودا الا إذا
تم توثيقه. ومثل هذا الرأي
النصي هو الذي أدى بأغزر
الباحثين في الأدب
السواحيلي انتاجا الى أن
يعتبر عام 1728 نقطة بداية ظهور
الأدب السواحيلي(والذي
يقصده الباحث كما نرىهو
الادب المكتوب) (كنا برت 5: 1971).
وكما تبين فإن لدى جامعة دار
السلام في مجموعتها وثيقة
أدبية سواحيلية يعود
تاريخها الى القرن الرابع
عشر، ولا يوجد سبب مقنع
يحدونا الى ان نفترض ان
الكتابة الأدبية
السواحيلية التي استخدمت
الحرف العربي لم تكن قد
ابتدأت قبل القرن الرابع
عشر بوقت طويل. وعلينا ان
نحترس من الوقوع ؤ عثرات "
الأيديولوجية التوثييقة "
وخصوصا فيما يتعلق بمجتمع
أعطى ـ الى حد قريب على الإقل
ـ نوعا آخر من القيمة للكلمة
المكتوبة يختلف عما أعطته
لها مجتمعات الدائرة
الشمالية. وكنتيجة لاختلاف
القيمة هذا فقد كان
السواحيليون أقل تحمسا لحفظ
أدبهم الموثق مما يعتقد
كثير من الباحثين الغربيين.
والنتيجة قد تكون فقدان
كنوز من الأدب المكتوب
الموجود سابقا. هذا اذا
تجاوزنا الحديث عن حقيقة
مفادها انه سرعان ما كانت
المخطوطات المحفوظة تهتريء
في العادة من جراء المناخ
الاستوائي. وفي
المرحلة الحالية من معرفتنا
فإنه من المحال أن نحدد
النقطة التي تكاملت بها
الآداب الشفهية السواحيلية
ـ النجانو، والنييمبو، و:لميسيمو،
والفنداويلي الخ.... مع الأدب
المكتوب الذي قام في الاساس
على الحرف العربي. غير أننا
نعرف ان الكتابة السواحيلية
في الحرف العربي كانت على
نحو كاسح منحازة للشعر، وان
الادب "الديني" حظي
دائما بفرصة أفضل لحفظا في
الشكل المكتوب من غيره
من انماط الانشاء غير
الدينية.وحتى عقود قليلة ظل
النثر السواحيلي شفهيا في
الأساس. وكانت أصول بعض هذه
القصص محلية, سواحيلية وغير
سواحيلية (مثال: صومالية,
وبونية,وبوكومية,
وميجيكندية, وزاراموية لم.
في حين انه تم تكييف قصص أخرى
محليا ومن أصول غير محلية
وتطويعها (خصوصا تلك القصص
ذات الأصول العربية
والفارسية ). واضافة الى قصص
المواعظ وقصص الحيوانات
والأساطير والحكايات, فقد
أثري الأدب الشفهي بالنثر
الذي تم تمويهه من أصول
عربية وفارسية. كذلك فقد تم
التعامل مع القصص ذات المواضيع
الاسلامية وخصوصا تلك التي
تعني بسير حياة الأنبياء
والرسل, عل نحو مختلف في
التراث النثري الشفهي
السواحيلي. وقد كان غرض معظم
هذا البعد الشفهي من الادب
السواحيلي تعليميا بالطبع.
غير
أنه نما بين السواحيليين في
ذات الوقت تراث كامل من نظم
الشعر وحفظه في قالب مكتوب
بالحرف العربي، وقد كان
معظم الشعر وعظيا. وكما هو
حال هاسو ـ فلاني فقد أصبح
الشعر يستخدم باعتباره
وسيلة مهمة للارتباط الروحي
لدى السواحيليين. وقد
كان من القادر حتى الفترة
الاستعمارية البريطانية ان
نستمع الى قصيدة مثل قصيدة
الانكشافي تلقى في المساجد
والمدارس الاسلامية. وقد
أضحى الشعر الوعظي
السواحيلي عل نحو ما جزءا من
المجموعة الكاملة من
العناصر الاسلامية التي
تنتمي الى تقليد تعليمي
يقوم على القراءة والكتابة.
وعلى
أية حال فقد كان هذا هو الوضع
السائد حينما وصل الألمان
والانجليز الى الساحل
الشرقي لافريقيا: فقد وجد
هنالك تراث شفهي متعدد
الأبعاد مزدهر قوي، وقام
هذا التراث بربط الشعر
والنثر بشكل أدبي مكتوب كان
منحازا بصورة تامة نحو
النظم الوعظي. وقد توافق
وجود هذا الأدب مباشرة مع
وجود عرق متميز، أي انه أدب
ألفه السواحيليون أنفسهم,
مستخدمين لهجاتهم
الاقليمية السواحيلية.ومركزين
على المواضيع التي ارتبطت
على نحو مباشر أو غير مباشر
بمحيطهم الاجتماعي
والثقافي. وقد
جلب الاستعمار البريطاني
معه تأثيره الخاص على الأدب
السواحيلي. فقد كان الحرف
العربي الذي كان مستخدما
حتى ذلك الحين حصرا على
مسلمي شرق افريقيا. حيث كان
حرفا يكتسب من التعليم
القرآني والاسلامي. وهنا
فقد أدخل الانجليز الحرف
اللاتيني، وقد أمكن عبر
المدارس والكنائس توصيله
الى قطاع عريض من
السواحيليين في شرق افريقيا.
ان القراءة والكتابة بالحرف
اللاتيني ستعرض غير
السواحيليين لعالم الأدب
السواحيلي, وهذا ما أدى في
نهاية المطاف الى ظهور
مؤلفين غير سواحيليين كتبوا
باللغة السواحيلية. وقد قام
الاستعمار البريطاني أيضا
بتطوير النجانو (القصة )
السواحيلية لتصبح رواية,
والأدب السواحيلي المعروف
بتونجو _ مشيري
ياكوجيبيزانا ليصبح مسرحا،
والتونجو _ مشيري ليصبح شعرا
حرا.وبعد هذا النمو تجاوز
الأدب المكتوب بالسواحيلية
الخلفية العرقية لمؤلفيه
وطبيعة مواضيعه وتعدد
أنواعه إضافة الى اللهجات
السواحيلية التي نشأ بها.
وهكذا أضحى نزع العرقية
السواحيلية من الأدب
السواحيلي أمرا واقعا. ولكن
وبسبب التمايزات العرقية في
تراث أدب شرقي افريقيا
وتاريخ ذلك الأدب فإنه يبدو
من غير الواقعي أن يفترض
المرء أن طبيعة الأثر
الأوروبي وحجمه على الأدب
السواحيلي كانا بنفس
المقدار في كل ربوع الاقليم,
فالتجربة الاستعمارية
أدخلت فعلا أنواعا وفروعا
جديدة في عالم الأدب
المكتوب بالسواحيلية. غيران
تطور هذه الأشكال بين
الكتاب سواحيليي العرق كان
مقيدا بتراثهم الأدبي في
الفترة التي سبقت القرن
العشرين, فالتدخل
الاستعماري بعبارة أخرى قد
ساعد كحافز على خلق تطور
عضوي جديد في أدب
السواحيليين. فهنالك انسجام
بين روايات روائيين معاصرين
كمحمد س. محمد وسعيد محمد
وروايات بوفرس كزيلاهابي وف.
اي. م.ك. سنكارو وهما غير
سواحيليين بالمعنى العرقي
للكلمة. غير أن الروايات
تفصح أيضا عن اختلافات
أسلوبية تنبع من مصادر
عرقية. فتنتمي الكتابة
المعاصرة (أي بعد القرن
العشرين ) لدى السواحيليين
إذن الى تراثهم العرقي
الممتد بالإضافة الى تجربة
إقليمية واسعة تجاوزت حدود
الأعراق, فهي تجمع النقيضين
في آن حيث انها كانت عرقية في
جانب ومتجاوزة لحدود
الأعراق في الجانب الآخر. وإذن
فأمام هذه الخلفية ـ وإضافة
الى التعريف اللغوي ـ يمكن
تعريف الأدب السواحيلي من
منطلق عرقي على أنه الأدب
الذي ألفه السواحيليون
باللغة السواحيلية. ويندرج
في حيز هذا الأدب أدب فترة ما
قبل الاستعمار الذي كتب
بالسواحيلية. ولهجات هذا
الأدب السواحيلية قد تكون
في المستوى المعياري أو
قريبة من هذا المستوى، أو
أنها مستمدة من اللهجات
الرئيسية. وينقسم هذا الأدب
أيضا الى أدب شفوي وأدب
مكتوب, إلا أن الكلمة
المكتوبة قد تكون بالحرف
العربي أو اللاتيني. وقد
تكون مواضيعه مرتبطة ثقافيا
بالعرق السواحيلي، او أنه
يقوم على تجارب غير
سواحيلية أو أيضا عبرـ
سواحيليةtrans- Swahili)
). فهو أدب يتميز بتواصل
تاريخي يمتد منذ أقدم
العصور الى عصرنا الحالي.
وكما نرى فإن هذه السمة
التاريخية تمثل جذر الوعي
الأدبي لدى السواحيليين,
مضيفة بذلك بعدا أدبيا
لشعورهم بالهوية المشتركة.
غير
أنه بسبب ارتباط الأدب
ألسواحيلي في فترة ما قبل
الاستعمار بالعرق الخاص
بالسواحيليين فإنه مما لا
شك فيه أنه أصبح يحظى بموقع
خاص في الشعور العرقي لديهم.
ولكن في دراسة الأدب
السواحيلي, فقد مني هذا
الأدب السواحيلي (قبل القرن
العشرين ) بكثير من سوء الفهم,
أدى بعضه الى تشويه أصل
الهوية السواحيلية ذاته.
ونتج بعض سوء الفهم هذا من
تحيز عربي _ اسلامي وغيره من
التحيز الشكلاني لدى
الباحثين ذوي التوجه
الأوروبي. فلنتجه الآن نحو
مناقشة سوء الفهم هذا. ان
التحيز العربي _ الاسلامي
الذي طغى على النقاشات التي
تتناول الشعب السواحيلي
واللغة السواحيلية قد امتد
ليشمل دراسة الأدب
السواحيلي. وما المقتطعات
التالية من كتابات جان
نابرت الانموذج على الآراء
التي تسود مجرى الدراسات
الأكاديمية فيما يتعلق
بالوجود التاريخي للأدب
السواحيلي قبل القرن
العشرين بأكمله:
إن
دراسة أصل كل سمة من سمات
الثقافة السواحيلية والادب
السواحيلي والأسطورة
السواحيلية وجذوره في إحدى
أراضي المشرق هي امر يحتاج
الى مجلد آخر وسنين أخرى
عديدة من الدراسة المضنية
وقد امكنني في بعض الحالات
العثور على أصل حكاية
سواحيلية في الادب العربي
أو السنسكريتي(1967: 7 ـ 8 ) ان
الأدب السواحيلي غائر حتى
أخمص قدميه في روحه (
الاسلامية ). فكل صفحة من
صفحات الادب التقليدي
السواحيلي حبلى بالإشارات
المستمدة من القران والسيرة
النبوية وسير الخلفاء
والأئمة المسلمين ومن
مواضيع العقيدة الاسلامية (1979: xix). يمتلي
الادب السواحيلي شعره ونثره
بالاشارات الى الفقه
الاسلامي في ترهيب المؤمنين
في كل كلمة من كلماته. وتشكل
معرفة الشريعة الاسلامية
مقطبا أساسيا لفهم الأدب
السواحيلي وخصوصا فيما
يتعلق بتسريعات الزواج
والتنويعات العائلية.(1979:xviii). إن
نظرة عابرة على كل مرحلة من
مراحل تاريخ الأدب
السواحيلي كفيلة بإظهار مدى
خطأ آراء نابرت. فلا يمكن
تحديد أي مرحلة من مراحل
تاريخ السواحيليين التي
كتبوا فيا قدرا من الأدب
الديني يفوق ما كتبره من أدب
دنيوي. وهذا التحيز المشرقي
في دراسة ما يسمى بالأدب
التقليدي السواحيلي يتجلى
أعظم تجل حينما تقارن
الدواوين الشعرية
السواحيلية المكتوبة
بالسواحيلية مع تلك
المكتوبة بالانجليزية حيث
تتضمن الدواوين السواحيلية
ما يلي: ديوان ياموياكإ بن
حاجي الغساني (هتشنز، 1940،
ومسومويني روبرت / 1959),وشريازا
كوتونجو مشيري ناديراني يا
امري (أدبي، 6954)، وما لينجا ما
لفيتو (بهالو 1971)، وساوتي
ياضيكي تاما (عبدالله,1975) إضافة
الى دواوين أخرى. وتتناول
هذه الدواوين مواضيع دنيوية.وفي
الجانب الآخر نجد بين
أيدينا كتبا عديدة حول
الشعر السواحيلي كتبت
باللغة الانجليزية منها
الشعر السواحيلي لم هاريس: 1962)،
والشعر التقليدي السواحيلي
(نابرت, 1967)، وثلاثة مجلدات في
الشعر الاسلامي السواحيلي (نابرت,
1971)، والتيندي (ألن, 1971). وتتميز
هذه الكتب بتركيزها على
المواضيع الشعرية الدينية
في الأساس. ونري أن اختلاف
التركيز بين الدواوين
السواحيلية ودواوين الشعر «التقليدي"
السواحيلي المكتوبة
بالانجليزية ليس أمرا عفويا
من صنيع الصدفة, ولكنه عميق
الجذور في تحيزين آخرين
داخل النموذج الأوروبي:
تحيز " شكلاني" وتحيز "عرقي". يعني
التحيز الشكلاني بالقيم
التي تف ض على الكلمة
المكتوبة. وهنا فإن المكتوب,
حتى لو كان
هامشيا، يحظى ببروز أكثر من
الشفهي حتى لو كان الشفهي
محوريا في ثقافة معينة. وكما
المحنا أعلاه فإنه قبل أن
يبدأ السواحيليون أنفسهم
انتاج دواوينهم المكتوبة
بالحرف اللاتيني كان هنالك
الكثير مما يدعى بالشعر
التقليدي السواحيلي
المتميز بدنيويته في الشكل
الشفهي أساسا بينما يحظى
الشعر الديني بالتوثيق أو
أنه يؤلف مكتوبا بأحرف
عربية, ومرد ذلك عموما هو
آراء الطبقات الاجتماعية
وتفضيلات تلك الطبقات التي
كانت مهتمة بصورة مباشرة
بإعداد الوثائق المكتوبة
وحفظها. وقد كان هذا الأدب
المكتوب اذن الذي حدد فعليا
أفق الأدب السواحيلي في
الدراسات الأوروبية التوجه
التي عملت وفقا لفليسفة
ديكارتية زائفة مفادها: "
انني أكتب فأنا إذن موجود"وافترضت
عدم وجود ما لم يكتب وتم
تدوينه. | |||||