|
|||||
|
إن
الشعر المعاصر لابد له من أن
يكون ضربا من العبث بالنسبة
لنوعين اثنين اثنين التأويل.
ونقصد بذلك : 1-
جهاز القراءة المعتمد على
المعطيات اللغوية المرتبطة
بالحياة الواقعية والتجربة
اليومية. 2-
التأويل المستند الى معطيات
بلاغية جاهزة ومرتبطة
بالتخيل المعهود والمتداول. إننا
إذا حللنا الألية التي
يعتمد عليها هذان التأويلان
في فهمهما للمستوى الدلال
من الجملة, أمكننا القول
بأنهما سيقفان على أن كل
عملية إبداعية أصيلة إنما
هي ضرب من العبث الذي لا
يحتمل ! أي هلوسة لغوية تشوش
على الذوق التقليدي، وتسعي
الى تدمير القواعد الراسخة
التي لا سبيل التى تطورها.
وسواء تعلق الأمر من هذه
الناحية بالشعر القديم أو
بالشعر الحديث, فإننا لا
نعدو أن نكون بصدد تأويل
محتمل وميت لما هو إبداعي
وأصيل في الكون وفي اللغة,
بالنسبة لكل جملة تستحق أن
نقول عنها إنها جملة فنية. أماالتأويل
الذي نعتقد أنه صحيح, فإنه
الذي نعتمد فيه على أن نتخيل
علاقات لغوية, ليست من
معطيات اللغة اليومية, ولا
العلاقات البلاغية الجاهزة.
إننا نتخذ في هذا التخيل
موقف المبدع. وموقف
المباح يعني بالنسبة الينا
أن التفاعل الأولي لديه لا
ينشأ داخل اللغة أو ينبثق من
معطياتها الجاهزة بل يتم في
العالم والكون. أي أن
التجربة الإبداعية لديه
تنشأ من تفاعل تام وغير
مشروط بينه وبين مظاهر
الكون من حوله إذ يقيم بينه
وبينها شروطا للتواصل الذي
يجعل العالم ذد فعل ينبثق
بإزائه رد فعل سيصبح هو
الآخر فعلا، حتى تتوافر
شروط النظام الذي يشتغل من
تلقاء نفسه, أي نظام التواصل
باعتباره آلية إنسانية
نتخيل أحيانا أنها تتوافر
في كل مظاهر العالم من حولنا. الا
يخاطب الشعراء مظاهر الكون
؟ الا يتخيلون أنها تخاطبهم
؟ إن هذه المظاهر قد تكون ذات
إرادة وفعل وقدرة ! ثم إنها
لابد أن تكون ذات لغة واحدة
أو لفات متعددة. إنها
باختصار فضاء مطلق تتحدد من
خلاله مجالات التصور البشري
التي ينتظم وفقها إدراك
العالم عن طريق التخيل,
مبدعا كان أو غير مبدع. ولكن
المشكلة بالنسبة الينا لا
تكمن في تحديد هذه المجالات
بقدر ما يوجد في اللغة التي
تحيلنا عليها: هل هي لغة
الإدراك أم لغة التصور؟ إن
لغة الإدراك تتحدد وفق
العلاقات المعجمية
والتركيبية المتخيلة الى
دلالات أحادية ذات فعالية
مباشرة في حين أن لغة التصور
متميزة بعلاقات تحيل الى
دلالا ت متعددة وذات فعالية
مضاعفة. ولذلك
فإن تأويل لغة الإدراك
تأويل أحادي وجاهز, ذو
مرجعية واقعية, يحيل الى
تصورات يومية ومعهودة. فإذا
تم على عكس نظامه, أي بحسب
تصورات ليست من صميمه, فإنه
يفقد فعاليته الأصلية,
فتكون الفعالية التي ينتجها
في هذه الحال ليست من طبيعته,
وإنما هي فعالية ناتجة من
جهاز يوجد خارجه. وهو ما
نستطيع أن نتصور في ضوئه
أشكالا متعددة من التواصل
البشري، لحالات : سوء
التفاهم, والسخرية, وتعدد
معنى الجملة الواحدة.. وفي
مقابل ذلك نجد أن تأويل لغة
التصور في ضوء معطيات اللغة
الإدراكية وعلاقاتها،
تأويل يحد من طاقة اللغة
ويحاول استيعاب مجالات
التصور عن طريق خنقها
واحالتها الى مجالات
إدراكية جاهزة وتامة. وهو ما
ينتج عنه انعدام الفعالية
المتوخاة من هذا النوع من
التواصل, واقتصاره على
مجموعات بشرية محددة في
إطار أنواع من الاهتمام
المشترك, الهادف الى شيوع
هذا النوع من التواصل عبر
اللغة التصورية. إن
التأويل في هذه الحال يقلب
التخيل الى واقع ويصر على أن
يظل الواقع غير قابل لأي
تغير أو اختراق. فإذا عجز عن
الفهم قال. إن هذا غير مفهوم,
وإنه ضرب من العبث إن علاقات
التصادم بين الفنان وبين
هذه النوع من التأويل
وأصحابه علاقات غير مستغربة,
ثم هي علاقات قابلة لأن تفهم
في إطار كون جهاز التأويل
الإدراكي يرتج ويخلخل عن
طريق إحداث فعالية غامضة
لدى صاحبه, قد يتوسل اليها
بالحدس في أحسن الأحوال
ليعتبر بمجموعة من الجمل
بقصد تفسير جمل واحدة, تبقى
غير مغترة. فما
السر في أن مستوى الفعالية
يظل غامضا لدى المتلقي
المتشبع بجهاز التأويل
الإدراكي؟ إن
الوحدات المعجمية لدى هذا
المتلقي وحدات تحيل في كل
حال من أحوالها على صور
إدراكية يجب أن تكون محددة
بالنسبة اليه أو قابلة
للتحديد على الأقل. ثم إن
تركيب هذه الوحدات لا بد من
أن يكون ذد علاقات منطقية
ومعقولة يستطيع التصور
الإدراكي أن يستوعبها بشكل
لا يرهقه. ونتيجة لذلك تكون
كل دلالة ناتجة عن التفاضل
بين هذين المستويين دلالة
منطقية. ومعقولة تسعي الى
فعالية مرتبطة بالحياة
اليومية وموصولة بها. إن
الإبداع الشعري يجاوز هذا
النوع من التواصل القائم
على الوحدات الإدراكية
والتركيب المنطقي. وليس
الأمر بالنسبة الينا متعلقا
بخلخلة هذا التركيب أو
الانزياح عن هذه الوحدات
وخرق ما هو متعارف عليه من
قواعد لغوية متداولة
ومتواترة. بل المسألة قائمة
في الأصل على تفاعل المبدع
بالعالم, ثم صياغة هذا
التفاعل بحسب منظومة
تواصلية ليست هي المنظومة
التواصلية المتوخاة عبر
اللغة الطبيعية. العالم
<
ــــــ>
المبدع <ـــــــ>
المتلقي منسمي
هذا التفاعل تفاعلا تخيليا
في مقابل التفاعل الإدراكي
الحادث بين العالم والمتكلم,
ثم بينه وبين المخاطب. إن
التمييز بين هذين النوعين
من التواصل وحده الذي
يستطيع أن يعرفنا على آليات
الإبداع الفني ومظاهره غير
المعهودة في اللغة الطبيعية. يقول
أمبرتو إيكو: كلما
كان إبداع الاستعارة أصيلا،
كانت سيرورة توليدها خارقة
للعادات البلاغية السابقة.
إنه من الصعب خلق استعارة
غير مسبوقة اعتمادا على
قواعد تامة ومحددة. ولكن
ألية إبداع (الاستعارة) غير
معروفة لدينا في مجملها
ولذلك فإنه من المعقول أن
نحلل الأ لية المعتمدة في
تأويل الاستعارة "(1). وهو
رأي نعترض عليه لأننا إذا
أردنا أن يتكامل تحليل آلية
الإبداع مع تحليل آلية
التأويل, فإن علينا أن نضع
أنفسنا في مكان المبدع ؟ وأن
نتقمص دوره. وبدلا من أن نتخذ
دور " المؤول المثالي
للإستعارة, والذي لابد له من
أن ينظر اليها وكأنه يسمعها
لأول مرة "(2) , يجب في رأيي أن
نتخذ دور المبدع الذي
اكتشفها في العالم, ثم حاول
نقلها الى اللغة. إن
هذا الدور يقتضي منا محاولة
تخيل التفاعل الذي تم بين
المبدع والعالم, ثم محاولة
تأويل هذا التفاعل عبر
اللغة التي صاغه بها الشاعر
أو الفنان. ومعناه
أننا سنتخذ في هذه الحال
موقفا مخالفا للتأويل
البلاغي المعهود لدى جهاز
القراءة المرجعية, أي
القراءة التي تربط التخيل
بجزئيات الواقع ومعطياته
المباشرة وتتناسل بحكم هذا
الربط مجال التصور والتفاعل
عند المبدع. إذ لا خلاف في
رأينا بين هذه القراءة وبين
تأويل لغة التواصل اليومي.
وذلك لأنها تعمد الى مجال
التصور والتفاعل, فتختزله
الى وحدات معجمية, وتجعل من
هذه الوحدات مجازا مفككا،
تسعي الى فهمه بحسب معطيات
الواقع الذي تعتقد أنه
الأول في كل قول فني. إنها
قراءة تتناسى علاقات
الإسناد بنحو ما تتناسى أن
التصور المجازي تصور أصلي
قائم على التخيل قبل أن يصاغ
صياغة لغوية. لقد
تبين عبد القاهر الجر جاني
طريقتين اثنتين للإسناد
أولاهما نستطيع تسميتها
الطريقة الإدراكية أو
المنطقية, والثانية طريقة
الإسناد التصوري، وهي التي
تسمى لديه مجازا حكميا أو
عقليا. ومفادها عنده أننا في
هذه النوح من المجاز نسند
الفعل أو نضيفه الى ما ليس له
في أصل التصور. ومعناه
أن الإسناد المنطقي هو نسبة
الفعل الى ما له في أصل
التصور، كضرب زيد عمرا،
وجاء زيد ضاحكا. وهو ما يقتضي
علاقات تركيبية واضحة
وخاضعة للإدراك البشري
بمعناه المتداول أما
الإسناد التصوري فإنما يقوم
كما هو الشأن بالنسبة
للاستعارة وغيرها من مظاهر
التواصل الفني وصيغه على
ايجاد ما لم يوجد من قبل, أي
على تصورات قائمة في النفس
على سبيل الوهم والتخيل
والإبداع. إلا
أن الاعتراض الذي قد نقدمه
بين يدي عبد القاهر، هو أن
هذا النوح من الإسناد, ليس
مجازا، ولا يمكنه أن يكون
كذلك بل هو تواصل من نوع
مخالف للتواصل عبر اللغة
الطبيعية, يتوخى إيجاد
علاقات غير موجودة في أصل
هذه اللغة, بنحو ما يكتشف
تصورات إبداعية غير موجودة
في العالم بحسب بصره
الإدراكي القائم في أصل
التصور البشري. ولذلك
فإننا نريد أن نستخلص بأن
اللغة البشرية متميزة
بنوعين اثنين من التركيب
هما : التركيب القائم على
علاقات إدراكية ومنطقية,
والتركيب القائم على تصورات
متخيلة. وهو ما يؤدى حتما الى
التميز بين نوعين من
التفاعل الذي يتم عبر هذه
اللغة ونقصد بذلك التفاعل
الإدراكي المحصور بالحدود
النحوية الجاهزة
والمتوافرة لدى المتكلم
الذي يستحضرها في كل انجاز
لغوي, إذ تشكل لديه قدرة
محددة لا يحتاج الى مجاوزته
في إطار هذا الإنجاز ثم
التفاعل التخيلي الذي لا
نستطيع التعبير عنه عبر
قدرة جاهزة وإنجاز مطابق
لها, بل نرصده في إطار تواصل
تخيلي يجد في قواعد التركيب
البلاغي أهم أداة تعبيرية
لبلورة هذا التفاعل ونقله
الى القاريء. ولقائل
أن يقول : إن التركيب البلاغي
نفسه تركيب جاهز وتام ومحدد
وهو أمر قد يصح بالنسبة لما
ليس أصيلا ومتميزا لدى
المبدع, أي بالنسبة لما
ينجزه من تراكيب تخيلية
يعتمد فيها على قواعد
نهائية, لا يستطيع معها أن
يكتشف علاقات تخيلية جديدة
في العالم, لابد أن تقتضي منه
مجاوزة التراكيب التصورية
المسكوكة والجامدة. إن
الإسناد التخيلي قائم على
علاقات لا حدود لها، ولذلك
فإنه غير قابل لأن يحدد وفق
قواعد التأويل الإدراكي بل
أقصى ما نستطيع فهمه من
قواعده هو أن نقابل بينه
وبين ظاهرة التعلق _ كما وقف
عنده عبدا لقاهر- فنعتبر أن
في اللغة تعلقا إدراكيا
ومنطقيا يوازيه تعلق تخيلي
ومجازي هو المعتمد في كل
تواصل فني. ومن
الجدير بالذكر في هذا
المجال أن بعض البلاغيين
القدماء، ممن حاول فهم عبدا
لقاهر فهما حيويا ومنتجا،
قد أدرك هذا البعد التصوري
الذي نقف عليه من خلال اللغة
فقابل في ضوء ذلك بين المجاز
المفرد والمجاز المركب. ثم
وسع دائرة المركب لتشمل
الإسناد، ونقل المركب
والبناء. يقول
الطرودي : ....
فلأن نسبة الفعل أنواع, نسبة
الى الفاعل, وهي نسبة مخصومة
لها أحوال مخصومة يمكن أن
يشبه بها نسبة الفعل الى
آلته وينزل منزلتها ويستعار
لها لحفظها فيقال : قتلني
السيف... ونسبة الى المفعول,
وهذه النسبة يجوز أن تكون
مشبهة بالنسبة الى الفاعل
كما في (في عيشة راضية )، وأن
تكون مشبها بها بالنسبة الى
الفاعل أيضا، كما في : سيل
مفعم, ونسبة الى المكان نحو:
نهر جار, الى غير ذلك كالنسبة
الى الزمان (نحو): نهاره صائم,
وليله قائم, و(يوما يجعل
الولدان شيبا). والنسبة الى
السبب نحو: بنى الأمير
المدينة, والنسبة الى
المصدر نحو : جد جده, وهذا
النسب لا تقع إلا مشبهة. فإن
قلت : كيف توجيه المجاز في هذه
التراكيب ؟ فاعلم
أن التوجيه في الأول أن
الرضا صفة الراضين, فحقيقة
الكلام : رضي المرء عيشته
فأسند الفعل الى المفعول من
غير أن يبني له, فبقي رضيت
العيشة, وهو معنى كونه مجازا,
ثم سبكه من الفعل المبني
للفاعل اسم فاعل وأسند الى
ضمير العيشة.... والتوجيه
في الثاني أن الإفعام صفة
السيل, فحقيقة الكلام : أفعم
السيل الوادي... فأسند الفعل
الى المفعول في التقدير...
فصار الكلام هكذا : أفعم
الوادي السيل, ثم حذف الفاعل,
وأقيم المفعول مقامه وبني
الفعل له, فصار ؛ أفعم السيل,
وهذا معنى كونه مجازا, ثم سبك
منه اسم مفعول, فقيل : سيل مفعم
فأسند اسم المفعول الى ضمير
المفعول الذي كان في الاصل
فاعلا…"(3) ثم
يقول فيما يخص نقل المركب,
ونقل البناء : "...
أقسام المجاز أربعة : الأول
: أن يكون المنقول لفظا
مفردا، والنقل عما وضع له
وضعا شخصيا, وهو مجاز مفرد. الثاني
: أن يكون المنقول لفظا
مركبا، والنقل عما وضع له
وضعا شخصيا, فهو مجاز مركب. الثالث
: أن يكون المنقول لفظا
مفردا، والنقل عما وضع له
وضعا نوعيا، وهو مجاز بحسب
البناء, قال الإمام
المرزوقي في شرح قول
الحماسي : وأبغض اليه
بإتيانها، استعير فيه بناء
الأمر للخبر، لأن معناه
التعجب, والتعجب خبر، وهم
يستعيرون المباني للمعاني,
كما يستعيرون الجمل
والمفردات. الرابع
: أن يكون المنقول لفظا
مركبا، والنقل عما وضع له
وضعا نوعيا، وهو مجاز بحسب
الهيئة التركيبية, كقوله عز
وجل : (رب إني وضعتها أنثى )، فإن
هذه الجملة موضوعة للإخبار،
وقد استعيرت لإنشاء إظهار
التحزن " ( 4) ولكننا
بالرغم من كل ذلك نلاحظ بأن
قضية النقل قضية راسخة
ومتمكنة من أصحاب هذا
التوجه, في حين أن عبدا لقاهر
والمرزوقي أموا غير مرة عل
أنه لا نقل ولا مجاز ناشئين
بعد الحقيقة في هذا الضرب من
القول. "
وأعلم أنه قد كثر في كلام
الناس استعمال لفظ النقل في
الاستعارة, فمن ذلك قولهم : إن
الاستعارة تعليق العبارة
على غير ما وضعت له في أصل
اللغة على سبيل النقل وقال
القاضي أبو الحسن.
الاستعارة ما اكتفى فيه
بالاسم المستعار عن الأصل
ونقلت العبارة فجعلت في
مكان غيرها. ومن
شأن ما غمض من المعاني ولطف
أن يصعب تصويره على الوجه
الذي هو عليه لعامة الناس
فيقع لذلك في العبارات التي
يعبر بها عنه ما يوهم الخطأ.
وإطلاقهم في الاستعارة أنها
نقل للعبارة عما وضعت له من
ذلك : فلا يصح الأخذ به ".(5) وعن
المرزوقي: "
قال عبدالله بن عنمة : فازجر
حمارك لا يرتع بروضتنا إذا
يرد وقيد الغير مكروب جعل
إرسال الحمار في حماهم
كناية عن التحكك بهم
التعرض لمساء تهم, ولا
حمار ثم ولا روض
" (6) ويمكننا
تبعا لما أسلفناه أن نستخلص : أ
- بأن التفاعل الإبداعي
تفاعل مع العالم قبل أن يكون
تفاعلا باللغة. ب-
بأن هذا التفاعل يتم داخل
مجالات تصورية تقابل مجالات
الإدراك لدى البشر. ج-
بأنه يستتبع بالضرورة لغة
تصورية توازي لغة الإدراك. د
- بأن ظاهرة الإسناد التصوري (المجاز
العقلي ) تتسع داخل هذه اللغة
لتشمل التعلق التخيلي
الموازي للتعلق الإدراكي. ومعنى
كل ذلك بالنسبة الينا أن لدى
الشاعر مجالات معينة, تنشأ
عنها نصوصه المختلفة وتتنوع
بتنوعها، وليست الجمل
المركبة داخل هذه النصوص
سوى مؤشرات سطحية لما يوجد
قبلها، ولذلك فإن التعلق
التخيلي في الجملة طريق الى
مجال التصور الذي هو الأصل
في التواصل الفني يقول محمد
بنيس : لم
يختف الغنباز عن أجرام
سهرتنا له كنا
نعد تدفق الأمواج من شطح الى
ماء وهذي
النار تحجب يشبها بفضول دالية
مهددة على أعتابها كنا نقيم شعيرة لتماسك
الأضواء. إن
فاعل البيان Sujehdelenmceمؤشر
أساسي للتفاعل بالعالم,
وذلك لأنه أهم صورة واضحة
تمثل المتكلم داخل نص معين.
ونحن نلاحظ بأن هذا الفاعل
قد ورد في هذه المقطوعة
بصيغة الجمع, وهو أمر يوضح
بأن التفاعل الذي يعبر عنه
بنيس تفاعل جماعي يمثل
المتكلم طرفا أساسيا داخله.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض
نفسه في هذا المقام يتعلق
حتما بالأطراف التي يردها
الشاعر مشاركة له في هذا
التفاعل ؟ لقد
أهدى بنيس قصيدته لشاعرين
مغربيين توفيا قبل أن ينشر
ديوانه (هبة الفراغ ), هما: محمد
الخمار الكنوني: وعبدالله
راجع : وبذلك تكون الجماعة
التي يمثلها فاعل البيان في
قوله : لم
يختف الغنباز عن أجرام
سهرتنا له هي
جماعة الشعراء المقاربة
الذين يمثلون الحداثة
الفنية في أجل صورة لها داخل
المغرب. ولذلك فإن التفاعل
الذي نقف
عليه عبر فاعل البيان هو هذه
الحداثة وموت ممثليها واحدا
بعد الآخر. إذن
نحن بإزاء مجالين تصوريين
اثنين هما مجال : الحداثة
الشعرية ومجال الموت. ويبدو
أن بنيس قد اتخذ موقف شاعر
يرثي هذه الحداثة بنحو ما
يرثي أصحابها الذين انخرط
ضمن صفوفهم من زمن بعيد. إن
(نا) الدالة على
]الفاعل] لا قد
وردت ضمن تركيب تخيلي هو
قوله : آجرام
سهرتنا وهو
تركيب يستند الى الإضافة,
ولذلك فإن مقومات عناصره لا
يمكن أن تحلل إلا اعتمادا
على العلاقة التي تجمع
المضاف بالمضاف اليه أي أن
السمات الدلالية للأجرام : +
علو + فضاء وللسهرة
: سمات
غير تامة أو واضحة إلا عبر
العلاقة التخيلية التي تجعل
تلك الإضافة معقولة في
مستوى التصور. وهي علاقة من
الممكن أن نوضحها حسب الشكل
التالي : -
المضاف : فضاء -
المضاف اليه : زمن -
الإضافة : نور ومعناه
أن تعلق الأجرام بسهرة
شعراء الحداثة يتلخص في
أنهم تأسيس عالم للفرح, فضاء
مضيء للسهر والمتعة. ولذلك
فإن كانوا يطمحون الى الشعر
بالنسبة لبنيس فضاء مطلق,
وزمن ساهر، ونور بعيد قريب
يجمع بينهما. إن
التعلق التخيلي عند هذا
الشاعر يجعل الوحدات
المعجمية تكتسب عن طريق
التركيب الإضافي الذي تخضع
له في ~ى التصور مقومات لا
يمكن أن تكون لها في مستوى
اللغة الطبيعية وذلك فإنه
لا ينقل هذه الوحدات من
استعمالها العادي الى مجرد
إنجاز تخيلي قد يحافظ على
بعض سماتها الدلالية, وانما
يتصورها تصورا تخيليا
مجردا، عن هذه السمات, ثم
ينجزها في إطار تعلق لا يمكن
أن يكون لها في مستوى التصور
الإدراكي. فكما لا يمكننا أن
نضيف الأجرام الى السهرة,
كذلك لا نستطيع تأويل تدفق
الا مداح في قوله : كنا
نعد تدفق الامداح من
اشطح الماء تأويلا
إدراكيا تاما ومحددا. وذلك
لأن السمة الدلالية البارزة
للتدفق ]+ سيولة ]،
لا علاقة
منطقية بينها وبين السمة
الدلالية البارزة للأمداح :
]+ شعر] في حين
أنه إذا تأملنا التركيب
الإضافي بحسب السياق
الجملي الذي ورد في إطاره,
أمكننا أن نوضح العلاقة
التخيلية التي تجمعهما
عن طريق التحليل التالي : تدفق
+ ماء + حياة أمد
اح + شعر شطح
+ جسد + تصوف ماء:
+خصب +حياة ومعناه
أن الشعر حياة متدفقة تصوف
الخمار وراجع وبنيس في
سبيلها كي تنمو داخل الفضاء
المطلق الذي كان يجمعهم
والزمن السامر الذي طمحوا
الى أن يفرحوا به. ولعل
أهم اعتراض يمكن أن يقدم
بإزاء هذا التأويل الذي
نزعمه هو أن العلاقة
التصورية بين التصوف,
والحياة ثم الزمن, والفضاء
والنور علاقة غير منسجمة في
جانبها التخيلي, لأنه ليس
بينها أي رابط من الممكن أن
يسعفنا لتنظيمها داخل مجال
التصور الأولي الذي حددناه
أي مجال الحداثة الشعرية. ولكن
تحليل الجمل الشعرية
المتوالية ضمن هذا المجال
نفسه كفيل بأن يقفنا على ذلك
الانسجام بشكل أكثر دقة مما
هو عليه الأمر في الجملتين
السالفتين. ...
من شطح الى ماء وخذي
النار تحجب يثبها بفصول دالية
مهددة, على اعتابها كنا
نقيم شعيرة لتماسك الاضواء فنقال
بين : النار
# الماء أي
بين الحياة والاحتراق في
سبيلها. ثم
بين الشطح وفصول الدالية.
وذلك على أساس أنهما عنصران
منسجمان و متشاكلان الى
ابعد, حد ممكن. اذ
نلاحظ أن الدالية استعملت
استعمالا تخيليا يحيل على
الخمرة, أي : دالية
: +نبات + عنب +خمر ولكنها
خمرة الشطح، خمرة الابداع،
خمرة الحدثة ونشوتها التي
كانوا يقيمون على اعتابها
شعيرة لتماسك الاضواء,اي
شعيرة التعبد , والزهد في
سبيل ان يتماسك نورها.وهو ما
يحيل على تقابل واضح بين : اجرام
سهرتنا – تماسك الاضواء
ولعل في كل ذلك ما يمكننا
من أن نحدد المجال التصوري
الأولي, أي مجال الحداثة
الشعرية كما يرده بنيس وفق
العلاقات التالية : [أجرام
سهرتنا + تماسك الأضواء]: نور [
تدفق+ ماء] : حياة [
أمداح + شطح + دآلية + شعيرة ]
تصوف ويظل
عنصر الاحتراق مناقضا لهذه
العناصر في مجملها وغير
منسجم معها، وهو ما يؤكد
حاجتنا الى تحليله في ضوء
علاقات جديدة سنتلمسها في
الجمل الشعرية الموالية : كنا.... نسم
يتمنا عواصف تعلو بكل
عروقها إن
إسناد فعل (نسلم ) لفاعل
البيان إسناد حقيقي في حين
أن تعلق اليتم
والعواصف به تعلق تخيلي
صميم ثم إنه لا يتم ولا عواصف,
وذلك لأن هذا اليتم
]+ موت + أب]
نفسه من
مجال التصور الذي حددناه في
الحداثة الشعرية
؛ وهو ما يعني بالنسبة الينا
أن فاعل البيان يعاني من
فقدان الأب ومن الغربة في
هذه الحداثة
الفنية التي كرس حياته في
سبيلها. إنها حداثة مستسلمة
لعواصف (+ بحر + رياح ) عليها أن
تواجهها في
اليتم والغربة وفقدان الأب
الروحي ولذلك فإن هذه
العواصف داخلة في إطار
علاقة ضدية مع الحياة
ومنسجمة انسجاما تاما
مع الحقل التصوري للنار. أي]
نار + عواصف] #]
نور +
حياة + تصوف]. ويدل على ذلك أن العواصف تط | |||||