|
ثمة
الكثير من الاستسهالات
النقدية التي غدت بمثابة
بديهيات,حول أصول الفن
الاسلامي وحول مراجعه ما
قبل الإسلامية. ثمة جغرافيا
تشكيلية متخيلة, نود أن نقول
كلمة حولها. لقد
جرى غالبا التصريح بأن الفن
الاسلامي قد استمد نفسه, في
مراحله الأولى على الأقل, من
أقنومين خارجيين: بيزنطي -
يوناني كما يشير باباد
وبولو، أو فارسي - ساساني كما
يذهب مؤرخ الفن الايرانى
أسد الله شيرفانى(1) أو من مزيج
بيزنطي روماني - ساساني(2) كما
يذهب اكثر من مؤرخ اوروبي
(وعربي كما ثروت
عكاشة) ويقف في مقابلهم
متشددون قوميون عرب يرفضون
الفكرة (كما عفيف بهنسي)
بإصرار. يتحول
الشرق القديم في هذه
الخطابات الأوروبية
والعربية, الى كيان تجريدي،
تعاني وحداته من تقوقع لا
شفاء منه, تبلورت عبره
الثقافات والفنون الجميلة
معزولة عن بعضها، وهو ما لا
تشهد عليها أية قطعة فنية أو
منحوتة جدارية أو نقشة
هندسية على حائط أو سجادة من
ذلك الوقت. تقترح غالبية هذه
البحوث, طالما تعلق الأمر
بأصول هذا الفن, انقطاعا
دراميا وعدم تبادل ثقافي
بين شعوب المنطقة الواحدة
نفسها، بحيث إن جغرافيا
الشرق, السامي وغير السامي،
ستتحول تشكيليا الى وهم
جغرافي, تعيش شعوبه في عزلة
مطلقة, دون بداهة اللقاء ولا
ضرورة التفاعل, كأن بيزنطة
الشرقية كانت تحضر فنيا،
وهي تحتل المنطقة السامية
القديمة, على أرض بكر من دون
تاريخ ولا فن. أو أن تاريخها
وفنها قد ماتا نهائيا، كما
يجري الخلط, بعدئذ بين
بيزنطة المسيحية والفنانين
المسيحيين العرب الذين
ساهموا بفاعلية في تشييد
العمارة الإسلامية الأولى.
تتقدم الإمبراطورية
الساسانية كذلك وكأنها لم
تكن قد تلقحت بالفنون
الرافدينية, كأن أسود
بواباتها ليست البتة من ذات
الفصيلة الآشورية. تفترض
هذه الخطابات انقطاعا
مماثلا بين ما يصطلح عليه
بالشعوب السامية ما قبل
الاسلامية الساكنة فوق ذات
الرقعة الجغرافية المحددة
في الجزيرة العربية والهلال
الخصيب وحتى مصر والشمال
الأفريقي، بحيث أن هذه
الدراسات ستندهش اندهاشا
مفرطا من أية تأثيرات فنية
ممكنة بينها، كما أن
الجزيرة العربية
وامتداداتها الشمالية
والجنوبية مقطعة أثنيا
وتشكيليا، الأمر الذي يصعب
تصوره. ثمة خصائص فنية صارمة
ممنوحة للفن الآشوري وأخرى
للفن الفينيقي أو العبراني
أو الآرامي أو المصري أو الى
الفن المسيحي القبطي وغيره.
انها تتناسى ان الموت
السياسي للعالم السامي
القديم لم يكن رديفا لموته
الفني. من الواضح والصحيح ان
الهيمنة السياسية كانت تعبر
عن نفسها بهيمنة فنية
مماثلة, وهو أمر ينبغي تقبله
ورؤية آثاره في الفن
الإسلامي، ولكن من غير
الصحيح البتة رؤية العناصر اليونانية
أو الساسانية لوحدها في
فنون المنطقة في الفترة
التي سبقت ظهور الإسلام.
وهذا ما تبرهنه بوضوح
مكتشفات قرية الفاو
التشكيلية (في العربية
السعودية) التي تسبق ظهور
الإسلام بسبعمائة سنة والتي
يطغي على جزء منها ذلك
التأثير المكيف لفن المنطقة
وهواجسها، ففي مرة نادرة في
تاريخ الفن استطعنا العثور
على تماثيل برونزيه صغيرة
لجمال الجزيرة (3) ان قراءة
متمعنة,
لكتاب," العربيا قبل الاسلام "الصادر حديثا (4)
يمكن ان تساعد على أخذ فكرة
وافية عن وجود فنون عربية
قبل الإسلام, أصلية وذات
تأثيرات بديهية خارجية. لقد
استطاعت المنطقة التي ظهر
بها الإسلام على الدوام
التكيف مع ذينك الفنين, دوما
ضمن تاريخها الفني،
واستطاعت في النهاية إنجاب
فنها الإسلامي المعروف. توضع
اليونان, في هذا الخطاب, في
فضاء جد خاص, جغرافيا
وثقافيا وإنسانيا، وتصير
مقطوعة الجذور عن امتدادتها
الطبيعية في هذا الشرق. يجري
تبني اليونان لوحدها ثقافيا
وتنقطع عن أصولها، حتى ان
العالم القديم يصير رديفا
لها ولا يستوعب غيرها،
بمناسبة ترجمته الفرنسية
للشاعر اليوناني (إيليتس)
يتكلم كزافييه بورد عن «خصوصية
التمشرق Orientalite
اليونانية ويقول بان
اليونانيين يجدون أنفسهم: "
في نقطة الوصل بين الشرق
والغرب بحيث أن التأثير
الميدي الفارسي, الجاري
تجاهله كان مهما منذ عهود
غابرة الى درجة أن بعض الضواحي
اليونانية كانت تفضل
الاحتلال الفارسي على
المواطنة اليونانية [...] تأثير
ثقافي بشكل أخص, يظهر في
العلاقة بين الصوفية
اليونانية والمزدكية
الفارسية بصدد الشمس وفي
الرياضيات والعلوم
الباطنية للأرقام, في ثور
كريت وفي طقوس مثيرا (الفارسية)
وفي بعض المكونات الأساسية
الأخرى للثقافة اليونانية
التي أجرينا محوا لاواعيا
لاصولها (6). من الواضح الان ان
علاقة اليونان بالفرس
وعلاقاتها بالشام ومصر أقوى
بكثير من أية علاقة أخرى،
وعلاقة الفرس بالعالم (السامي)
قوية الى درجة الامتزاجات
والاختلافات الثقافية
والفلسفية والفنية لا يمكن
نسبتها بسهولة الى أي من تلك
العوالم. هذه هي فرضيتنا في
تفسير الجغرافيا التشكيلية
لعالم الشرق القديم الذي
طلع منه الفن الاسلامي. ثمة
تقاطعات أكثر مما يوجد من
انفصالات. هذه الأخيرة لم
تكن من طبيعة عوالم ثلاثة
كان قدرها الجغرافي التجاور
ولو بصعوبة في أغلب الحالات.
من الصعب تناسي أن بلاد
الرافدين, مثلا، كانت طيلة
قرون رافدا تشكيليا لجارتها
الفارسية التي رغم سيطرتها
فيما بعد على مقاليد
الرافدين سياسيا فانها بقيت
متخمة بالزخم التكويني
والزخرفي واللوني للحضارة
التي سبقتها: هذا ما يبرهنه
النقش البارز على جدار قصر
برسيبوليس من العصر
الإخميني في ايران الذي
يذكر بوضوح بالفن الآشوري،
السابق عليه. توضح وضعية
الفن الإيراني في الفترة
التي سبقت قليلا الفتح
الإسلامي للعراق, الفترة
الفرثية, بشكل أقوى هذا
الزعم, لقد كان العراق تحت
سيطرة الفرثيين في القرن
الأول الميلادي الذين
اتخذوا سلوقية (طيسفون
لاحقا، أو المدائن في
التسمية العربية في الجانب
الأيسر من نهر دجلة) عاصمة
لهم, ثم نشأت في عهدهم مدن في
الصحراء السورية والعراقية
من أهمها البتراء والحضر.
هذه الأخيرة كانت تحكمها
سلالة عربية منذ القرن
الأول الميلادي وكان من
أشهر ملوكها نصر وابنه
سنطروق (الذي يرجح انه كان معاصرا
للملك الفرثي أو لغاش الأول)
والملك سنطروق الثاني
الملقب بملك العرب. انتهى
شأن هذه المدينة إثر غزو
الملك شاهبور الأول
الساساني لها في عام 250م وفي
الآثار الباقية اليوم من
هذه الفترة يلاحظ الباحثون
امتزاج الفنون الرا فدينية
القديمة ببعض التأثيرات
الهيلينية الإغريقية
والرومانية وبعض الفنون
الفارسية. على تمثال سنطروق (
200-240م)(7) الموجود اليوم في العراق
يمكننا أن نلاحظ أمرين: حضور
الهلال (المنقوش عن قبعته)
والقمر - الهلال هو مفردة
تشكيلية رافدينية بارزة,
ذلك انه كان أحد المعبودات
الأساسية في وادي الرافدين:
الاله سين الذي يظهر كثيرا
في الأيقونية العراقية
القديمة مع الإله شمش (أي
الشمس)، ثم زيه الايراني
دليلا على خضوعه للهيمنة
السياسية الفرثية, في
الفترة الساسانية التي سبقت
مباشرة الفتح الاسلامي كانت
موضوعات الفن الأشوري
مهمينة على الفن الايراني:
رحلات صيد الملوك للغزلان
والأسود السائدة بوفرة في
الفن الأشورى التي ستظهر
كثيرا، وحتى اليوم, على
السجاد الايراني (8)، حفلات
الرقص... الخ. كان الفن
الإخميني (القرن السادس قبل
الميلاد) متخما بالتأثيرات
الرافدينية, هذا ما يقوله
غالبية مؤرخي الفن, مثل
اندريه بارو: " ان استعارة
موضوعات هذا النحت الزخرفي (الإخميني)
من الفن الآشوري وفن بلاد
الرافدين أمر لا يمكن
إنكاره. مثال ذلك ان
التماثيل التي تسند العرش
مستعارة من بلاد أشور في حين
ان نقشة الملك البطل الذي
يحتضن أسدا بذراعه الأيمن,
تذكير واضح بصورة كلكامش
وهو يحمل شبل أسد خرسباد.
وعلى غرار ذلك تماما ينبع
موكب حملة الجزية بصفة
مباشرة من المواكب المصورة ´ل
قصر سرجون (9)ومن ثم التأثيرات
اليونانية خاصة في طيات
الملابس المستعارة حسب بارو
من " الأيونيين والسرويين (10).
ان "مدينة سوسة, عاصمة الملك
الإخمينى دارا كانت عراقية
أكثر مما هي أخمينيه
(11) وانها " كانت تحت تاثيرات
الفن البابلي
(12). ستعاود موتيفات ونقشات هذه
الفنون الظهور بقوة في الفن
الإسلامي. في
هذا الخطاب يستبعد عرب
الجنوب اليمنيون من تاريخ
الفن ما قبل الاسلامي،
ويستبعد من التاريخ عرب
سكان الشام الخاضعون
لبيزنطة سياسيا وعسكريا (الغساسنة:
عرب قبائل لخم وجذام وغيرهم)
وعرب العراق السامي الصائر
تحت الهيمنة الساسانية (المناذرة).
وان الاضافات التي أمكن
للصناع والفنانين السوريين
(13) تقديمها
الى الفن اليوناني
والروماني يجري تجاهلها
نهائيا وتحسب فحسب, لصالح
ذينيك الفنين. وذلك لأنه
يجري تبني مفهوم ملتبس, نكاد
نقول سياسي للديانتين
المسيحية واليهودية: انهما
معزولان عن السياق الذي
طلعا منه, والخيوط التي
تربطهما بالمعتقدات
الدينية التي نشأت وسادت في
المنطقة واهية للغاية ومن
النادر الإشارة اليها، بحيث
ان خصائص ما يسمى (بالفن
المسيحي) هي فحسب خصائص الفن
البيزنطي الهيليني، كأن
معتنقي هاتين الديانتين من
الناطقين بالأرامية
والعربية (أو من أسلافهم
الساميين اذا شئنا) لم
يستطيعوا أبدا ايجاد مفردات
تشكيليه محليه للتعبير عن معتقداتهم (14)
لكي تكون النتيجة هي: الفكر
الديني التوحيدي قد طلع في
مكان معين بينما انه تلبس
لبوسات تشكيلية في مكان آخر. ماذا
يعني الإلحاح الشديد من قبل
الباحثين على ان الفن
البيزنطي هو فن شرقي؟ ان له
مغزى بعيدا: إننا في قلب
عملية التفاعل بين ثقافات
الشرق القديم التي كان
اليونان جزءا منها. باسم
المسيحية منح الفنانون
السوريون والعراقيون
المسيحيون وغيرهم ستهدين
بإرث منطقتهم التاريخي,
كثيرا الى بيزنطة ومن ثم الى
الفن التشخيصي الاسلامي.
يرد ذكر الايقونة في مصادر
عربية قديمة, لعل أوضحها ما
يورده ابن ابي أصيبعة (دمشق 1203- 1269)
في " طبقات الأطباء" من قصة
طويلة: " ان بختيشوع بن
جبرائيل المتطبب ]كان
في زمن المتوكل: 822 - 861م أي في وقت
مبكر [
استعمل قرنة ]أي
ايقونة وهو تعريب يستحق
التأمل(15) عليها صورة السيدة
مار مريم وفي حجرها سيدنا
المسيح والملائكة قد
احتاطوا بها، وعملها في
غاية ما يكون من الحسن وصحة
الصورة, بعد أن غرم عليها من
المال شيئا كثيرا. ثم حملها
الى أمير المؤمنين المتوكل ]...
[ فاستحسنها المتوكل
جدا وجعل بختيشوع يقبلها
بين يديه مرارا كثيرة, فقال
له المتوكل: لم تقبلها؟ ]
الى أن نصل في القصة.[
يا أبا زيد أعزك الله, ينبغي
ان تعلم انه قد أهدي الى أمير
المؤمنين قرنة قد عظم عجبه
بها، واحسبها من صور الشام,
وان نحن تركناها عنده
ومدحناها بين يديه تولع بها
في كل وقت وقال هذا ربكم وأمه
مصورين, وقد قال لي أمير
المؤمنين: انظر في هذه
الصورة ما أحسنها وأيش تقول
فيها:؟ فقلت له: صورة مثلها
يكون في الحمامات و في البيع
وفي المواضع المصورة..." الخ (16) وفي رواية
أخرى تتعلق, هذه المرة بحنين
بن إسحاق (طبيب عربي، نصراني 873م)
يرد انه " أخرج من كمه كتابا
فيه صورة المسيح مصلوبا،
وصور ناس حوله.."
(17) ويرد ذكرها كذلك بتوسع في
كتاب استثنائي وذي دلالة هو
كتاب ثاوذورس أبي قرة ( أسقف
حران 825م أي زمن الرشيد
والمأمون) المعنون " ميمر في
إكرام الايقونات "(18)
الاقدم قليلا من بختيشوع
وفيه يتناول بالتحليل بشكل
تفصيلي نقاده المسلمين
واليهود الذي كان واضحا
بأنهم كانوا يرون عيانا تلك
الأيقونات وما كان يرسم
عليها. الأمر الذي يبرهنه
كذلك ما يورده الشابشتي في
كتاب (الديارات) بصدد دير
القصير في مصر: " وفي هيكله
صورة مريم وفي حجرها صورة
المسيح عليه السلام. والناس
يقصدون الموضع للنظر الى
هذه الصورة (19).
تاريخ الفن
الاسلامي التشخيص (المنمنمة)
له علاقة وطيدة بهذا الرسم
الأيقوني الرائج في المنطقة
الإسلامية. فمثل هذا
التصوير كان موجودا على
الكعبة نفسها، حسب جميع
المؤرخين المسلمين: يذكر
الأزرقي ان قد:"... زرقوا سقفها
وجدرانها من بطنها ودعائمها
وجعلوا في دعائمها صور
الأنبياء، وصور الشجر وصور
الملائكة, فكانت فيها صورة
ابراهيم خليل الرحمن: شيخ
يستقسم بالأزلام وصورة عيسى
بن مريم وأمه, وصورة
الملائكة عليهم السلام
أجمعين, فلما كان
يوم
فتح مكة دخل رسول
الله (ص) فارسل الفضل بن
العباس فجاء بماء زمزم ثم
أمر بثوب وأمر بطمس تلك
الصور، فطمست قال: ووضع كفه
على صورة عيسى بن مريم وأمه
عليهما السلام, وقال امحوا
جميع الصور الا ما تحت يدي
فرفع يديه عن عيسى بن مريم
وأمه ونظر الى صورة ابراهيم
فقال: قاتلهم الله جعلوه
يستقسم بالأزلام ما
لإبراهيم وللاأزلام ؟.."(20)
يخيل الينا بان أقرب الرسوم
الموجودة حاليا الى رسم
الكعبة الموصوف هنا هو ما
نستطيع أن نراه في كتاب
الأنصاري آنف الذكر ص 70- 139،
الذي يقول عنه بانه: " يمثل
امرأة ترتدي رداء فضفاضا
وتحمل ما يبدو وكأنه طفل"
وفي الصفحة 72- 137 يوجد رسم أكثر
وضوحا وأهمية, يقول عنه بانه
" يمثل شخصية غير بارزة يحيط
بها من كل جانب رسم لفتاتين
تتوجانه باكليل من العنب.
على الناحية اليمنى نقشت
كلمة (زكي)". ثمة أمثلة كثيرة
عن حضور الرسم الديني
المسيحي، مثل ذلك الشعر
الذي يورده ياقوت الحموي في (معجم
الأدباء) عن: صورتين كانتا
على كنيسة تعرف بكنيسة ابن
مريم على شرقي محملها عند
باب الصوارف بعسقلان.. طوبى
من دميتين تعانقا... (الشعر)"(21)
, وما يذكره المقدسي
من انه رأى على ثلاثة فراسخ
من مدينة دبيل: " دير ابيض من
حجر منقور مثل قلنسوة فيه
صورة مريم.."(22) , كما ما يحكيه
اخوان الصفا عن أولئك الذين
اتخذوا أصناما على صور
الأنبياء والأولياء "وصوروا
تماثيل على ما فعلت النصاري
في بيعهم من التماثيل
والصور مثل أشباه المسيح (ع)
وروح القدس وجبرائيل ومريم,
وكذلك أحوال المسيح
في متصرفاته ليكون
ذلك تذكارا لهم بأحواله
كيفما يمموا تلك التصاوير
والتماثيل
(23). سنقول
أيضا أنه باسم المسيحية
نفسها منحت بيزنطة فنا
كثيرا الى
المنطقة العربية. كانت
اليونان وفارس القديمتان
جزءا من حضارات أخرى مهيمنة
في المنطقة قبل ظهور
الاسلام: المصرية
والفرعونية. يبدو جليا بأن
المسلمين كانوا قد تأملوا
في وقت
مبكر الرسم الفرعوني. يورد
ابن جبير انه رأى في مدينة
اخميم هيكلا قد انتظمته:"
التصاوير البديعة والأصبغة
الغريبة ]..[
والتصاوير على لحل أنواع في
كل بلاطة من بلاطاته, فمنها
ما قد جللته طيور بصور رائقة
باسطة أجنحتها توهم الناظر
اليها انها تهم بالطيران,
ومنها ما قد جللته تصاوير
آدمية رائقة المنظر رائعة
الشكل. قد أعدت لكل صورة منها
هيئة هي عليها، كاسماك
تمثال بيدها في سلاح أو طائر
أو كأس أو إشارة شخص الى اخر بيده او غير ذلك " (24).
ويورد ابن بطوطه ا في رحلته
انه رأى في المدينة ذاتها
وفي البرابي المعروف باسمها:
" صور الأفلاك والكواكب ]....[
وصور الحيوانات وسراها (25)،
ويقول المقدسى:"في طريق
الصعيد بيوت تسمى البرابي
فيها تصاوير كثيرة"(26), بينما
يورد ابن النديم أثناء وصفه
للأهرام ما يلي: "..صورة ذكر
وأنثى وقد تقابلا بوجهيهما،
بيد الذ كر لوح فيه كتابة,
وبيد الأنثى مرآة واله من
الذهب تشبه المنقاش "(27)
وييبدوان الخليفة
المأمون قد رأى مثل هذه
الصور, بل نقب في الاهر امات
نفسها ورأى بعض المومياءات,
لدى زيارته
الى مصر(28).هاتان
الحضارتان يمكن ان تقدما
مفاتيح لتأويل الزخرفية
السائدة في الفن الاسلامي،
والنزعة التشخيصية الخاصة
به, ففي المقارنة مع النحت
اليوناني فان غالبية
الأعمال المنتمية الى
الحضارتين هاتين كانت ميالة
الى نمط تأويلي رمزي لا يعنى
بالتفصيلات والنسب
الواقعية الدقيقة العزيزة
للغاية على قلب النحات
اليوناني، الا تلك الأعمال
التي كانت تحت التأثير
المباشر للفن الهيليني وثمة
بالطبع, نماذج وفيرة منها. لم
يكن هم النحت الرافديني،
الأوغاريتي والفينيقي في
الغالب, الا ابراز فكرة
معينة بطولية أو دينية. كان
يجري التركيز على سعة
العيون التي كانت مغطاة,
حرفيا في بعض الحالات
بالقواقع والأحجاز الثمينة
تعبيرا عن سحرية معينة وعن
تتضخم أكثر من اللازم
للتشديد على قوة الشخوص
وعظمتهم. إنها تقوم بوظيفة
أخرى غير النقل الحرفي
للواقع. وظيفة دينية تشابه
وظيفة الأيقونة البيزنطية,
في عصر آخر، غير المعنية
بالواقعية قدر عنايتها
بالمقدس الرمزي. سيتبقى
الأمر ذاته في فن المنمنمات
الاسلامية لاحقا،
فالمنمنمة تسعي عبر ما
تحسبه نقلا واقعيا الى
ابراز الحالة والمناخ العام
اللذ ين يعبر عنهما عبر
إجمالية schématisation
بصرية تكتفي
بالخطوط العامة للأشياء
وبالتكرارات من دون
التفصيلات والظلال. عند
النظر الى الفن الإسلامي
نرى أن استبعاد التناسب
الواقعي الحرفي ليس وليد
لحظته وليس اختراعا خاصا به
في ذلك العالم, وان نتيجته
المنطقية هي إبراز العناصر
الأقل واقعية الميالة الى
التكرار: العناصر الزخرفية
والنباتية خاصة التي التقى
الفنان فيها بكيفية ممكنة
لتجسيد ذلك النظام الرمزي
والتأويلي. ستحضر هذه العنا
هو بقوة حتى في الأمثلة
الأكثر قدما من الفن العربي
الاسلامي مثل فسيفساء (خربة
المفجر) التي لو استبعدنا
عنها نظريا، الغزالات
والأسد يمكننا الحصول على
رسم تجريدي نباتي ستتضخم
تفصيلاته الصغيرة وتتطور
فيما بعد، وهي تنفي عنها "
الشوائب " التشخيصية محتفظة
بقوة عمل زخرفي محض. لقد
بقيت الزخرفة بهذا المعنى
وسيلة تشكيلية تميز الفن في
المنطقة التي صارت عربية
اسلامية. جرى فحسب التشديد
على العناصر الزخرفية التي
كانت موجودة هي عينها على
الفخار الرافديني، وفوق
حيطان بواباته جنبا الى جنب
مع رسومه التشخيصية. اذا
استبعدنا ثانية الرسوم
التشخيصية من زخارف بوابة
عشتار التي يهيمن عليها
اللون اللازوردي (القرنان 6-7ق.ب
الموجودة في برلين) فمن
الجلي ان ثمة قرابة روحية
وتشكيلية, ايقاعيا ولونيا،
بينها وبين ما صار زخارف
الفن الإسلامي. ومن غير
الإنصاف الا نرى هذه
القرابة في تلك الزخارف
الهندسية الموجودة في
واجهات البوابات الآشورية
الأخرى نخص بالذكر منها ما
هو موجود في دور شروكين
بألوانها الطاغية: الزرقاء
الشذرية (التي ستتبقى دوما
في الفن الإسلامي) والحمراء
والبيضاء، وتلك الزخارف
التي تزين الثياب الآشورية
التي يمكن أن تكون, عن جدارة
زخارف قبة أو سجادة إسلامية,
ناهيك بزخارف الجرار
الرافدينية التي بقيت تعيد
إنتاج نفسها حتى اليوم في
مختلف إبداعات الفن
الإسلامي. هذه الفرضية
تستحق التأمل العميق, ويبدو
لنا ان برهنتها في متناول
اليد. سوى إننا نقرأ قليلا, في
الخطابات التي تتناول الفن
الإسلامي، إشارات صريحة
الى مثل هذه الأصول
الواضحه (29). يكفي المرء ان يكبر
بعض الزخارف الأشورية هذه
ليتأكد مما نقول. بعيدا عن
أنواع الأوراق, ورقة عنب أو
لوتس أم سعفة أم أكاسيا،
التي كانت تنتجها هذه
الزخارف فان النزعة
الهندسية الصريحة في بعضها
تجعل المرء يحار في تشابهها
مع ذات النزعة التي انتجها
الفن الاسلامي فيما بعد،
نشير هنا خاصة الى زخرفة
هندسية توجد على لوح مزخرف
من اواخر القرن الرابع ق.م.
موجود في المتحف العراقي
(30)، والى
الزخارف الهندسية المكتشفة
في تل بارسيب تمثل زينة جدار
في القصر الملكي
(31). قد
ارتبط الفن عضويا بأديان
المنطقة, وثنية كانت أم
توحيدية, الوثنية سمحت له
بتشخيصية من نمط خاص,
والتوحيدية بتجريدية كاملة
رغم الحضور الكثيف لتلك
التشخيصية الأول نفسها. انه
يمجد العناصر السرية التي
كان الأدمي يهجسها أو
يخافها أو يعبدها. غدا
معروفا اليوم أن الفقه
المتشدد لم يستطع تنحية
التشخيصي من الفن الإسلامي
وانه قد قلل, ربما من حضوره
العلني فحسب. يبدو ان
التشخيصي كان حاضوا بقوة
ولكنه لم يكن يستطيع إرواء
غليل المزاج الثقافي
السائد، المولع والمنغمر
بتشكيل زخرفي وتجريدي، وكان
يتوقف أمامه مليا. ان
المقاربة بين فنون الثقافات
الشرقية القديمة التي
يقدمها معني بالأمر: حنين
ابن اسحاق (ت 873م) ذات دلالة في
هذا الشأن: " أصل اجتماعات
الفلاسفة انه كانت الملوك
اليونانية وغيرها تعلم
أولادها الحكمة والفلسفة,
وتؤدبهم بأصناف الآداب
وتتخذ لهم بيوت الذهب
المصورة بأصناف الصور،
وإنما جعلت الصور لارتياح
القلوب اليها واشتياق النظر
الى رؤيتها فكان الصبيان
يلازمون بيوت الصور للتأديب
بسبب الصور التي فيها،
ولذلك نقشت اليهود
هياكلها،وصورت النصاري
كنائسها وبيعها، وزرق
المسلمون مساجدهم, كل ذلك
لترتاح النفوس اليها وتشتغل
القلوب بها.."(32) انه
التأمل اذن. لكن ماذا يتأمل
المسلم عبر هذا التفنن
التجريدي؟ اننا في صلب
التصور الديني الإسلامي
للعالم هنا. لا مصور سوى الله
فيه. اننا عبر التجريد نوحد
الخالق وحده, عبر فن الخط
كذلك. فطالما كانت الغالبية
العظمي من الجمهور تستطيع
القراءة فقد كانت تتوجه الى
الفن بوصفه تجويدا للكتابة,
لكي تتجول الكتابة, الى جانب
الأنماط الزخرفية النباتية
والهندسية الى فنه. كانت
تقاليد المنمنمة تستجيب
لمتطلبات أخرى، فهي لم تكن
فنا جماهيريا انما فن
النخبة بسبب غلاء سعرها،
لكن صغر حجمها النسبي
وسهولة تداولها، لذلك تسمح
بالافتراض بان وفرة وفيرة
منها كانت في متناول
الطبقات الميسورة. هذا ما
يفسر لنا الإشارات الواردة
في مناسبات عدة في المصادر
التاريخية عن الحضور الكثيف
للمصورين. الحجم يسمح كذلك
بالافتراض ان قسما منها
كانت مزينة برسوم أيروسية,
الأمر المنسجم مع وفرة
الأدب الايروسي العربي الذي
لم تمنعه أبدا الحشمة
الشكلية ولا الرياء
الاجتماعي من الشكليه ولا
الرياء الاجتماعي من الحضور
القوي، تستجيب المنمنمة
أخيرا لوظيفة محددة:
انها تدخل التشخيص الى الحقل التعليمي بعد
الكتابة, في علمي النبات (33)
والحيوان في تلك القصص
التعليميه على لسان
الحيوانات " ابن المقنع
". الهوامش 1-
انظر بحثه المهم (الكلمة
والصورة في الاسلام )
المنشور في مجلة " مواقف "
العدد 64 صيف 1991 الصفحات 92- 114 وفيه
يكرر 25 مرة على الأقل هذه
الفكرة أو ما يشابهها. 2-
في مرجع آخر نقرأ : " ليس للعرب
البتة اي فن خاص ، ولم يكن
لديهم أيما ماض فني، ولكنهم
توصلوا الى تشكيل أسلوب ذي
عناصر مستعارة من الفنون
الأجنبية . لاسيما الفن
الفارسي والفن البيزنطي. ها
هنا مثال فريد تقريبا في
تاريخ الفن " ص 8
L'art msulan; la grammaire des styles, sous la direction de Henry
martin Ed. Flammarion, Paris 1926, Reéd. 1970! .8لا
يكف هذا الكتاب عن ارجاع
عناصر الفن الاسلامي التي
يتناولها الى واحد من هذين
الأقنومين . ونقرأ في مصدر
آخر : " لم
يكن الحس الفني لدى العرب من
طبيعة من يضيف تغييرات
جوهرية الى فن العمارة لكن
مخيلتهم الحادة وفنتازيتهم
الماهرة قد خلقت تفصيلات
مليئة بالأصالة " ص 38
Ernest des Wickenhagen. Manuel de I, histoire des beaux-arts, Paris, 1 19 7!. p.83. 3-
انظر صورها في كتاب د.
عبدالرحمن الطيب الانصاري:
قرية الفاو صورة للحضارة
العربية قبل
الاسلام . منشورات جامعة
الرياض 1982 4-
انظر بالفرنسية
: L'Arabie avant l'islam, Paris 1994 5.
Odysseus Elytis : Axion Esti, Trad. Xavier Bordes et Robert Longueville Introducion Xavier Bordes Ed. Gallirnard, Paris 1987 6- نفسه صر 40، ويتكلم هنري كوريان ، مستشهدا بريشنشتان عن «صلات حضارية مستمرة بين أثينا وآسيا الصغرى وان «توجه اللاهوت النظري الذي ينظر فيه الى افلاطون على انه استمرار لزرادشت ، لم يندثر في سنة 529 بإغلاق مدرسة أثينا ونفي آخر الفلاسفة اليونانيين الى بلاط ملك الفرس كسرى، وانما استمر قائما كجرثومة «لفلسفة خالدة " في عالم الحضارة العربية الفارسية استمرارا حرم منه الغرب " ص 102 من «شخصيات قلقة في ال |