|
يتميز
الناقد المسرحي الدكتور
عبدالرحمن بن زيدان بدعوات
حارة وواعية للنهوض بالمسرح
العربي، ودفعه نحو التطور
والعمق. وهو
عندما يطرح آراءه يطرزها
بجرأة وفهم لديناميكية
المسرح المغربي خاصة
والعربي عامة,بعيدا عن
الانفعالية والتقوقع أو
التشرنق في بوابات مسدودة,وقنوات
أغلق فتحاتها التكلس والجهل.
إن دليلنا عل ما نقدمه هذا
الحوار الذي يتضمن طروحات
نجزم بأهميتها: فهو مثلا
عندما يدعو الى الفرجة يؤكد
على أن يكون لها لون وصوت
وصورة المحلي للوصول الى
العالمي، لا لإلغاء التواصل
بين الثقافات الإنسانية,أو
الرفض المجاني لها.. الخ إن
هذا الحوار الذي ننشره يطرح
أسئلة عديدة تفتح مجالا
للنقاش والحوار العميق الذي
نهدف اليه.
* ما رأيك بمن يطرح الفرجة
كبديل عن المسرح الارسطي
بغاية تأصيل المسرح العربي؟ -
هذه الدعوة,جاءت في الأساس
،بهدف مراجعة العلاقة
القائمة بين المسرحيين
العرب,والمرجعيات المسرحية
الغربية,ولو ضع هذه العلاقة
على محك التجربة المتطلعة
الى تجاوز المسرح الأوسطي.
وبناء المغاير وفق
الخصوصيات التي يتميز بها
التراث العربي من فنون
شعبية,ومحكي شعبي واحتفالات
وظواهر مسرحية هي أساس
الفرجة العربية الأصيلة. وفي
نظرنا أن القطيعة المعرفية,وبتر
العلاقة مع نظرية الدراما
الارسطية مسألة فيها نظر،
ذك أن مشروع كتاب " فن الشعر "
يظل المنطلق لكل النظريات
المسرحية الغربية التي
ائتلفت معه,أو اختلفت,حول
مفهوم المحاكاة ووسائلها،
وحول وظيفة وطبيعة
التراجيديا، وحول الأنواع
الأدبية " الدراما" و" الشعر
الغنائي" و" الملحمة "، إنه
مصدر كل الدراسات التي جاءت
بعده لتتناول موضوع البلاغة
والنقد وتشريح الدراما. ربما
ترجع هذه الدعوة الى سوء فهم
لما يطرحه أرسطو، سوء فهم
هدفه النظر الى الأمام,دون
التعرف على التحول والتطور
الذي مس نظريات الدراما من
أرسطو الى برتولد بريخت
وأوجست أو بول,وانطوان
أرطو، وجروتوفسكي وجوزيف
شاينا وبتربروك وغيرهم. الزاوية
التي يمكن النظر منها الى
هذا الطرح هو أن النقاد
والمنظرين المسرحيين العرب,أرادوا
تأصيل المسرح العربي من
فراغ ،ومن غياب المسرح عن
تاريخ الثقافة العربية,فحاولوا
تحويل هذا الغياب الى حضور
ممتليء بالتوجه الى رفض كل
ما هو غربي موروث أو وافد أو
مترجم ؟ إن القطيعة هي
انعزال عن قانون الحياة
الذي هو الأخذ والعطاء،
والتأثر والتأثير، والجواب
والسؤال والتساؤل ؟ إنها
حوار الصم الذي يؤدي الى
ضياع التواصل والفهم
والافهام. إن
هذه الدعوة _عندما نضعها في
سياقها المعرفي والتاريخي
والفني _ نجدها مع رواج
المسرح الملحمي، واتساع
رقعة حضوره في السؤال
التنظيري الذي سكن المسرح
العربي، تتخذ موقفا معاديا
للمسرح الأوسطي,لأنه - مسرح
يقوم على التطهير والاندماج
والإغراق في الايهام,وبديله
هو كسر الايهام
المسرحي،واعادة بناء
الكتابة " الدرامية " وفق
التغريب والحكاية ،ووفق
أيديولوجية مادية جدلية
تجعل من المسرح أداة
للتغيير، وليس أداة
للمحافظة على الكائن
والمسيطر دون البحث عن
الحتمي. بين
رفض المسرح الأوسطي وبين
البحث عن فرجة عربية لتأصيل
المسرح العربي، ظهرت دعوات,وبيانات
وتجارب مسرحية,يتفاوت مستوى
حضورها المعرفي والفني،
وتختلف اسئلتها وأجوبتها
حول أطروحة هذا التأصيل,ولعل
أهم ما يوحد خطوات البحث في
هذه التجارب هو العمل على
تحقيق الغايات التالية: 1
- تغيير أسلوب وطريقة كتابة
النص الدرامي العربي، وذلك
بالاعتماد على خلخلة
السائد، والاعتماد على
الظواهر المسرحية العربية,لجعل
الخطاب المسرحي العربي،
يراعي المتلقي العربي
بخصوصياته النفسية
والإدراكية وحتى
الإيديولوجية. 2
- إنجاز فرجة فيها لون وصوت
وصورة المحلي للوصول الى
العالمي. وهي بهذا المعنى لا
تجعل الفرجة تقوم على الرفض
المجاني للثقافات
الإنسانية,أو الإلغاء
النهائي للتواصل بين
الثقافات,لأن أرسطو أو
الغرب بتناقضاته وصراعاته
وثقافاته,بايجابياته
وبسلبياته,حاضر فينا
وبيننا، وما علينا إلا أن
نمتلك القدرة على طرح
السؤال النقدي على أنفسنا
وعليه كي ستوعب مدى
قدرتنا على إدراك مكونات
هذا الآخر كي يكون تفاعلنا
وحوارنا حضاريا وانسانيا
متكافئا بعيدا عن التقسيم
الاستعماري القائم على
الثنائية الضدية,قوي مقابل
ضعيف,ومنت ج أمام مستهلك,وشمال
وجنوب,وعالم متقدم وآخر
متخلف. 3
- رصد مكونات العلانية
العربية في صيرورة الفعل
الثقافي والسياسي العربي
وجعل رؤيا الفرجة انفتاحا
على المستقبل وليس انفلاقا
في هذا العالم. لقد
دأب المسرحيون العرب على
الوقوف ضد الثقافة التي
قهرتنا فسلبت منا مكونات
وجودنا، واليوم صارت الدعوة
في هذا السياق أكثر إلحاحا
لتأصيل المسرح العربي بلفته
ومفرداته ووعيه الجمعي
والفردي بعيدا عن كل احتواء
يحول دون الدخول الحقيقي في
زمن الحداثة العربية. إن
الصحيح هو الا نتحدث عن
حداثة مطلقة,أو تأصيل مجرد،
أو حوار دون شروط,لأن الأفضل
في البديل هو أن نستوعب
أرسطو وبوالو وشكسبير
وموليير وبيرناردشو
ويونيسكو وكل المذاهب
والتيارات والتجارب
المسرحية الغربية إذا ما
أردنا تطوير مسرحنا بعيدا
عن كل شوفينية أو عزلة
وانعزال قاتل,لأن الشوفينية
تعني تحجيم الإنسان في
المكان والزمان,ليصير جزيرة
منعزلة عن الحياة وعن
التواصل,جزيرة مفصولة عن
الأخذ والعطاء. أليس
المسرح وجودا حضاريا وفعلا
إنسانيا، حياته تكمن في
التواصل والتغير والتغيير،
وممات هذا المسرح هو مصادرة
فعل الاختيار والاختلاف
والكشف عن جوا نية الإنسان
بالمدهش والغريب
والعجائبي؟ إن
البديل بدون هدف وأصل
ومرجعيات واضحة لا يعني سوى
التشتت الذهني والتبعية
التي تعيد ما قيل وما يقال في
أصالة مزيفة هي للاستهلاك
الآني مصنوعة تلبي الظرفي
والزائل ولا ترتبط بالجوهر
في رحم المجتمع والإنسان
والكون. *
أين يقع النقد في مسيرة
المسرح العربي؟ -
بالرجوع الى تاريخ النقد
العربي، نجد أن ما كان يملك
شرعية الوجود والقراءة
والكتابة عن الإبداع هو نقد
الشعر بكل تلويناته وأدواته
وأصواته التي توزعت بين
قراءة المعنى - تارة - وبين
قراءة المبنى - تارة أخرى. هذا
النقد مارس سلطته على
الإبداعية العربية - في
الشعر- كما أن هذه الإبداعية
نحتت لنفسها مكانة هامة في
سيرورة هذا النقد، فجعلت
منه مرآة لها، وجعل هو نفسه
ووجوده صورة ونسخة لما في
هذه المرآة. ولعل
أهم ظاهرة تلفت النظر - في هذا
التاريخ - هو غياب ممارسات
إبداعية أخرى - كالرواية
والمسرحية,مما أهل الشعر أن
يكون الموضوع الأساسي الذي
يشتغل عليه هذا النقد حين
يقتحم مغاوره ومسالكه,وحين
يكشف عن صوره الشعرية مبرزا
بلاغته ونظمه وشعريته,دون
تحريض الكتابة العربية على
الدخول الى أجناس أدبية
أخرى. وهذا هو السبب الذي
أحال نقد الشعر مركزا، وجعل
باقي الأجناس الأدبية وهي
في تكونها هامشا لاهتمامه
وعنا يته,إنه النقد الذي
يبتعد عن هذه الأجناس /
الهامش ليحكم - أكثر - العلاقة
التي تجمعه بالشعر / المركز
سواء كانت علاقة توافق أو
تضاد، أو كانت علاقة رفض أو
قبول,إنها الجدلية التي
تقدم صورة التراكم
والتقاليد الأصيلة التي
وفرها الشعر لحياته داخل
الثقافة العربية,فمرة يكون
وراء ثورة النقد وتطوره
ومرة يكون سببا في تحفيز
ذاته على تحقيق السبق
والطليعة فيكون أمام النقد
وليس خلفه,وهذا بعكس المسرح
الذي يعد طارئا على الثقافة
والمجتمع العربيين,ويعد
مغامرة إبداعية يتأرجح
وجوده بين الوجود بالقوة
والوجود بالفعل,وهي نفس
حالة النقد المسرحي. إن
الحديث عن النقد وموقعه في
مسيرة المسرح العربي يفرض _بالضرورة
~الكلام عن المسرح كموضوع
لهذا النقد لأن تحديد
الموقع مهناه الإقرار
بوجوده مواقع لها اعتبارها
وقيمتها وتراكمها في صيرورة
المسرح العربي، معناه كذلك
إثبات وجود موجود في هيئة
يرتاح الإنسان لهذا الوجود
دون شك,ودون سؤال أو تمحيص. لنتحدث
عن موضوع هذا النقد وتاريخه: إن
تاريخ المسرح العربي أمامه
وليس خلفه,وتجاربه الماضية -
محدودة ومعدودة السنوات,وتجاربه
الآتية والحالية مفتاح
لوجوده المستقبلي,ووجود هذا
النقد، فهي أفق لهذا
التاريخ المؤجل,وهي عنوان
المامي والآتي، وصوت اليوم
وما بعد اليوم,وحقيقة
الجوهر وليس العرض. إن
المسرح العربي يعيش - مع كل
تجربة - مخاض ولادة جديدة -
نقول عنها إنها الولادة
المشتهاة,والعالم المحلوم
به,مع هذا المخاض يعاني - هذا
المسرح - صعوبة إعطاء الهوية
لذاته ولصوته ولجمهوره,لأنه
يعيش توزعا بين الهناء
والهناك,ويحيا صراعا حضاريا
من أجل إثبات الذات,ورد
الاعتبار لهذه الذات بوعي
تاريخاني يحفز على الكتابة
المثقفة,ويحفز على اللقاء
والاختلاف حتى تصير الذات
وهذا الصوت,وهذا الجمهور
منتميا بالمسرح الى الظاهرة
الحضارية الحيوية التي تؤكد
حيوية الإنسان والمدينة. مثل
هذه الهواجس كانت تشكل - مع كل
لحظة ملامح المسرح العربي،
وكان المبدعون المسرحيون
فيها - من مارون النقاش الى
رياض عصمت وعزالدين المدني،
والطيب الصديقي، وسعد أردش
ويسري الجندي وعلي عقلة
عرسان وفرحان بلبل وممدوح
عدوان وخالد محيى الدين
البرادعي وجلال خوري وروجيه
عساف وسعدالله ونوس ومحمد
سكين وعبدالكريم برشيد
وغيرهم من المبدعين يدافعون
عن مشاريعهم ورؤاهم التي
تحركها قوة المماحكة مع
الذات,ومع الموضوع لانتاج
ما لم يتم انتاجه,وابداع
المتميز والمختلف بعيدا عن
الاقتباس أو التوفيقية
الماكرة,أو الترجمة الرديئة,أو
الأخذ من الغرب دون تمثل أو
استيعاب لطبيعة الظروف التي
تنتج وعيها الخاص في إطار
زمن وعلاقات مادية معطاة. من
هذا التنوع بين
المبدعين,وضمن البحث عن
إمكانات تأصيل المسرح
العربي بلغته وذوقه
وموضوعه,انطرحت قضية قراءة
هذا المسرح الذي حرض النقد
على تحريك اهتمامه
بهذا الشكل وبموضوع
كتابته لرصد خصوصيات ممارسة
أدبية وفنية لم يألفها
الذوق العربي لسببين. 1
- تناقضها الصارخ مع الظواهر
المسرحية العربية الأصيلة
التي صارت هامشا تحت تأثير
وضغط ثقافة المركز – مما أعطى
للشكل العربي حضورا قويا
حال دون تطوير هذه الظواهر
وفق حاجات ومتطلبات المجتمع
العربي وتطوره. 2-
غرابة هذا الشكل الغربي - عن
تاريخنا ووجداننا، الشكل
الذي كرس تجارب محدودة في
الثقافة المسرحية العربية
حتى تم اعتبارها المثال
الذي يجب اتباعه والتقيد
بشروطه,وعدم الخروج على
تعاليمه. بين
التناقض والغرابة لم يستطع
النقد المسرحي العربي أن
يمتلك أدواته الإجرائية,ولم
يتمكن من الدخول في طقوسية
الفرجة من أجل نقدها
وتفكيكها واعادة تركيبها
وفق منظومة فكرية وفنية
متماسكة ومنسجمة يقوم
انسجامها على الخلفيات
الثقافية والمعرفية التي
تقرأ المسرح بالمسرح,وليس
بأدوات خارج هذا المسرح. إن
موقع المسرح _ عندنا في الوطن
العربي - يتحدد بإشكالياته _
أولا _ ثم بإشكالية وجوده _
ثانيا. وموقع النقد نفسه
يتحدد بموقع المسرح
وبالهيئة التي يوجد عليها
هذا المسرح,ثم بعلاقة هذا
النقد بأدواته وبالمناهج
النقدية التاريخية
والاجتماعية
والأيديولوجية والبنيوية
والسيميائية والتفكيكية..
واغفال هذه العلاقة الجدلية
بين الموضوع _ المسرح وطريقة
تلقيه إنما يعني إغفال هذا
الصراع بين مسرح يريد تأسيس
خطابه داخل المسرحية
والتمسرح,وبين نقد يسعى الى
رصد حركته والتحكم في
ميكانيزماته لمقاربة حركية
التأسيس,وكشف ثابتها في زمن
يدعو الى التغير والتحول
والاضافة النوعية للثقافة
الإنسانية وليس البقاء على
الهامش وفي الظل. لقد
جرب النقد المسرحي العربي
كل الإمكانات التي تسعفه
بفهم هذه الحركية وهذا
التأسيس. إلا ان تجريبه كان
أحيانا أو في غالب الأحيان
ينطلق من فراغ,لغياب
الثقافة العميقة والإحاطة
الشاملة بالمناهج النقدية
المسرحية,مما ترتب عنه غياب
المصطلح النقدي المسرحي
عندنا الذي يمكنه قول كلامه
بمفاهيم محدودة تعرف كيف
تضبط دلالاتها. إننا
ومن بداية المسرح العربي
المفترضة (سنة 1846) الى عام 1993)،
ونحن نبحث للنقد المسرحي
العربي عن موقع,ونتساءل
بإلحاح,إذا كان هذا التراكم
النقدي موجودا فأين النقاد؟
أو بتعبير آخر اذا كان
النقاد موجودين فأين هو هذا
النقد؟ الإجابة
الصحيحة هي أننا لا نملك
نقادا متخصصين يضطلعون بهذه
المهمة,وغيابهم أدى الى
اختلاط الحابل بالنابل في
التراكم الذي نتوفر عليه في
مجال النقد المسرحي.
فباستثناء بعض الكتابات
التى. أعطت لنفسها تميزها، و
فرضت على خطابها كل هيبة
وجلال يراعيان طبيعة ووظيفة
هذا المسرح فإن السائد هو
الكتابة السريعة المجاملة
التي احتلت الموقع الهام في
مسيرة المسرح العربي، الا
أنها لا تمارس أي تأثير على
المسرح,ولا ترقى الى القيام
بدور المحرض والمحفز لهذا
المسرح على تغيير أدواته
ومناهجه وأسلوبه لمواكبة
التطور السريع الذي تعرفه
التجارب المسرحية العالمية. عندما
نتحدث عن الموقع فإننا لا
نعني ثبوتية الحالة,أو
الحديث عن الموقع الذي يصير
مؤسسة ترسم للمسرح النهج
الذي يجب اتباعه في الكتابة,لأنه
لو أصبح الأمر كذلك فإن هذا
الموقع الثابت يصير
ايديولوجيا تصادر المختلف
عنها وتكرس ما يتطابق مع
منظورها ورؤيتها للعالم. إن
الموقع معناه هو اللاموقع,معناه
هو إزالة الحدود بين
الأجناس الأدبية والفنية,والاستفادة
من كل الأدوات الإجرائية
والتقنيات التي نحرر بها
المسرح من المسرح. ليتحقق
هذا المشروع المسرحي
والنقدي الذي وضع لبناته كل
من د. عزالدين اسماعيل,ود. علي
الراعي، د. ابراهيم غلوم,محمد
الديوني، وفاروق اوهان,ود.
محمد يوسف نجم د. عبدالله أبو
هيف,وخالد محيى الدين
البرادعي، وفؤاد دوارة
وغيرهم من النقاد الذين
صارت كتابتهم ذاكرة للمسرح
العربي، فكان لها صوتها ضمن
الأصوات التي تكون التجربة
المسرحية العربية,فكانت لها
سيرتها التي توازي أو تسبق
مسيرة المسرح العربي، وهو
ما يبرز في التنظيرات
العربية للمسرح عندما بدأ
السؤال النقدي يحرك ثبات
هذه المواقع,هادفا الى
استعجال العدم بالوجود،
والتقليد بالتجديد والسكون
بالحركة,والإتباع بالابداع,لأن
النقد صار إبداعا على إبداع,وكتابة
فوق كتابة كلاهما دال على
المعرفة والإحاطة بموضوعه
وبإشكاليات هذا الموضوع وهو
ما يؤكد أن النقد المسرحي
العربي لم يعد محايدا يشتغل
دون أدوات. لقد بدأ يسعى الى
توفير معجمه المسرحي الجديد
ليتجاوز المعجم السياسي
والأيديولوجي الذي كان أكثر
وضوحا ما بعد الخمسينات. إلا
أن هذا السعي تحفه بعض
المخاطر الناتجة عن التعثر
الذي بدأ المسرح العربي
يعرفه بعد التسعينات. *
ما وجهة نظر المسرحي
عبدالرحمن بن زيدان بأزمة
المسرح,هل هي أزمة نص؟ أم
مخرج أم جمهور؟ او ماذا؟ _
منذ أن ظهر المسرح العربي
كممارسته في كتابة النص
الدرامي وفي إخراجه فى في
تلقيه وهو يعيش أزمة بنيوية
تحيل على نفسها _ أولا _
كممارسة تريد أن تحدد
مفاهيم تجريبها، ثم أنها
تحيل على أسلوب العمل الذي
يحول الكلمات والحوار
والإرشادات المسرحية الى
فعل متحرك فوق الركع يمتلك
رموزه وعلاماته ودلالاته في
تركيب توا شجت به وفيه رؤية
المبدع. تتجلى
هذه الأزمة البنيوية في
المفهوم الذي كان ينتج هذا
النص الدرامي وهو غالبا ما
كان مفهوما يقف عند الفهم
المحدود للمسرح كأدب ولا
يتقداه الى ما هو فني وجمالي,هذا
المفهوم لم يستطع التحرر من
هيمنة الذاكرة الشعرية على
الكتابة للمسرح,ولم يستطع
التخلص من المحرمات التي
كانت تسد المنافذ على
الكتابة لولوج عوالم
الكتابة كدوار فيه حوارات
يربط فيما بينها فعل المسرح
وليس فعل الشعر الذي هو
التخييل في الصور الشعرية
والبلاغية التي تنتج نصا
ينطق فيه صوت الشاعر في
المونولوج جليا أو مخفيا
يتحايل بلعبة الضمائر كي
يتحدث عن الأنا وليس على
النحن. إن
هذه الذاكرة الشعرية
العربية التي اصطدمت
بالمسرح الغربي لم تتمكن من
تحويل الصدمة الى فعل واع
يتمثل المفاهيم ومكونات
الممارسة المسرحية الغربية
عبر العصور، لأنها ذاكرة
انفلتت - مرحليا - من ماضيها
لتؤسس هذا المسرح لكنها
عندما عادت الى مرجعياتها
في الواقع,وفي التاريخ,وفي
الإبداع أعادت للشعر مركز
يته,وأكدت هامشية المسرح
لأنه متناقض مع طبيعة مجتمع
لم يتحرر من عقدة التبعية
وتحريم الخوض في الجنس,والسياسة
وأمور الدين,وهذا ما ترتب
عنه: تكريس اللفة الأدبية في
المسرح,والحفاظ على سلطة
النص سواء المقروء أو ذاك
الذي يصير حياة فوق الركع,وهذا
كان يتم على حساب الجسد
كمدنس لم يستطع المخرج
العربي استنطاق ميتافيزيقا
هذا الجسد لجعله علاقة دالة
على ثوابت الإنسان
ومتغيراته وفق الثنائيات
الضدية التي تتحكم في
الصراع بين الأنا والمجتمع
بين الأنا والأنا، بين
الأنا والأسئلة
الميتافيزيقية التي سكنت
الإنسان منذ الخليقة ولا
زالت تحيره الى الآن. إن
المسرح كتابة متعددة وليس
كتابة فردية,والإبداع فيه
إبداعات لها أدواتها
وتقنياتها وصنعتها
وأسرارها التي لا يعرفها
إلا الضالعون في العلم,وفي
إدراك كنه المسرح كفلسفة
وعلم وفن ورؤية للعالم.
والفاء أي مكون من مكونات
المسرح يدل على أن الخلل ليس
في هذا المسرح وانما هو في
ممارسي المسرح ،وان النقص
لا يوجد إلا ضمن هذه الأزمة
البنيوية التي تتعلق
بالمفاهيم السائدة حول
المسرح,وترتبط بموقف
المجتمع من حرية القول
والفعل والمغايرة
والاختلاف. إن
المسرح فعل جماعي وظاهرة
حضارية,أراد لها المسرحيون
العرب أن تكون التعبير الحر
للإنسان الحرفي الوطني
الحر، لقد أراد الرواد
استنباتها بدافع من الخطاب
النهضوي الذي طرح العلاقة
اللامتكافئة بين العرب
والغرب,وهو ما مكن كل
الكتابات المسرحية من
استنبات الظاهرة المسرحية
العربية بمقومات تراثية
للدفاع عن الذات أمام قوة
وتقدم الغرب. كانت
تمظهرات الأزمة تظهر أولا
في نص المؤلف باعتباره
مشروع العرض,أو مشروع
الفرجة التي تحقق التواصل
والوجود في زمن يلتقي فيه نص
المؤلف بنص المخرج ليتحقق
نص الجمهور.وبالرجوع الى كل
النصوص المسرحية العربية
سنقف أمام الحقائق التالية: 1
- هذه النصوص لازالت تبحث عن
أسرار الكتابة الدر امية,فلا
تقف إلا على معلومها
ومعروفها وسهلها. 2-
انها نصوص لا نجد فيها
مشروعا يقدم فوق الركح لأن
جل الذين كانوا يكتبون
للمسرح هم مؤلفون وليسوا
مخرجين. 3
- إن المفهوم السائد في كتابة
النص هو المفهوم المعزول عن
صيرورة وتنامي فعل الكتابة
في الغرب. 4
- ان الشعور بالنقص في كتابة
هذا النص هو الذي دفع بكثير
من الكتاب والمؤلفين الى
تجريب الكتابة وفق المنظور
الواقعي أو العبثي أو
الطبيعي أو الرمزي، الذي
يجرب لتأسيس فعل ناقص يبحث
عن الكمال. 5-
الدعوة الى إلغاء الكلام
والنص الدرامي واعتماد نص
المخرج. هذه
الحقائق تقدم لنا حقيقة
الكتابة المسرحية كنص أدبي،
وتنقلنا الى الحديث عن
المخرج كمبدع ثان لهذا النص
لأنه لا يستنطق ملفوظ النص -
فقط - وانما يؤثث فضاءه
جماليا لتكون عملية الترئية
والمشاهدة بليغة في
أبعادها، محققة مسرحتها كما
تحقق القصيدة شعريتها عندما
يتم خلقها، أي أن عملية
الإخراج قد تمكنت من التحكم
في خصوصيات المسرح لانتاج
خصوصيات العرض المسرحي
أدبيا وفنيا وجماليا، حيث
الصمت لغة,والحركة لغة,والرقص
لغة والنور والظلمة لغة,أي
أن كل ما في الركع,يشعر
المتلقي بلذة هذه اللغات
التي صارت هي الكلام الذي
يتكلم عن وحدة العرض في
الرؤيا وفي الحركة وفي
الدهشة التي تدهش بعوالم
وفعل هذا الكلام. الا أن
المخرج المبدع عندنا وفق
هذه المعطيات لم يتمكن من
الإعلان عن صوته - لأنه - وان
كان مدركا لبعضها - فإنه يلغي
بعضها الأخر، ولا يعطيه أية
قيمة الا في الحديث الذي
يكون على هامش العرض أو
موازيا للعرض أو بعد العرض. إن
المسافة بين المؤلف ونص
العرض تبقى قائمة,وتزيد
اتساعا كلما استحضرنا
النظريات المسرحية العربية
التي كانت تدعو الى تأصيل
المسرح العربي، وتأصيل
مفرداته,وفرجاته انطلاقا من
ا لتراث العربي والتاريخ
العربي والمحكي الشعبي،
والوعي الجمعي الذي يعطي
للممارسة المسرحية حيوية
تحمل دهشة اللحظات في سؤال
المبدع حول مكونات الكتابة
الأدبية والسينوغرافية,هذه
المسافة لا تعني إلا أن قطبي
الكتابة للمسرح على طرف
نقيض,المؤلف في واد والمخرج
في واد آخر. وهو ما تتمثل صوره
في نجاح النصوص المؤلفة
للقراءة أكثر من نجاحها
للعرض وان امكانات تقديمها
تظل محدودة لأن الحلقات
الضائعة في الكتابة قد تضيع
الفرصة على المخرج كي يملأ
هذا الضياع بإبداعه الخاص. إن
كتابة النص الدرامي تبحث عن
إمكانات التحقق,والمخرج
يبحث عن تحقيق الإمكانات
لإنجاح عرضه,والجمهور ينتظر
هذا الموعد حتى يقبض في
المسرح على اللحظات الهاربة
منه في الواقع ليرى نفسه
وواقعه بما هو ملفوظ ومرئي
ومسموع ومهموس. وهذا ما جعل
المخرج العربي متوزعا إما
بين صناعة الفرجة كما هو
الشأن لدى الطيب الصديقي،
أو إبداع الفرجة انطلاقا من
نص ينتمي الى المسرح كما فعل
قاسم محمد أو عوني الكرومي
أو فواز الساجر وأسعد فضة
والمنجي بن ابراهيم وسمير
العصفور وكرم طاوع وجواد
الأسدي وفؤاد الشطي ومحمد
البلهيسي ونادر عمران وخالد
الطريفي وغيرهم ممن كتب نصا
سينوغرافيا أعطى مرض حياته
الخاصة. إذا
كان التوافق أو التقاطع أو
القطيعة موجودة بين المؤلف
والمخرج فإن الأزمة تشمل
المتلقي العربي أي الجمهور
بذوقه المتعدد، وادراكه
وعقله وفكره فيصير هذا
التوافق أو التقاطع.او
القطيعة منعكسا على الجمهور
العربي الموجود أو المفترض
،لانه جمهور موزع بين
الخصوصيات الاجتماعية
والسياسية لكل فضاء ثقافي
وجغرافي ومأخوذ بوظيفة هذا
المسرح سواء كانت وظيفة
تجارية محضة تمتص غضبه
فتريحه بالشعارات السياسية
والخطاب الهادف للواقع
بعروض استعراضية غارقة في
المتعة الجنسية التي تحرض
على نسيان الواقع المادي
للدخول الى المتعة الآنية
التي تنسي الواقع وما يحبل
به من تناقض وصراع وخلل. أو
كانت وظيفة سياسية مباشرة
أو غير مباشرة بشكل تنفيسي
ساذج. تؤدي
مثل هذه الأعمال السهلة في
الكتابة والإخراج الى ما لا
تحمد عقباه عندما تعمد الى
تعليب ذوق المتلقي وتدريبه
على تقبل السهولة والضحالة
والاندماج في السلوك العام
الذي تقدمه هذه الأعمال حتى
ولو كان سلوكا يتنافى
والذوق العام. إن أزمة المسرح العربي هي أزمة مركبة ومعقدة فيها ما هو جلي وفيها ما هو متستر وغير معلن عنه. وعندما نقول إنها أزمة بنيوية فللتوكيد على أن المجتمع العربي لم يدخل زمن العقلانية,وان السياسة المتحكمة فيه لا تنتج إلا مؤتلفها لتلغي نقيضها. وإن البنيات التحتية التي تدعم وجود هذا المسرح غير متوافرة بالقياس الى البنيات التحتية المتوافرة في كرة القدم وغيرها من الفرجات التي تكون متنفسا لل& |