|
|||||
|
من
وظائف النقد التي تتخلق بها
حيوية الحركة الثقافية في
أي بلد من البلدان وفي أي
ثقافة من الثقافات أن يعيد
بين فترة وأخرى النظر في
خريطة المكانات الأدبية وأن
يختبر بين الفينة والأخرى
مدى ثبات القيم والمقولات
الأدبية الشائعة
والمتداولة بين الكتاب
والقراء على السواء..وهل
فقدت تلك المقولات
مصداقيتها بمرور الزمن
وتغير آليات الحركة
الحضارية والثقافية أم أنها
مازالت صالحة للتداول كما
هي أو حتى بعد قدر من التمحيص
ومقدار من التحوير. فبدون
قيام النقد بتلك الوظيفة
الحيوية لا يعتري الحركة
الأدبية الركود والجمود
فحسب، ولكنها تعاني كذلك من
أدواء الكسل العقلي، وتخضع
عملية التقييم الثقافي فيها
لا للقيمة الحقيقية
للمبدعين ولإنجازاتهم
الأدبية، وانما لعمليات
النشاط الإعلامي وشبكات
العلاقات العامة ومنطق
تبادل المنافع. وهو الأمر
الذي يورث الإحباط ويثبط
همم المبدعين الحقيقيين
ويصيب الكتاب المجتهدين
بشتى أشكال المرارة مما
يعود على الحركة الثقافية
ككل بالكثير من النتائج
السلبية. لذلك كان من
الضروري أن نتوقف كل فترة
وأخرى لننظر فيما بين
أيدينا من مقولات ثقافية
متداولة تتحدد وفقا لها
القيمة الحقيقية أو
الإعلامية للكتاب
وللتيارات والاتجاهات
الأدبية المختلفة. لأن
إهمال القيام بهذا الدور لا
تترتب عليه نتائج فردية
فحسب، فلو اقتصر على إحساس
البعض بالمرارة واحساس
الآخرين بأننا قد غمطناهم
حقهم لهان الأمر، لكن
المسألة أخطر من ذلك بكثير.
فدراسات سوسيولوجيا
الثقافة تؤكد لنا أن
لمقولات القيمة ورأس المال
الرمزي أو الاعترافي سواء
في ذلك القيمة الشخصية
للمبدعين أو للتيارات
الأدبية المختلفة، دورا
كبيرا وتأثيرا طويل المدى
لا على القراء وحدهم وانما
على الكتاب المحتملين
ومثقفي المستقبل وعلى حركة
النشر والتوزيع وعلى عمليات
النقد الصحفي والإعلامي
وغير ذلك من آليات العملية
الثقافية بل وحتى على النقد
والدراسات الجامعية
الرديئة التي تنتشر عادة في
مثل هذا المناخ الذي يسيطر
عليه الكسل العقلي والفساد. لهذا
كله نجد لزاما علينا أن
نتوقف كل فترة من الزمن
لنتأمل ماذا بقي من كتابنا
الكبار بعد فترة من رحيلهم
أو حتى بعد فترة من تسنمهم
لواء الصدارة الأدبية. خاصة
وأن من عادة الحركة
الثقافية العربية إما أن
تنسى الراحلين كلية عقب
وفاتهم أو أن تحولهم الى
أصنام أدبية لا مساس بها ولا
يحق الاختلاف عليها. ولكن
الوقفة المتأنية كل فترة من
الفترات من أجل إرهاف وعي
الأجيال الحالية بما فاتهم
من قضايا وما غاب عنهم من
تفاصيل من الأمور الباعثة
لحيوية الحركة الثقافية
والمجددة لنشاطها. وهذا هو
الذي يحدو بنا الى التريث
الآن قليلا عند هذا الشاعر
العراقي الكبير. فلم يتعرض
شاعر للخلاف عليه أثناء
حياته بنفس الحدة التي تعرض
لها بدر شاكر السياب إذ
اشتبك طوال حياته القصيرة
الحافلة في مجموعة من
المعارك المستمرة التي
استنزفت الكثير من
طاقته،وان ساهمت في كثير من
الأحيان في بلورة العديد من
رؤاه. ولم يحظ شاعر حديث بعد
موته بالإجماع على تقدير
موهبته والعرفان بأهمية
مكانته مثلما حدث للسياب
وهذا أدعى للتساؤل عن سر هذا
الانقلاب فى موقف المجتمع
الأدبي من الخلاف الى
الاعتراف غير المشروط. واذا
ما حاولنا التعرف على سر هذا
الاجماع على قيمة هذا
الشاعر الموهوب وعلى أسباب
اهتمام شتى تيارات الحركة
الأدبية الحديثة بشعره على
اختلاف مناهجها ومشاربها
ومنطلقاتها، وتحديد مكانه
الآن مما آل اليه حال الشعر
العربي الحديث اليوم ــ بعد
ثلاثين عاما من رحيله _ وأين
نحن الآن منه، سنجد أنفسنا
بإزاء قضية رأس المال
الرمزي ورأس المال
الاعترافي. فالمكانة التي
يحققها الإنجاز الأدبي
لكاتب أو شاعر ما مشروطة ــ
كما برهن بيير بورديو في
مقالته اللامعة "مجال
الانتاج الأدبي" ــ بمدى
احتيازه على نوع خاص من رأس
المال هو الاعتراف بقيمته
وتحديد موقعه ضمن بنية
تراتبية خاصة داخل علاقات
القوى وصراعاتها المستمرة
في المجال الأدبي. ومشروطة
أيضا بمدى قدرته على
المحافظة على رأس المال
الرمزي ذاك، أو تنميته في
عالم ثقافي متغير، خاصة وأن
دراسات بورديو الشيقة في
هذا المجال برهنت على
فاعلية قوانين العالم
الاقتصادي في الحقل
الثقافي، ولكن بطريقة
معكوسة. فثمة تناظر بين
الرأسمالين الاقتصادي
والرمزي اللذين يحوزهما
كاتب ما، ولكن هذا التناظر
يكتسب تناسبه الخاص الذي
تظل فيه القيادة لرأس المال
الرمزي كلما تعلق الأمر
بالقيم الجمالية والأدبية
ويرأس المال الاعترافي على
وجه الخصوص، فكلما ازداد
نصيب الكاتب من رأس المال
الاقتصادي الذي يجلبه له في
البداية رأسماله الرمزي
والاعترافي، أدى ذلك الى
تناقص رأسماله الرمزي من
خلال إعادة النظر في حالته. ولا
ينفصل نصيب السياب من رأس
المال الاعترافي الذي يتمتع
بقدر كبير منه عن طبيعة
الحياة الأدبية والسياسية
العاصفة التي عاشها، أو
التحولات الأدبية
والثقافية التي مر بها، ولا
عن الخلافات العديدة التي
دارت حوله والمعارك
المتتابعة التي خاضها،
وتنقل بين معسكراتها.
فعندما نسترجع الآن أسباب
الخلافات التي رسمت حياته،
ونوعية المعارك التي شارك
فيها، ندرك سر اندياح تلك
الخلافات من فوق قشرة الوعي
الأدبي العربي، وانزلاقها
من فوق سطح الذاكرة التي
اعتادت استمراء النسيان،
ذلك لأن السر في تراجع تلك
الخلافات التي كانت حادة في
وقتها والتي استعرت نيران
معاركها على صفحات المجلات
الأدبية المختلفة هو أن
كثيرا من تلك الخلافات كانت
تتسم بالعرضية والموقوتية
ومن هنا سرعان ما تبخرت مع
تغير الاهتمامات وتبدل
القضايا وتحور الرؤى.
فانصرام الزمن على رحيل هذا
الشاعر الكبير كفيل بتبديد
العرضي واختبار مدى صلاحية
كل ما هو جوهري وأصيل للبقاء.
وهذه الفترة التي مضت منذ
رحيل السياب كافية لاختبار
الزمن لمدى صلابة انجازاته.
ومن هنا فإن علينا أن نتوقف
للحظة وننظر الى الوراء حتى
نتعرف على ما بقي من هذا
الشاعر الموهوب بعد ثلاثين
عاما على رحيله. فقراءة السياب اليوم لا يمكن أن تنفصل عن مجموعة من الافتراضات الناجمة عن أن درجة صفر التأويل بالنسبة لأشعاره محملة بالعديد من الرؤى والدلالات ومثقلة بالتواريخ التأويلية والنقدية المتشابكة. فلا يمكن لأي قراءة للسياب أن تنطلق كقراءة أي شاعر معاصر، من فراغ تأويلي خالص. لأن ما تراكم من إنجاز نقدي حول هذا الشاعر يجعل أي محاولة لقراءته اليوم حرثا في أرض مترعة بالتأويلات، ودخولا في غابة كثيفة من الدلالات والاستقصاءات المنهجية الشيقة. ولأنها تنطلق كذلك من حاضر ثقافي صاغ السياب بعض القيم الفكرية والقومية والشعرية الأصيلة فيه، والتي تتعرض اليوم لضربات قاسية من خلال المتغيرات العالمية والقومية الجديدة من ناحية والتغيرات الشعرية والجمالية من ناحية أخرى،. وساهم في بلورة حساسيته الشعرية والادبية التي تطورت على مدى العقود الثلاثة التالية لمحا ولته التجديدية الرائده، ثم انكسرت سيرتها في السنوات الأخيرة. ومن هنا فإن درجة صفر التأويل ليست مشحونة فحسب بكل الميراث النقدي الذي تناول شعر السياب من قبل، ولا بكل القيم الوطنية والفكرية التي ساهمت أشعاره في بلورتها وتحديد معانيها فحسب،ولكنها مفعمة كذلك بجدل اللحظة الواهنة التي تتم فيها القراءة الجديدة، وبكل ما تجلبه الى أفق القراءة من سياقات لا يمكن التناهي عنها كلية عند التأويل النقدي. وهذه السياقات العصرية بكل أبعادها السياسية والفكرية والأدبية تلقى بثقلها على القراءة فتجهز على أي براءة مدعاة. وقراءة السياب اليوم لا تأخذ في اعتبارها هذا التغير الجذري في الواقع السياسي فحسب، ولكنها تتم كذلك في سياق نقدي مغاير تخلى عن تبسيطات النقد العربي القديمة، وأرهف أدواته التحليلية مستعينا بالدراسات اللغوية والأسلوبية، وبثمار النظرية النقدية الحديثة التي استوعبت النتاج النظري المتواصل من الشكليين الروس وحتى التفكيكية وما بعد البنيوية. فكل قراءة تتم في أفق من التوقعات التي تزداد حدتها، وتنفسح احتمالاتها، كلما كانت درجة صفر التأويل مشحونة بكل هذا الجدل النقدي الذي أبرز ثنائيات عالم الشاعر المختلفة وسبر بنية قصائده المتعددة، ومحص مغردات قاموسه الشعري المتميزة، ودرس تراكبيه اللغوية الجزلة، وتعرف على آليات لحظة المكاشفة الشعرية عنده، وسجل موقفه من الشعر والحياة، وفصل سيرة حياته وربط أحداثها بشعره، وميز بين شعرية الكلمات وشعرية الأشياء والموجودات في عالمه وتقصي كل الإحالات التناصية والأسطورية لديه. فالمكانة
التي يحتلها الإنجاز الأدبي
للسياب اليوم ضمن بنية خاصة
داخل علاقات القوى ه
صراعاتها المستمرة في
المجال الأدبي، مشروطة بمدى
قدرة نصه على الحفاظ على
دوره وفاعليته خلال
التحولات التي تنتاب هذه
القوى، بسبب الصراعات
المستمرة لتغييرها،
والتواؤم مع تراتباتها
الجديدة. ففضاء العالم
الأدبي فضاء مشحون
بالاحتمالات اللانهائية
والمتحركة باستمرار والتي
تتطلب من العمل باستمرار
تبرير جدارته برأس المال
الاعترافي الذي يحوزه داخل
المجال الأدبي، ناهيك عن
تنحيته. وأن تغير السياق
الذي تتم فيه قراءة السياب
اليوم، وتغاير العالم
القيمي والسياسي، والرؤى
الأدبية والنقدية معا تتطلب
ضرورة طرح قراءة مغايرة
تدخل الى درجة صفر التأويل
عدة عناصر منها دوافع
الخطاب التأويلي الجديد، أو
القراءة الجديدة والسياق
الذي تدور فيه. والجدل بين
المفصح عنه والمسكوت عنه في
كل قراءة. وعلاقة البعد
الاقليمي بما أسميه
بأيديولوجية القراءة
المضمرة. والجدل بين أنساق
الهيمنة الرمزية الفاعلة في
الواقع العربي أثناء كتابة
القصائد، وأنساق الهيمنة
الرمزية المغايرة والفاشية
في زمن القراءة. وهو جدل يدخل
البعد السوسيواوجي للخطاب
الشعري ودور الشعر في بلورة
أنساق الهيمنة الرمزية الى
أنق القراءة الجديدة.
وتناظر بنية القراءة
الجديدة مع بنية الشعر
المقروء ذاته، بمعنى أن شعر
السياب كان شعر المقابلة
بين الذات والعالم، وعلى
قراءته الجديدة أن تكون
قراءة المقابلة بين الشعر
والعالم. كما تطرح علاقة
القراءة بتراكم القرائن
المعرفية المختلفة، سواء ما
يتعلق منها بتأويل النص، أو
بحياة الشاعر. واستيعاب
الكشوف النقدية لأكثر من
مدرسة من مدارس النقد
الحديث، وتوظيفها في قراءة
نقدية أقرب ما تكون الى ما
يسمى بالقراءة ما بعد
الكولونيا Postcolonial
التي نعثر على أحد نماذجها
اللامعة في كتاب إدرار سعيد (الثقافة
والاستعمار Culture
)and Imperialism وهي قراءة
تموضع النص في العالم الذي
يقرأ فيه دون أن تغفل أهمية
السياق الذي كتب فيه. ولنتعرف
بداءة على ما ساد عن السياب
في الواقع الثقافي قبل أي
محاولة لتقييم هذا السائد
والمتداول. فكلنا نعرف أن
السياب قد ولد عام 1926 في بقين،
وهي قرية صغيرة أو كما نقول
في مصر كفر من كفور قرية
جيكور الواقعة في منطقة أبي
الخصيب بالقرب من البصرة.
وجيكور القرية الأكبر
والأهم في حياة السياب، هي
قرية أمه التي ماتت وهو في
السادسة من عمره، والتي ظل
يتردد عليها حيث قامت جدته
لأمه فيها بدور الأم
بالنسبة له بمد رحيل والدته.
لهذا كان لجيكور مكان محوري
في حياته ووجدانه، فقد أحس
فيها بدر "الطفل " بكثير مما
افتقده من أمان وقبول في
بقين، حيث امتلأ بيت أبيه
فيها، وهو بيت عائلة السياب
الكبير بكثير من الأطفال
الذين كانت تحتفي بهم
أمهاتهم بما في ذلك أخرته
غير الأشقاء بينما عانى هو
من مرارة اليتم، وفقدان
الأم. كان لجيكور دور كبير في
حياته، فهناك كان يحس بأنه
مركز الاهتمام ومصب الحنان
والقبول. وهذا هو السر في أن
جيكور هي القرية التي تتردد
كثيرا في شعر السياب. وأنها
أصبحت بؤرة التركيز في هذه
المنطقة من أبي الخصيب التي
وضعها بدر باقتدار وحساسية
على خريطة الوعي الشعري
العربي، حيث جعل من
فضاءاتها وبساتينها
ونخيلها وكرومها وملاعبها
ونهرها بريب عالما كاملا له
مفرداته ورؤاه وصوره، وجذب
اليه اهتمام القراء في كل
مكان من العالم العربي،
وأحالها الى رمز شعري مؤثر
لمرحلة الطفولة وهي مرحلة
الأمان المطلق والقبول
المطلق مما يجعل لها سحرا
وتأثيرا وجدانيا لا مثيل له. وقد
تلقى السياب تعليمه الأول
في مدرسة باب سليمان
الابتدائية في أبي الخصيب،
ثم في مدرسة البصرة
الثانوية ختن عام 1942. وقد بدأ
يكتب الشعر وهو في هذه
المدرسة الثانوية. وفي عام 1942
صدرت أحكام الاعدام ضد رشيد
عالي الكيلاني ويونس
السبعاوي وعلي محمود الشيخ
وفهمي سعيد ومحمود سليمان
وغيرهم من زعماء الحركة
الوطنية، أو ما عرف بثورة
رشيد الكيلاني فرثاهم بدر
في قصيدته ""شهداء الحرية"
التي بدأها بتسجيل نقمته
على نوري المعيد والوصي على
العرش قائلا: أراق
عبيد الانجليز دماءهم
ولكن دون النار من هو طالبه
أراق
ربيب الانجليز دعاءهم
ولكن في برلين ليثا يراقبه رشيد
ويا نعم الزعيم لأمة
يعيث بها
عبدالإله وصاحبه لأنت
الزعيم الحق نبهت نوما
تقاذفهم دهر
توالت نواثبه هذه
القصيدة التي كتبها بدر وهو
في السادسة عشرة من عمره
تكشف عن سذاجة سياسية
مفهومة بالنسبة لعمره،
فالحديث عن هذا الليث
الرابض في برلين "أي هتلر"،وعن
أنه يراقب ربيب الانجليز في
العراق، حديث فيه سذاجة
واضحة. صحيح أن مناخ سنوات
الحرب العالمية الثانية في
العالم العربي قد حفل
بالكثيرين من الذين آمنوا
بأن عدو عدونا صديق لنا، وأن
العالم العربي كأن غافلا
الى حد كبير عن حقيقة
النازية، وعن تهديدها
للعالم، لكن تلك السذاجة
السياسية التي يمكن أن
نغتفرها لحدث في السادسة
عشرة من عمره ظلت خيطا ثابتا
في نسيج رؤية الشاعر
الفكرية حتى بعدما كبر. فما
أن التحق الشاعر بدار
المعلمين العالية في بغداد
عام 1943- وهي الدار التي بدأ دراسته
بها في قسم اللغة العربية،
ثم تحول منه بعد عام الى قسم
اللغة الانجليزية، وظل به
حتى تخرج منه عام 1948- حتى كانت
سنوات الدراسة هي سنوات
الانضواء تحت لواء الحزب
الشيوعي العراقي، والذي
يبدو أن انخراطه فيه لم يقم
على قاعدة سياسية أو فكرية
أمتن من تلك التي أسفرت عنها
قصيدته عن" شهداء الحرية "
فثمة شواهد عديدة تشير الى
أن بدر قد اختار التزاما
السياسي على أساس عشائري.
وأنه برغم تعرضا لبعض
المضايقات أثناء فترة
الدراسة بسبب هذا الالتزام،
فإن تحمله لها لم يكن نتيجة
صلابة إيمانه المذهبي، بقدر
ما كان نتيجة استمتاعه بحس
الشهادة الذي وفرته عملية
الانضمام الى عمل سري ممنوع. وفي
عام 1948 عين بدر مدرسا في مدرسة
الرمادي الثانوية، واستمتع
بعمله فيها برغم قصر الفترة
التي أمضاها فيها. وفي هذا
العام أيضا صدر ديوانه
الأول (أزهار ذابلة ) الذي وقع
فيه تحت تأثير الشعر
الرومانسي عامة، وشعراء
مدرسة أبولو خاصة،ولاسيما
أحمد زكي أبو شادي،
وابراهيم ناجي، وعلي محمود
طه الذي كان له مكانة خاصة
لدى شاعرنا الشاب، وود لو
قدم له ديوانه. وقد احتفت
الصحافة الأدبية في العراق
بهذا الديوان الأول، فأخذ
يتردد على مقهى حسن العجمي،
ويجالس فيه الأستاذ
الجواهري الذي كان بدر
يحترمه كثيرا كشاعر، ويخالط
فيه الكثير من الأدبا،. وقد
كان العاد التالي عر عام
النكبة لا نكبة فلسطين التي
لعبت دورا بارزا في تغيير
الحساسية الأدبية، وتبديل
تصور المثقف للواقع وللأدب
فحسب، وانما نكبة الحزب
الشيوعي العراقي الذي كان
بدر من أعضائه المعروفين
كذلك، حيث سجن زعماؤه
البارزون، وما أن جاء شهر
شباط (فبراير) من العام
التالي حتى أعدم عدد منهم
مثل فهد (يوسف سلمان يوسف )
وزكي بسيم وحسين الشبيبي
ويهودا صديق وسامون دلال
وغيرهم من أعضاء اللجنة
المركزية بعد وثبة يناير (كانون
ثاني) 1949. وفي نفس العام فصل بدر
من وظيفته في مدرسة الرمادي.
وفي العام التالي 1950 وجد لنفسه
عملا في شركة نفط البصرة،
وأصدر في نفس العام ديوانه
الثاني (أساطير) الذي أكد أنه
ما زال واقعا تحت تأثير
شعراء الرومانسية، وان كان
هذا الديوان قد احتوى على
قصيدته "هل كان حبا" التي
راوح عدد التفعيلات في
أبياتها، والتي تعد قصيدته
الأولى من شعر التفعيلة
المعروف بالشعر الحر أو
الشعر الحديث. وكانت
الشاعرة العراقية نازك
الملائكة قد نشرت هي الأخرى
ديوانها الشهير (شظايا
ورماد) والذي ينطوي على
مجموعة من القصائد التي
راوحت فيها عدد التفعيلات
في أبياتها. وبدأ الحديث عن
ريادة المدرسة الشعرية
الجديدة ودخل السياب معركة
حول السبق والريادة لهذا
النوع الجديد من الشعر
وحاول بكل السبل أن يكون له
قصب السبق في هذا المجال على
نازك في معركة فيها شي ء من
سذاجة المعركة السياسية
التي خاضها من قبل، وواصل
خوض غمارها من بعد. واذا ما
أخذنا بتعريف السياب نفسا
للشعر الحر كما كان يدعوه،
أو الشعر الحديث كما يسميه
الكثيرون، والذي قدمه في
بحثه لمؤتمر الأدبا، العرب
بعد ذلك بسنوات، وهو
التعريف الذي يقول فيه : "إن
الشعر الحر أكثر من اختلاف
عدد التفعيلات المتشابهة
بين بيت وآخر، إنه بناء فني
جديد،جاء ليسحق الميوعة
الرومانتيكية، وأدب
الأبراج العاجية، وجمود
الكلاسيكية. كما جاء ليسحق
الشعر الخطابي الذي اعتاد
السياسيون والاجتماعيون
الكتابة به ". إذا ما أخذنا
بتعريف السياب هذا، سنجد أن (شظايا
ورماد) هو الأقرب في احتياز
فضل الريادة وقصب السبق. ليس
فقط لأن نازك كانت واعية بما
تقوم به الى الحد الذي دفعها
لكتابة مقدمة تنبه فيها الى
طبيعة تجربتها الجديدة،
ولكن أيضا لأن ديوانها
ينطوي على أكثر من تجربة في
هذا المضمار، بينما ظلت
قصيدة بدر المذكورة هي
القصيدة الوحيدة في هذا
المجال في ديوانه الثاني،
كما أن ديوان نازك كان أكثر
وعيا بطبيعة تغير بنية
التجربة الشعرية، من تجربة
بدر اليتيمة في هذا الوقت.
واذا كان للسبق التاريخي
أهميته في هذا المجال فإن
تواقت التجربتين يدل على أن
بواعث التجديد كانت قد
تجدون ت النزوة الفردية،
وأصبحت مصدرا لالهام أكثر
من شاعر في نفس الفترة. فأهمية
بدر لا تكمن في سبقه
التاريخي لنازك بأيام أو
شهور، وانما في خصوبة
موهبته التي وجدت في هذا
القالب الشعري الجديد مجالا
للتعبير عن إمكانياتها
الإبداعية.ذلك لأن بدر الذي
كان مشغولا بمعركته حول
إثبات أسبقيته في التجديد،
قد وجد نفسه منخرطا في معركة
أخرى على إثر انتفاضة تشر
رين عام 1952، التي أعقبت تقدم
رجال الأحزاب (وخاصة حزب
الجبهة الشعبية والحزب
الوطني الديموقراطي) بمذكرة
للومي تتضمن المطالب
الشعبية، والتي وجد نفسه
بين زعماء الإضرابات فيها،
فطاردته الشرطة، واضطر
للهرب الى إيران التي أمضى
بها شهرين، ثم الى الكويت
حيث بقي لستة أشهر. وكانت
فترة الهرب تلك فترة تحول
هامة في حياة بدر، ليس فقط
لأنه أدرك، بعد أن وجد نفسه
قد علق نشاطه الأدبي، من أجل
نشاطه السياسي، أنه لم يخلق
للسياسة وانما للشعر، ولكن
أيضا لأن فترة وجوده في
إيران تواقتت مع تخلي حزب "تودة
"عن مصدق حتى تمكن زاهدي منه.
وعاهرة بدايات الشك في
اليقين المذهبي. لذلك ما إن
عاد الى بغداد مع عام 1953، وحصل
على وظيفة في مديرية
الأهوال المستوردة، حتى بدأ
الشقاق بينه وبين الشيوعيين
الذين كانوا قد تبنوا
الكثير من قصائد البياتي في
غيابه، وأصبح البياتي هو
شاعر الحزب، مما أشعر بدر
بأن الحزب الذي ضحى من أجله
قد غدر به في غيابه وهو الأمر
الذي أعتبره الشاعر/ الفارس /
الحالم خيانة غير مقبولة
خاصة وأن تجربة المنفى قد
زعزعت إيمانه بالكثير من
مقولات هذا الحزب ورؤاه،
وكشفت له عن جموده وتبعيته
للخط الفكري والمنهجي
للاتحاد السوفييتي، دون أخذ
العناصر المحلية في
الاعتبار. وقد
ترافقت هذه المرارة والشكوك
مع توثق علاقة بدر في العام
التالي 1954 بمجموعة"مقهى
الفرات " من الكتاب والشعراء
ذوي النزعة القومية، من
أمثال كاظم جواد، ومحيي
الدين اسماعيل، وعبد الصاحب
ياسين، ورشيد الياسين. ومع
بداية النشر في مجلة (الآداب )
التي كانت معروفة بنزعتها
القومية. وعلى صفحات (الآداب )
فتح وصحبا النيران على
الشيوعيين، وعلى رموزهم
الأدبية في السنوات التالية.
وبدأت معركته مع البياتي
الذي كان يرى أنه "يتطاول
صاعدا فيتقاعس قعيدا"، ومع
عبدا لملك نوري بالرغم من
أنه كان مشغولا بكتابا
القصة، ولا يشكل أي تهديد
لبدر، اللهم إلا اندراجه
تحت لواء الخط الحزبي
الجاهز. وأخذت تلك المعركة
التي حمي وطيسها في الأعوام
التالية تكشف لنا عن بعض
رؤاه وتصوراته الشعرية،
والتي كان يبدو لغرابة
المفارقة أن فيها الكثير من
رؤى الواقعية الاشتراكية
الساذجة أكثر مما فيها من
نقيضها المذهبي وكانت هذه
الفترة هي الفترة التي شهدت
نزوعه الى الاستقرار، فقد
تزوج فيها عام 1955 من "إقبال "
وهي فتاة بسيطة الثقافة من "أبي
الخصيب "متخرجة من دار
المعلمات الابتدائية ليس
فيها، _فيما يبدو - شيء من
أطياف الحسناوات اللواتي
ألهبن خياله في قصائد
ديوانيه الأولين من بنات
دار المعلمين العالية. صحيح
أنها ستهب اسمها لديوانه
الأخير، لكنها ظهر في
قصائده كزوجة وأم رؤوم
لابنه غيلان، وباختصار
كامرأة تقليدية توشك أن
تكون النقيض الكامل لكل
اللواتي تحرك القلب لهن في
يفاعة الشباب. واختيارها من
منطقته يكشف عن شي ء من
تقليدية الشاعر وعشائر يته
التي لم تفلح القشرة
الفكرية أو المذهبية
المتحررة في إيهان سطوتها
عليه، أو تحكمها في سلوكه. وكانت
هذه الفترة كذلك هي فترة
كتابة عدد من أهم قصائده من "المومس
العمياه" و "الأسلحة
والأطفال " الى "أنشودة
المطر" و "مدينة بلا مطر" و "غريب
على الخليج " وغيرها من
قصائد ديوانه العلامة (أنشودة
المطر).كانت بحق فترة
الاستقراء العاطفي والنضج
الشعري، وان لم يكشف هذا
النضج الشعري عن نضج فكري
مماثل. لأن أفكار السياب
النقدية كانت أقرب الى
المزيج غير المتناسق الذي
تختلط فيه الرومانسية ببعض
ملامح الواقعية، لأننا لو
نظرنا في المجموعة الشعرية
التي ترجمها وأصدرها في
كتاب من عشرين قصيدة عام 1955
سنجد أنه يجمع فيها بين
شعراء وقصائد تنتمي
لاتجاهات ومواقف فكرية
وفلسفية وأدبية متناقضة من
إليوت وباوند، الى سبندر
وداي لويس،ومن إديث سيتويل،
وفيشر، الى بريفيه، ودي
لامير، ومن ريلكة، ورامبو،
الى لوركا، ونير ودا. وليس
هذا وحده هو الدليل على
محدودية معارفه الأدبية
وغياب الرؤية المنطقية
النسقة من اختياراته، ولكن
تصنيفه للأدب في محاضرته عن
الأدب الواقعي والالتزام
والتي قدمها لمؤتمر الأدبا،
العرب بدمشق عام 1956 الى ثلاثة
أقسام : واقعي ومحايد،
ومنحل، خالصا الى أن التيار
الواقعي هو الخلاص الوحيد
للأدب العربي، يكشف هو
الآخر عن قدر مماثل من
السذاجة والتبسيط. صحيح أن
تعريفه للأدب الواقعي يوشك أن
يكون تعريفا للأدب عامة،
بكل اتجاهاته وتنوعاته
الجادة، لكنه تعريف على قدر
كبير من التعميم ويفتقر الى
الخصوصية أو النظرة الذاتية
المستبصرة. وقد واصل السياب حملته على الأدب والفكر الماركسيين دون أن يكون مؤهلا لتفهم الأسس الفلسفية التي ينهض عليها التصور الماركسي للأدب، ناهيك عن تفنيده ودحضه. لكن المهم في هذه الحملة أنها أعلنت، من خلال تنصله من ممارسات الشيوعيين العراقيين وأفكارهم، عن بزوغ يقين داخلي لدى السياب باستقلالية الشعر النسبية، لا عن الواقع _ فقد كان مؤمنا بأن علاقة الشعر بالواقع لا يمكن فصمها، بل ولابد من تعميقها _وانما عن أي التزام فكري، أو مذهبي جامد. وقد حاول السياب أن يبرهن على هذه الاستقلالية من خلال المواقف السياسية، بينما كان في غير حاجة الى ذلك، لأن شعره وحده في هذه الفترة خير دليل على ذلك، لكن ما إن أتيحت له الفرصة للبرهنة السياسية عل موقفه حتى اهتبلها،وكان ذلك في عام 1958 عندما رفض التوقيع على عريضة استنكار لثورة الشراف، وقد كلفه هذا الرفض وظيفته، حيث فصل من عمله عام 1959، بعد أن كتب عنه كتبة التقارير "أنه شوهد وهو يبتسم يوم مؤامرة الشراف “. وقد نشط السياب كعادته في الهجوم على الشيوعيين، وخاصة بعدما وقفوا ضده، وطالبوه بنقد ذاتي صارم، رفض كلية أن يقدمه لهم. ووصل به الشطط الى حد كتابة "إن ماكارثي أشرف ألف مرة من كثير من الذين يعتبرهم الشيوعيون قادة كبارا" ولا أريد هنا الربط بين هذه العبارة وبين اشارته في قصيدته الباكرة الى الليث الرابض في برلين، فليس بين الاشارتين أي أطروحة فكرية متناسقة، تدفع الى اتهام السياب بالفاشية. ولكن الرابط الوحيد بينهما هو تلك السذاجة السياسية التي تستخدم كل الأسلحة في المعرك | |||||