الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي
رائد الشعر الصوفي في عمان

شريفة بنت خلفان اليحيائي (مدرس مساعد اللغة العربية بجامعة السلطان قابوس)


إن دراسة اللغة عند شاعر معين, تكشف للباحث حقيقة تعامل ذلك الشاعر مع القواعد اللغوية وكيفية الاستفادة منها. فإذا كان الشاعر متمكنا من الثروة اللغوية التي يمتلكها فلا غبار عليه في طرق التعامل معها: لأنه تعامل شخص لديه الخبرة اللغوية الكافية, فيوظف تلك الخبرة حسب رغبته وفي الحدود التي تفرضها الضرورة الشعرية, أما إذا كان الشاعر ممن لديه زعزعة في الثقة وتخوف من استخدام اللغة, فلابد حينها من الانتباه التام من قبل الباحث أوالناقد حين يدرس شعره من الناحية اللغوية والموسيقية لما للغة من تأثير قوي على الإيقاع الموسيقي، فإذا كانت اللغة سليمة صحيحة سليمة الايقاع . أما إذا كانت اللغة مما يعتريها الضعف فإن الإيقاع يشعرنا بالخلل الموسيقي وعدم الاتزان . وليس شرطا أن يكون استخدام الشاعر للغة على حسب قواعد اللغة والنحو والصرف مادام متمكنا من لغته, بل يفترض في الشاعر أن يثبت قدرته اللغوية في الخروج على تلك القواعد والإعراض عن المألوف في اللغة ليؤكد قدرته في استخدام اللغة للأغراض الشعرية المختلفة, فله أن يقدم ويؤخر، وأن يحذف, وأن يغاير في التراكيب اللغوية في الجملة, وأن يكرر، وذلك كله يقاس بمدى انفعاله وحدة مشاعره التي تعكس طبيعة تعامله مع اللغة. وبذلك تكتسب لغة الشاعر في قصيدته تميزا يبتعد بها عن المألوف في القواعد اللغوية ذلك أن "طبيعة الشعر تفهم من خلال تكونها من ألفاظ بنيت على نسق معين فاكتسبت بهذا التنظيم البنائي صفتها وحيويتها وشخصيتها حيث أن هذا التنظيم المعين للألفاظ أكسبها علاقات ودلالات جديدة "(1)

وبمقدار تعامل الشاعر مع اللغة يكون تميزه, وهذا التعامل يكشف عن امتلاك الشاعر لزمام اللغة وحصيلة الثروة اللغوية في معجمه الشعري. ويكشف عن انفعالاته المؤثرة في المتلقين عن طريق استخدامه للغة والألفاظ المعبرة ليجعلهم يعايشون تجربته وانفعالاته بالصورة الشعرية التي عبر فيها عن طريق اللغة, فاللغة وسيلة التصوير والتعبير لدى الشاعر "إن الصورة الشعرية قد تنقل الينا انفعال الشاعر (تجر بته الشعورية ) ولكنها كذلك قد تنقل الينا الفكرة التي انفعل بها الشاعر. وليست الصورة التي يكونها خيال الشاعر إلا وسيلة من وسائله في استخدام اللغة على نحو يضمن به انتقال مشاعره الينا على نحو مؤتر"(2) فاللغة بذلك هي أداة التعبير عن المشاعر والانفعالات, يلجأ اليها الشاعر والأديب بأسلوب فني يختلف عن استخدام الشخص العادي لها في التعبير عن مشاعره . فهي إذا مقياس التمايز والتفرد بينهما ويختلف استخدام اللغة بين الشعراء، ففي الوقت الذي نتفاعل مع قصيدة معينة وتأسرنا بألفاظها الرقيقة ولغتها العذبة, نجد أنفسنا ننفر من قصيدة أخرى لبرود ألفاظها ورتابة لغتها.

ودراسة اللغة في شعر الخليلي تتوزع الى دراسة لغة التصوف في شعره وأهم ما يميزها من ظواهر لغوية, ثم دراسة لغة الانفعال وأبرز الأساليب التي تكشف عن الانفعالات التي طفت على الخليلي فعبر عنها في شعره . وكذلك دراسة بناء الجمل أو الترا كيب اللغوية التي يعمد اليها الخليلي والتي تكشف عن خبرته اللغوية في بناء الجمل .

وأخيرا تعمد هذه الدراسة الى دراسة دلالة الألفاظ في النص على المعنى الشعري الذي يقصده الشاعر.

أولا: لغة التصوف:

إن الريادة التي شغلها الخليلي في شعر الزهد والتصوف في عصره, جعلت من شعره هذا معجما صوفيا اشتمل على العديد من الألفاظ والمصطلحات الصوفية التي يمكن أن تمثل معينا زاخرا لدراسة لغة التصوف عنده, كما اشتمل شعره على بعض الظواهر اللغوية الناتجة من عمق الاتصال بروافد الثقافة الصوفية واكسبته أحيانا لونا يميل الى التعقيد اللفظي وهي سمة ارتبطت بالشعر الصوفي, إضافة الى تأثره بأحد أبرز شعراء الصوفية وأعلاهها وهو "ابن الفارض " فكان لتأثره هذا أن اكسب شعره مسحة صوفية فارضية .

ومن الظواهر اللغوية التي تميز بها شعره الصوف ما يلي:

 ( أ ) مصطلحات الصوفية وألفاظهم .

 (ب ) الضمائر وحروف الجر.

 (ج ) النداء.

 ( د) أسماء الإشارة .

(أ) مصطلحاث الصوفية وألفاظهم:

زخر شعر الزهد والتصوف عند الخليلي بالعديد من ألفاظ الصوفية ومعانيهم, كألفاظ الحب الإلهي والشوق والسكر الروحي والكشف والظهور, والغيبة والحضور والفصل والوصل, وتحتوي تلك الألفاظ على الدلالات الرمزية التي انطوى عليها تكرار كل لفظ من تلك الألفاظ وما يخفيه الشاعر من معنى خفي يخالف المعنى الظاهر للفظ ؟ ذاك أن تكرار لفظة معينة وترددها في شعر شاعر معين, يجعل المتلقى يتساءل: عن سبب ذلك التكرار ماا لذي يهدف اليه الشاعر من خلاله ؟ ليدرك المتلقي بعد ذلك التساؤل حقيقة التكرار ويسعى الى كشف ما وراءه من معنى من خلال السياق الشعري الذي ورد فيه اللفظ, فلا يكتفي بسطحية اللفظ وانما يحاول أن يسبر الأغرار ويفجر ما اشتمل عليه اللفظ من مشاعر وانفعالات آثر الشاعر أن يغلفها بغلاف اللفظ المكرر.

ولكل تجربة شعرية ما يميزها عن غيرها من التجارب سواء من حيث انعكاس صدى التجربة في نفس الشاعر وبالتالي في نفس المتلقي، أو من حيث إن لها ألفاظا خاصة باعتبارها تجربة خاصة لا تلتقي مع التجارب الأخرى إلا في حدود معينة, "إذ أن كل تجربة صوفية هى تجربة خاصة وصاحبها هو نسيج وحده"(3).

 والتعبير عن التجربة الصوفية خاصة ملي ء بالألفاظ والرموز التي تطوى في داخلها مكامن انفعالات الصوف ومشاعره, فيسلك في لغته الشعرية طريقا يجعله يبتدع في توليد المعاني الداخلية لأن اللغة عملية إبداعية, فيمنحها إطارا رمزيا يغلف المعنى الذي يقصده بحيث توحي تلك الرموز الى ما تنطوي اليه تلميحا لا تصريحا، وهذا ما يكسب لغته تميزا وتفردا. فترد بذلك التجربة الشعرية على المتلقين, ليفهمها العارفون بحقيقة ورود تلك الألفاظ, ويأخذها على المعنى الظاهر أولئك الذين لا تطرأ على بالهم حقيقة التجربة الصوفية  الخاصة.

وبذلك تكون الرموز الصوفية للدخول الى التجربة الصوفية والكشف عما يقف وراء اللفظ من معان خفية, وحقائق صوفية بختة, أما المصطلجات الصوفية فهي ما اصطلح عليه الصوفيون وتعارفوا عليه فيما بينهم, إذ تحمل تلك المصطلحات معاني بختة شأنها شأن المصطلحات العلمية, وقد ظهرت معاجم صوفية وضعت خصيما لرصد المصطلحات المجردة التي يتداولها المتصوفة في كتاباتهم النثرية والشعرية, فأصبح ذلك المصطلح مفهوما ثابتا جامدا يتداولونه كقالب يصبونه في تجاربهم دون أن يستمد من تلك التجربة معنى جديدا يخالف مهناه الأصلي, ودون أن يختلف مفهومه من تجربة الى أخرى، فهو يدور في الإطار نفسه الذي وضع له . في حين أن الرمز يكتسب معنى جديدا من خلال تنقله من تجربة الى أخرى ويدل على دلالة معينة في تجربة ثم يأتي بدلالة أخرى في تجربة ثانية وهكذا، فتتبدى بذلك حقيقة الرمز الصوفي من خلال ما يكشفه اللفظ من دلالات نفسية تغاير الدلالات اللغوية التي وضع اللفظ ها. وتلك الدلالات النفسية هي ما تجيش به نفس الصوفي من معان يخشى التصريح بها، فيغلفها بغلاف المعنى اللغوي وهو بذلك الغلاف يكسبها قيمة أعلى لما تشتمل عليه من معان خارجية وداخلية تكشف عن قدرة الشاعر الصوف في توظيف الألفاظ لتؤدي دلالات رمزية, وبذلك يكون الفارق بين الرمزية الصوفية والمصطلح "يكون الأولى اسلوبا وطريقة في التعبير لها فنيتها وجما ليتها وديناميكيتها، في حين أن الاصطلاحات مشاعر وأحوال صوفية جامدة مضغوطة, أو لنقل حالة سكونية, لا تتفجر حيويتها ونشاطها الا من خلال الاسلوب الرمزي الصوفي"(4).

فالمصطلح هو العضو المبتور من النص والذي يمثل حالة جامدة من الانفعالات اكتسب تعريفا محددا، فإذا دخل في السياق الشعري اكتسب معنى الرمز وأصبح يتفاوت من تجربة الى أخرى ويكتسب في كل تجربة معنى خاصا يرمي اليه الصوف, فالألفاظ الصوفية تبدأ مصطلحات ثم تتحول الى رموز يفهم حقيقتها الصوفي الخبير بما يحلق وراء الرمز من معان خفية . فمثلا مصطلح السكر، الحب, الشوق والغيبة والكثير من هذه المصطلحات ته رفت عليها معاجم الصوفية وألفاظهم وتحدد مفهومها الثابت فيها، فإذا دخل في النص الشعري وتفاعل مع التجربة الصوفية فإنه يخرج من إطاره الثابت في المعجم ليحلق في آفاق التجربة الصوفية مكتسبا بذلك معنى خاصا بالشاعر بعيدا عن المعنى الذي وضع له في المعجم, معنى يكشف عن خبايا الشاعر والانفعالات التي منحها الشاعر الإطار الرمزي للتعبير عنها ويصبح اللفظ رمزا لشي ء يتوق الصوفي الى التصريح عنا، ولكنه يؤثر التلميح بالرهن وعدم الكشف عنه, لأسباب ترجع اليه والى بيئته التي عاش فيها، منها: التخوف من إلحاق الأذى والاضطهاد إذا تم التصريح بمعانيهم الصوفية مثلما حدث لغيرهم من الصوفية السابقين فيؤثرون حينها الإشارات والرموز التي تبعدهم عن الأذى، ويكون الرمز حينها ملاذا يلجأون اليه دون أن ينالهم مكروه فيعبرون بحرية كاملة في إطار ذلك الرمز.

وفي هذا الجانب, يبرز سؤال ملح: اذا كأن الحال كذلك عند الصوفيين الذين آثروا استخدام الرمز خوفا من واقعهم المرير الذي عاشوا فيه, فما الأسباب التي جعلت الخليلي يعمد إلى استخدام الرمز مع أنه شغل في عصره وظائف ريادية قد تعينه على التعبير عن معانيه الداخلية دون أن يناله الأذى ودون أن يتعرض للاضطهاد السياسي والاجتماعي فهو قاض وعلامة محقق ورجل سياسة واجتماع ؟

إن تلك المناصب القيادية في إمامة عزان بن قيس التي ارتقى اليها الخليلي تؤهله لأداء ما يريد قوله دون أن يتعرض لتهمة في الدين مثلما لحقت الصوفيين من قبله, ولكنه آثر استخدام الرمز مجاراة وتأثرا بالسابقين, وليبعد عن نفسه تهمة استغلاله للمناصب القيادية ليقول ما يريده ويتخفى وراءها، فكان الرمز خير معين له في تجربته الصوفية, وليس استخدامه للرمز تقليدا ومجاراة للصوفية الذين سبقوه, وانما لرغبته في إكساب معانيه الصوفية ومشاعره الوجدانية التي تغذي الجانب الروحي لديه سمة الرمزية, وليكون أكثر حرية في الأداء دون رقيب أو محاسب أو مسائل له عن معانيه الظاهرة فكان الرمز هو الملاذ الذي يبعده عن أعين الرقباء وألسنة الحاسدين الذين يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرص للإيقاع به, وخاصة أنه شغل تلك المناصب في الدولة وفرص الاطاحة به واردة ويسهل الطعن فيها.

ولا يخفى علينا أن استخدامه للرمز كان رغبة في السير على نهج الأسبقين من الصوفية لا تقليدا أعمى وانما محاولة للوصول الى مراتبهم والترقي الى منازلهم وبيان قدرته الإبداعية في استخدامه للرمز مثلما استخدموه, فهي قدرة لا يتأتى اليها أحد إلا بعد ممارسة ومران وخبرة ودراية بجوانب الاستخدام الرمزي للمعني الصوفي الذي يقصده الشاعر، مع مراعاة أن الرمز عند الخليلي لم يكن كالرمز عند ابن الفارض فالفرق واضح إذ لم يتعمق الخليلي فيه تعمق الصوفية القداس والألفاظ الصوفية التي استمدت دلالات رمزية في شعر الخليلي كثيرة تخرج من معناها اللغوي الأصلي الى معنى نفسي يعبر عن دلالات نفسية وانفعالات وجدانية قوية, تقاس هذه الانفعالات بمقدار ورود اللفظ مكررا أو متواليا في النص الشعري، أو بقدرته على أدائه في السياق واتصاله بالتراكيب اللغوية فيه أداء صادرا عن أعمق أعماق الشاعر وانفعالاته المتدفقة التي تعكس حقيقة التجربة الصوفية من تلك الألفاظ:

ألفاط الخمر والسكر والكأس والشراب التي تعبر عن معنى  الإلهي:

وضعت هذه الألفاظ في أصلها اللغوي المتعارف عليه لأداء معنى الخمر التي تذهب بالعقل وتفقد المرء توازنه وشعوره, فلا يدرك ما يفعل, وتصل به حدا الى الهذيان وفقدان الوعي، وكما هو معروف فإن هذه الألفاظ قد شاعت في شعر الخمر والنسيب والغزل . واستمدها الصوفيون لتعبر عن شدة هيامهم وشوقهم الى نيل القرب من الله عز وجل, وهذا الشوق والهيام ناتج من عاطفة الحب الإلهي التي ميزت الصوفية وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا، فعبروا عن هذه العاطفة بألفاظ ودلالات أخذت من الخمر والكأس والشراب والسكر رموزا واطارا خارجيا يحتوي على معان نفسية ودلالات انفعالية وجدانية عارفة تستولي على الصوفي وتستحوذ على مشاعره فتظهرها في إطار رمزي لا يكاد يدرك كنهه المرء أو المتلقي إلا بعد دراسة وتمحيص ومعرفة بحقيقة السكر الصوفي والهيام الروحي.

فحين يقول الخليلي مستمدا من معنى السكر والخمر والشراب والكأس رموزا صوفية تحمل في داخلها حقيقة التجربة التي عاشها بانفعالاته الروحية النابهة من أعماقه الممتلئة بحبه الإلهي وشوقه للقائه وتطلعا المستمر الى رضوانه ليصل الى قمة الانفعال ونشرته العارمة حين يصل الى غايته يظل في سكر حتى يفيق من نشرته, يقول:

فثابت عقلي منك لي أحسن العزا

                              وطائش عقلي عش بدهشة سكران

فالخليلي يعقد موازنة بين اتزان العقل وثبات الجوارح, وبين فقده له وطيش أعماله وتصرفاته, ورجوع الصوفي الى مرحلة الاتزان العقلي بعد نشرته الروحية التي تمت عن اتصاله الوثيق بالله عز وجل التي أكسبته دهشة وانبهارا (بدهشة سكران ) وهي الدهشة الناتجة من غليان القلب والحواس عند ذكر المحبوب, حيث يشتعل القلب لهفة وشوقا تفقده اتزانه العقلي فيتحرك يمينا وشمالا دون أن يستوعب أو يدرك ما يحدث له, فهو شأنه شأن من ملأ جوفه بالخمر ففاضت نشرته الى العقل وأفقدته توازنه, والسكر هنا ليس سكرا بالمفهوم المتعارف, وانما هو سكر روحي وجداني، وهذه الدهشة الروحية أذهبت عقله وجعلته طائشا.

ويقول:

وقد غض طرفا من حياء وهيبة

                        بدهشة قلب في تزلزل أركان

 تكامل منه ذله وانكساره

                  إمارة تعظيم لبرزة سلطان

 فأدمعه تجري بلوعة وجده

                     فيالك بحرا سال من حر نيران

 فيصمته حينا حياء وهيبة

                 وتنطقه أخرى ارتياحة نشوان

فالأبيات مليئة بمعاني الحب والشوق والهيام (حياء وهيبة, دهشة قلب, ذله وانكساره, فأدمعه تجري بلوعة وجده, فيصمته, حياء وهيبة, أرتياحة نشوان ) والمحك الأساسي في هذه الأبيات هي (ارتياحة نشوان ) والتي تتصل بمعنى الخمر والسكر لدرجة تصل الى النشوة القوية التي تولد في قلبه الأمان والارتياح وارتياحة النشوان تجعل من الصوفي أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وانفعالاته الروحية والافصاح المباشر عن نشرته بخلاف ما لو كان في مرحلة إدراك كلي إذ يتلبسه الخوف والحياء والهيبة عن النطق والافصاح, واقتران الراحة بالنشوة الروحية التي تفيض بها نفس الصوفي وقد امتلأت بحب آتو تجعله أكثر اطمئنانا لقربه القوي من خالقه فلا يتردد حينها عن التصريح بما ينتابا من شعور وعاطفة جياشة تملأ روحه نشوة وفرحة لذلك القرب .

ويقول كذلك:

إذا ماكشفت الستر عن  لبس لبسة

                             بنفس تصل أعلى مقام لأخوان

وتغنى عن الأكوان في كل حضرة

                          صحوت بها في كل غيبة سكران

 فقم في فناها بالعبادة فانيا

                              بمعنى به تبقى إذا غوض الفاني

حين يدخل الصوفي الحضرة الإلهية, ويكون توجهه مباشر لا لا يمنعه مانع ولا يخرجه عن حضرته حتى يتعمق في اتصاله بربه, فإن تلك الحضرة الإلهية تبعده عن ادراك واقعه, وما حوله فيفنى ويغيب من سكره حتى يصل الى مرحلة الصحو، وهي المرحلة الأخيرة من مقامات الوجد والتي تتدرج من الذهول ثم الحيرة ثم السكر، وهي مرحلة الغليان الوجداني، وأخيرا مرحلة الصحو أي العودة من جديد الى ترتيب الصوفي لأفعاله واتزان سلوكه . (غيبة سكران ) هي خيبة تتلبس الصوفي فتجعله لا يميز الأشياء التي حوله وان كان لا يغيب عن الأشياء ذاتها فهي بارزة أمامه لكنه لا يميزها لغلبة وجود الحق وهي غلبة تسقطه عن تمييز ما يؤلمه وما يلذه, فهو عاجز في هذه الغيبة الروحية الناتجة من السكر الصوفي بالذات الالهية عن التمييز والإدراك وغيبة السكران ليست غيبة طويلة وانما هي تشبه الغفلة أو الغفوة التي يعقبها صحو تبعده عن الفناء وتقربه من التمييز.

يقول أيضا:

سقاني بها الخمر صوفا رشا

                       سباني له ناظر أدعج

 فيالك من خمرة حللت

                  الى السكر إذ لم تكن تمزج

فقلبي من شربها طائش

               ولكن الى الشرب منه حرج

جلت لي في الكأس شمس الضحى

                      وستر الأجنة ستنسج

فالأبيات زاخرة بالألفاظ المعبرة عن درجة السكر الروحي، إذ في معناها اللغوي الأصلي تشير الى الخمرة والكأس التي تعارف عليها شعراء الخمر والنسيب (سقاني، الخمر، صرفا رشا، سباني، ناظر أدعج, خمرة حللت, فقلبي، شربها طائش, الشرب, الكأس, جلت لي, شمس الضحى) وهي كلها ألفاظ وضعت في أصلها لمعان بعيدة عن المعنى الصوفي, إذ يكفي للمرء أن يقرأ الأبيات السابقة ليقطع بالقول إنها قيلت في شعر الخمر دون أن يخطر بباله أنه شعر صوفي مليء بألفاظ السكر والخمرة والهيام الروحي التي تعبر عن عاطفة الحب الإلهي.

فالحمر والشراب في مفهوم الصوفية يخالف مع ما اعتاده المعنى اللغوي، فالخمرة ليست مما يدير الرأس ويثقل حواس الصوفي, ويفقده اتزانه ويذهب بعقله وبصير ته, وانما هي تنشيط للحواس وايقاظ للشعور والوجدان, وتفتح للقلب والعقل آفاقا رحبة للتأمل في الكون ومخلوقاته, وفهم حقائقه, وكشف أسراره, فهي ليست كالخمرة المسكرة للعقل والحواس, وانما هي خمرة (حللت الى السكر) ولفظ (الكأس ) يستخدمه الصوفي كرمز أو وسيلة يتم عن طريقها الوصول الى النشوة الروحية, فيتم إفراغ الخمرة الروحية من الكأس, فهو الجسر الذي يصل بين الصحو والغيبة وبين السكر والاتزان . وقد عبر الخليلي عن صفاء الخمرة في الكأس بأن جلت له (شمس الضحى) مع أن الوقت كان ظلاما وخيم السواد وقد نسج الليل خيوطه وفي وسط تلك العتمة بدت الخمرة, مشرقة بصفائها ورونقها الذي يسلب الأنظار والعقول والإتيان بلفظ الكأس لبيان حالة الوجد العارمة التي انتابت الصوفي بعد نشرته الروحية, فالخمرة والكأس لها التأثير القوي الغلاب على طباع النفوس فتنتزعهم من حالتهم لتخرجهم الى حالة الوجد والهذيان .

ألفاط اشوق والوجد والهوى:

تبرزالفاط الشوق والوجد والهوى في شعر الخليي بروزا يخالف ما وضعت له تلك الالفاظ من معان لغوية, فهي لا تعبر عن عاطفة الحب الانساني الذي يجمع بين شخصين يتوق كل منهما الى الآخر، والى تحقيق الاتصال في حياتهما فهو حب روحي يتوجه من أسفل الى أعلى، من طبيعة بشرية الى مرتبة الحب الإلهي.

يقول الخليلي:

بالذوق أهل الشوق تعرفه فذق

           واشرب والا فاسأل المتصوفة

فعبارة (أهل الشوق ) توحي بأن ذلك الشوق قد اختص أهل طائفة عرفت به, وهم المتصوفة, إذ جاء تصريح الشاعر لذلك (فاسأل المتصوفة /، والشوق هو شدة التلهف والوله الى القرب من المحبوب ونيل رضاه .

ويقول:

يشوقها من لاعج الشوق مزعج

               ويزعجها إبراق وجد وأشجان

يصف الخليلي في البيت حالة النفس التي آثرت العناء والتعب على الراحة والاستقرار في سبيل الوصول الى مقامات السالكين والتنقل بين تلك المقامات لتبلغ مقام الرضا، وتنال القرب لتشفي شوقها وتروي غليليها من الحب الإلهي الذي ملأ عليها حياتها، فسعت بإرادتها متحملة المشاق يقودها الشوق الذي يلهج في أحشائها ويجعلها, في قلق ووجد وأشجان حتى تبلغ مرادها، فلا راحة لها حتى تنال ما تسعي اليه ولا يشفى شوقها إلا الوصول الى غايتها من بلوغ أعلى مقام للسالكين العابدين .

فالنفس في حالة وجد، والوجد هو ما يهبه الله عز وجل لباطن المرء من حالة الحزن أو الفرح فتتلون بها نفسه, وينعكس على مظهره الخارجي فيبرز ذلك على سلوكه وانفعاله حتى تستقر نفسه وتهدأ،ولا يحدث ذلك الاستقرار الا بعد مجاهدة يتم بها بلوغ المراد.

ويقول في نفس المعنى:

وترتاح منك الروح للوصل واللقا

                     بقلب من الوجد المبرح ملآن

 فهام بحب محام في بحر ذكره

                  ولم يدو وجدان اصطبار وسلوان

 ويقول كذلك:

الشوق والتوق هما قائدي

                  وملبسي من حلل العفر

ويقول:

تجرد أخي عن حظوظ الهوى

                  عسى من حضيض الثري تعرج

وذق من شراب الهوى نغبة

من الحب من كأسه تملج

ففي الأبيات دعوة الى التجرد من الماديات, ومجاهدة النفس الى ترك الأهواء الدنيوية ليرتقي الى معارج السمو والرفعة, ويدعوه الى التذوق من شراب الهوى، والهوى هنا لا يعني ميل النفس الى الأهواء والملذات الدنيوية, وانما يعني الدخول في تجربة الحب الالهي والشرب من كأس المحبة التي تنعقد بين العبد وربه عن طريق مزاولة العبادات والدخول في الخلوات الصوفية, وهنا جعل الخليلي الهوى شرابا في كأس يتناوله الصوفي ويتجرع منه جرعات يتذوق من خلالها طعم الحب الإلهي ليسري ذلك الشراب في وجدانه, ويملج في شرايينه .

لفظ الفقر:

يتردد لفظ الفقر في شعر الخليلي مؤديا المعنى المغاير للمعني اللغوي الذي تعارف عليه الناس, فليس الفقر هو التجرد من الماديات الدنيوية التي يقابلها ألفني بالمال والجاه والسلطان وانما الفقر في مفهوم الصوفية "معناه الحاجة, والحاجة الى آتو على الحقيقة, بمعنى أن يشعر رغم ماله وجاهه بحاجته وبعجزه وفقره الى الله سبحانه وتعالى, فإذا احتاج الى غيره لم يعد فقيرا، فشرط الفقر هو حاجة العبد الى الله تعالى على الدوام لأنه ليس هناك غني إلا لله سبحانه وتعالى .(5)

فالنقر رمز الى حاجة العبد لخالقه وهي حاجة دائمة لا تنقطع ولا يمكن أن يشعر الصوفي بغناه عن خالقه واكتمال حاجته . والى ذلك يشير الخليلي:

لم أر إذ فكرت في أمري

                    قضية اعجب من فقري

تهت على دهري به فاستمع

                        عجائبا أبرزها شعري

مال دينار ولا درهم

                 ولي كنوزالدر والتبر

وليس لي بلغة يوم وكم

               قد أطعم الجائع من يسري

فالفقر عنده ليس فقرا ماديا، وانما فقر معنوي وهي الحاجة الى انه عز وجل, فهو بذلك رمز الى الحاجة الماسة الى القرب من ان والشعور بالأمان والطمأنينة .

ويقول كذلك:

ما المال ما الثروة ما تلكم الأ حجار من جزع ومن شذر

ما الملك ما السلطان ما تلكم السطوة عند النهي والامر.

فالخليلي هنا يسخر ممن يدعي الملك والمال والسلطة, ويقول بأنها لا تساوي شيئا مقارنة بالملك الإلهي فهو الفني وما سواه مهما اكتسى مظاهر الغنى والجاه والملك, فهذه كلها ماديات زائلة, وليس هناك ملك أو سلطان إلا من قامت له سلطنة الفقر والحاجة اليه و(سلطنة الفقر) رمز لحاجة البشرية الى الخالق عز وجل, وهو فقر يقوي من صلة العباد بخالقهم ومداومة طاعته وأداء الفرائض والقيام بالواجبات,وبهذه الأمور لا يتوصل ا