الذات الأنثوية من خلال شاعرات خليجيات(2)
حمدة خميس ـ ميسون صقر

ظبية خميس (شاعرة وكاتبة من دولة الامارات العربية المتحدة)


حمدة خميس شاعرة البدايات المفتوحة

حمدة خميس إحدى الشاعرات الرائدات في حركة الشعر الحديث في منطقة الخليج العربي ومن المؤسسات لأسرة كتاب وأدبا، البحرين . صدرت لها الأعمال التالية: اعتذار للطفولة 1976، الترانيم 1985، مسارات 1993، وأضداد 1994 والشاعرة من القلة اللواتي يمكن رصد نمو تجربتهن الشعرية عبر مسار زمني خصب نسبيا حيث يمكن استقصاء تجربتها الشعرية منذ منتصف الستينات, وهي وان تأثرت بالتيارات السياسية إلا أنها تكاد تكون نذرت نفسها، تماما، شعريا للأنوثة الخصبة سواء كأم, أو حبيبة, أو ابنة, حيث إنها حتى في شعرها السياسي لا يغيب رمز الأمومة عن قصائدها.

ولدت الشاعرة في البحرين عام 1946، وتلقت تعليمها الجامعي في كل من العراق والمغرب, وعملت في حقل التدريس والصحافة وعاشت د. لندن ودمشق والإمارات .

نشرت حمدة خميس أولى محاولاتها الشعرية عام 1969 وكانت بعنوان (شظايا) ثم واصلت نشر قصائدها في المجلات والصحف المحلية حتى أصدرت أول أعمالها الشعرية في عام 1978. وللشاعرة اهتمامات أخرى خاصة بالمسرح وبالطفولة عموما ويذكر الباحث والشاعر البحريني علوي الهاشمي في كتابه " شعراء البحرين المعاصرون " معلومات عديدة عن الشاعرة ويقيم تجربتها بالرأي التالي:

" تتميز تجربة حمدة الشعرية بقوة العاطفة الوجدانية لذاتية التي تسلطها على الموضوعات الوجودية والمضامين لواقعية والأفكار الفلسفية, فتحولها الى كتلة حية من خصوصية تجربتها الذاتية, حتى يبدو بعض قصائدها وكأنها فصائد عاطفية ذات نفس ذاتي محض, فهي تعبر عن تجارب .ذات نزعة وجودية استعانت فيها بالحوار الداخلي وتعدد لأصوات في القصيدة الواحدة مع محاولة الانفلات من شكل القصيدة السيابية » (1).

كما تضمن كتاب علوي الهاشمي " ما قالته النخلة للبحر" دراسة متعددة المستويات لصوت حمدة خميس الشعري، أفرد لصوتها جزءا من دراسته المذكورة بعنوان: " تململ الانسان في المرأة" حيث حاول تقديم دراسة حول عاطفة الحب مند الشاعرة ذاكرا التالى:

" واذا كان الحب عاطفة إنسانية وحاجة بشرية فإن محكها الصحيح هو المجتمع,أي الآخرون, حتى لا تتحول هذه العاطفة الى مستنقع راكد معزول عن مجرى الحياة .

عبر هذا الإحساس الواقعي بعاطفة الحب كانت حمدة خميس في بداية تجربتها مع الشعر تتلمس طريقها الى فضاء احرية ورحابة الحياة, ولكنه طريق يمر بظروف الواقع الصعبة مخترقا جدارها الأصم, داخلا مع احباطاتها في صراع نفسي حاد ينعكس بالضرورة على عاطفة الحب نفسها، بحيث يسود القلق والشك نفس الشاعرة وهي في قمة الإحساس الحب "(2).

وقد ساق الباحث قصيدة (إذا ما قلت لا أدري فلا تغضب لم للشاعرة والمنشورة في عام 1970للتدليل على تحليله السابق لعاطفة الشاعرة في تلك الفترة .

إن مثل هذا الربط بين الشرط الاجتماعي والقصيدة التي تقولها المرأة هو أحد براهين التحجيم الشعري وبالتالي الوجداني للمرأة وربطها بالشرط الاجتماعي المقنن والذي لابد أن ينعكس بشكل مضطرب على الروح الشعرية لقصيدة الحب والعاطفة التي كانت تحاول أن تكتبها الشاعرة في ذلك الوقت .

ولعل فيما ساقه د. رجا سمرين في كتابه " شعر المرأة العربية المعاصر 1945ــ 1970" مثالا واضحا لما يمكن تسميته بالوصاية الذكورية الأدبية على عاطفة المرأة الشاعرة وعدم القدرة على استيعاب تجربتها ومحا ولتها ضمن الطرح الذكوري الفوقي والذي بعينيه يقيم الأمور بشكل قاطع ومنحاز لمحافظته الخاصة يحدد الباحث اتجاهات الشعر النسوي المعاصر بخمسة اتجاهات هي: الاتجاه الذاتي، والاتجاه الموضوعي, والاتجاه القومي، والاتجاه الانساني، والاتجاه الموضوعي. ويحدد الباحث نمو دائرة الاتجاه الذاتي في شعر المرأة العربية المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية معللا أسباب ذلك ــ كما يردها ــ في طبيعة المرأة الأنثوية واتسام شخصيتها بعدم الثبات حيث يوضح أنه يترتب على ذلك عجزها عن تنفيذ كثير من المشروعات التي تتجه الى تحقيقها نتيجة لعدم قدرتها على ضبط نفسها ومواصلة نشاطها، ومعنى ذلك أن سيطرتها على العالم الخارج عن حدود ذاتها تظل محدودة ومن هنا كانت حياة النساء أقل خصبا من حياة الرجال(3) ويكمل الباحث ما شرعه من ترصيف لشعر المرأة العربية بإحساس الوصاية والتفوق الذكوري واصفا شخصية المرأة بالسلبية وعدم الميل للتفكير المجرد البارد ومضيفا اليها عقدة النرجسية الطفولية حيث يفسر ذلك قائلا:

« واذا زادت النرجسية عن حدها عند الفتاة فإنها تزيد من صعوبة العلاقات القائمة بينها وبين البيئة التي تعيش فيها، ومن ثم فإنها تنطوي على نفسها وتصبح كثيرة الشكوى من وحدتها ومن ظلم المجتمع لها، ولعل في هذا تفسيرا لكثرة ما يتردد من شكوى من المجتمع ومن الوحدة في الدواوين الأولى للشواعر المعاصرات على نحوما نجد في " وحدي مع الأيام " لفدوى طوقان و" عاشقة الليل " و" شظايا ورماد" لنازك الملائكة, و"ا للحن الباكي واللحن الشاكي" لجليلة رضا، و«أغاني الصبا" لملك عبدالعزيز «دوحنين " لزبيدة بشير و" لهيب الروح " لفطينة النائب, وغير ذلك من الدواوين التي أصدرتها سواهن من الشواعر في بواكير الصبا وأوائل الشباب, فالشواعر في هذه الدواوين يكثرن من الشكوى ومن وحدتهن ومن المجتمع الظالم الذي لا يفهمهن وهن اللواتي يضممن بين جنباتهن قلوبا حانية تتسع لحب الجميع, وهذه النرجسية الزائدة عن الحد هي التي تفسر لنا انصراف الشواعر عن الواقع الضيق وتحليهن بأحلامهن وأمالهن في عوالم فسيحة من  الاوهام والخيالات والتهاويل الجميلة البراقة »  (4).

إن ما طرحه د. رجا سمرين هنا هو وجهة نظر كلاسيكية نقدية لكيفية تعامل النقاد العرب مع نصوص الشاعرة العربية, فهي تنال التكريم عندما تمتطي صهوة الفروسية السياسية والخشوع الديني غير أنها عندما تقترب من عالم وجودها العاطفي واليومي تحاط بشتى الاتهامات من الذاتية النرجسية الى الجنون والانحلال الأخلاقي أحيانا.

تقول حمدة خميس عن تجربتها الشعرية:

" تجربتي في الكتابة خاصة ومريرة,فقد كان علي دائما الخروج من جلد الأنثى الناعم والالتحام بخشونة الأحلام, ولقد كان هاجسي هو التعبير عن الهم الإنساني,وليس هم المرأة الجزئي.. انني امرأة لذا فأنا أحمل تراث قرون من الاضطهاد الخاص والمزدوج, وكان على التجربة أن تخرج من اسار الهموم الضيقة التي طرحها أدب المرأة التقليدي لتلتحم بهم الانسان, وطموحاته في الشمول, كما كان عليها أن تكتشف الموقع وتكشفه .

لقد اتسعت تجربتي بصعوبة خاصة بيني وبينك فتراثي الأدبي يضع المرأة في دور المتغزل به لا المتغزل, في دور المتمنع المدلل لا المعطي الباذل ولا المحروم الذي يعاني شظف العيش وخشونة السلوك .. وكان علي أن أخرج من هذا الاستلاب الرهيب, وكان الشعر ساحرا يأخذ بيدي رويدا رويدا نحو منطقة الإضاءة كان علي أن أختار واخترت .. ولم أشعر بالرغبة قط في التراجع عن هذا الاختيار.. وكان الشعر عالما مازلت أرتجف انتشاء كلما احتواني.

انه لغتي رغم الصمت ورغم الضباب ورغم التغييب كان علي أن أخرج من عذرائي لأصنع الصعوبة والاحتمالات, أنني انتشر من خلال حصار النشر، وألتحم بالحلم وأعد ديواني الثاني.. وبالرغم من عدم وصول صوتي للذين أعطوني صوتي.. وبعد ففي الإمكان أبدع مما كان (5).

هكذا بدأت حمدة خميس رؤيتها الشعرية في بداياتها. وما التصاق مصطلح "الشعر الذاتي" إلا محاولة يائسة من النقد العربي الحديث لتحجيم ما لم يتمكنوا من تحجيمه فيما بعد مما جاء في النص المفتوح للذات الشعرية الأنثوية في العالم العربي، والخليج بشكل خاص .

تطرح الشاعرة حمدة خميس بداياتها الشعرية في عملها الأول " اعتذار للطفولة "، وهي في هذا العمل شاعرة المشاعر، والأحاسيس تدور في محاورها ما بين طقسين: الاحتفاء بالحياة, والغصة بها فهي رومانسية في المقام الأول غير أنها حاولت أن تطرح جزءا من تجربة الواقعية في شعرها وخصوصا فيما يتعلق بالقضايا السياسية . وقد حدث هذا ضمن تيار كان طاغيا خلال الستينات والسبعينات ورمى بظلاله على التجربة الشعرية في أغلب انحاء الوطن العربي، إضافة إلى ظروف البحرين الخاصة آنذاك, ونشاط القيادات الوطنية السياسية فيها وخصوصا القومية واليسارية .

يضم العمل الشعري " اعتذار للطفولة" خمس عشرة قصيدة بما فيها مسرحيتها الشعرية القصيرة والمكونة من فصل واحد وتكاد هذه القصيدة المسرحية أن تكون إحدى التجارب المسرحية الشعرية القليلة في منطقة الخليج العربي.

وتتراوح عناوين القصائد ما بين بقايا الرومانسية والواقعية الثورية السائدة في فترة الستينات وعلى سبيل المثال هناك عناوين رومانسية مثل القصائد التالية:

- حوار عن الحب والمستحيل .

- توهج إنسان عبر اللحظة الزمن .

- طقوس للحب .

- تحول الأزمنة الرمادية .

- قسما يا جرح الشعر.

- أقبية الوحشة .

- وحيدون جدا.

وكذلك هناك أمثلة لعناوين واقعية قرأناها في جيل شعراء الستينات مثل:

- فوق رصيف الرفض.

- أغنية من العالم الثالث .

غير ان القصائد أيا كانت في مضأمينها فإنها ممهورة دائما بختم الانوثة الشعرية في مفردات حمدة خميس حيث تستعير صورها  ومفرداتها من واقعها كامراة والأمثلة على ذلك كثيرة .

تقول في قصياتها " حوارعن الحب والمستحيل »0.

- تأتين كالعرس

او كالولادة0(8)

- لك الآن في كل  حبة قلب

وحبة رمل

جنين.

- ولا تمنحني غير ثوبك للطفل (ص 9)

- من يأت بابي يغن

نسجت من الحب عرسا له . (ص 10).

- بلادي تنامين فوق السواعد

إني حفرتك وشما على صدر طفلي .

- العرس جاء. (ص 11).

إن حمدة خميس وهي تفتتح ديوانها الشعري الأول بقصيدتها "حوار عن الحب والمستحيل » تهيىء القارىء بمفردات سوف تطورها في أعمالها اللاحقة لكنها مفردات لصيقة بالأنثى سواء عبر فعل الولادة أو العواطف التي تشتعل بها الأنثى أما وطفلة وحبيبة .

و"حوار عن الحب والمستحيل " هي مزيج لتجربة حمدة خميس حيث تختلط الرومانسية بالواقعية وحيث تستخدم مفردات الحياة الأنثوية الخاصة بالعرس, والطفل, والحب . والقصيدة بوضوح تدور حول واقعة" تل الزعتر" بهمها الفلسطيني المأسوي العربي وهي حالة وصفية للمشاعر المتوحدة بالطبيعة, والسا ردة لضروب الألم, والمتشبثة بالأمل وتمثل قصيدتها "قصاصات من دفتر امرأة عاشقة في القرن الرابع عشر" استمرارا لما بدأته في قصيدتها الأولى حيث تزاوج الحب بالسياسة, والرجل بالوطن, والحلم بالكابوس, ولننظر الى جملها الشعرية في هذه القصيدة .

- " ارتديت اغترابي"

إنها تحول مشاعرها الموجهة الى رداء وزي تلبسه

- يغازل وجه حبيبي في شرفات السجون

- وغاباتك الموغلات الى جزر النفي

- آه إن انتظارك يبحر في قامتي خنجرا.

 -تلك كانت مدائن غدر

شردتني طويلا

شردتني طويلا

شردتني.

ان هذه المشاعر لا يمكن فصلها عن عيون المرأة المحدقة في أحوال الو طن ومأساويته وهي تنقلها عبر الأزمنة في قصيدتها " توهج إنسان عبر اللحظة الزمن " حيث تعددية الأصوات التي تمزج الأزمنة ما بين الخلفية والماضي والحاضر /السياسي والشخصي/ الاحتفاء بالطفولة والحبيب

" المثالي " المنقذ الذي هو في حالات تجلي الغياب . وتمضي حمدة خميس لتسرد شيئا من سيرتها الذاتية في قصيدتها" طقوس للحب " حيث يرد هنا اسم ابنها البكر " زياد" لأول مرة غير أن هذه الإشارة ستتكرر كثيرا في أعمالها القادمة حيث أطفالها دائما حاضرون في القصائد سواء كرمز أو مسمى مشار اليه وهي كما تربط الطفولة القادمة بفكرة الثورة كذلك تفعل بربطها إياها بالأم كما فعلت في قصيدتها " لكم وقتكم ... ولي زمني" . إن فكرة الثورة عند حمدة خميس ضاربة بجذورها في الماضي، والمستقبل القادم وما قصيدة حمدة خميس "اعتذار للطفولة " غير خطاب ثوري مباشر ومزيد من الانتظار لتلك الثورة التي تضعها على كاهل الطفولة القادمة, هذا الانتظار العلامة في قصائد حمدة حيث تقول في قصيدتها" تحول الأزمنة الرمادية ".:

هل تأتي شمس الأعراس

يطل على قامتنا المصلوبة

سيف الوعد!؟

أما مسرحيتها " فوق رصيف الرفض" فهي مشهد لحوار بين الجبن والشجاعة بسيط وساذج ورومانسي النزعة .

وفي قصيدتها " حكاية نورس اسمه عزة " تربط القصيدة الخليج بمصر والنيل ضمن توجه الشاعرة العروبي وذلك الاحتشاد لفكرة الثور ة القادمة وهي في قصيدتها " قسما يا جرح الشعر" تكاد تكون قاموسا لمفردات تلك المرحلة الثورية الشعرية سواء بالمباشرة أو المفردات الصاخبة والدموية حيث تتجلى فكرة الحرف المقاتل والنضال عبر الشعر، تقول الشاعرة في قصيدتها:

- يا حرفي قاتل

- كن قنبلة تنسف تاريخ الأموات الأحياء

- كن صوتا .. يحمل في الثورة .

إن هذا الخلط بين السياسي والشخصي يكاد يكون سمة لبقية قصائدها في عملها الأول سواء في أقبية الوحشة, وأغنية من العام الثالث, وكتابة على بقعة ضوء، وكبرياء, ووحيدون جدا.

ويمكن تفسير هذه الروح المقاتلة التي طفت على عمل حمدة خميس الأول بانعكاس مرحلة الفن النضالي الذي كان دائما في الخطاب الأدبي في مرحلة الستينات مختلطا بظروف البحرين الخاصة حيث كانت الحركة الثورية نشيطة وفعالة فيها، وقد التقت هذه الظروف مع صرخة القهر الأنثوي الخاصة بالشاعرة كامرأة تعيش في مجتمع تقليدي بوعي غير تقليدي وقد كان الطريق طويلا ووعرا لكي تستطيع حمدة أن تنطلق من بداياتها تلك الى أعمالها التي أتت بعد "اعتذار للطفولة" بسنين طويلة .

إن قصائد حمدة خميس الأولى كانت قصائد تفعيلة متأثرة بالشعر الفلسطيني والعراقي وخصوصا بدر شاكر السياب رغم أن الشاعرة تقول أنها قد تأثرت كثيرا بالشاعر اللبناني خليل حاوي، ولربما أصابت نصوصها بعضا من سوداوية وتشاؤم خليل الذي التقى بتجاربها الشعرية والحياتية في رؤية لشعر حمدة خميس في عملها الأول " اعتذار للطفولة "، وحوار للكاتب أحمد محمد عطية في كتابه  " كلمات من جزر اللؤلؤ" يقول:

"وفي شعر حمدة خميس تبرز الرؤية السياسية, ويمتزج الرمز الشفاف بالواقع المعاش بالتراث البحريني، وخاصة تراث البحر والزرع والنخل وقد تحدثت عن مفهومها للسياسة قائلةفي حوارها مع الناقد البحريني أحمد المناعي: (السياسة من وجهة نظري لا يمكن فصلها إطلاقا عن حياتي عندما أعيش وأحس ... وأحب ... وأتألم .. وأفرح ... أكون إنسانة متلاحمة بكل الأسباب والمبررات التي منحتني هذه الأحاسيس, عندما أحب مثلا، وأشعر بأنه محظور علي أن أفعل ذلك أو أن هناك من يمارس تشويها على فكري، هنا أحس بأني مقهورة .. لذا أرفض التثمريه ومبرراته, وأكون في هذه الحالة داخل السياسة لأن مبررات التشويه هي عادات أو نظم اجتماعية معينة, وكذلك فالألم يعني سياسة ء والفرح كذلك, فمناما أرى هناك ما يحول بين الفرح وبين الإنسان ويسبب له الألم فإني أرفض هذا الحائل, فالرفض هذا سياسي أيضا، إذن صادمت أرفض فإني أمارس السياسة وأتدخل فيها) " مجلة الأقلام " عدد خاص بالأدب العربي في البحرين, مايو 1980)" (6).

ومن الواضح إصرار حمدة خميس السياسي الشعري في نصوصها الأولى مما قد يكون ساهم في ضعف العمل الأول فنيا بسبب الخطاب السياسي المباشر غير أنه أيضا حمل مؤشرات لنزعة حمدة خميس القوية نحو الحريات والتصدي للقهر بحجم وعيها آنذاك .

وإنني التقي في تحليلي لقصائد حمدة خميس الأول مع الناقد أحمد محمد عطية, حيث رأى أن أفضل قصائد الديوان الأول تمثيلا لبدايات حمدة خميس هما القصيدتان الأولى والثانية من الديوان, ففيهما يتعانق الرمز والحلم والواقع, وفيهما تحاول حمدة بناء مفردات عالمها الشعري، وصوره غير أنها تقفز ـ على حد قوله ـ في ديوانها الأول بعض الصياغات النثرية المباشرة والعبارات الخطابية والتقريرية النابهة من حماسة الشاعرة وثورتها أيضا، وقد جاء الكثير من الخطب بلا كشف ولا رؤية جديدة متفجرة توازي حماس الشاعرة في تلك المرحلة .

ولسوف تتخطى حمدة خميس تلك المسألة في أعمالها:لتي تلت عملها الشعري الأول «اعتذار للطفولة " ستحاول الغوص أكثر داخل عالم ذاتها الأنثوية غير أنها لن تهمل ذلك الاحتجاج السياسي الوطني في بعض نصوصها" الترانيم " هو ديوان حمدة خميس الثاني وقد صدر في النصف الأول من الثمانينات, قصائد " الترانيم " هي قصائد كتبت معظمها في السبعينات وتحمل صبغة تلك الفترة الشعرية إذ تدور حول محاور الوطن, والحلم والطفولة والأمومة وهي لا تمثل خطوة كبيرة ومختلفة في المضمون الشعري عن عملها الأول" اعتذار للطفولة " غير أن القصيدة تصبح أقصر وأقل مباشرة عن عملها الأول رغم عدم انتفاء الخطاب المباشر فيها.

تتحرك حمدة خميس ضمن منطقة الحصار في الواقع السياسي, والى وصف مشاهد التمرد على الأوضاع, والحلم بالثورة والتغيير، وامتداد المستقبل الأجمل عبر الأنوثة (الأمومة ) والطفولة, وتوظف في «الترانيم " الموروث الشعري الشعبي، وخصوصا الأهازيج وبعض الأغاني الشعبية,كما أنها تسعي لتوظيف الرموز البيئية المحلية غير أن لفتها الشعرية مازالت غير مميزة في عملها الثاني فيما عدا مخاطبة الطبيعة الموروثة من أنساق الرومانسية الشعرية العربية في الخمسينات ممتزجة بواقعية السيتنات.

في قصيدة حمدة خميس " أمي .. يا مدن البنفسج " وكما فعلت حمدة خميس في قصيدتها السابقة " لكم وقتكم . ولي زمني"، في عملها الشعري الأول, فإنها هنا أيضا، توظف شخصية الأم من جديد رابطة أياها بالوطن والثورة والوعود الجميلة القادمة, كما تستخدم هنا أشعارا من التراث الشعبي الخليجي في القصيدة,غير أن السياسي برغم وجوده يبدو أقل مباشرة وينحو أكثر نحو الرمز البيئي للمنطقة رغم أنها وفي بعض مقاطعها مازالت تمارس طقوس المباشرة الشعرية السياسية كقولها:

- تحدثي بعد يا أمي

عن العشاق الذين تنامين فوق أجفانهم

فيمتشقون بنادقهم

وهي محشوة برصاص حنجرتك المشتعل

 الرصاص الذي يصهل في دمائهم !

وهي توظف في هذه القصيدة عناصر كثيرة من البيئة المحلية:

" الأفلاج, أسماء مناطق مثل مسأفي, والبريمي في الإمارات, السدر، والغفغاف وفواكه مثل النارنج, والباباي، والرطب, والنخيل وبعض العطور المحلية مثل العود، والعنب, وماء الورد، والزهور مثل الياسمين,والمشموم وكذلك تستخدم عددا من المفردات الشعبية المحلية مثل الكواكب, واليراير، وغيرها".

وهي في قصيدتها هذه تطرح هذا الاتحاد الانثوي مع خلق المستقبل الافضل حيث تقول .

-" آه من قدرة الخلق في أصابعك أمي"

 - أعيدي خلقي وتكويني:

   من الضياء

   كي أتحد بالمياه والتراب والأكوان

   فألد الأجنة والبصائر والثمر".

وتواصل ذكر العناصر التي يعاد الخلق منها في قصيدتها من (الليل, الربيع, الشتاء، الماء، الأرحام, السنابل, الصراط, الجهل, المعرفة, النار، الثلج, الجمرة, الرماد، المطارق, الطين,   والحق ).

إن ارتباط الوطن بالولادة وبالأم تارة والطفل أو الطفلة تارة أخرى ما هو إلا محاولة من الشاعرة لخلق مدينتها الفاضلة المدينة أو " الوطن الحلم ». والشاعرة تبحث في أشعارها عن كيف تكون تلك المدينة, عن ملامحها التي تنقب عنها عبر سلسلة قصائدها في أعمالها كلها.

إنها قصيدة غنائية الشخصية في المقام الأول تموج بتراث المنطقة وبيئتها وتمزج الأم بالربوبية والقدرة الكلية ضمن مفهوم الوطن واعادة الخلق, وتمزج الحس السياسي بأمل إعادة الولادة والنظرة الرومانسية باليوتوبيا لعالم ترجو الشاعرة أن يتحقق .

إن هذا الأمل القادم يرتبط بالرحم, فمرة هي الأم ومرة أخرى هي الابنة كما جاء في قصيدتها التي سوف تأتي حيث تعيد تصوير المدن المشتهاة وتربطها بالطفلة القادمة حيث تقول الشاعرة:

- " إقرأ:

إن الذي أن يجيء... تكونين أنت

وان الذي لا يجيء .... تكونين أنت

 وأمسح في شهقة البحر دمعي !"

- " معا.. نطعم الحب والخبز

أطفالنا الأنبياء".

- اشرأبت دمائي اليك

قلت: هذي بلادي التي سوف تأتي".

إن القصيدة مفعمة بالانتظار الحلم: الثورة, المدينة المشتهاة, البلاد التي سوف تأتي. حمدة خميس ترفض الواقع المشوه وتحلم بكيان جديد للمنطقة . إنه حلم رومانسي تختلط مفرداته بواقية الثورة المألوفة في شعر حمدة خميس مثل (العنف, الدم, الرمح, القنابل, وغيرها) وأهازيج التراث  والأغنيات الشعبية .

وتحاول حمدة خمس أن توظف الصور القرآنية والدينية في قصيدتها " اشراقات" لتصل الى معانيها عبر التماس معونة الغامض, والطبيعة, واحلم ووصف الأشياء بأدواتها الممكنة .

تقول:

ــ استيقظي (من بين هذا الصلب والتر ائب )

ثم تعود الى اللغة الواقعية المباشرة والمضادة أحيانا لروح

الشعر لتقول:

ـــ " وصلي ركعتين:

للطفل في مجاعة الحروب

والرهان:

(قنبلة ذرية