جغرافيا العشق
تجليات الروح ...إشراقات الجسد 
المرأة مكانا .. المكان امرأة

أحمد الشهاوي (شاعر وكاتب من مصر)


المرأة بمكانها (في ) - ومكانتها (لدى) الشاعر تجعل الخيال يثار وينطلق يرسم عوالم فريدة وغريبة وحلمية: حيث تتكون الصور، وتتركب الأبنية, ويتوحد الزمان بالمكان, ويدخل الشاعر حالة وجدانية يمكن أن أسميها بـ" لذة الانتشاء" أو "العلو" أو "الارتقاء نحو سدرة المنتهى", في هذه الحالة يكون كل شيء واضحا وغامضا وشفيفا في آن, ومن ثم لا تتكون دائرة أو دوائر مغلقة, بل يتكون فضاء رحب له سموات وأرضون .

هذا الفضاء الذي يتخلق تحت سطوة الألغة والحميمية ولذة المكان كالغرفة أو الشارع أو السرير أو البيت بشكل عام, يتمازج فيه الأرضي بالسماوي، الأسطوري بالواقعي، المقدس بالعادي، اليومي بالمطلق, ثم يولد النص الشعري.

هذه الولادة, هي تحقق الوصول, بعد الوصل واللقياء واندفاق الماء بعدا لتشوق, والتدرج الى العلا بعد الحياة الأرضية .

واذا كانت للنص لذة بحسب قول رولان بارت, هي لذة الولادة, فللوصول لذة لا تعادلها لذات أخرى سماوية أو أرضية, لأن الروح هنا تصعد في مدارجها.

هنا يتحقق المكان - النص بفضائه الوسيع, وهو معادل لامرأة متعينة أو قد تكون كونية أو معنوية تمثل مكانا روحيا أو شبقيا للشاعر، أي تصير له سكنا بحسب التعبير القرآني، إنها البيت, الستر والغطاء، بحسب تعبير العامة, ويحق لنا أن نتساءل بما أن " الشعر كلام مركب من حروف ساكنة ومتحركة " - أبو حيان التوحيدي - وبعا أن المرأة هي أيضا نص فريد من الحروف الساكنة والمتحركة, فهل تحدث الوحدة . وحدة الحركات والسكنات, هل الصلة - هنا - صلة خارجية أم من الداخل ؟

تلاقي الحروف بينهما يولد فتحا للوجود المعنوي والمكاني. فالمرأة باعتبارها نصا مشغولا سلفا، يزيد باتحاده مع الشاعر ويرقى، ويترقى، تتداخل الى حد الاندماج مع النص المشغول من قبل الشاعر الذي كتبه بمائه وماء المكان (المرأة )، فيعيد خلقها وتعيد هي خلقه .

ونحن لسنا أمام نصين, إلا في حالة الفراق, بل أمام نص واحد، حتى ولو كان هناك طلل للوقت وطلل للمكان معا.

 فلو اعتبرنا المرأة ( 1) والشاعر (2).

وسمينا المرأة محيطا والشاعر محاطا به .

واعتبرنا المرأة جسما حاوية وهي كذلك بقداستها وتجلي روحها وعلوها ومكانتها في الديانات والحضارات . واعتبرنا الشاعر جسما محويا خرج من رحم المرأة, ويعود اليه مرة ثانية ولكن تحت مسمى أنها السكن, البيت, المكان أو الجنة بطقسها, وفردوسها.، ستكون النتيجة الحتمية هي وحدة ( 1) مع (2).

لأن ( 1) ستؤدي الى (2) وفي ذات الوقت (2) ستؤدي الى ( 1) ووحدة المرأة بالشاعر هي " وحدة الوجود".

والشاعر هنا كـ(الصوفي ) تماما، فالصوفي عبر نصوصه سواء النثرية أو الشعرية, المرأة فيها لها قداسة تعادل قداسة المحبوب الأسمى الأعلى المتجلي والمتجسد في الله, حيث يتوحد الصوفي في مكانه (المرأة ) فيما يمكن أن نسميه بوحدة المكان, أو بوحدة الوجود، لأن الزمان يذوب في ماء المكان خالقا  " الزمكان »، فالمرأة والشاعر ينصهران في علاقتهما في " كل واحد مدرك  ومشخص . الزمان هنا يتكثف, يتراص, يصبح شيئا فنيا مرئيا والمكان أيضا يتكثف, يندمج في حركة الزمن والموضوع بوصفه حدثا أو جملة أحداث والتاريخ . علاقات الزمان تتكشف في المكان,والمكان يدرك ويقاس بالزمان " ميخائيل بختين .

و" لأن المكان والزمان شكلان ضروريان لأي معرفة بدءا من أبسط إداركاتنا وتصوراتنا » بختين - فتتحقق المعرفة, وتنبني وحدة الوجود.

ويكون المكان هو التقاء الأفقين ( 1) و (2) أي المحيط أو المحاط به ويصير تعريف أبي حيان التوحيدي صحيحا عندما يرى أن المكان أدهو ما بين سطح جسم الحاوي وانطباقه على الجسم المحوي».

هذا الالتقاء, مصحوب بلذة, ليست مؤقتة, ولكنها لها صفة الديمومة والأبدية, قد تصل الى ما بعد الانتهاء، الى ما بعد موت الجسد، حيث تظل الروح محلقة ومفعمة بالمتعة . ويحدث في زمان ما يظل الأفق (2) أي الشاعر يذكر الزمان طالما هو في حالة الوجد والسكر من "الالتقاء"، ويذكر المكان طالما هو يستعيد لحظة غافية أو ساكنة الى حين في اللاوعي.

الالتقاء، أي تلاقي جزءي ذرة منشطرين بعد انقسام وغربة وسنوات من النأي، يخرج المكبوت, والسري والغائم من اللاوعي في شكل صور غريبة وجديدة, ولغة طازجة فيها رائحة الأنوثة خارجة من الرغبة الساكنة, المسكونة في عوالم الشاعر، وهنا أقول مع ابن عربي " إن ما لا يؤنث لا يعول عليه »، سواء أعان مكانا أم لغة واللغة أنثى واللغة أنوثة لها سحرها وجذبها.

واللذة الأبدية الناتجة من التقاء الشاعر الحميم بالمكان - المرأة الأليف باعتباره حاوية للأشياء هي - في حد ذاتها - مكان, فالمكان من خصائصه اللاتناهي والأزلية والأبدية والقدم وعدم الفناء وهو أصل التجربة . والمرأة هي أصل التجربة داخل النص كمكان معنوي روحي، وداخل الحياة كمكان متعين جسدي، ولما كان للمعنوي الغلبة على مستوى النص الشعري، وروح الشاعر ونفسه كنص آخر مواز غير مكتوب, وأحيانا يكون نصا متلاقيا مع النص الكائن في فضاء الورقة .

إذن نحن أمام تجليات روح, وتجليات جسد. منهما يتخلق النص ويولد. والشاعر يحتفي بالروح التي هي كون, حيث تشغل زمانا لا نهاية له ومكانا لا حد له .

والمرأة متحركة, تتجدد وتتشكل من خلال الأشياء المحيطة بها، علاقتها بمحبوبها، بجسدها، بعالمها، بذاتها، بمكانها لا باعتبارها مكانا منفصلا، ولكن باعتبارها خارجة من مكان محمل بالاعراف والتقاليد السائدة له سمات وشكل البيئة .

واذا كان افلاطون قد قال إن المكان هو " بيت الرحم » أو " الأم المرضع » فهذا يعني ببساطة مركزية المرأة, ومحور الوجود، والمدخل الى العالم من منظور واسع حيث تملأ المرأة جميع انحاء المكان .

ويتلاقى افلاطون مع ابن عربي، في تأنيث المكان, أو ما أسميه أنا " بالمرأة المكان " ومن ثم مولد لغة وصورة وعلاقات جديدة من جراء هذا التأنيث .

وكما يمكن أن نسمي المرأة بأنها: الأين, والمحل والملأ، والحيز، والموضع, والخلاء فالمكان كذلك .

وأنا كشاعر أحل فيها وتحويني، وتميزني وتحدني عن بقية الأشياء، لأن لها علاقة بالحركة والزمان والأجسام, هي سابقة علي أم أنني سابق عليها, أم أننا تداخلنا في آن واحد، وخرجنا من رحم الكون معا.

فهي تحركني باعتباري فيها، ممتلئة بي, وهي مكان كلي لانهاية له, ومثلما قال الرازي: " كل ما لا نهاية له قديم, فالمكان قديم وأزلي" وهي باقية ببقاء الزمان والسماء.

وأنا أمام امرأة الآن, ليست ساكنة, أو مهمشة, بل خارجة من تراث الشاعر العربي الجاهلي . والشاعر الصوفي ؛ آتية لعصرنا عبر معارف وخبرات وتراكمات من الجدل والحوار، تشكل مساحات كبيرة في خريطة الشعر العربي، إذن كيف سأتوحد بها، كيف تصير رمزا معنويا - مثلا - للأرض أو الوطن أو المدينة أو القرية .ما شكل علاقتي بها، ما مدى التغيير الذي ستحدثه في علاقتي باللغة والبناء والتشكيل, فلكي أحيا كشاعر علي أن أكون مهيأ للاتحاد مع عمق المكان (المرأة ).

فأنا أمام جسد له ذاكرة, وله لغة, وله روح . يشكل قربا وبعدا، هو مكان, فيه قطبا الحياة " متى" و " أين": الزمان والمكان . أتآلف مع جوانيته حيث فتح الذات وتجلي روحها.

أما برانية الجسد، فهي هامش لا يشكل مركزا رئيسيا، قد يرسم ملامح جميلة لا تعبر إلا عن السطح, ولا تتم علاقة حميمة مع جسد نعرفه توا أو منذ بعيد، دونما الولوج الى الداخل . فالإيلاج لا يعني الولوج . لأن الخارج ليس هو الداخل وأيضا الجسد لا يعني الروح . لكن الوحدة بينهما قد تعني الاكتمال والالتقاء. ومولد عوالم شعرية جديدة يأتي من الإبحار في ذاكرة الروح .

المرأة, إرث, ميثولوجيا، بذء للخلق, مفتتح للتكوين, بذرة لأي حياة, أساس لأية تصورات, ومن ثم فهي مكان جاذب, سهلة الولوج تمثل الملجأ والحماية كرحم قديم جئت منه وأعود اليه من خلال بؤر أخرى جديدة تمثل أدلة على الأنوثة, آوي اليها بعيدا عن صخب الحياة وضوضائها.

والمرأة كمكان تدرك من خلال الحواس وعلى رأسها البصر. فالتو حد لا يكتمل إلا عبر قنوات متوالية ومتصلة تؤدي في النهاية الى الامتزاج والفناء وخلق وجود سام هو في الحقيقة مكان لنص معيش على مستوى الخبرة الحياتية الأرضية أو على مستوى العلو والارتقاء، أو مكان لنص مكتوب ومتحقق في المكان - الورقة, وهنا يتحقق وجود المرأة كمكان غني في القصيدة,وهي تكون مكانا متناهيا أو لا متناهيا حسب اتحاد الشاعر بها، ومعر فته, وتجانسه مع مفرداتها، باعتبار أنها، مكان والمكان مجموعة من الأشياء المتجانسة .

وفي هذه الحالة تشف وتذوب في ماء المتوحد بها. وتصير معادلا للكون, للعالم, وباعتباري أعرفها وأكونها داخلي والدها من جديد، فيمكن أن أبني صورة للعالم من خلال معرفتي بالمكان - المرأة الذي أعرفه وأصبح عنواني لأي شطح أو دخول, وحسب "يوري لوتمان " تصير " بنية مكان النص نموذجا لبنية مكان العالم ".

وبما أن المرأة مكان له تاريخ وحضارة ودين وعادات ومعتقدات وخبرات وثقافات, فهي تكشف عن تواصل زمني معها، فلا مكان بدون زمان وهنا أقول مع أبي حيان التوحيدي إن" المكان رديف الزمان ". والمرأة بناء فاعل ومفعول به, ولكنها أيضا اسم, واسم مكان, وظرف للمكان .

في بنائها أجد ظرف المكان متحققا: بين, فوق تحت وراء، قرب, تجاه, نحو دون, وغيرها من الظروف, فهي اسم مشتق للدلالة على مكان وقوع الفعل, ومتى وجد الاسم وجد الفعل ومتى وجد الفعل وجد الحرف, ومتى وجد الزمان وجد المكان, ومتى وجد الشاعر وجدت المرأة .

والظروف المكانية المتحققة في جسد المرأة المتعين أمام الشاعر من خلال البصر والتآلف مع هذا الجسد، هي نفسها المتحققة في اللغة, والشاعر في استخدامه لها " أنما يميل الى نوع من الدقة البصرية في التحديد وفي النظرة الى المرئيات, إنه يستثير فينا حاسة البصر كمنطلق للنظرة الشمولية في التصور" أحمد طاهر حسنين .

ومثلما يحب الشاعر ظروفا مكانية بعينها، يستخدمها في شعره, وتكثر في قاموسه الشعري، وتنتشر في لغته, فهو أيضا - يحب ظروفا مكانية في المرأة كمكان, فقد يحب فيها فوق أو تحت أو دون وهكذا، ولكن ثمة مكانا يمثل البؤرة في المرأة لككل, ككيان مكاني حاضر وفاره, هذه البؤرة هي العنوان أو العلامة الرئيسية, ما يدل على المرأة, هي الجوهر والاشارة, تدخلنا الى الجسد فيما بعد، ثم نلج الى الروح خفيفين شفيفين محملين برائحة الذكرى والتواريخ والثقافة والميثولوجيا، تكشف الفضاء لينبني النص ونتعرف نسيجه لنفترض أن المكان البؤرة بالنسبة للشاعر هو النهد، أو هو الفرج .

هذه البؤرة, الحلم الأسطورة تكون مدخلا حقيقيا للقرب والألفة ومن ثم الاتحاد واكتشاف العالم, لأن المكان في هذه الحالة سيتحول الى مرآة ترى فيها " أنا " الشاعر صورتها، وتتشكل شخصيتها، لأن المرأة طاغية ومؤثرة وذات حضور كثيف, ولأنها حقيقة يعيشها الشاعر فهي تؤثر بقدر أكبر مما يؤثر فيها الشاعر ولأنها مكان متسع وفسيح, فدفئها وألفتها وحمايتها لا متناهية .

وبقدر معرفتي بالبؤرة, سيكون تشكيلي للغة والأسلوب والصورة داخل الذهن ثم داخل النص بعاذلك . فالحوار الذي يحدث بين داخلي كشاعر وداخل البؤرة بما تحويا من تاريخ وطقوس وعادات, يتيح لي معرفة نفسي ومعرفة العالم . وأنا قصدت هنا بالتوقف أمام بؤرتين للمكان هما النهد والفرج . لما لهما من ارتباط تاريخي من الدفء واللذة منذ الطفولة, وحتى صارا مفتاحي لمعرفة العالم . فهما بؤرتان اسطوريتان يستدعي استحضارهما استدعاء الزمن الذي تشكل فيه وعي الشاعر وخبرته وثقافته ومعر فته بمكانة البؤرتين .

 هذه المرأة المكان .

هي حبيبتي أوعشيقتي.

والياء هنا، هي ياء الملكية, وهي المكان الذي أمارس فيه سلطتي ليس بالمعنى الاستلابي،ولكن بالمعنى الايجابي حيث المحبة والشوق والوصل والتواصل, ولغة بين الشاعر والمرأة . والمكان يكون بالنسبة لي حميما وأليفا، حيث أخلق تجربتي الشخصية معه, وهذه التجربة بمدى صدقها تخلق معرفة وكشفا وأحوالا، وأنا أضيف الى المكان من عندي، من (ياء) بيئتي وعشقي وثقافتي وتاريخي ومعرفتي.

وتأتي خصوصية النص المكتوب من خصوصية العلاقة وفرادتهأ، ومدى تجذرها .والمرأة عامة تنتج ثقافة مغايرة, وخيالا جديدا،ولغة بكرا، بما تحمله من اختلاف وطزاجة وأسطورية فهي كمكان وفق رؤيتي هنا " حاضنة دافئة للأحاسيس والانفعالات وخفايا النفس, وانسيابية الصور وتجاورها وتحولاتها المعرفية, لذلك لا يخلق المكان التجربة بل تخلقه التجربة " - ياسين النصير -.

وأنا كشاعر مخلوق في حيز زماني ومكاني، مارست تكويني البيولوجي في رحم الأم (المكان الأول ) ثم خرجت منه الى المهد فالثدي فالصدر، ثم الى البيت فالمدرسة فالشارع فالنهر فالأرض فالقرية فالجامع فالقبر الذي هو نهاية المكان وبداية العالم . هذا التدرج المكاني هو الذي يخلق الشخصية ويبنيها، ويضح لنا هنا أن نقول " قل لي أين تحيا أقل لك من أنت ".

هذه الرحلة هي مغامرة وحرية وانطلاق واكتشاف وانفلات وابتكار قيم جديدة وامتحان قدرات الذات بحسب تعبير يوري لوتمان .

والمكان مجردا معزولا وحيدا نائيا لا قيمة له, طالما أن أحدا لم يكتشفه ولم يعش فيه .

فلو افترضنا أننا أخذنا طفلة وتركناها في إحدى القرى المهجورة من البشر، وعاشت بين الخرائب والأطلال الحيوانات الأليفة وأكلت مما تخرجه الأرض عشوائيا، ولما كبرت, اكتشفها إنسان ضل طريقه الى مكانها، هل يمكن أن تصير هذه المرأة مكانا أليفا في التو.

أقول إن " المكان لا ينهض الا بتجربة عظيمة فيه ".

ولكن كيف نتخلق هذه التجربة .أتصور أنها تبدأ في الأساس من معرفة الانسان بالمكان الذي حل فيه .

وعلى الانسان الذي اكتشف المرأة, أن يتخاطب معها أولا، يعلمها لغة التخاطب, يختبر روحها يؤنس وحدتها الطويلة, يروض جسدها الشارد الجامح, يرصد سلوكها، يعرف خصائصها، يكون على معرفة بحكايتها.

ولكي تكون مكانا أليفا له, لابد من المعرفة الكاملة بها، وفهم تاريخها فهي مكان بكر مازال في طور الاكتشاف, يحتاج الى تشكيل وفق ثقافة ونظرة وعلاقة المكتشف الذي يمكن أن يكون الشاعر هنا. وعليه أن يتعامل معها فيزيقيا وميتافيزيقيا ليسبر حالها، ويصل الى منتها ها، وهنا يتخلق المكان المرأة في" المكان ليس شيئا مطلقا بل هو نسبي خاصة عند الشاعر حيث الفاعلية النفسية تؤكد حضورها في الرؤية المعايشة للمكان " ياسين النصير -.

لاشك أنني كشاعر من خلال نصوصي الشعرية المتباينة والمختلفة, والتي تمثل في مجموعها وعبر زمنها نصا شعريا واحدا أليفا ومؤتلفا أعطي للمتلقي تصوري عن المرأة, والتي هي مكان بارز في شعري، باعتبارها تحتل مساحة كبيرة في جسد النصوص وبلغة الاحصاءات فهي تمثل نسبة مرتفعة, ويتجلى ذلك في الصور والفضاءات والأمكنة والأبنية واللغة التي تخلقها من خلال اتصالي بها، ومعرفتي بحالها، ووصلي معها.

فمنها أقدم - أيضا- رؤيتي للعالم, وموقفي من الحياة, وكيف أنظر الى المحيطات حولي, إنها لا تعزلني بقدر ما تعرفني نفسي واكتشف بها كل الغوامض والمجهولات .

والمرأة, لا يوجد شاعر في آداب العالم, احتفى بها، وشغلت مساحة كبيرة من نتاجه الشعري مثلما نرى لدى الشاعر العربي عبر سيرته الطويلة والممتدة منذ الجاهلية وحتى الآن, وأتصور أنه إذا كان الزمان والمكان هما مفتاحا الشعر العربي فالمرأة أيضا - هي مفتاح أساسي لهذا الشعر. 

فالمرأة لما لها من سطوة آسرة, وتأثير شديد العمق, على الشاعر، فهي تكشف شخصيته من خلال نصوصا، وليست مجرد " امرأة " عابرة لا أثر لها في القصيدة أو في شعر الشاعر بشكل عام . ليس وجودها مجرد علاقة براجماتية نفعية تنتهي بانتهاء كتابة القصيدة مثلما نرى عند طائفة من الشعراء، وهذا الشعر غالبا ما يكون مصنوعا لا حرارة فيه ولا صدق, فيه من التكلف والصنعة أكثر مما فيه من الشعر.

فعنترة بن شداد مثلا كان ينظر الى المرأة نظرة فيها «التسامي والعشق الشديد والنزوع نحو المرأة - المثل " د. صلاح عبدالحافظ . على العكس من امريء القيس - كما تقول الباحثة نوال عبدالكريم - فكانت نظرته " نظرة حسية خاطبت المظهر، ولم تخاطب الروح ؛ فهو لا يرى في المرأة إلا متعة ". يقول: أدونيس " ينطلق الحب عند الجاهلي من الجسد ثم تأتي النتائج النفسية والذهنية, توفر اللذة الجسدية غبطة الاكتمال والتملك, ويجد الجاهلي فيها جنته الأرضية, المرأة له الواحة والماء والجمال كله, رمز الخصب والطمأنينة وما يطو ويتسامى" أي أنها المكان الذي هو المنازل والديار والصحراء والخيام والواحة وعيون الماء، وأدونيس يرى أن الجاهلي يبدأ حبه من الجسد ثم بعد ذلك يطو ويسمو داخلا الى روح معشوقته . وقد يرى البعض أن في هذا الرأي نفيا للشعراء العذريين, أو الذين اتصلوا بالمرأة عبر تلاقي الأرواح, ولم يستطيعوا أن يقيموا علاقة جسدية تحقق اللذة والمتعة . وهنا سيكون الفارق واضحا بين شاعرين هما عنترة وامريء القيس, الأول تعامل معها على أنها مكان معنوي لا حياة له إلا به والثاني راها مكانا متعينا, فيزيقيا. أي الجسد مقابل الروح وأرى أن المرأة تتحقق كمكان بشكل أساسي في امتزاج الأرضي بالسماوي، أو الشبقي بالعلوي أي الجسدي بالروحي. فلا اتصال خلاقا مع امرأة إلا من خلال عقلها وقلبها وروحها وبعث قيامة نفسها ثم الدخول الى وردة جسدها لقطفها بعد موسم النضج في طقس سحري إلهي.

أنا أتصور أن للمكان مفردات لها دلالات تدل عليه, وتوضح معالمه منها نعرف جغرافيته وتضاريسه وثقا فته وتاريخه وأهميته وموقعه, ومفردات المرأة هي أعضاؤها والشاعر بارع في وصف هذه الأعضاء، ويأتي الوصف حسيا أو قدسيا حسب علاقة الشاعر بالمرأة .

وتكثر مثلا في شعري المفردات المكانية للمرأة والتي هي في الأساس " ظروف للمكان " مثل: النهد، الشفاه, الشعر، السرة, الماء (بدلالاته ). العيون, الفرج ...

لقد شكلت عالمي من خلال رؤيتي المتحركة للمرأة, أتت شفيقة, غير حسية معبرة عن اتحاد جسدين وامتزاج روحين, حيث لا وصول الى انتهاء، وأن المكان الأعلى في السماوات باق لوصلي بمن أحب وأتحد. هنا المفردات - الأعضاء باب الى سماء صوفية, ورؤية فلسفية للكون عبر تجلي المرأة باعتبارها رمزا للجمال ومدخلا الى كشف الشاعر لذاته ومعر فته بعناصر الحياة.

واذا كانت (المرأة مكانا), فإنها تتجل مرة أخرى في علاقة (المكان امرأة )، بحيث تتحول أرجاء المكان الى أرواح أنثوية باذخة, فيها وهج الأنوثة ور حابتها الخصيبة, يصبح للمكان نهد وخصر ورائحة,وتصبح الأنوثة - في هذا التجلي - روحا مشعة, وعطرا مضينا وساريا.

فالمرأة مثير أساسي للكتابة, تجعل سماء الشاعر تستجيب لمطر الشعر.

فالمكان الذي أوجد فيه يثير روحي ويضعني في حالة الكتابة . ولكن هذه الحالة تصبح دائمة ومتوقدة وسيالة وفياضة عندما أكون عائشا في المرأة باعتبارها المكان الأسمى الذي أوجد فيه .

هذان المكانان, بتوازنهما، أو بطغيان المرأة المكان, على المكان (البيئة ) أو المكان (المؤقت ) يخلقان المثير، ويفسحان مساحة للاستجابة فلكل مثير استجابة, وهنا تتحدد علاقتي بالبيئة التي أنتمي اليها، أو حتى أعيش فيها انتماء مؤقتا كالأماكن التي عشت فيها في بريطانيا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو اليونان وشهدت كتابات كثيرة من شعري.

في هذه الحالة يتمازج المكانان, لأن المرأة ابنة بيئتها. ولكن هل النص كمكان جديد سيتغير.

المكان النص يأتي تأكيدا بصريا منظورا لمكان النص, بحيث يتحول المكان المعين في الخارج على فضاء الى أفق نمي، يتحرك ويتشكل حسب الحركات الداخلية للتجربة .. ومن هنا تكتسب صورة النص مكتوبا, دلالية مكانية هامة, حيث يصبح المكان النص وجودا موازيا لنص المكان .

ولعل نصوصا كثيرة لي خاصة في السفر الثاني من " الأحاديث » تداخلت فيه المرأة المكان مع المكان (المؤقت )، لتخلق نصوصا تمثل أمكنة جديدة في فضاء الكتابة: (حديث الأحاديث ) و(أحاديث الماء) بشكل خاص, حيث اللغة والعلاقات والموسيقى والتجلي والحزن والإحساس بالزمن الضائع ومصاحبة الموت جاءت بشكل مغاير ومختلف لمواقف وأحوال كثيرة لي عشتها قبلا.

المكان يذكر بالزمن .

والمرأة تذكر دوما بالزمن .

والمرأة كمكان لي تذكرني بالأماكن التي عشت وشفت, فأمي تذكرني بالبيت, التفاصيل الصغيرة التي حدثت قبل 1965، (لأنها ماتت في العشرينات من عمرها)، أقبض عليها, أذكر ماضيا بعيدا في الطفولة المبكرة, لأنني لا أريد لهذه اللحظات أن تضيع من بين عيني ومن ذاكرتي، فالذاكرة تستوعب المكان تفصيليا، ثم بشكل محيطي شامل .

وحبيبتي تذكرني بزمننا وأشيائنا الصغيرة ثم تجعلني استعيد تاريخا وأحداثا وقعت .

الأطلال حقيقة هي بكاء واستعادة لمحبوب رحل, وليس بكاء ديار أو خيام أو منازل .

وأنت لا تستطيع أن تعرف كيف أنا رأيت الزمن وتعاملت معه, ومدى إحساسي به, وسلوكي معه, دونما أن تسبر امرأتي داخل نصي الشعري.

فأنا أخلق زمنا مغايرا للزمن المتعارف (العمر أو الدهر) في قصيدتي، فعشقي وسفري ووصولي ووصلي وتجلياتي واتحادي وصلاتي هي زمني الذي أقاوم به سطوة القدر والدهر.

ومثلما كل امرأة كون بمفردها وعالم فريد لا مشترك فيه ولا متشابه .

فإن كل حالة عشق تخلق معها زمنها الخاص بها.

واختلاف الأماكن وتنوعها يؤثر على مدى علاقة الشاعر بمحبوبته . فالمكان الضيق قد يوحي بالألفة والحميمية والهدوء والسكينة والطمأنينة والتوحد. بينما المكان الوسيع قد يوحي بالضياع والتيه والشرود، والغربة والوحدة .

وبين المكانين تتواءم المرأة مع ما يتماس مع شخصيتها وتكوينها وثقا فتها باعتبارها مكانا أليفا، يبحث عن الآلفة والسكن في حضن من تحب (الشاعر)، أو المكان المتعين المحدد.

واذا كان الشاعر ينظر للمرأة على أنها سكن, فهي الأخرى تنظر اليه باعتباره سكنا. وبما أن السكن هو مكان أبرز سماته السكينة والدف ء والحميمية واللغة المشتركة ؛ فتلاقي السكنين (المكانين ) يخلق مكانا يستطيع أن يتواءم ويتكيف بل يمكن أن ينصهر مع (المكان الأم ) الذي أعني به هنا القرية أو المدينة أو الوطن . وهو يختلف عن " المكان الأم " وأقصد به " الرحم » الذي أراه هو أول مكان عرفه الانسان, وعاش فيه, وخبره منذ بدئه وتكوينه ثم عرفه في مراحل أخرى من حياته وهو مكان دوما صديق للشاعر العاشق أبدا.

والشاعر في اتحاده مع المرأة في مكان ما، يخلق مكانه الشخصي الحميم, وزمنه الخاص, الذي يكون مخلوقا ضد البعد أو الفراق لأن الزمن العادي الدهري يصير عدوا, خاصة أنه يسبب النأي والهجر ويفرق بين محبوبين عاشقين .

فإذا ما نأت المحبوبة, ووقع الانشطار بين قلبين نجد الشاعر كلما مر على مكانها القائم أو المهجور مصادفة أو عمدا، يبكي طللا ويتحسر على أيام خوال ماضيات حاملة ذكريات مشتركة وتفاصيل حياة عشقية حميمة وخاصة, و&