وقفة مع شاعر السينما الراحل اندريه تاركوفسكي

الصـور المرافقة
الصور 
المرافقة

جواد بشارة ( ناقد من العراق يعيش في باريس)


في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر من عام 1986، تلقت الأوساط السينمائية نبأ فاجعة وفاة شاعر السينما المتميز المخرج الروسي اندريه تاركوفسكي. لقد اختار تاركوفسكي الرحيل الأبدي الذي بدأه عبر شخصياته وأفلامه باحثا عن الحقيقة والخلاص، عن التطهير والسمو الروحي. إن هذا السينمائي المبدع يشكل ظاهرة فريدة تخرج عن جميع المعايير النقدية والتقويمية المتعارف عليها سواء في السينما الروسية أو في السينما الغربية، لقد خلق لوحده اتجاها سينمائيا مستقلا ظل يمارسه ويطوره حتى آخر يوم في حياته الابداعية والشخصية عرف بـ"التيار الشعري للسينما الذاتية " وهو تيار له جوانبه ومعاييره الشكلية والمضمونية والجمالية، يتناول المواضيع الكونية التي تهم كل شعوب الأرض وتهم الانسان أينما كان ومهما كان عرقه وأصله ودينه وثقافته. لقد بلغ تاركوفسكي مكانة لا تضاهي في داخل بلده روسيا وخارجها وتمتع باحترام وتقدير كبيرين. وقد وفرت له امكانيات لم تتوافر لأي سينمائي غيره من جيله فيما كان يسمى بالاتحاد السوفييتي.

حاز المخرج تاركو فسكي في أول تجاربه السينمائية - وهو فيلم التخرج - على ثقة القائمين على عالم السينما من فنيين واداريين، كما تمكن من كسب ثقة مطلقة من جانب العاملين في قطاع السينما في كل مكان رغم مضايقته ببعض القرارات الإدارية البيروقراطية التي لا علاقة لها بالتوجه السينمائي الخلاق والايجابي ان ي كان سائدا عموما في الاتحاد السوفييتي سابقا.

وعلى الرغم من ذلك، ونظرا لحساسيته الفائقة وتوقه للحرية المطلقة، دفعه هذا الموقف الإداري المزعج الى الغربة القاسية واقتلعه من جذور الابداع الراسخة في أعماقه والمعجونة في صميمه، لذا هاجر منفيا الى الغرب المادي ليخرج آخر أفلامه قبل أن يودعنا منذ ما يقارب الأعوام العشرة. كان أول توجهه الى ايطاليا حيث أخرج فيلمه الخارق "الحنين" وهو رائعة وتحفة سينمائية تتحدث عن حنين وغربة الفنان الروسي المنفي الممزوجة بحب الأرض والوطن الجارف، وخصوصا عندما يكون هذا الكائن المفرط الحساسية منفيا رغما عنه، أيام ديكتاتورية حكم القياصرة، وذلك من خلال الربط بين هاهي الانسان المنفي وهو شاعر كبير، وبين حاضر انسان روسي معاصر يقتفي آثاره وهو بدوره فنان وموسيقي يعد دراسة عن الشاعر المذكور في محاولة لاعادة الاعتبار اليه وترسيخ مكانته وقيمته كفنان مخلص لانقاذ ما تبقى منه، أي ذكراه، من جوف العالم المتدني حيث تنطلق صرخة الاحتجاج من قلب الغابة الغريبة المتوحشة التي تأكل الأنسان وتسلبه انسانيته كل يوم (مشهد الفيلسوف المجنون الذي يحرق نفسه في أحدى ساحات روما احتجاجا وعلى انغام سيمفونية بتهونن التاسعة). ثم يأتي فيلمه الأخير في الغربة هو فيلم "التضحية" الذي أخرجه عام 1986، أي قبل وفاته بأشهر قليلة، في السويد. وكما كان منتظرا من هذا العملاق السينمائي، جاء فيلمه قفزة نوعية جديدة في عالم الابداع يحققها هذا المخرج الفذ في عالم جماليات الاخراج الطليعي في تيار السينما الشعرية الذي صار أحد قادته الى جانب بازوليني وبيرغمان وراوول رويز والان تانر وغيرهم..

يتحدث فيلمه "التضحية" عن كل شيء وعن اللاشيء، عن الوجود وما قبل الوجود وما بعده عن معناه وسره، عن العدم وما يفرزه من عبث وضياع وبحث عن المجهول بلا جدوى وعما يقف فيما وراء الطبيعة متخذا شكل الايمان أو الخرافة. انه قصيدة للانسان عن الانسان، عن معنى وهدف وجوده في هذه الحياة الغامضة. كل شيء في الفيلم قائم بذاته، متكامل التكوين والتنفيذ، لم يترك شيئا للصدفة كل شيء متناسق ومتناغم، الصوت والصورة والألوان، الزمان والمكان والتكوين والأشياء والفراغات والكتل الحركة والسكون السرعة والايقاع، السكون والضوضاء، الصمت... الصمت هو المناخ السائد في هذا الفيلم المعجزة. لقد جاء الفيلم بحق تكريما لسينمائي خلاق آخر هو انجمار بيرغمان الذي كان وراء انتاجه بهذه الصورة، مما يذكرنا برائعته وتحفته الخالدة "الصمت" لقد قال بيرجمان عن فيلم "التضحية" لتاركوفسكي قبل عرضه التجاري: "لقد صنع تاركو فسكي ما كنت أحلم بصنعه طيلة تاريخي الفني بأسره ولم أفلح، إنه أعظم فيلم لم يخرجه بيرغمان بعد".. من البديهي أنه لا يمكننا تلخيص أحداث هذا الفيلم الجميل والتي تدور في مكان بعيد مقفر وموحش لكنه جميل وساحر باعتباره قطعة من الطبيعة النقية المنعزلة والبعيدة عن الملوث "الحضاري"، يعيش هناك الكسندر، الممثل سابقا والكاتب والمفكر حاليا، مع طفله الصفير الذي يسميه طيلة الفيلم "الصبي" دون أن يذكر اسمه، والصبي المذكور أبكم لا ينطق بكلمة واحدة طيلة أحداث الفيلم الا في نهايته حين نواه قرب الشجرة التي زرعها مع والده في بداية الفيلم، وهو يردد جملة والده الفلسفية التي وردت في الكتاب المقدس "في البدء كانت الكلمة".

التضحية - التطهير

يبدأ الفيلم بلقطة بارعة الجمال بتكوينها ودقة تنفيذها وبراعة تصميمها والمدة التي تستغرقها على الشاشة، حيث يبدو الكسندر وطفله الصغير من بعيد وهما يغرسان شجرة يابانية نادرة والأب يروي للصبي حكاية فلسفية من التراث الياباني. وبعد قليل تدخل الى الكادر شخصية أخرى غريبة الأطوار هي شخصية ساعي البريد الذي يمزح معهما ومع الطفل خاصة، ويتحدث بكلام غير مفهوم أو مترابط، حيث يستمر بذلك عبر جميع مشاهد الفيلم الغامضة الى جانب بقية شخصيات الفيلم - أفراد عائلة الكسندر - حيث يرمز كل منهم الى واقع أو الى فئة من الناس أو ناحية من نواحي المعضلة الكبرى التي تتلخص بجملة واحدة (ما هو الانسان والى أين يسير؟) يقوم الكسندر في نهاية الفيلم، بعد وقوع "الكارثة" التي نسمعها ولا نراها - قد تكون انفجارا نوويا أو زلزالا كونيا -، بحرق بيته والـ "تضحية" بوعيه وعقله يتجه الى عالم الجنون إراديا ليحتمي به من كل ما يجري في عالم الواقع أو بين الحلم والواقع، وبين الخيال والحقيقة، إذ لا يمكن الفصل بينهما البتة.

وذلك يذكرنا بالفكرة الرائعة التي قالها فردريك انجلز بشأن الفن حين قال: "يكون الأثر الفني ذا مستوى رفيع عندما تكون الفكرة والرسالة التي عبر عنها ويريد إيصالها مدفونة في أعمق الأعماق، حيث من الأفضل أن تكون مخفية يكتشفها المتلقي بدلا من أن تكون مباشرة وواضحة تثير نفوره"... وهذا هو المبدأ الذي يقود تاركو فسكي في اختياره لأسلوبه السينمائي ولبناه عالمه الفني.

البحث الدائم

ما الذي يثيرنا أو يقلقنا أو يستهوينا ويهمنا في هذا الفيلم الأخير لتاركوفسكي كما هو الحال في بقية أفلامه الأخرى؟ هل هو استمرار المؤلف - الفنان، الاستثنائي في طريقه السينمائي الفريد والمتميز؟ هل هو ذلك الاصرار الواثق على تأكيد ظاهرة تاركوفسكي وابتكاره لتيار السينما الذاتية - الشاعري التي عرفت بمفرداتها التعبيرية الخاصة على صعيدي الشكل والمضمون ؟ أم هو الاستمرار في ايصال رسالته السامية الى الانسانية كلها وبحثه الدائم عن الجوانب الروحية والجوانب الخفية والمجهولة لعالم يفزره الشر، وتسيطر عليه المادة ويسير من سييء الى أسوأ، ليصل بالبشرية الى حافة الكارثة والخواء، ومواجهته بلا كلل ولا تعب لعالم غارق في القيم المادية والمنفعية البحتة والمجبول بالأنانية الفردية ؟ هل هو أسلوبه الذي يستحيل تقليده حتى بوجود التنويعات الظاهرية في مضامين أفلامه؟ هل هو استبدال اللقطات الكبيرة والمقربة التي طبعت مرحلته الابداعية الأولى من حياته السينمائية ووسمت بها أفلامه الروسية والتي أتحفنا فيها بروائع وتحف من أمثال “سولاريس “ وميله الى استخدام أكبر عدد من اللقطات العامة والبعيدة جدا؟

قد يكون كل ذلك مجتمعا، وشيء آخر نحسه ولا نعرفه أو لا نستطيع صياغته لفريا أو التعبير عنه ماديا، شيء ما تتسم به جميع أفلامه وسينماه الشخصية يمكننا أن نسميه بـ”نفس تاركوفسكي”. فلقطاته طويلة زمنيا، خصوصا اذا كانت مأخوذة من زوايا غريبة وشاذة، أو تكون بعيدة وعامة لتتيح للمتفرج الوقت الكاف للتمعن في محتوياته وجمال تكويناتها البلاستيكية تبدأ لقطاته عادة ساكنة ثم تتخللها حركات ترافلنج (ميكانيكي أو بصري، او الاثنان معا ويتزامن خلاق) جانبية أو أفقية أو عميقة (انقضاضية أو ارتدادية) كاللقطة التي ختمت فيلم “التضحية “ حيث تابعت الكاميرا بإصرار ودقة شديدتين الكسندر في قمة لحظاته النفسية المتوترة ابان توغله في عالم الجنون حارقا بيته خلفه الى أن أخذته سيارة الاسعاف. هل يمثل ذلك وسيلة للتعبير عن حالة البحث الدائم عن الحقيقة المطلقة المختفية في أعماق الكائن البشري وعندها لا يكون للسينما دور سوى الكشف عن العالمين (الخارجي والداخلي) للانسان وهو في حالة عري تام، حيث يتكفل الفنان بمهمة التعرية لهذا الكيان بأكمله قبل أن ينظر اليه باعتباره واقعا مباشرا لا سبيل لسبر أغراره، حيث تحل عين السينمائي - الرجل محل نظرة انسان الحياة اليومية ؟

تتجسد عبقرية تاركو فسكي في أنه يضعنا في كل فيلم من أفلامه، بل وحتى في كل مشهد من مشاهده، أو حتى في كل لقطة من لقطاته، أمام اختيار جمالي يثير فينا هذا الإشكال الدائم الذي يكبس هيئة التناقض. لكل شيء قيمته ومكانته ودوره سواء أكان موجودا داخل الكادر أو خارجه. فمفردات لغته السينمائية محسوبة بدقة متنامية لا شيء مجانيا على الاطلاق ولا توجد هناك زيادة ولا نقصان. فلقطة الافتتاح في فيلم “التضحية “ كانت لقطة - مشهد طويل جدا جعلتنا نشعر وكأنها سوف لن تنتهي بل ولا نريدها أن تنتهي حيث تبقى الشخصيات داخل التكوين البلاستيكي الجميل والمتوازن لهذه اللقطة بعيدة جدا عن الكاميرا التي تتابع حركاتهم البطيئة وتراقبهم وتلاحقهم وتحيط بهم عن بعد في عمق الميدان، كلما انتقلوا من مكان لآخر لفترة طويلة نسبيا، وكلما خرجوا من الكادر تلحقهم وتعيدهم سجناء داخل التكوين التشكيلي الرائع الجمال والبالغ الاتقان، وكأنه لوحة لرسام من عصر النهضة وقد أخذت اللقطة من مكان قص لحقل فسيح يقع على ضفاف بركة مياه واسعة. إن الشخصيات موضوعة عمدا على هذه المسافة حتى لا يتمكن أحد من تشخيص ملامحهم والتفرس بسحناتهم لأطول فترة ممكنة أو محتملة من قبل المتفرج. أي أنهم يبقون كأنهم ملامح مبهمة غارقة في خط الأفق البعيد لا نستمع الا الى أصواتهم ابتداء من مونولوج الأب الكسندر وهو يزرع شجرة الأمل ويتلفظ بكلام مبهم فلسفي الابعاد يشبه كلام المتصوفة. وتضم اللقطة نفسها الشخصية -اللغز، الثانية وهي شخصية الابن أو “الصبي” الصامت والغامض الذي لا يتكلم حتى يقتنع المشاهدون أنه أخرس. ثم يقتحم اللقطة نفسها ساعي البريد وهو شخصية غريبة يشق بدراجته الهوائية طريقا يشبه الطريق الذي سلكته شخصيات فيلم “ستالكر” لنفس المخرج.، ويتصف هذا الطريق بنفس الغرابة والغموض. يخوض ساعي البريد نقاشا غير مفهوم مع الكسندر لا ينتهي إلا في نهاية الفيلم وعلى نفس الوتيرة وتنتهي اللقطة الافتتاحية العجيبة أخيرا باقتراب الكاميرا من الشخصيات لتحتويها ضمن مسافة تقليدية معتادة في السينما الكلاسيكية، لكن المتفرج يبقى في وضع غير مريح ومقلق، ويتساءل باستمرار ماذا يريد مني المخرج أن أرى؟ الوجوه غير واضحة وبعيدة والحركات عادية يومية ومألوفة والطبيعة، رغم جمالها، سرعان ما تبعث على الملل، اذ يكفي للمتفرج بضع ثوان لأن يلم بتفاصيل المنظر الطبيعي في أية صورة أمامه، وبعد مرور فسمات الهواء التي تحرك الأعشاب وتهز أوراق الأشجار والمنزل القابع في البعد وحيدا، والأشجار الكثيفة وأعماق البحيرة الخ.. وماذا بعد؟ ليس هذا هو المهم. إذن أين تكمن قوة هذه اللقطة السحرية ؟ ربما في كل تفاصيلها مجتمعة، وفي الكلمات التي ترافقها وما تطرحه من طروحات فلسفية وتأملات فريدة مستقاة من فلسفة نيتشة والفلسفة اليابانية القديمة التي تبدو منعكسة كالصدى الخاوي في الفراغ ماذا بقي بعد كل هذا؟ الانتظار... انتظار أن يضع المخرج حدا لحالة التوتر التي تدفع بالمشاهد اليقظ الى حالة أخرى هي الاستغراق في شبه ذهول كأنه نائم مغناطيسيا وفاقد الإرادة، أو الى نفور تام قد يرغمه على الخروج من الصالة. ان هذه اللقطة - النموذج، مختزنة لكثير من الرموز والاشارات الفلسفية، ومتخمة بالمعاني والأبعاد الفكرية وما يفسر محتواها وما يليها من مشاهد ولقطات، والتعرف فيما بعد على جميع الشخصيات وسبب وجودها وما تفعله الآن وما فعلته في ماضيها وما سيكون عليه مستقبلها والعلاقة بين أقوالها وأفعالها، مما سيساعد المتفرج على استيعاب سيكولوجيتها وسلوكها.

إن حالة المتفرج إزاء هذه اللقطة الاعجازية هي نفس حالة متفرج السينما الأول أيام ما كانت عليه السينما في زمن لوميير، متبصر برؤية الواقع المعاش. وتاركوفسكي يشوق المتفرج ولكن ليس على طريقة هتشكوك، بل هو تشويق تأملي ذو مستوى شكلي رفيع. إن أقرب فيلم لتحفة تاركوفسكي “التضحية “ هو فيلم “ستالكر” المليء هو أيضا بالاشارات والرموز، والذي يدعو المتفرج للبحث والتأمل والمشاركة الذهنية الفعالة والتفسير والبحث عن المعاني الفائرة بين رفات النسيج الدرامي، ابتداء من استعراضا بلقطة جميلة للوحة دا فنشي ورسو مات الايقونات الروسية وانتهاء بلقطة الختام التي سبق ذكرها.

السينما الذاتية – الشاعرية، تيار ام ظاهرة

قد يتساءل القاريء عن حقيقة هذه المدرسة أو الاتجاه الجمالي السينمائي الذي اسميناه بالسينما الذاتية - الشاعرية وهل هو تيار راسخ الجذور أم هو ظاهرة عابرة مرتبطة باسم مبدعها؟

في سنة 1956 وبعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي تحررت السينما نسبيا وبصورة مؤقتة أو لفترة وبصورة مؤقتة أو لفترة قصيرة من الزمن، من التطبيق الضيق والمتحجر لمنهج (الواقعية الاشتراكية) الذي فرضه ستالين على عملية الابداع الأدبي والفني. فتخلص الفنان والأديب، والمثقف عموما في جميع المجالات، من حالة التنفيذ الجامد والميكانيكي لهذا المفهوم وصار المبدعون يبحثون عن أساليب وطرق وأشكال تتناسب مع هموم ومشاكل واحتياجات الانسان، سواء أعان فردا أو جماعة على حد سواء. وفي المجال السينمائي تمكن الجمهور العالمي عامة والغربي خاصة، من مشاهدة روائع سينمائية وأفلام متطورة شكلا ومضمونا أمثال (الطلقة الواحدة والأربعون لغريغوري تشوخراي، وعندما تطير الغرانق لميخائيل كلاتسوف وغيرها)، والتي جسدت بأحسن الأشكال والصور فترة الانفراج الجديدة التي أعقبت عام 1956 دون أن تخشي السينما تهمة الغرق بالشكلية والاستعراضية وخيانة المبدأ الجوهري للواقعية الاشتراكية، أو الخوف من أن تلصق بهم تهمة تقليد الحركات الفنية البرجوازية الطاغية في الغرب على شكل صرعات وموضات وقتية عابرة وعبثية. فقد بدأ الفنانون والسينمائيون يعالجون في جو من الحرية وببعض الاطمئنان، مواضيع جديدة ويتطرقون الى مشاكل كانت محظورة عليهم في السابق، كما اتجهوا الى ممارسة أبحاث وتجارب وأساليب جديدة وطليعية لم تكن مألوفة أو مقبولة قبل هذا التاريخ. وبحلول عام 1965 استعادت قوى البيروقراطية والجمود العقائدي مواقعها من جديد وبادرت الى فرض القواعد والقيود التي أعاقت نضوج وتواصل هذه التجارب الفنية الفائرة المتعددة، وكبحت جماح البعض من المبدعين ممن وصلت عندهم عملية الخلق الفني الى طرق مسدودة، وتوغلوا كثيرا في الذاتية الفارغة وتمرغوا بمفاهيم العقلية البرجوازية الغربية فيما يخص مفهوم الثقافة والفن وقيمهما الجمالية ووظيفتها الاجتماعية، وكانت تعبيرا عن حالة الفرق في مستنقع نظرية "الفن للفن" التي غمرت وطبعت بقوانينها أغلب الابداعات الحديثة، واخضعت الفنان لمعايير لا تقل قساوة وعسرا، ولقوانين قسرية أكثر صرامة وقسوة من قيود الواقعية الاشتراكية الايديولوجية. أصبح الفنان الغربي في ظل قوانين السوق التجارية أسيرا للقيود المالية وللتركيبة الاقتصادية للانتاج الفني وخضوعه لمبدأ الربح السريع والسهل لتحقق أكبر قدر ممكن من المردودات المالية والتجارية وبأ قصر وقت. برز في فترة الانفراج الروسية المدرة الذكر جيل من السينمائيين البارزين أبرزهم المخرج الراحل تراكوفسكي ومعه كوكبة من الفنانين اللامعين كجيورجي دانييللا وكليب بانفيلوف وكيلم اليموف وأوتار أيوسيلاني واندريه مخيائيلكوف والاخوين كونتشالوفسكي والراحل وسيرغي بارادجانوف الذي أصبح هو الآخر صاحب أسلوب يقرب الى المدرسة المنفردة الذي قدم روائع مثل جياد النار وسيات نوفا أو لون الرمانة واسطورة قلعة سوران وغيرها.

تراكوفسكي ابن هذا الجيل المضطرب الذي اعتبر أحد أعظم سينمائيي العالم المعاصرين والأكثر ثراء وعمقا وصعوبة في نفس الوقت. ولذلك فهو أكثر من ظاهرة عابرة بل هو مؤسس تيار سينمائي كان رائده ويحمل اسمه ويسير على خطاه العديد من مخرجي العالم الطليعيين هو تيار السينما الذاتية - الشاعري.

ولد تاركوفسكي في سنة 1932 على ضفاف الفولغا وقد هجر والده بيت العائلة عندما بلغ الطفل تاركوفسكي عامه الثالث. وكان والده أحد كبار الشعراء الروس الذي بقي أمينا على حبه للمرأة التي تركها لأسباب خارجة عن ارادته. واصل الشاب دراسته المتنوعة فمن الموسيقى الى الرسم مرورا بدراسة اللغة العربية وآدابها كما درس البحوث الجيولوجية وعمل كخبير جيولوجي في سيبريا بين 1954 و1956 وفي هذه السنة انضم "تاركو فسكي الشاب الى معهد الدولة السينمائي «فغيك » ودرس فن الاخراج السينمائي لمدة أربع سنوات تحت إدارة واشراف المخرج السوفيتي المخضرم ميخائيل روم، الذي ربى ووجه ورعى هذا الجيل المتميز من المخرجين وانشأهم على حب التقاليد الانسانية السامية، وكان تأثيره لا يفتأ بالظهور عبر هذا المشهد أو ذاك في أفلام

هؤلاء المجددين، وقد لمحناه بوضوح في أكثر اللمسات الشاعرية وجودا ضمن فيلم التخرج الذي نفذه تاركوفسكي عند انتهاء دراسته التخصصية عام 1960 وهو بعنوان "العجلة الضاغطة والكمان" ويبلغ طوله 42 دقيقة أي متوسط الطول، ويتحدث موضوعه عن قصة صبي في الثانية عشرة من عمره يتعلم العزف على الكمان لكنه لم يكن موهوبا ولا متعلقا بهذا العمل كما أنه لا يهواه أو يفضله. وعندما يلتقي بسائق العجلة الضاغطة في أحد الشوارع الحديثة التبليط يكتشف حياة العمل والعمال وثراءها وصعوبتها فيرتبط بعلاقة صداقة واعجاب بهذا العامل -السائق الذي يعامله بود واحترام ويعلمه أصول مهنته التي صارت تستهوي الصبي أكثر من العزف على الكمان. ولكن بعيدا عن الاسلوب المباشر والخطابية الفجة. فهذا الموضوع ذو النوع التعليمي - الاخلاقي والتوجيهي المثقف، يأتي لنا بوصف واقعي لحي شعبي في موسكو حيث تجري الاحداث. ينجح تاركوفسكي بمهارة وحذق في امتلاك ناصية الموضوع رغم واقعيته اليومية، وبصورة بارعة تدعو للاعجاب، ويتمكن بفطنة وقدرة نادرة من ادخال مشاهد شاعرية - رمزية تصل الى حدود الحلم تكمن فيها المعاني المجازية الكثيرة والمكتنزة، وفي هذا الفيلم "المدرسي"  يكشف لنا تاركو فسكي عن قابلياته التقنية وامتلاكه لأدوات لغته الفنية والتعبيرية وأسس جمالياته الاخراجية القادمة، ونلاحظ أيضا ذلك عن طريق الصور التي تضاعف وجه الصبي عدة مرات أو عن طريق تصوير بعض الأشياء واضفاء أهمية خاصة عليها أو إبرازها بكل مركز "كتركيزه على التفاحة قبل وبعد أكلها" أو بواسطة حركات الكاميرا الرشيقة أو في عرض تفصيل محدد لأحد جوانب الديكور في نفس الاطار الصوري “الكادارج “ والآثار المحيطة بالصورة.

وبعد هذه التجربة الدراسية الناضجة يبرز المخرج للعالم طبعا ومزاجه الحقيقي كشخصية ناضجة ونادرة ويبرهن على قدرة ذات صفات فنية وفلسفية حقيقية من خلال فيلما الروائي الطويل الأول وهو بعنوان “طفولة ايفان “ الذي انتزع بجدارة الجائزة الأول، وهي الأسد الذهبي، في مهرجان فينيسيا - البندقية - سنة 1962 بالتقاسم مع فيلم "نهار خاص" للمخرج المعروف فاليريو زورليني. ويتحدث فيلمه الأول عن “صبي” في عمرا لثانية عشرة تقريبا ذبحت عائلته ونكل بكل أفرادها على أيدي النازيين واغتال الألمان والدته بعد اغتصابها أمام عينيه وقتلوا والده أيضا قبل

ذلك. فانخرط الصبي في صفوف المقاومة ليناضل وهو بهذا العمر على طريقته الخاصة ضد أعدائه كعميل سري مدني للمخابرات العسكرية التابعة للجيش الأحمر ليصبح أحد أحسن

العناصر لجمع المعلومات المهمة للجيش السوفييتي وتحمله هذه المسؤولية الكبيرة وهذه المخاطرة التي تتجاوز امكانيات سنه حيث كان عليه العبور يوميا خلف خطوط العدو لكونه طفلا لا يشتبه به أحد بسهولة وبصورة بديهية وهو يؤدي مهمته الصعبة. وهنا نتقابل أيضا من جديد مع موضوع الحرب الوطنية جريا على العادة في السينما السوفييتية آنذاك. إلا أن هذه المسألة عولجت عبر مجموعة من الشخصيات الانفرادية “أي البطولة الفردية لا الجماعية “ كما تقتني الصيغ التقليدية للبطل الجماعي في السينما الاشتراكية. شارك في البطولة في هذا العالم الغريب والجميل نهر طيني غريب الأجواء والمناخ كان يعتبر الخط أو المنطقة الحرام الفاصلة بين خطوط العدو ومواضع الجيش السوفييتي المقاوم، ويخدم كنقطة عبور وتسلل سرية حيث نرى من حين لآخر دورية ألمانية من بعيد في وسط غابة من أشجار الكستناء صورت بطريقة خلاقة ورائعة وبزوايا متنوعة غنية بالتباين والتناقض بين الأبيض والأسود. أي كان للمكان والفضاء السينمائي دور فعال ورئيسي.

وداخل شرنقة هذا الحدث الأخاذ نفسيا، يفتح المخرج هنا قوسا ليسرب لنا قصة عاطفية بلا رتوش أو تفاصيل مجانية، تعمل كخلفية دراسية، وهي علاقة نشأت بين كابتن في الجيش يحاول اغراء وكسب ود وحب ممرضة في الجيش برتبة نائب عريف بينما يوجد في الجيش زميل له يرأسها ويشرف على خدماتها يحبها هو الآخر بصمت ويغار عليها ويتبع خطواتها متسكعا بألمه تحت أشجار غاب الكستناء التي صورتها الكاميرا بمهارة فائقة وبطريقة مبتكرة. يحلم الصبي ايفان في بعض الأحيان بسعادته