النص – العرض

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

بقلم: آن آبرسفيلد
(ناقدة فرنسية واستاذة بجامعة باريس الثالثة، متخصصة في الدراسات العلمية للمسرح)
ترجمة: احمد الدفراوي
( كاتب مسرحي ومترجم من المغرب)
 


* هذا المقال هو ترجمة للفصل الأول من كتاب LIRE LÉTHATRE  (قراءة المسرح) في طبعته الرابعة المزيدة والمنقحة.

1- علاقة عرض - نص

المسرح فن مفارقPARADOXAL)) هذا إذا لم نذهب بعيدا ونقول بأنه فن المفارقات بعينه. فهو يجمع بين الإنتاج الأدبي، والعرض العيني المحسوس وهو يتميز بالخلود (قابل لأن يعاد إنتاجه ولأن يتجدد بشكل دائم) وكذا بالآنية واللحظية (لا يمكن إعادة إنتاجه على نفس الصورة التي كان عليها من قبل): ذلك لأن العرض المسرحي الذي يقدم اليوم ليس هو أبدا نفس العرض الذي يقدم غدا. فهو على حد تعبير أنطونان أرطوANTONIN ARTAUD  فن صنع من أجل عرض واحد ومن أجل نهاية واحدة. إنه فن الآن /هنا، الذي يقدم في صيغ مختلفة، بممثلين مختلفين، ولجمهور مختلف. والمفارقة هي أن يكون فنا للنص الرفيع، والشاعرية المثلى الموغلة في تراكيب اللغة، بدءا من إشلESCHYLE  جان جينيه مرورا براسين وهوغو، وأن يكون فنا للممارسة والتطبيق: تطبيق زاخر بالعلامات، مسهب في رسم الخطوط والملامح التي من خلالها تتضح الرؤية للجميع. وهنا تتعمق الهوة بين النص الذي يمكن أن يكون موضوع قراءات أدبية لا منتهية، وبين العرض الذي يكون مواجها بقراءة ظرفية آنية.

والمفارقة كذلك هي أن يكون المسرح فنا من ابتكار فرد واحد "المبتكر الأكبر": سوفوكليس، شكسبير، موليير، لكنه يتطلب، مثله مثل السينما وأكثر، الحضور الفعال والمؤازرة الخلاقة لمجموعة من الأفراد، دون احتساب التدخل المباشر أو غير المباشر للمتفرج. إنه فن ذهني عسير، لا يحقق أغراضه إلا في اللحظة التي يتحول فيها المتفرج المتعدد من حشد الى جمهور. وهذا الجمهور يكون متوحدا بافتراض قبلي مع كل ما يستلزم ذلك من مخاتلات، إذ يرى فيكتور هوغو بأن المسرح أداة بإمكانها توحيد التناقضات الاجتماعية: "أن يتحول الحشد الى شعب (بواسطة المسرح) لغز متغور".

(الأدب والفلسفة ممتزجان ( (LITTERATURE ET PHILOSOPHIE MELEES) لكن برتولد بريخت يبين بالمقابل، بأن المسرح ما هو إلا وسيلة للوعي الجماهيري، ينقسم من خلاله الجمهور، وتتعمق تناقضاته الداخلية.

إنه فن باهر بما يستوجبه من إسهامات غير جلية لا من حيث المفهوم ولا من حيث الوظيفة، وهذا ما سنعمل على تحليله لاحقا. إسهامات بدنية ونفسية من الممثل، واسهامات بدنية ونفسيه من الجمهور (وسنرى طابعها وصفتها الفاعلة). فالمسرح يبدو كفن ذي إمتياز وذي أهمية جوهرية، لكونه يبين أفضل من كل فن آخر، كيف تستثمر نفسية فردية في علاقة ذات مردود جماعي:فالمتفرج عندما يشاهد ما يقدم له فوق الخشبة لا يكون وحيدا إذ أن نظره يحيط بالممثلين الذين هم بدورهم يلقون بنظرهم اليه. إن المسرح في الحقيقة يمسك بخيطين متناقضين ومتشابكين: خيط السيكودراما كإطار عام، والخيط الآخر الذي يتمثل في الكشف عن العلائق الاجتماعية كغاية متوخاة.

1- 1: إن أول مفارقة دياليكتيكية (جدلية) ينطوي عليها المسرح هي التقابل: النص -عرض. فمن المؤكد أن سيميائية المسرح يجب أن تتخذ الخطاب المسرحي "كموقع دال برمته " (1) وهذا هو التعريف الذي يعطيه كريستيان ميتز  CHRISTIAN METZ للخطاب التصويري (2)، والذي يمكننا أن نطبقه، دون تعد لمدلول الكلمة، على الخطاب المسرحي. لكن رفض التمييز بين النص والعرض يؤدي في الحقيقة، وقبل كل شيء، الى الوقوع في خلط ومغالطة. ذلك لأن الأدوات التصورية الضرورية لتحليل كل منهما، ليست نفسها. وهذا الخلط متعدد، ويكون مسؤولا عن تحديد المواقف المختزلة إزاء العمل المسرحي.

1-1-1: الموقف الكلاسيكي:

أول المواقف الممكنة حيال العمل المسرحي، هو الموقف الكلاسيكي "العقلاني" أو شبه العقلاني، والذي يعطي الأولوية للنص، ولا يرى في العرض المسرحي سوى وسيلة للتعبير عن النص المسرحي، وأداة لترجمة مفرداته، وبالتالي فإن مهمة المخرج المسرحي تنحصر في ترجمة النص بكل "أمانة" من لغة مكتوبة الى لغة أخرى مغايرة. وهذا الموقف يفترض فكرة أساسية وهي فكرة.التكافؤ الدلالي بين النص المكتوب والعرض المرئي، والشيء الوحيد الذي بامكانه أن يتغير هو "مادة التعبير" حسب مفهوم هيلمسليف  HJELMSLEV أما مضمون وشكل التعبير فيبقى هو نفسه عندما ننتقل من نظام: علامات - نص الى نظام: علامات - عرض. إلا أن هناك احتمالا كبيرا في أن يكون هذا التكافؤ مجرد صورة وهمية حيث إن مجموعة العلامات البصرية، السمعية والموسيقية، التي يبتكرها المخرج ومصمم الديكور والموسيقيون والممثلون تشكل مدلولا (أو تعددا دلاليا) يتجاوز مجموع النص. وعكسيا فإن الكثير من بنيات الرسالة (الشعرية) للنص الأدبي، سواء كانت بنيات افتراضية أو بنيات واقعية،تتلاشى أو أنها لا تدرن، ويطمسها العرض نفسه. الأكثر من وذلك أنه حتى ولو استطاع العرض بمعجزة ما، أن يعبر عن النص كله فإن المتفرج سوف لن يستمع الى النص بأكمله. جزء وافر من المعلومات ينمحي، وفن الإخراج والتمثيل يأتي أساسا لاختيار ما يجب تسميعه واقصاء ما لا يجب تسميعه. إذن لا يمكن إطلاقا أن نتحدث عن التكافؤ الدلال.

إذا رمزنا لمجموعة العلامات النصية بالحرف ن، ولمجموعة علامات العرض الممثلة بالحرف ع، فإن هاتين المجموعتين، يكون لهما تقاطع غير ثابت يتغير من عرض الى آخر، وسنحصل على شيء يشبه الشكل التالي:

 

وحسب أسلوب الكتابة وشكل العرض، يكون انطباق هاتين المجموعتين ضيقا الى حد ما، ويكون من المفيد أن نميز بين مختلف أنواع العلائق نص -عرض. إن الموقف الذي يقوم على إعطاء الأولوية للنص الأدبي يموه بوهم الإنطباق (وهذا ما لا يتحقق أبدا) بين مجموعة علامات النص ومجموعة علامات العرض. وحتى لو حصل الإنطباق المستحيل فإن التساؤلات حول معرفة هل العرض لا يشتغل سوى كنظام من العلامات، ستبقى على حالها.

إن الخطر الرئيسي لهذا الموقف يكمن طبعا، في الرغبة في تجميد النص وتقديسه الى الحد الذي يتوقف فيه نظام العرض كله، ويصبح خيال المخرجين والممثلين جدبا. ويكمن كذلك أكثر، في الرغبة (اللاواعية) في سد شفرات النص وقراءته ككتلة متماسكة لا يمكن اعادة انتاجها إلا بالاعتماد على أدوات أخرى، تعوق كل إنتاج لموضوع فني. والخطر الاكبر ليس في منح الامتياز للنص، بل في القيام بقراءة خاصة للنص، قراءة تاريخية مرموزة، محددة إيديولوجيا، والتي من الممكن أن يؤدي التقديس الأعمى للنص الى تخليدها. ونظرا للعلاقات (لا واعية لكنها ذات سلطة) التي تربط بين نص مسرحي ما، وبين الظروف التاريخية لعرضه، فأن هذا الإمتياز الذي يعطى للنص، بإمكانه أن يؤدي عبر مسلك غير مألوف الى منح الامتياز الى عادات العرض النمطية والمتعارف عليها، وبمعنى آخر الى الحيلولة دون أي تقدم للفن الركحي (فن الخشبة). ولهذا فإن بعض ممثلي ومخرجي فرقة «لا كوميدي غرانسيز»   La comédie Fransaise   (فرقة مسرحية عريقة في باريس) يتوهمون أنهم يدافعون بكل تأكيد عن نزاهة وطهارة نصوص موليير وراسين، بينما هم لا يدافعون سوى عن قراءة مرموزة لهذه النصوص، وعن نمط جد محدد للعرض. نرى هن خلال هذا المثال، ليس فقط كيف أن الامتياز المعطى للنص يعتبر مجازفة من شأنها تعقيم المسرح،.بل كذلك السبب في الالحاح على ضرورة التمييز بشكل واضح وصريح بين ما هو نص وما هو عرض في العمل المسرحي. واذا لم يجر هذا التمييز، فإنه سيكون من المستحيل تحليل علاقات أحدهما بالآخر، وكذا اشتغالهما المشترك.إن عدم الوعي بهذا التمييز ص الذي يؤدي بدعاة أولوية النص، الى إلقاء مفعول العرض على النص وحده، مع كل ما يشوب هذا الرأي من تناقض.

1-1-2 الموقف الطلائعي:

الموقف الآخر، وهو الأكثر شيوعا في الممارسة الحديثة للمسرح، هو الموقف الطلائعي (طلائعية فقدت شيئا من لونها في الأعو ام الأخيرة)، ويتمثل في رفض النص المسرحي رفضا يكون أحيانا قاطعا: المسرح في مجمله، هو ذلك الحفل الذي يتحقق أمام، أو بين المتفرجين، وما النص سوى

أحد عناصر الم وربما الأقلها أهمية. وبهذا سنحصل على شيء مثل:

 

ويمكن لحصة ن ان تتقلص أكثر فأكثر، بل يمكن أن تؤول الى العدم، وهذه هي أطروحة أرطو، ليس كما نطقها هو بلا شك، بل بالشكل الذي مرارا فهمت فيه خطأ، على انها رفض جذري لمسرح النص (3). إنه شكل آخر للوهم، العكسي والتماثلي مع الموقف السابق،وهذا ما يجبرنا على تفحص مفهوم النص المسرحي في علاقاته مع العرض، عن قرب.

1–2: إن السبب الرئيسي في الخلط القائم، وبشكل خاص في التحاليل السيميائية للمسرح، ويأتي من رفض التمييز بين ما ينتمي الى النص وما ينتمي الى العرض. والمؤلف الحديث لأندري هيلبو  ANDRE HELBO يحتوي على العديد من الإسهامات الهامة ويحمل عنوانا منتحلا "سيميائية العرض" لكن الملاحظ أن أهم ما في العمل يميل نحو النص المسرحي.

1-2–1:  بيد أنه ليس من الممكن ان نتفحص علامات النص وعلاقات العرض غير اللفظية بنفس الأدوات المنهجية. فالسانطاكس  ASYNTAXE (علم التراكيب) والبروكسميك  APROXEMIQTJE   هما مقاربتان -مخلفتان للعمل المسرحي لا يستحسن الخلط بينهما في البداية حتى ولو استلزم الأمر توضيح علاقاتهما في وقت لاحق، وحتى لو كان الإستشفاف السريع لهذه العلاقات أمرا غير يسير.

1-2–2: الخلط الذي يستقر في صلب مفهوم المسرح، هو كما عرفه رولان بارت ROLAND BARTHES    مقاله الشهير «محاولات نقدية » ESSAIS CRITIQUES ويقول فيه: «إننا إذن على صلة بتعدد صوتي معلوماتي حقيقي، وهذا هو التمسرح: كثافة من العلامات ». اسئلة كثيرة إذن تواجهنا، مثل. أين يتحدد موقع هذا المسمى التمسرح ؟ هل من الواجب إقصاؤه من النص والابقاء عليه في العرض فقط ؟وهل النص هو محض نشاط كتابي محاكم بقراءة «ادبية» بينما التمسرح هو من فعل العرض ؟ إذا كان الأمر كذلك فإن كل سيميائية للنص المسرحي ليس لها أي معنى، وكل سيميائية للعمل المسرحي يجب أن تتعلق بالعرض المسرحي وحده.لنتذكر الآن بعض المعطيات وهي:

أ- إن النص المسرحي له وجود داخل العرض، في شكله الصوتي، كوحدة فونيمية، وله حضور مزدوج: يلي العرض أولا، ثم يصاحبه ثانيا.

ب- بالمقابل، صحيح أنه يمكن دائما قراءة نص مسرحي كعمل غير مسرحي، ولا شيء يمنع من قراءته كرواية واعتبار حواراته كحوارات روائية، وتلميحاته الركحية (الإشارات التي يوجه بها المؤلف القاريء) كأوصاف سردية. نعم يمكن دائما تحويل مسرحية الى رواية كما أنه يمكن عكسيا، تحويل رواية الى مسرحية: «يمكن أن نصنع مسرحا من كل شيء» هذا ما قاله انطوان فيتز  VITEZالذي أخرج مسرحية كاترين  CATHERINE من اجراس بال  Les cloches de Bŕle  لأراغون.ARAGON  وهذا يعني أننا نطبق على النص الروائي عملية تحويل نصي مشابهة لكن في منحى عكسي، للعملية التي نقوم بها، حين نسوغ حكاية المسرحية كنوع من الحكي الروائي (6) بصرف النظر عن التمسرح. إننا انطلقنا من افتراض قبلي باعتبار انه توجد بداخل النص المسرحي مجموعة من القوالب النصية "التمثيلية" وأن كل نص مسرحي يمكن تحليله حسب إجراءات خاصة (نسبيا)، تسلط الضوء على ما هو جوهري في تمسرح النص. وهذه الخصوصية في النص ليست هي نفسها في القراءة الممكنة له، حيث إنه إذا استطعنا قراءة

راسين  RACINE  فإن معنى النص الراسيني يفقد نكهته الابداعية.

لنصف هذه النقطة التي سنحاول أن نبينها لاحقا: توجد في الكتابة المسرحية، وبشكل دقيق في افتراضاتها القبلية، خصوصية مطلوب منا الاحاطة بها. فكل نص شعري أو روائي، لابد أن يعاد تكييفه حتى يراعي شروط الكتابة المشهدية ويتلاءم مع ظروف العرض فوق الخشبة.

1-2-3: ما هو النص المسرحي؟ يتكون النص المسرحي من جزءين مختلفين لكن غير قابلين للانفصال هما: الحوار والتلميحات الركحية (الإرشادات أو التوجيهات). والعلاقة النصية بين الحوار والتلميحات الركحية، تتغير بتغير المراحل التاريخية التي يمر منها المسرح. فهي تكون أحيانا غائبة أو شبه منعدمة (7) ويكون بإمكانها أحيانا اخرى أن تحتل مساحة شاسعة داخل النص. فمثلا في المسرح الحديث، لدى أداموف ADAMOV  جينيه GENET  يكون النص

التلميحي ذا أهمية جمالية ودلالية قصوى. ونجد في افعال بدون اقوالACTES SANS PAROLES  لصمويل بيكيت SAMUEL BECKETT  النص ما هو إلا مساحة شاسعة من

التلميحات الركحية. وحتى في تلك النصوص التي تبدو فيها التلميحات منعدمة، فهي ليست ملغاة بالمرة، حيث إن النص يتضمن أسماء الشخوص، ليس فقط في لائحة البدء، بل داخل الحوارات وعند الإشارات الى الأمكنة، وبالتالي فهي تجيب على السؤالين: من ؟وأين ؟ والذي يدل عليها هو المحتوى التواصلي، وهي تحدد نوعا من التداولية ,PRAGMATIQUE  أي الظروف الملموسة للاستعمال اللغوي: نرى كيف أن التنصيص على التلميحات الركحية، يقود الى كيفية الاستعمال اللغوي داخل العرض الذي لا تظهر فيه تلك التلميحات ككلمات.

إن الاختلاف اللغوي الأساسي بين الحوار والتلميحات الركحية يمس الفاعل في عملية الإخبار، أي يتعلق بمسألة: من المتكلم ؟ في الحوار، إنه ذلك الكائن الورقي الذي نسميه الشخصية (المختلفة عن المؤلف). أما في التلميحات الركحية فإن المؤلف نفسه هو الذي:

أ- يسمي الشخصيات (يعين في كل لحظة من يتكلم)، ويخصص لكل واحد حيزا يتكلم فيه أو جزءا من الخطاب.

ب- يشير الى حركات وأفعال الشخوص في استقلال عن الخطاب كله. هذا الاختلاف الأساسي، يتيح رؤية كيف أن المؤلف لا يكلم نفسه في المسرح، بل يكتب لكي يتكلم واحد آخر في مكانه، وليس فقط واحد آخر، بل جماعة من الأفراد، عبر سلسلة من الكلمات المتبادلة. فالنص المسرحي لا يمكن إطلاقا تفكيكه كمناجاة ولا حتى كتعبير عن "شخصية "، عن "عواطف" وعن "مشاكل" المؤلف (8) فجميع المظاهر الذاتيه ترجع بشكل صريح الى ألسن أخرى. إن أول خط مميز في الكتابة المسرحية، هو كونها لا تكون أبدا ذاتية بحكم أن المؤلف يرفض أن يتكلم باسمه الخاص وبإرادته الخاصة، والجزء الوحيد من النص الذي يعبر عن ذات المؤلف يتكون من التلميحات الركحية فقط. غير أن التلميحات الركحية هي الجزء السياقي للنص ويمكنها ان تختصر الى ابعد حدود الى ان تصبح نادرة (9). والحوار باعتباره دائما صوتا للآخر المتعدد سيكون تراكبا لمجموعة من الأصوات، اذا استطعنا تفكيك صوت الكاتب المتكلم بطريقة هيرمنوطيقية HERMENEUTIQUE  أو بأخرى. فضلا عن ذلك فإن المشكل «الأدبي» هو ذلك التستر (التخفي) للانا بما يقوله الآخر، وهذا التستر هو نتيجة بديهية لرفض الكلام عن الذات (10).

 1-2-4: إن النص المسرحي على النحو الذي يقدم فيه، سواء كان مطبوعا أو مخطوطا، بين دفتي كتاب أو على صفحات دفتر، يمتلك عددا معينا من الخصائص:

أ- تكون مادة التعبير فيه لغوية (بينما مادة التعبير في العرض متعددة).

ب- يتلى دياكرونيا (تعاقبيا)، وفق قراءة أفقية، متعارضة مع طبيعة العرض المادية ومتعددة الدلالات. والنص الأدبي بالرغم من أنه «مجدول » بشكل أفقي، فهو يفترض قراءة وفق الترتيب الزمني (حتى ولو أن إعادة القراءة أو الرجوع الى الوراء يقلبان هذا الترتيب) بينما الإحساس بما يمثل فوق الخشبة يفترض لدى المتفرج التنظيم الزماني والمكاني للعلامات المتعددة والآنية.

2- العلاقة في المسرح:

2-1: بحكم أننا نعرف الكلام كيفما كان نوعه، على أنه نظام من العلامات المخصصة للتواصل، يكون من الواضح أن المسرح ليس كلاما، وأنه لا داعي للحديث عن الكلام المسرحي. ومثلما ينكر كريستيان ميتز وجود "علامة سينمائية" فإنه يمكن الحديث بكل صرامة عن: «العلامة المسرحية»: إذ انه لا يوجد أي عنصر قابل للعزل في العرض المسرحي يكافيء العلامات اللغوية بطابعها المزدوج اعتباطا وبلفظها المزدوج (على المستويين المورفيمية والفونيمي) (11) وبالتالي فإن كل تشبيه للفعل المسرحي مع سير العمل التواصلي (مرسل شيفرة - رسالة - متلق) يفسح المجال لهجومات بعض المتشددين وجورج مونان أحد دعاتهم المتحمسين (12).

غير أنه يجب ملاحظة ما يلي:

1- اذا لم يكن النص المسرحي، كلاما مستقلا، فهو قابل لأن يحلل كموضوع ذي شيفرة لغوية حسب:

أ - قواعد ألسنية (لغوية).

ب - عملية تواصلية، نظرا لأنه بدون شك، يرسل خطابا معينا.

2- العرض المسرحي هو عبارة عن مجموعة أو نظام من العلامات ذات طبيعة متعددة، تابعة جزئيا إن لم تكن كليا، الى نظام تواصلي، ما دام أنه يتضمن سلسلة معقدة من المرسلين (في ارتباط ضيق بعضهم مع بعض) وسلسلة من الرسائل (في ارتباط ضيق بعضها مع بعض، حسب شيفرات دقيقة جدا)، ومتلق متعدد لكنه متموقع في نفس المكان. وأن يكون المتلقي غير قادر على التجاوب بشكل عام مع العرض، فهذا لا يعني أنه لا يوجد تواصل كما لاحظ مونان. فكل خطاب مرسل بواسطة شيفرة مورس أو بلغة شيفرة أخرى، يوجد جواب بالحركة او بالكلام العامي أو أنه لا يوجد كلام البتة. وتطابق شيفرات الذهاب - إياب ليس تماما شرطا مطلقا للتواصل. فإذا لم يكن التواصل حقا يمثل الوظيفة الكلية للعرض، واذا لم يكن بالامكان إهمال لا التعبير، ولا ما أسماه مونان المثيرات (13)، فإنه من الممكن، بالمقابل، محاولة تحليل كيف يمكن لعلاقة نص - عرض أن تنتظم بالانطلاق من فرضية أن الفعل المسرحي هو علاقة بين مجموعتين من العلامات لفظية وغير لفظية.

2 –2: تعريف سوسير SAUSSURE للعلاقة:

نعلم أن العلامة حسب سوسير هي عنصر دال يتكون من جزءين مرتبطين ارتباطا عضويا، لكنهما قابلان للانفصال منهجيا (مثلما أنه لا يوجد نظام منعزل في الكون ومع ذلك يمكن دراسة قوانينه الحركية والحرارية بشكل منفرد) وهذان الجزءان هما: الدال وسنرمز له الحرف د والمدلول وسنرمز له بالحرف م (14). وميزة العلامة اللغوية هي نسبيتها الاعتباطية، أي غياب علاقة مرئية للتشابه بين الدال والمدلول: كلمة كرسي لا تشبه كرسيا. وميزة أخرى للعلامة اللغوية هي الخطية، بمعنى أن تفكيك رموز العلامات اللغوية يتم على التوالي حسب الترتيب الزمني. والعنصر الثالث في الثالوث العلاماتي، هو مرجع العلامة، أي العنصر الذي تحيل اليه العلامة في السياق التواصلي، والذي يمثل كائنا ما في العالم، ولا يمكن أن يحال اليه دون احتياطات نظرا لوجود مراجع متخيلة. وهكذا فان كلمة "كرسي" تقبل المورفيم «كرسي» كدال، سواء كان هذا المورفيم كتابيا او صوتيا، وتقبل مفهوم كلمة كرسي كمدلول،أما مرجعها، فهو إمكانية وجود كائن كرسي في العالم وليس بالضرورة حتمية وجود كائن كرسي في العالم.

2 –3 العلامات اللالفظية:

سنقدم هنا بعض التعاريف، دون الدخول في النقاشات التي تثيرها لأننا لسنا هنا بصدد إعطاء الأسس النظرية لسيميائية المسرح.

يميز لويس برييطو LUIS PRIETO  بين العلامات اللاقصدية، والتي يسميها أمارات (وهكذا فإن الدخان هو أمارة النار) وبين العلامات القصدية والتي يسميها إشارات (نفس الدخان يمكن ان يشير الى وجود شخص في الغابة إذا كان ذاك هو الرمز المتعارف عليه اتفاقا). وسواء كانت لفظية أو غير لفظية، فإن العلامات يمكن أن تكون أمارات أو إشارات: يمكنني أن أبين أو أن أشير سواء بواسطة الكلمة أو بواسطة طرق أخرى (الحركة، ملامح الوجه، الخ). ففي مجال العرض، تكون العلامات اللفظية أو غير اللفظية، عبارة عن إشارات بحكم انها نظريا قصدية.وهذا لا يمنع من ان تكون كذلك أمارات (عن شيء اخر غير الشيء الرئيسي الذي تنم عنه (15))، كما أنه لا مانع ايضا من وجود علامات - أمارات متعددة أخرى لا يأخذها المخرج, او الممثل إراديا بعين الاعتبار، لكنها مع ذلك تشتغل داخل العرض.إن التصنيف الاصطلاحي لدى بيرس PEIRCE  يصنف العلامات الى: أمارات (أو قرائن)، إيقونات، ورموز. فالأمارة تكون في علاقة تحاور وتماس مع الشيء الذي تحيل اليه ( مثلا العلاقة دخان – نار)، والايقونة تتحمل علاقة التشابه مع الشيء المعبر عنه (التشابه مع المظهر مثلا). هذه المفاهيم تثير نقاشات متعددة حيث إن برييطو يبين أنه بالرغم من كون الأمارة بعيدة عن تعيين علاقة بديهية، فهي تستلزم عملا تصنيفيا يرتبط بصنف اكثر شمولية هو: «عالم الخطاب »(16) فإذا رجعنا الى نفس المثال العامي المذكور، فإن الدخان لا يمكن أن يكون أمارة على النار إلا إذا كان الفضاء

السوسيو ثقافي قد أسس هذه العلاقة سلفا. فإذا افترضنا نارا تشتعل بدون دخان فإن اشتغال الأمارة ينهار.

والأيقونة نفسها كانت محط تساؤل من طرف أمبيرطو إيكو UMBERTO ECO  (17) الذي لاحظ أن «التشابهات » بين الأيقونة والشيء، جد مشكوك فيها، ولا يعول عليها. بينما الرمز، فهو حسب بيرس موجود "سلفا" وخاضع للشروط السوسيو ثقافية: مثلا الزنبقة والبياض الناصع يرمزان الى البراءة.

2 – 4 العرض والشيفرة:

يتكون العرض من مجموعة من العلامات اللفظية وغير اللفظية. فالرسالة اللفظية الواردة داخل نظام العرض بمادتها السمعية (الصوت) تتضمن نوعين م