رحلة الحروف العربية الى فننا الحديث

الصـور المرافقة
الصور المرافقة

بلند الحيدري (كاتب من العراق)


ارسل لنا الشاعر الراحل هذه المادة التشكيلية قبل غيابه عنا بفترة، هو من سكنت اعماله الشعرية تلك الابعاد التشكيلية والبصرية من بين مجايليه من رموز الرعيل الاول للحداثة الشعرية العربية.

اخيرا اغمض بلند الحيدري عينيه الى الابد، راحلا عن عالم غير مأسوف عليه، عالم من الهزائم وانحطاط والانكسارات.

وبشكل متزامن تقريبا مات الكاتب العراقي موسى كريدي في عزلة وصمت مطبقين.

هكذا يموت العراقيون في منافيهم الموزعة بين الداخل والخارج وسط اجواء، الوحشة والقسوة ونقص الادوية واسباب الحياة. امام انظار العرب والعالم.

اصبح المشهد، ليس فوق الاحتمال فحسب، وانما الشهادة الدامغة على بربرية العصر وكذب ادعاءاته وانسانويته..

(نون والقلم وما يسطرون)ا

أقسم الله به فكان له ما لم يكن لغيره من حظوة وقدسية، وكان له ما لم يكن لغيره من فنون العرب والمسلمين من أهمية وبذلك كانت ولادته الكبرى.

ما قيل في تاريخ نشأته كثير. ومن هذا الكثير ما يذهب بعيدا في التاويل الآسطوري، فابو اسحق كعب بن مانع (1) الملقب بكعب الأخبار، يذهب الى أن أول من كتب بالعربية هو "ادم " ويذهب ابن عم النبي (ص) عبدالله بن عباس (2) الى أن أول من كتب بها ووضعها هو اسماعيل بن ابراهيم الخليل، أما عروة بن الزبير (3) فقد زعم أن أول من كتب بها قوم من الأوائل أسماؤهم: أبجد وهور وحطي وكلمن وسعفص وقرشت، وكانوا ملوك (مدين) ويذكر ابن قتيبة (4) في

كتاب المعارف"  بأن ولادة الخط العربي كانت على يد كل من "مرامر بن مرة" و«اسلم بن سدره» و "عامر بن جدرة" فالأول منهم وضع الصور والثاني فصل ووصل والثالث منهم وضع الاعجام، أي أزال عجمته وهو ما يذهب اليه "الطبري" (5) أما المسعودي (6) فقد نسب نشأة الخط العربي الى ادريس بن نوح، ويرى ابن النديم (توفي في 17/ 9/ 995) بأنه ولد في العراق ومنه انتقل الى الانبار وانتشر عنها ويخالفه في ذلك ابن خلدون (7) اذ يرى أنه ينتسب الى الخط الحميري الشائع في اليمن ويسمى بالخط «المسند».

وتشتت الآراء بالمؤرخين والاثاريين المعاصرين الى اجتهادات متعددة في نشأة الخط العربي فمنهم من يقول إنه منحدر عن الخط السرياني لما به من شبه بين حروف الخطين ومنهم من يذهب الى أنه وليد الكتابة الفينيقية، بينما ينسبه المستشرق الهولندي "فان دي براندن" الى الخط المصري الهيروغليفي القائم على ثمانية وعشرين حرفا، والذي يعود تاريخه الى خمسة عشر قرنا قبل الميلاد وان الكنعانيين المقيمين على سواحل البحر الأبيض هم الذين طوروا هذا الخط وأشاعوه في الجزيرة العربية، غير أن ما يقطع به الاثاريون المتأخرون بأن الخط العربي انحدر أصلا عن الخط النبطي ثم استقل عنه شيئا فشيئا.

ان النقوش التي اكتشفت لتدل دلالة واضحة على هذه النسبة، حيث عثر في العديد منها ما يقوم على كلمات وجمل عربية، ومن أشهر هذه النقوش «نقش أم الجمال » وقد كتب في القرن الثالث بعد الميلاد والذي منه كان الخط الكوفي، ونقش "النمارة " ويعود الى عام 328م وهو شاهد على قبر امريء القيس، ونقش وادي "فزان" ونقش "امسيس" ونقش «حران » والذي يعود الى عام 568م وشكله قريب من شكل خط النسخ.

ومع الاسلام أصبح الخط العربي من بعض رسالة المسلمين، فكان أن سعى المسلمون الى كل ما يصونه من قواعد وثوابت تحد مجرى الحروف وتفترض لكل ضرب من ضروب مقاساته من ناحية، وتفتح من ناحية ثانية المجال وسيعا لكل ما يعزز جهود المتفاضلين في تجويد الفروق حتى تآلفت مع كل الفنون والصناعات اليدوية وفي مختلف الأ قطار الاسلامية فوهبته كل مادة اتسعت له ما تطورت به أشكاله وتعددت نما:ج حروفه واختلفت أقلاما وأصبح العلم بفن الخط من فضائل المتعلمين، فهو في نظر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه (من أهم الأمور وأعظم السرور) وصار للمجيدين في صنعة الخط فضل الدالين الى الخير والايمان يحمله كابر عن كابر وصية في عنقه ويتبارى الحكام والولاة في رعايته، كما أجمع رجال الدين على اعتباره جهدا مباركا حتى أن عبدالله بن عباس(8) الملقب بحبر الأمه قال في أحد الخطاطين (.. ان رجلا كتب بسم الله الرحمن الرحيم فأحسن تخطيطه فغفر الله له) وان الوالي. العباس عبدالله بن طاهر رد مظلمه احدهم لانها لم تستكمل نفسها في خط جميل (أردنا قبول عذرك فأقطعنا دونه ما قابلنا من قبح خطك ولو كنت صادقا في اعتذارك لساعدتك حركة يدك، او ما علمت أن حسن الخط يناضل عن صاحبه ويوضح الحجة ويمكنه من درك الغاية).

واذا كانت الكوفة قد اعتمدت الخط الكوفي وأولته من رعايتها له ما مد سببا لانتسابه اليها، فان مثل هذا الأمر لم يبق مقتصرا على الكوفة فقد أصبح بدعة كل قطر من العالم الاسلامي، فيوم أن عرفته ايران كان لنا منه الخط الفارسي متمثلا بروائع لا تجارى، ويوم أن استقر في تركيا جندت له من يبدعون فيه، وحسبك من ذلك ما كان لهم من جهد ابداعي في الديواني والطغرائيات، وحين شد الرحال الى المغرب العربي اشتقوا له من الكوفي القديم ضرويا لا تنتظمها قواعد، واذا ما صار الى الهند ابتكرت لنا كوفيا هنديا، ويوم أن مر بالصين أكسبته من جمال خطها ورهافة فرشاتها ما أغنت رحلة هذا الخط، ولك أن تضيف الى ذلك اثر زخارف الأمويين عليه وغنى العباسيين وما افاده من التأثيرات الساسانية والفاطمية والمغولية والمملو كية والسلجوقية مما فجر في هذا الخط قوة ابداعية لا نظير لها فاستقام فنا متكاملا ما بين القرنين العاشر والثالث عشر، وفي رسالة لابى حيان التوحيدي (10) عن علم الكتابة يذكر من انواع الخط الكوفي وحده والتي شاعت على أيامه أثنى عشر نوعا كالاسماعيلي والمكي والمدني والاندلسي والشامي والعراقي..الخ.

وقد كان لاعتداد العربي بلغته واعتزاره بآدابها وحكمها وذلك منذ وعي بعض مظاهر حضارته فيها، ومنذ أن كرمها الله باختيارها لغة كتابه الكريم، ومنذ أن حملت الأحاديث النبوية الشريفة من أرض الى أرض، لقد كان لاعتداده بما تناقلته شفته من روائع هذه اللغة أن شحذ همته في أن تكون لبوس الكلمة لمسموعة على مثل مستواها في الكلمة المكتوبة، وهو ما يشير اليه الخبير بالمخطوطات العربية "مارتن لنكس" وما سبقه اليه ياقوت المستعصمي (11) بقوله: "الخط هندسة روحانية بآلة جسمانية " وقد ورد في مأثور كلام العرب الكثير مما يشير الى هذا التداخل ما بين ما هو مسموع وما هو مكتوب كقول الفارابي (12) "بان الخط اصيل في الروح وان ظهر بحواس الجسد" أو القول المأثور بأن "حسن الخط أحدى الفصاحتين" مثله قول بعضهم "الخط لسان اليد وبهجة الضمير" أو قول عبدالحميد الكاتب (13) "البيان في اللسان والبنان" ومثل هذه الرؤية لأهمية الخط عند المسلمين هي التي دفعت به الى أن يتخطى مهمته في الكتابة الى نزوع أصيل في الفن التشكيلي.

اصول قديمة وروية جديدة

وقد بقي الكثيرون من فنانينا المحدثين أمناء لأصالته التراثية، فانتصروا للخطاط الذي فيهم، معترفين ضمنا بأن أي خروج على هذه التراثية سيفقده الجلال والرصانة والعمق الروحي الذي تآلف مع أعمال خطاطينا القدامي، ولذلك ظلت أعمال محمد سعيد الصكار وعثمان وقيع الله وحسن المسعودي وغيرهم تستمد ايحاءاتها من الاصول القديمة وتجدد فيها، فان خرجوا عنها فالى ما يتساوق معها في المزاوجة ما بين ضروب متعددة من الخطوط، تخالطها وتوصل بينها أشكال لحروف مبتدعة تكسر من حدة المفارقة وتمهد لمتجانس العناصر المختلفة وضمن تكوينات تأخذ حركتها عن طريقه واتجاه قراءة النص تأكيدا على الحركة الكامنة داخل الحروف وداخل التكوين المقام، او في مسعى لاستغلال الايقاعات المتشابهة لترتيب الحروف لخلق انغام مرئية تتخللها فراغات صامتة أو ممتلئة بزخارف دقيقة، وان ما وقع لهؤلاء الفنانين من خطاطينا المعاصرين من اثار الخط المختلفة في العمارة العربية والنحاسيات والاواني والخشب والزجاج والملابس والطغرائيات اصبحت بانتقالها الى لوحاتهم مكتنزة بمميزات جديدة، فما فرضته طبيعة كل مادة من قبل على الخط حرروه وسعوا به الى ما يبعث بخصيصته في نمطية اخرى متحررة من اثر الفماش او شكل الاجرة بظلال استدارة الانية او انعكاس المرآة وما يحده بظلال متدرجة واعماق وابعاد مترادفة باثر من تمرس كل منهم في قدرة الالوان على فرض هذه المسافات في اللوحة وتجاوز ظاهرها التسطيحي، وثمة لوحات لعدد من الزخرفيين العرب المعاصرين سعت لان تقترب اكثر من اللوحة التشكيلية من خلال الافادة من النماذج الشائعة في الخط الكوفي الهندسي او الكوفي الشطرنجي والنسج على منوالهما وبما يجرد الكلمة من معناها ويبقي على ايقاعها التكراري، كلازمة زخرفية هندسية تناسب الخطوط المزوارة للكوفي كما هي الحال في نخبة من اعمال عصام السعيد وكمال بلاطة وغيرهما.

وثمة اخرون من فنانينا سعوا الى المزاوجة ما بين الصرامة الاتباعية للخط العربي وبين تجريدية الخلفيات التشكيلية له عبر ما استقام لهم من مقدرة ادائية في الخط والرسم على حد سواء، ومن تلك اعمال لمحمد علي شاكر الذي يستخدم فيه صورة خلفيات لونية غائمة وذات درجات متفاوته تتخللها مساحات ضوئية ساطعة، تلتف حول كتل من حروف تتكرر على مستويات مختلفة من 

الوضوح والحجوم مما يؤكد جهده الابداعي في منظور متعدد الآبعاد، وكثيرا ما يلتزم باستخدام خط «الثلث » موسعا فراغات لتزيينات زخرفية وورقية ونقاط وحركات، وعلى مقربة من هذا المناخ محاولات وجيه نحلة الذي بقي ملتزما لفترة طويلة باستخدام الخط التقليدي ضمن جمل مألوفة وضمن ضروب متعددة من الكوفي والرقعي والثلث، وبما يناسبها من تأطيرات زخرفية ناتئة وظلال متدرجة الكثافة لتجسد جملة وتبرز دلالاتها المعنوية وتعمق من انتسابها التراثي بألوانها وزخارفها المذهبة، مما ميز هذا الفنان بالصانع الحاذق الملم بأسرار مهنته والساعي للتبشير بها والاعلان عنها، وهو عكس ما ذهبت اليه محاولات فنانين آخرين ممن اتسعت مساعيهم للافادة من الطبيعة السمحة لبعض أصناف الخطوط العربية الموروثة والتعبير من خلالها عن مشاعر ذاتية ومن أبرز من تمط فيهم مثل هذا التوجه ابراهيم المصلحي الذي جهد في عدة محاولات لدرس جماليات الخط العربي ومقومات تكويناته، مستخدما كل ذلك في نمطية تجريبية يسعى فيها الى التركيز على ابراز الطابع الحسي في شكلية الخط واندفاع حركاته فيوضح ذلك بقوله: (لقد اهتممت بالعوامل الأساسية في التكوين وخاصة الخط العربي والزخرفة حيث أعدت الى مرجعه الأساسي كرمز لأشكال مرئية وهذا كان مفتاحا للمجال الذي أعمل فيه الآن) وهو ما يذهب اليه زميله "شبرين" وهاشم سمرجي اللذان تذكرنا بعض أعمالهما بابداعات الخطاطين المغاربة القدامى. ومن يتأمل فيها يجد أن هناك تأثرا واضحا بالخط الكوفي القيرواني باستطالته وامتلاء حروفه وسماكتها وتجانس حركاتها، وحيث للكلمة فضولها في إثارة الرغبة في قراءتها واستكناه مكنونها.

الخط بابعاده التجريدية

وفي جهد ريادي متميز سعى نجا المهداوي الى استخدام الخطوط العربية ضمن نمطية مألوفة، حتى اذا ما حاولت ان تتلمس نفسك في غاية من كلمة مقروءة فلن تقع الا على اشكال لكلمات جردت من خصائصها المعنوية وفرغت من أية دلالة، وليس ما يذكرك بالكتابة غير نسجها الخطي وغنى حركتها وانسيابها، بعد أن ألقى بها خلفية لأشكال كبيرة تتقدم اللوحة وتبدو أحيانا وكأنها كتبت بعفوية، وأحيانا تبدو مصممة من ضروب من الخطوط الموروثة على مثل ما هي في الكوفى أو الديواني أو الثلث دون أن تحمل بذاتها معنى لكلمة أو لجملة، فهو كما يقول يسعى الى أن (يفرغ الحرف من معناه ويكف عن حمل أي خطاب) وقد صار لهذا التوجه مريدوه الكثر، وعلى مسافات متباينة من وضوح القصد في الكلمة والجملة أو التأكيد على شكل الحروف.

وثمة آخرون سعوا لأن يتخذ الحرف أبعادا تجريدية ضمن نزوع الكثيرين منهم الى الافادة من مقومات الخط العربي البلاستيكية وأبعاده الفكرية والروحية لتطرحه ظاهرة بينة تجمع فيما بينهم وتغذي طموحاتهم في العمل فيه، وذلك ما نبهت اليه الناقدة الألماني"دسيجريد كالا" عند مشاهدتها لمعرض السنت ير الذي أقيم ببغداد عام 1974.، اذ قال "...لعلني لا أغالي كثيرا، فمن جميع ما شاهدته في البينالي العربي لم أجد نتاجا يفصح عن مصدره العربي وينطق به الا ذلك الانتاج الذي يتصل باللغة، أي الذي يتخذ من فن الخط العربي والحروف مادة له " ويضيف الى ذلك ناقد أوروبي آخر هو "روبير فرنيا" قوله "... أصبحت الكتابة تخفق فيها الحياة وتصبح أكثر طراوة وأكثر صلابة، تركض في سطورها المتساوقة أو تتشكل في قوالبها الهندسية، مما يمكن للخط الكوفي أن يتخذ الف شكل وشكل وان يعطي دلالات جديدة لأساليب عديدة للوصول الى أن تصبح ضربا من القراءة في المستحيل وتصير الوظيفة الزخرفية عملية تأملية أو تربوية قريبة من الصلاة ".

وقد سعت جماعة "البعد الواحد" في العراق ومنذ أوائل السبعينات أن تستكمل نفسها في منهجية واضحة عبر محاولة الفنان شاكر حسن الى سعيد في ايضاح غاية زملائه في التجربة بقوله ".. أما بالنسبة لنا كمستلهمين للحرف في الفن، فإن موقفنا سيعتمد على ادراك هوية التراث العربي الراهن الذي نضعه عبر اقتباس أهم عنصر من عناصرنا الحضارية والفكرية وهو الحرف العربي.. اذن فان الدور الذي سنلعبه هو وضع اللبنات الأولى لمدرسة معاصرة في الفن تعتمد على استلهام الحرف ".

وعلى الرغم من أن الجانب التنظيري لم تنهض به رؤية واضحة وشاملة حتى الآن، فان جهود الفنانين العرب في بيان الابداع التشكيلي الحرفي والتناظر في أساليبهم والتباين بها قد عزز من خصوصياتهم، فما كان قد بدا في أواسط الأربعينات مع التجربة الرائدة للفنانين العراقيين «مديحة عمر» و" جميل حمودي" في استخدام الحرف ضمن محاولات متساوقة لحد ما مع النزوع التجريدي الاوروبي، ظل يشكل مسرى للعديدين من فناني الوطن العربي على مستويات مختلفة واستلهامات متعددة المصادر وبحيث يظل الحرف كما هو عند مديحة عمر لا يعكس ظاهره الشكلي بقدر ما يعكس انطباعات الفنان عنه وانفعاله به، فهو يوحي به ولا يدل عليه، ويحاول محمود حماد أن يعزز من تجربة سلفه أدهم اسماعيل في أوائل الخمسينات والتي تقوم على استخدام النسيج الكتابي في كتل لونية تسحق الفراغ المحيط بها، وتفقد في ذات الوقت مكوناتها في اللغة أو في الحرف الذي يرغب في أن يرصد قدرته التشكيلية مما يبقى محاولته دون طرحه في قوله: "ان الخط العربي عنصر تشكيلي وتجريدي يمكن الاعتماد عليه لانجاز أعمال فنية تستند الى عنصر تراثنا بدل الاعتماد على الأشكال التجريدية المحضة المستخدمة في الفنون الغربية ". ولعل أبرز الصيغ التي تشذ بين محاولتي أدهم اسماعيل ومحمود حماد نزوعهما الى استخدام حركة الخط العربي الموحية بلا نهائيته واستغلال العناصر التشكيلية التي في الحرف لملء مساحة اللوحة كلها وبانتقالات لونية متجانسة، ويمثل هذا الاسلوب كانت بدايات جميل حمودي، الا أنه أكثر ميلا الى حصر فراغات اللوحة بحركة الحرف التي أثقلتها كثافة ألوانه فتحولت الى أسيجة لا تخلو من إيهام درامي من خلال تقليص الفرصة أمام أي نمو في مساحات الفراغات، وقد نجد النموذج المتطور عن مثل هذا التوجه وبشكله المتميز في أعمال الفنان التونسي نجيب بلخوخة الذي يداخل أحيانا وبقدرة مرهفة ما بين الايقاعات المعمارية وايقاعات الحروف العربية.

ولفناني المغرب مسعاهم المتأكند في التعامل مع الحرف العربي بنزوع تجريدي مرتبط بإطار تراثي كالإيحاء بصفحات من مخطوطات قديمة أو استلهامه من خلال ايقاعات هندسية للخط الكوفي وبأسلوب يحاول فيه الفنان تجاوز حرفيات اللغة وذلك بغية خلق شيئيات جمالية لا يكون للحرف أو الخط فيها ما يتمايزان به من الأشكال الأخرى المطروحة في اللوحة والمتنكرة للبوسها في الواقع الظاهري حيث يصبح لإنعكاس الألوان عليها وتدرج ايقاعاتها الأهمية الأولى التي تخلق منها مناخا سحريا يسترجع فيه الحرف بداياته المبهمة، وتختزل تجربة أحمد الشرقاوي الكثير من محاولات مريديه المندفعة ضمن مفهومه ".. أن يكون الفنان تجريديا لا يعني تحويل التطابق الاحتمالي بين الأشياء الطبيعية الى تجريبات ولكنه يعني أن تتحرر بغض النظر عن التطابق الاحتمالي العلاقات القائمة بين الأشياء" فرؤية الحرف واضحا في هذه الحالة وسبر مدلوله المعنوي لا قيمة لهما في نظره لانهما يعوقان اللغة عن كشف نفسها، والتي هي أبعد من شكل الأشياء أو شكل الحروف لأنها اللغة "الخالصة لما هو مرئي" ويفقد الشكل أي صلة ممكنة باللغة من خلال الصفة الظاهرة للحرف أو الكلمة واذا كان لحرف ما إن بدا على قدر كبير من الوضوح والدقة التراثية كما هي الحال مع بعض أعمال محمد المليجي فإنه ليس بأكثر من اقتباسات شكلية كما تقول عنه طوني مارتيني وذلك "... لخلق انسجام فني مقبول يين الخط العربي. والاشكال المضادة كليا للخط المستخدم ".

وتتسع قائمة الفنانين المستوحين للخط العربي والحرف العربي لعشرات وعلى امتداد المشرق العربي والمغرب العربي، ولكل منهم نزوعه لاستحداث خصوصيته فيه، وعبر تحولات ومحاولات مختلفة لا يستقر عليها، الا لفترة وجيزة ثم ينتقل منها، حتى أصبح من الصعب جدا رصد تلك التحولات وتقويم أهميتها لسرعة ظهورها وسرعة اختفائها، ويمكن أن نشير في هذا المجال الى مسعى أحمد فؤاد سليم في المجانسة ما بين الطبيعة الافقية للخط العربي والايقاعات الرأسية المنبثقة منها، أو مسعاه لتعميق الاحساس بلولبية أشكاله المقتبسة من الحرف. والى ما جد من جديد في محاولات الفنان حسين ماضي التي تسعي الى أن توحي بأبجديات على مقربة من الحرف العربي وابجدياته، وتتخذ من خلالها ايماءات طقوسية لا تخلو من مناخ سحري لولا شدة الاتقان البارزة على أسلوبه وشدة الايحاء بالايقاع المكرور لتلك الابجديات ويعد الفنان اللبناني. سعيد عقل أحد الفنانين اللبنانيين الأوائل الذين تعاملوا مع الحرف في مثل هذه الصيغ التجريدية الأوروبية، ثم كان أن تحول عنها لايمانه بأن امكانيات استخدام الحرف توفر له أبعد مما توفر للفنانين الأوروبيين في هذا المجال، وأن كل جهد فيه هو "انتصار لشكلياته وبذلك يتدنى عملنا فيه عما كان للفنان الاسلامي والعربي الذي سبقنا اليه وأدركه في صميم واقعه اللغوي والزخرفي والاجتماعي والروحي".

وما ارتد عنه هذا الفنان استفز طموح شاكر حسن الى سعيد "لأن التكملة المنطقية للعالم لا تكتسب في اللوحة الا عندما يفقد الحرف صلته باللغة" والى حيث يصير الحرف واللفة والتدوين "مجالا لافتعال حركة ذهنية وزخم روحي يفيض بكل المعطيات في حضارتنا العربية المعاصرة ".

ويبقي رافع الناصري المناخ التجريدي مسيطرا على أجواء لوحته حيث يأخذ الحرف فيها مركز الاهتمام وحيث تنجذب اليه كل الكتل والحجوم المحيطة به وبأسلوب متميز بالدقة والتوازن

الشكلي واللوني محاولا في الوقت ذاته ان يفاد عبر وضوح الحرف من تداعيات الجرس الصوتي المسترجع في الذاكرة بالاضافة الى طواعية شكله ليخرج بهما الى ما يعزز قوة تأثيره، فهو إذ يرسم حرف "السين" يؤكد على سن أطرافه كانه يسعى لأن يفجر تداعيات ذهنية ترافقه في "السيف" أو "السنان" أو "السكين" أو "السهم" ويفرض من خلال قدرة هذا الحرف، إن بجرسه الصوتي أو بتداعيات الكلمات التي يستنبطها أو برؤوس شكله المسننة على تمزيق مكونات اللوحة، بمعنى في الرمز الذي اختزله الحرف ويخلق بذلك توافقا ما بين مجرى الذاكرة العينية ومجرى الذاكرة السمعية، فهو اذ يوضح شكل الحرف انما يفرض عليك أن كفظه أو تهمس به ليصل بك الى حيث "يبقى الحرف في الصورة رمزا مطلقا"، والرمز في هذا الاطلاق يتحدد أثره بقدرة المتلقي على التنفس في مناخ خصوصيته وتلمسه بالحدس كمنظور معنوي متشبث في بعض الأحيان برقم أثري يمد به الى بعد تاريخي ويقابل منظورا تشكيليا. وما لم ندركه في ذلك فقد لا نقع لغير واجهته التزيينية الساذجة، اذ أن لبعدي اللوحة التاريخي والتشكيلي ما يمد الحرف بزخم ايمائي بمعنى في الرمز الذهني المنبثق من واقعه التشكيلي في اللوحة:

الكتابة في اللوحة الحديثة

أقول الكتابة تمييزا لها عما نعنيه بالخط وتأكيدا لتلك العفوية التي تتسم بها، ويمكن أن نؤرخ لهذا التوجه عند فناننا العربي بمحاولات الفنان جواد سليم في الخمسينات عبر مسعاه لاستلهام التراث التصويري العربي برؤية جديدة، حيث كان أن تسربت الى بعض لوحاته الجمل التفسيرية وعلى غرار ما ألفناها في رسوم المدرسة البغدادية وصور الواسطي لمقامات الحريري وكتب العلم والفلك والطب والأدب، وضمن مواضيع تتواءم مع أسلوبه الأدائي فتتأكد بذلك تراثية لوحته موضوعا وأداء كما في لوحته "مكر النساء" والتي تطرح الكتابة فيها نفسها ضرورة تنبع من صلب مقومات اللوحة.

وقد تواصل مع جهد جواد سليم في هذا المجال أخوه نزار سليم، وثمة آخرون كانت تبدو مثل هذه الجمل التفسيرية أو التعليقات من حين لحين على أعمالهم مثل كمال بلاطة وخميس شحاته وعبدالقادر الأرناؤوط ويوسف أحمد وعبدالله الحريري ولطيفة التيجاني وعلي الرزيزاء واثيل عدنان وعبدالله الحرير وآخرين.

وفي جهد متميز في بابه استخدمت صبيحة الخمير الكتابة العفوية في استنساخ قصيدة الشاعر التركي ناظم حكمت المترجمة للعربية "السحاب العاشق" إذ راحت تداخل ما بين النصوص والتخطيطات بكثير من التدفق الحيوي الذي جعل من الكتاب كله دوامة من الكلمات والتشكيلات الملتفة على بعضها البعض وحيث لا تقف الكلمة عند صورة ما الا لتصير بديلا لكلمة غفل عنها الشاعر.. وهو توجه تقترب منه أثيل عدنان في لوحاتها القائمة على مزاوجة ما بين نصوص شعرية كتبت بعفوية وصور رسمت بأسلوب مماثل وعلى أرضية ذات ألوان شفافة.

وثمة من استخدم الكتابة ضمن تشكي