مسيرة المحيط


شعر: يانيس ريتسوس
ترجمة وتقديم: رفعت سلام( شاعر ومترجم من مصر)


لم يعد بحاجة الى تعريف، بل الى اكتشاف دائم، واعادة اكتشاف. فما ترجم منه الى العربية - حتى الآن - لا يزيد على شذرات، قياسا الى ما أبدع. قارة شعرية كاملة لها جغرافيات وتواريخ وشعوب ومناخات، تتجل فيما يزيد على الثمانين ديوانا، لا يشبا أحدها الآخر. كل ديوان بلد شعري بكامله، له دروبه المرئية وسراديبه السرية.

يانيس ريتسوس (1909 - 1990) ولد في "مونيمفاسيا" في الجنوب الشرقي من "البلوبونيز" جنوبي اليونان. ومنذ لحظته الأولى، كان منذورا للموت بالسل، ذلك المرض الذي قضى على أمه - في طفولته وشقيقه. وكان عليه أن يجابه - مع السل - الخراب الناجم عن أب مولع بالقمار حتى الجنون.

لا طفولة - إذن - ولا فراديس، بل عنابر المصحات المجانية، والتأرجح - طويلا - على حافة الحياة والموت، حافة النقاهة والانتكاس. أما بيت الأسرة فهو بيت الأشباح والذهول والكوابيس. لا عودة اليه، الا بعد عشرات الأعوام في قصيدته الأسطورية "البيت الميت" فإلى العاصمة، الى أثينا التي تموج بالمهاجرين القادمين من أسيا الصغري.

صبي يرمي بنفسه - وحيدا - الى العالم الشاسع، ليبدأ من الصفر تماما.. كاتبا ينسخ أوراقا في نقابة المحامين، فراقصا هامشيا بإحدى الفرق الفنية أو ممثلا صامتا، ثم مصححا وقارئا لبروفات الطباعة لدى أحد الناشرين.

وفي عام 1934، يظهر ديوانه الأول "تراكتورات"، ثم "أهرامات" في العام التالي، اللذين كتب معظم قصائدهما في المصحة. هما - معا - شارة على اكتشاف الشعر، أكثر من كونهما تحققا له. ولن يبدأ التحقق والحضور إلا مع "أبيتافيوس"، تلك القصيدة الجنائزية التي تتكون من عشرين نشيدا أو ترنيمة. لا خطابية ولا تعليمية. غنائية مشدودة الى الذاكرة الجمعية بوشائجها الشعورية بالغناء العامي والأسطورة الوثنية والطقس الأرثوذكسي.

والى أن تنشب الحرب العالمية الثانية، سينشر ثلاثة دواوين أخرى: "أغنية أختي" (1937) و"سيمفونية الربيع" (1938) و" مسيرة المحيط" (1940)، الذي نقدم ترجمته العربية الأول الكاملة في الصفحات التالية. وسيكون لسيد ذلك الزمن الشعري «بالاماس » أن يرسل له رباعية احتفالية: «ننحني لك، أيها الشاعر كي تمر».

وعل الفور، يجيء الرد من جانب النظام العسكري الحاكم فينهب البوليس نسخ «ابيتافيوس » الى محرقة الكتب، أمام أعمدة معبد «زيوس» في أثينا. وتبدأ سنوات الرعب والإرهاب. سنوات عاشها ريتسوس محطما تحت وطأة المرض، في غرفة تقع على نفس مستوى الشارع، في حي شعبي باثينا. ومع المجاعة الكبرى، يصبح خطر الموت أقرب اليه. وحينما يكتشف ذلك أحد الصحفيين، يطلق صرخة تحذير في جريدته اليومية، ويتم فتح اكتتاب عام لإنقاذ حياة الشاعر. لكن ريتسوس يرفض النقود، ويطلب تحويلها الى جمعية الأدباء الشبان لتوزيعها عليهم.

هي حقبة «القرن الأخير قبل الميلاد» و«أثينا تحت السلاح» الذي سيتحول - من بعد - الى «أبعد من ظلال السرو» ثم «يونانية» و"سيدة الكروم". سطوع مباغت للصور وحساسية في الاستلهام تنبثق منها يونان طبيعية شهوانية، نبيلة ولاذعة. أبدية للهيللينية، تذوب فيها الطقوس القديمة والاساطير البيزنطية والأعمال الفدائية لقطاع الطرق والأنصار. ابدية للتمرد، ونداء للجزر والرياح والبحر، كي يمتزج الجميع.

وفي 1948، يتم اعتقال ريتسوس ضمن أكثر من مائة ألف معتقل الى الجزر. كابوس بلا تسمية، لكنه سيتخلل شقوق أشعاره في تلك المرحلة. ويقود «لوى اراجون» -الشاعر الفرنسي الكبير- ومجلة " الآداب الفرنسية "حملة للدفاع والافراج عنه. وعندما يتم نقله الى جزيرة أخرى" يكتب «اركان العالم» و«النهر ونحن». ويفرج عنه، فيصدر "سهر" ( 1954).

واربع سنوات من المضايقات الإدارية، ويبدا السفر الى "الاتحاد السوفييتي" فرومانيا فتشيكوسلوفاكيا. وفي فجوات الوقت، يترجم مايافسكي وناظم حكمت وهنري ميشو ونيقولا جيين. ويتزوج عام 1954، ليكتب لطفلته - في العام التالي - «نجمة الصباح». وكل عام يجيء بديوانين أو ثلاثة: «سوناتة ضوء القمر» (1956)، «تأريخ » و «البعيد» (1957)، «عندما يأتي الغريب » (1958)، «النافذة» و" الجسر" (1959). وتنفتح الدائرة التراثية عام 1962 بـ" البيت الميت " و«تحت ظلال الجبل»، وبعدهما "فيلوكتيت " (1965) و«أوريست» (1966).

واذا ما كان التكنيك يظل " تكنيك الاعتراف "، فإن المقدرة على المواربة تتزايد، ويتخفى الشاعر وراء الشخوص التي يقدمها بإيجاز في المفتتح ليتركها -من بعد -الى الحديث في مونولوج طويل. وانطلاقا من «سوناتا..» يعمل كل ديوان استعادة وبلورة لذلك الشكل المستحدث الذي يسمح بتنوع الرصد بلا نهاية، ضمن حركة الذهاب والإياب داخل القصيدة، والتذبذب الذي يلتقط كافة ظلال الحلم والفكر والوجود.

وخارج هذه القصائد الطويلة والتي تصدر مجتمعة عام 1973 في سفر ضخم بعنوان «البعد الرابع» يكتب ريتسوس مجموعات من قصائد قصيرة مستلهمة من الحياة اليومية. نصوص مكثفة تأخذ شكل الشذرات، تسعي الى ابتعاث جزئيات الحياة، والى التركيز على اللحظات المتعاقبة للنهار. وتصدر هذه القصائد القصيرة تحت عنوان «شهادات» في جزءين، عامي 1963و1966.

ويعود الحكم العسكري من جديد عام 1967. ويعود ريتسوس الى الاعتقال بالجزر اليونانية. من «يا روس: جزيرة الشيطان» الى «ليروس» حيث تبدأ القصائد حتى الهذيان: إيماءات غريبة، اوضاع متضاربة، عفونة، كلمات معلقة أجساد وتماثيل مبتورة، معتوهون وعميان وعجرة، أفعال بلا وعي، انزلاقات وانقطاعات في الفكر وسرد موجز للاشياء المتباينة كأنه لابد -بأسرع ما يمكن- من ملء الصدع الذي يهرب منه العالم.

وبدأت حملة واسعة - بتحريض من "أراجون " للمطالبة بالإفراج عن الشاعر، ضمت أشهر الأدباء في فرنسا وايطاليا وألمانيا والبلاد الأنجلوسكسونية واسكندنافيا. ويفرج عنه في ديسمبر 1968، محدد الإقامة في منزله في "ساموس"، ممنوعا من الاتصالات والخطابات والسفر. ولن يتمكن من الحصول على تصريح بالسفر الى أثينا إلا بعد عام من الإقامة الجبرية حقبة كئيبة تنغرس اصداؤها في قصائد ديوان «الممر والسلالم » توقفت الحياة الثقافية تماما. وقائمة الممنوعات تغطي كافة مجالات الفكر والفن. وباب الهجرة مفتوح على الناحيتين: الهجرة الى المنفى والهجرة الى الصمت الداخلي.

ويخرج ريتسوس - من سنوات الصمت الأخيرة - بلا رصيد منشور، لينشر-من بعد - العديد من الدواوين التي تضم القصائد القصيرة «أحجار، تكرا رات، قضبان» ويماءات» و«الممر والسلالم»، وبعدها القصائد الطويلة ذات الطابع التراثي: «هيلين» و«اسمين» و«عودة ايفيجيني» و«كريسوثيميس».

وفي يوليو 1974، يسقط النظام العسكري. وتنتهي سنوات العذاب وأربعون عاما من المحن والصراعات الداعية. أربعون عاما من الغناء والمراثي والملاحم، التي تعكس آمال وبصيرة اليونان المعاصرة. ذلك ما منحه الجائزة الدولية الكبرى للشعر عام 1972، والتي سبق منحها لأونجاريتي وسان - جون بيرس وأوكتافيوباث. وهو ما أفضى الى ترشيحه للحصول على جائزة نوبل.

" لم أكن أعرف - من قبل -أنه أعظم الشعراء الأحياء في عصرنا. أقسم أنني لم أكن أعرف. ولكنني عرفت ذلك رويدا رويدا، من قصيدة الى أخرى، بل من سر الى آخر، حيث في كل مرة رجفة الاكتشاف الجديد: اكتشاف إنسان واكتشاف بلد، أعماق إنسان وأعماق بلد". ذلك ما كتبه عنه «أرا جون».

أما هو، فيقول - في اعوامه الأخيرة – "أحس بأنني طفل يافع وأن عمري يمتد الى ملايين السنين. أنا شيخ شاب، وطفل عجوز وأنا أغتني بما أفقد. وكل عام يمر، أزداد فتوة بما أكسب، أي بما أفقد. حينما كنت في الثالثة والعشرين، كتبت: " عندما أستيقظ كل صباح، أرى من خلال النافذة المفتوحة السماء المزهرة في البحر، أشعر أني أبدية اصغر من البارحة ". والآن، وبعد كل هذه الأعوام، كم من الأبديات احمل فوق أكتافي وفي جسدي وروحي لقد عبرت ميتات كثيرة، وسأموت في النهاية وأنا أحمل بعض الأبدية، أجل، أنا متفائل. لقد خرجت من أحلك الظلمات خرجت حيا من الأمراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغرار الموت. التفاؤل ليس سهلا، وليس وسيلة سهلة لتجاوز الصعوبات أو تجاهلها. تفاؤلي لا يتزعزع، وهو راسخ لأنه ينجم - تحديدا. عن اليأس ".


ميناء ليلي

الأضواء غريقة في الماء

وجوه بلا ذاكرة أو ترابط

تضيئها الأنوار العابرة لسفن بعيدة

ثم تغرق في ظلال الرحلة

أشرعة ماثلة مزية بمصابيح الحلم

كأجنحة مكسورة لملائكة آثمين

جنود بخوذات بين الليل ونيران الفحم

أيد جريحة كالاعتذار الذي جاء بعد الاوان.

 

سجناء مربطون الى المرسى

سلسلة حول عنق الأفق

وسلاسل أخرى في أقدام الأطفال

وفي أيدي الفجر التي تحمل باقة زهور.

 

والصواري عابرة على عد النجوم

بمساعدة ذاكرة معلمة مطمئنة

- باقة من نوارس في الفجر الساكن .

 

اللون يرحل عن وجه النهار

والضوء لا يستطيع العثور على تمثال

ليدخل ، فينال المجد والسكينة .

 

فهل سنظل - إذن –

نحمي بمرح الشمس المفتوح

الذي يفيض ببذور الزهور

على نفس المسيرة

على نفس الهدف

في شرايين الربيع الخصبة

عندما يستأنف السنونو دورانه

بحثا عن عدم عاشق

على القبة الزرقاء المنيعة ؟

 

أي جرح

لم يضمن لنا - حتى الأن -

ان نصل بجنة الرب الى الكمال ؟

 

كانت لدينا حديقة على حافة البحر.

وكانت السماء تنزلق اليها من خلال النوافذ

فيما الأم جالسة على المقعد الخفيض

تطرز حقول الربيع مع أبواب مفتوحة في منازل

بيضاء

مع أحلام بجذوع الأشجار على السطح القش

مرسومة على زرقة فاتحة ناصعة

 

لم تأت بعد

سأتطلع الى الغرب وأراك

- في شعرك بريق وردي

- في عمق البحر طيف ابتسامة .

 

أمي تمسك بيدي.

لكنني وراء كتفها الحاني

وراء شعرها الشاحب

الذي يلتمع بأريج الصبر والنبل

أتطلع - في وقار- الى البحر.

 

هناك في منحنى الجبال الأزرق

يناديني أحد النوارس في أعماق المساء.

 

تهشمت المرآة التي رسمت حدود الفجر والحديقة .

وبالنايات الحرية للزهور

دفنا السونو الأول، أول أمس.

ثم جلس الأطفال وحيدين عند نافذة المساء

 


ليشهدوا الشمس المحتضرة .

 

وراء جدار الباحة الأبيض كان الطريق يصحو

وحالما تلاشى الضوء الذهبي فى البعيد

صعد الظل الهائل للجبال

مع خطوة الموت الصامتة الى أيدينا البيضاء

الى قلوبنا

الى جبهاتنا المحنية.

 

أمي ، من الذي يدق

الجرس اللازوردي على الأفق ?

 

غيمة فضية بجوار القمر.

 

صيادون عجإئز

لم يعد لديهم قوارب ، لم يعد لديهم شباك

يجلسون على الصخرة ويدخنون غلايينهم

يتأملون أحزان الترحال والظل .

 

لكننا لا نعرف شيئا

عن الرماد في مذاق الرحلة.

نعرف الرحلة ونصف دائرة الأفق

الأزرق الفاتح مثل الحاجب المخيف لإله البحر.

 

نقفز في القوارب

نرخي الحبال

ونغني للبحر

محدقن في الغيمة الفضية

بجوار قمر ربيعي.

أية مدينة مرصعة بالجواهر

تنام وراء الجبال ?

أية أضواء ترتجف في أغوار الليل

تنادي علينا؟

هناك قبور صغيرة بيضاء

لنوارس بريئة

بعيدا في جزر مهجورة مجهولة

لم تعرف سوى الضوء القادم من المحيط الليلي

هناك وضعنا أزهارنا الأولى .

شهقتنا الأولى والفكرة الأولى .

 

سمعنا أغنية البحر فلم نعد بقادرين على النوم .

 

أمي

لا تمسكي بيدي .

 

البحر . . البحر

في عقولنا وأرواحنا وشراييننا البحر.

 

رأينا سفنا تحمل بلدانا أسطورية

هنا على الرمال الذهبية

حيث يتمشى عابرو المساء.

ألبسنا محبات طفولتنا طحالب مبلولة .

قدمنا الى آلهة الشاطيء حصى وأصدافا لامعة .

 

ألوان الصباح تذوب في الماء

ونيران الغروب على أكتاف النوارس

الصواري التي تشير الى اللانهاية

تفتح أبوابا عند حلول الليل

مرفرفة فوق نومنا الحجري

متألقة، ابد ية.

وأغنية البحر

تأتي عبر النوافذ الصغيرة

فترسم حدائق وأحلاما مضيئة

على الجوانب الرطبة والجباه النائمة.

 

إيقاع مؤرق أليم

على الصخور القاحلة في الخارج نبصر الجمال

نحن الأطفال المشردين الحفاة

وفيما نمشي بأقدام عارية في البحر


نسمع صوته الذي يرتجف بأصداء هادئة

مع الوميض الفوسفوري للنجوم

التي تزرع حكايات ذهبية في الأعماق الخضراء.

 

قلب مهيب

قلب طفل بلا شبهة

لا تتبرأ منه أبدا.

 

مددنا أيدينا لنقطف زهورا من النجوم

لنقطف نجوعا من دقات قلوبنا

التي ردت على نداء البحر لنا

بأن نعتصم بحبل الجمال

ونحن نسافر الى اللانهاية

على طريق قمر الصيف الهائل

المرسوم على البحر المباح.

 

عرايا، تصارعنا على الرمال في الظهيرة

بأجساد مبلولة لأطفال الثانية عشرة من العمر

من أجل العناق لا الصراع

من أجل الصراع لا الانتصار

الانتصار وحده .

 

 شعر ملحي

أفخاذ أحرقتها الشمس

الموجة الملهوفة في القبلة

البحر فيما ما وراء الفوران

 

الظهيرة تنحدر صاخبة في زوبعات من نار

تطوي بيوت الصيادين بلهيب أبيض

فتحرق القلوب التي لا تقاوم .

 

خارج النوافذ نسيم البحر الرهيف

الوجة المضيء للسكون

في ذآكرة الصيف البيضاء

مع بصيص طيفي ، داكن الزرقة

منحرف على وجنته الملساء.

 

نفس ذهبي لماء لا نهائي

شباك تتشمس على الصخور

قوارب مملوءة بفاكهة وزهور

وهناك بيوتنا

بيوتنا مكتوبة على البحر.

 

إيماء من الشاطىء

من الصخور الحمراء

من زهور الزنبق الصغيرة

والبنات.

 

من ينادي علينا

من شرفة بيتنا ؟

بنينا بيتنا في البحر

هناك لآليء في الأصداف

وغابات مرجان هائلة في الأعماق المعزولة .

 

صنعنا ناينا من العظام التي أخرجها مساء أمس

في باحتنا غناء العاصفة .

 

أنصتي الى أغنيتنا ، يا أمي،

أغنية الرحلة الجديدة

 

انت يا من تنوحين على الموت

لا تعرفيننا <