مهجر جديد ام منفى جديد ؟


كاظم جهاد ( شاعر ومترجم من العراق يعيش في باريس)


" واحسرتاه للغريب في البلد النازح ماذا بنفسه صنعا ؟"

على بن الجهم

" كدنا في المنافي ان ننسى لغات امهاتنا "

هولدرلين

 -1-

يطرح غالبا السؤال عن "شعر المهجر العربي الجديد". وسواء أحيلت صفة "الجديد" الى المهجر أو الى الشعر (ولعلي أحيلها الى المهجر لا الى الشعر، وذلك لتعدد الأجيال الشعرية المقيمة في الموضع الغريب)، فإن الأصوات الشعرية العربية، إذ يتعلق الأمر بفرنسا، لا تتعدى في الواقع أصابع اليد الواحدة. والأهم من هذا أنها لا تستمد دلالتها إلا ضمن مجمل إبداع المهجر العربي الواسع المنتشر في أقطار غربية عديدة على أن التسمية تظل تتضمن في نظرنا إشكالا أكبر. فهل نحن بإزاء "منفى جديد" أم "مهجر جديد"؟ ولا ينبع هذا الإشكال من اختيار معجمي أو تواضع لفري (ومتى كانت اللغة خارج التاريخ ؟) بقدرها من ظرف موضوعي، معقد ومتعدد. يكون الكاتب في منفى أو مهجر بحسب طبيعة الظرف الذي يتقوقع فيه بإزاء بلد الهجرة، بحسب طبيعة العلاقة العاطفية واللغوية التي

تشده الى بلده الأصلي وثقا فته الأصلية بحسب طبيعة إحساسه بالمكان الجديد أيضا، إحساس يرافقه شعور لاذع ونهائي بالانقذاف والنفي أو سعي مشهود لدى البعض الى توطن جديد.

بحسب هذه الاشتراطات الذاتية والموضوعية التي تنبع من السيرة الخاصة بكل كاتب مثلما من سيولوجيا عامة للثقافة تأخذ بعين الاعتبار العوامل السياسية والتاريخية وسراها، بحسب هذه الاشتراطات يمكن النظر الى الشعر المكتوب في أرض الغربة. ولا يمكن القول هنا، إذ يتعلق الأمر بالشعراء العرب، إن جميع من يقيمون منهم اليوم في أراضي الشتات يعيشون العلاقة نفسها بوطنهم الأصلي أو بالبلد الغريب. موضوعيا أو ذاتيا لا يعيشون جميعا الاقتلاع نفسه. بعضهم هاجر عن إرادة وأخر ون قسرا. وبعض آخر خرج عن اختيار ذاتي وإرادي ثم مع مرور الزمن وتلاحق الأحداث وتجذر المواقف، انتقل الى موقع المغترب الاجباري أي المنفي. بعضهم يتمتع بإمكان العودة الى بلده لزيارة مؤقتة أو رجوع نهائي، والبعض الآخر محروم من هذه الفرصة طالما بقي يتحكم بمصير شعبه نمط من الحكم معين وسياسة معينة هكذا، ولارتباط الكتابة النهائي بالتجربة،يرى بعضهم في الغربة مجرد نقلة تمليها حاجة الى العمل أو ضرورة في التزود الثقافي أو استجابة لمزاج مسرور ورغبة شبه فرحة بـ "التغرب " في العالم. فيما يعيش البعض الآخر الاغتراب في كل لحظة ويعايشه في كل سطر يكتب متحققا يوما بعد يوم من استحالة التجذر في المكان الجديد الذي لا يشكله بالنسبة اليه مكانا أبدا، إن نحن فهمنا المكان بمعناه الفلسفي كاقامة للروح وسكني كلية.

هذه التعقيدات، وهذا الثراء بالحالات التي تتدرج من قمة الحياد الى المأساوية المكثفة مرورا بالتغرب السعيد، ربما لم يعرفها المهجر العربي الأول في أوروبا والأمريكتين، أو لعله لم يعشها بالقدر نفسه من الحدة، صحيح أن في كل هجرة منفى وفي كل تغرب خطر اقتلاع، والمهجر العربي الأول لم يكن بحد ذاته هجرة مسترخية أو نزوة سطحية للتمرغ على "بلاجات " العالم. كان مهجر اللبنانيين والسوريين جبران خليل جبران ومي زيادة وميخائيل نعيمة وبقية رفقائهم. ممليا بعوامل اقتصادية وثقافية. وكان أدباء مصر ومفكروها، من الطهطاوي حتى أحمد شوقي فطه حسين وتوفيق الحكيم قد مروا بالغرب مدفوعين بحاجات الدراسة والاسترفاد الثقافي. وهذا هو الباعث في أن التغرب، طال أمده أو قصر، لم يكن مطروحا لديهم في مقاربة وجدانية لاذعة تستنطق ظواهر الاقتلاع العميقة بقدر ما كان إجابة على سؤال هو ولا شك أصيل لكنه مغاير، سؤال يعتمل في دواخل المهاجر عما يمكن أن يحمله للوطن من ثمار حضارة غربية أتيحت له فرصة الوقوف عليها والاختلاط بأبنائها من سؤال الحضارة لدى الطهطاوي الى سؤال المسرح الشعري لدى شوقي فأسئلة الكتابة الحديثة والنهضة المعرفية المرجوة للعوب لدى طه حسين والحكيم، تنطرح الغربة هنا كاصطدام حضارتين أكثر مما كسؤال شعري حارق عن معنى أن "يخسر" إنسان بلاده.

من هنا ينبغي كما أسلفنا في القول النظر الى الاغتراب، هجرة كان أو منفى، بحسب ظرفه الموضوعي، ومعايشة "خائضة" له، وانعكاسه على لغته، وهنا لابد من المرور في قسم أول من هذا العرض بالمعاني الكبرى لمعايشة المنفى والاغتراب، أو بالنظرات الأساسية لهما التي انتجتها الثقافة الشعرية والفلسفية ولنن ركزنا هنا على تجارب غربية فلأن الثقافة العربية ما تزال تقارب موضوعية المنفى بحذر كبير أو حياء كبير نرجو أن يكسرهما الشعراء والأدباء في الانتاجات القادمة إذا ما قيض لهذا الجرح الرهيب -ولا نرجو ذلك -أن يستمر. وإذ نقول هذا، فلا يغيب عن بالنا قط أن الثقافة الأدبية للعوب عرفت مع ذلك موضوعية النفي، الداخلي بخاصة وأفردت لها ككل ثقافة كبيرة، مكانا أساسيا بين موضوعاتها. من امريء القيس وخروجه طلبا لنصرة الروم حتى طرفة بن العبد وشعوره بالغربة بين ظهراني أهله، فالمتنبي المترحل بين حواضر العرب، شاعرا بالغربة الى الأبد ومرددا: "وهكذا كنت في أهلي وفي وطني / إن النفيس غريب حيثما كانا"، فالشعر الأندلسي الذي نسج للحنين ثيابا لغوية باذخة، فالسياب الذي أطلق في اثناء غربته القصيرة قبل الغربة النهائية بعض أقوى صيحاته الشعرية ؟ هذا كلا شعر تغرب ونتاج نفي مزدوج. نفي الشاعر لمجتمعه الغاص في أطره الضيقة، ونفي المجتمع لهذا الشاعر، يرد عليه الكرة بالمثل ويحسب عليه حركاته وسكناته، مما قد يشكل خيطا أساسيا يقودنا الى موضوعاتنا الحالية.

ثمة من النظرات الفلسفية والأدبية الى المنفى المطروحة في العقود الأخيرة خصوصا ما يدعو الى نزع هالة القدسية عنه، أو تخفيف شحنته المأساوية. يمكن أن نتذكر هنا ما كتبه عن المنفيين الفيلسوف الروماني سيوردن الذي تحول الى الكتابة بالفرنسية وأنجز فيها أهم أعماله، فقرن منفاه الجغرافي بمنفى لفري إرادي، يوجه سيوران سخريته المرة لهذه الفئة من المنفيين التي تحول معيشها للنفي الى مادة لكتب واسعة الرواج، في مجال الرواية بخاصة، منفى - استعراض يتلذذ المرء فيه بشقائه اليومي وما يعود به اليه من متاعب تذهب من التدرن الى العزلة في غرف ضيقة تحوم فيها وعليها أشباح الحرمان العاطفي، ولاشك أن ما ينبغي الإمساك به أبعد من هذه النظرة الانتقادية للمعيش المنفي، هو دعوة جادة وضرورية لإضفاء بعد من السخرية أو الدعابة، دعابة مع الذات ودعابة مع العالم أو منه من شأنها أن ترفع عن نصوص المنفيين صفات الشكوى المملة والمأساوية الشاملة والسوداوية الطاغية، ليس المنفي مطالبا بأن ينسى بلاده، وليس هذا بالمرجو منه، إلا من الضروري والمخصب لفنه أن يعمل على الانفتاح على العالم المحيط به، وأن يشعر أحيانا بالمساهمة في الحركة الانتقالية الكبرى للأشياء والذوات في هذا العالم، أشياء وذوات في اقتلاع وتجواب دائمين.

على أن هذا كله، الذي أشرنا اليه بإيجاز لم يمنع الأدب، والشعر بخاصة من أن يقيم للمنفي ومعيش المنفي صورة معقدة وثرية. في قلب الصور المعطاة للنفي، ينهض وجه الشاعر الهولدرليني وجه أورفيوس خارج في بحث أزلي عن يوريديس، لا متلذذا مازوخيا بغربته على النحو الذي يصفه سيوران، ولا ماكرا داهية من النمط البوليسي المعروف الذي يجد لكل مأزق المخرج الملائم والحيلة المناسبة بل هو منفي عن ذاته وعن الأخوين، يعيش أحيانا المنفى بدلا عنهم. هو ساكن ألما - بين يجد في صنفاه قدرا بالمعنيين الاثنين للمفردة: ضرورة واختيار مسعى صاغه هولدرلين بقوة نافذة ويجد تتمته في اختيار ويلكه الترحال ناقلا معه الألمانية أنى حل مختارا الفرنسية في بعض قصائده، أو في بيكيت وشخوصه الهائمة ومغامرته في التعدد اللغوي، ولدى مبدعين آخرين جوابين جميعا، بما جعل الفيلسوف الفرنسي الراحل ميشيل دوسرتو، وهو من أكبر من أرخو لتجليات اللغة الصوفية، نقول جعله يدعوهم "متصوفة بلا إله ".

للوقوف على حركات هذا المنفى أو حركياته، سنهتدي بكتاب أنطوان بيرمان: "اختبار الغريب "، الصادر في منشورات غاليمار في 1984، والذي نجد فيه من القبسات من كلام هولدرلين وعنه ما يمد لنا خيط اريان ناجعا في هذا التيه. ثمة في شعر هولدرلين، كما يذكر به بيرمان، تقطبات (توزعات قطبية) تؤشر جميعا على جغرافية المنفي وتوضح عملها عنده. هو دائما جدل المحدود وغير المحدود، المتناهي واللامتناهي الأعلى والأسفل السماء والأرض، الآلهة والبشر الفانين ألمانيا واليونان اليونان والجنوب الايطالي والاسباني الوطن والغربة، الخ.. والشاعر لا يقيم في هذا القطب ولا في ذاك، بل هو متناهب بينهما أبدا، لا يجد مستقره في الأرض حيث تحزنه المخلوقات بصراعاتها الداعية، ولا في السماء حيث تواجهه الآلهة بابتعادها المستمر؛ لا في الوطن حيث المحدودية، ولا في الغربة حيث نجازف "بنسيان لغات أمهاتنا". هي،كما يدعوها بيرمان، جغرافية شعرية وأسطورية بل لربما نعتناها بالتاريخية بالتردد مع الشاعر على أنهار أوروبا الكبرى، والانحدار معها ومعه صوب اليونان والجنوب والشرق، نرسم حدود هذه الجغرافيا. جغرافيا في ترحل وترحيل دائمين، ترفض التوطن أبدا، ولا تجد لها من راحة ممكنة. جغرافية سبق أن توقف هايدغر عندها مرارا، بل في عمله الفلسفي كله تقريبا الذي يعده البعض تعليقا فلسفيا على عمل هولدرلين طويلا تحدث هايدغر عن سعي هولدرلين الى المزج بين النظرة العميقة التي يرى فيها خاصة الألمان، والمقدرة على العرض الواضح التي يرى فيها خاصة الأغر يق. كان الشاعر بحسب صيغة لهايدغر، يريد تعريض وضوح الفكر الألماني ولغته الى شمس اليونان اللاهبة التي تنضج الخبز، ولا يتم هذا الا بفضل هجرة كان يردها واجبة هجرة تدفع الى ما يدعوه بيرمان بـ" اختبار الغريب " بمعنيي العبارة: أن نستضيف الغريب ونهبه مكانا في داخلنا، وأن نتعلم مصادر خصوصيتنا نحن بفضل علاقاته.

هذا كله، انعكس في عمل الشاعر على لغته، اللغة الألمانية ولغة الشعر، عمل صابر ومثور سيقوده، هو وترجماته لسوفوكليس وبندار المشورة لعمل الترجمة، نقول يقوده الى الجنون الذي أمضى في غماره نصف عمره بالضبط، عمل على المفردات والبنيات أدخل فيه، وبقوة مبدأ الزحزحة المتبادلة لكل من اللغتين، للألمانية عبر اليونانية ولفهم اليونانية القديمة عبر الألمانية. عمل أدخل فيه أخيرا وبقوة أسيء فهمها، في حقبته مفردات وبنيات مستعارة من لهجته الأم (السوابية نسبة الى المنطقة الألمانية المعروفة)، ومن كبار كلاسيكيي الألمانية الناشئة يومذاك (كلوبستوك قوس، هيردر، ولوثر مترجما للكتاب المقدس) ومن اليونانية القديمة.

ليس العمل على الغريب والخصوصي بالمسألة الهينة ولا هو بالجدل السهل لا يتعلق الأمر بمحاكاة فجة للأخر نتوهم فيها القبض على أمراره، فيما نغذ في الواقع في الذهاب بعيدا عن أنفسنا أي عن الآخر أيضا، يوضح هولدرلين نفسه فداحة مثل هذا المسعى في رسالته الى بوهلندروف المؤرخة في 4كانون الأول / ديسمبر 1800، كتب، ضمن بنائه الشائق الذي ينبغي أن نقبض عليه في تعقده الثري وصيفه المعدولة باستمرار:

"..إنه لخطير أن نستمد قواعد فننا من الكمال اليوناني وحده، جاهدت أنا من أجل هذا طويلا لكني أعرف الآن أنه خلا ما يشكل للإغريق ولنا الشيء الأسمى أي العلاقة الحية مع المصير ليس بالمباح لنا أن أن نمتلك مع الآخرين شيئا متطابقا.

لكن ما هو خصوصي إنما ينبغي أن نتعلمه بالإتقان نفسه الذي نتعلم به الأجنبي. من هنا لم يكن لنا غنى من الإغريق. سوى أننا لن نقدر على اللحاق بهم فيما هو خاصتنا نحن بالذات، وما هو قومي لدينا، لأن الاستخدام الحر للخصوصي هو مرة أخرى ما يظل أكثر صعوبة."

يقول هذا المقطع من رسالة هولدرلين أشياء كثيرة. يقول أننا، في الأوان نفسه الذي نتعلم فيه ما هو خاصة الغريب أو عنصره الولادي والفطري "شيأه" الخاص نفسه، نتعلم خصوصينا الذي يكون هو قد استعاره أحيانا وصنع منه خاصته (في مقطع سابق من الرسالة نفسها، كان هولدرلين قد ذكر أن هوميروس، "هذا الرجل الاستثنائي"، قد "أعاد الى ملكوته الأبولوني طريدة التقشف الغربية ". أي أن "وضوح العرض " نفسه لم يصبح خاصة اليونان إلا بفض هوميروس الذي قام باستعارته من الغربيين، وما كان الاغريق ليعدوا غربيين). وكذلك فإذ نتعلم من الغريب فهذا لا يعني أن نكون في "تطابق معه أو تماه نهائي. وأخيرا فإن تعلم الخصوصي يظل ما هو أصعب وينبغي أن نقوم به بالإتقان والتفاني نفسهما اللذين بهما نشرع بتعلم الغريب.

هذا التعلم المزدوج، وكما التفت اليه هايدغر أيضا، لا يتم في حركية مزدوجة، من نوع الجدل المثنوي الهيغلي، أو كما كان سائدا في أدب الرحلات الرومنطيقي. بل إن الشيئين، وهنا الصعوبة يتحققان لدى هولدرلين في أوان بذاته، فنكون في الوطن وفي الغربة في أن معا، نتقدم في معرفة خصوصينا في الأوان ذاته الذي نفذ فيه باستكشاف الغريب. لا يتعلق الأمر برحلة ذهاب يتلوها إياب ظافر الى الوطن، بل بتوزع دائم، وعمل على لم الشتات مواظب ومستمر. يذكر بيرمان بأن ها يدغر طالما انتقد جدل الميتافيزيقا المطلقة لدى هيغل وشلنغ، "اللذين كانا يريان أن كينونة - الروح - في - ذاتها تلزم أولا بعودة الى الذات لا يمكن القيام بها إلا انطلاقا من الكينونة - خارج - الذات ". بل لقد كتب هايدغر أنه ينبغي أن نتساءل "الى أي حد لا يقوم هذا الرجوع الى الميتافيزيقا بتعتيم القانون الشعري أكثر مما يضيئه ".

لدى هولدرلين بعيدا عن السفر السعيد الذي يقود الى عودة للتصالح مع الذات كما لدى بعض الرومنطيقيين الألمان، يتعلق الأمر بنضال دائم ويعمل متضافر لتجربة تجابه القانونين الخصوصي والغريب، في حركة واحدة ومتزامنة للوقوف على هذا العمل غير المتعاقب تحقيبيا بل المتزامن آنيا، لا أفضل من قبسات من شعر هولدرلين نفسه يوردها بيرمان. هكذا يخاطب الشاعر "السواب" منطقته الولادية (بافاريا حاليا):

" يا سواب المحظوظة، ايتها الام

كشقيقك الاكثر سطوعا

هناك، لومبارديا

مائة نهر تسقيكما!

… ذلك ان تقيمين

قرب موقد المنزل

… ومن هناك ينبع

وفاؤك الولادي، لان ما يقيم

قرب الانبحاس الاصلى لا يغادر

مكانا كهذا بلا أسى. وصغيراتك، المدن

عند ضفاف البحيرة الشاحبة والنائبة،

في شواطيء "النكير" الهانئة وعند جروف الراين:

لا مكان - تقول كل منهن -

يقدر ان يكون مقاما افضل لي.

ولكنني للقوقاز أهفو!"

هكذا يغني الشاعر من الأنهار الألمانية الراين والنيكر، صابيا في الأوان ذاته الى القوقاز. يطري على "السواب "، أرضه -الأم، ويتجه خاطره في الأوان ذاته الى لومبارديا. على أننا نرى التمزق أوضح في قصيدته "بلاد هوميروس ":

" انني لا افكر بالاقامة.
جائزة ومنيعة على النوال هي

المعتمة، هذه التي منها أفلت الام".

او في "خبر ونبيذ":

"… ذلك ان الروح ليست في دارها

في البدء ولا عند النبع الوطن يلتهمها،

الروح تحب الهجرة والنسيان الشجاع.

ازهارنا وغاباتنا تسر

الموهن، ذلك الذي يهب الروح سيكون شبه محترق."

في مقطع بذاته، وبلا أي فاصل أو تمهيد، يتحدث الشاعر عن استحالة التجذر في داره، وعن الوطن الذي يلتهم أبناءه، وعن كون ظلال غابات الوطن تصون المتعب وتحمي روحه من الاحتراق تحت الشموس الأجنبية، لا يطرح أي خيار زائف بين الاثنين، بل يقدم لنا الحركتين

كلتيهما في تجاورهما اللاهب والمضيء. أي كما كتب بيرمان، فإن "الحركة التي تفلت فيها (الروح) من المباشرية القاتلة (الملتهمة) للوطن، هي نفسها التي تهدد بإحراقها تحت النور اللاهب للبلد الغريب، منذ هذه اللحظة، ومثلما يحمي اختبار الغريب من الوطن السييء، فإن تعلم الوطن يحمي من نار السماء -أي من الغريب أن الحركتين لا تقبلان فصلا: وعليه فإنما تكمن مهمة الشعر في تطويع اختلالات التوازن الملازمة لكل من تجربة الخصوصية وتجربة الغربة " هذا ما يدعوه هولدرلين بإيجاد (القياس) وما تبين عنه هاتان القبستان الأخيرتان، الأولى من قصيدته "الفاتيكان ":

"ا.ن نبقى على الاله في نقاوته

المتيمزة تلك هي المهمة.."

والثانية من "بطموس":

" ان تكون الارض في صلابتها محفوظة

بعناية وان يحال

معنى ما يدوم مرئيا لدينا..".

هذه هي الجغرافية النفسية والشعرية والتاريخية للمنفى التي ينبغي النظر انطلاقا منها الى الشعراء العرب الذين يجدون اليوم أنفسهم منفيين أو مغتربين في فرنسا، ولابد أن نذكر هنا بما أشرنا اليه في بداية هذا العرض، فما كل من عاشر أرضا غريبة عرف المنفى داخليا، ولا كل من عاش المنفى كتب شعرا منفيا. إن المنفى، الذي هو وعي ومعاناة ومسؤولية تاريخية وفنية، يكاد يكون غائبا في الكثير من الشعر العربي المكتوب في فرنسا، وهذا مما يحول أغلب هذا الشعر الى شعر مهجر بالمعنى الريح للكلمة، الى هذا القاسم الأساس، ينبغي الالتفات الى قواسم أخرى عديدة، منها ما يرتبط بظاهرة الأجيال الشعرية ومنها ما يحيل الى معايشة كل واحد لفضاء المنفى أو الهجرة وما يغذي مساعيه في عالم الآخر ويملي حركته فيه. فلا يمكن المساواة بين شاعر كبير أو معروف نضج في الداخل وخرج الى الشتات مع منفيي شعبه، وشاعر آخر معروف أيضا جاء للمنفى فيما يشبه الغزو، باحثا عن شهرة عالمية لعمله، وشاعر ثالث خرج للمنفى شابا قبل أن يشتد عوده في هواء وطنه، فراح ينمي ثقافته وتجر بته في انفتاح على الثقافتين، الأصلية والغريبة، ليست الموازنة فيه باليسيرة دائما إطلاقا. هذه التمايزات كلها يلاحظها القاريء في معالجة اللفة لدى كل شاعر، وفي الموقف الذي يتخذه من ذاته ومن الآخر، وكذلك من الشعر نفسه. بهذا المعنى يمكن القول مع الفيلسوف جاك دريدا إنه "لا شيء يقبع خارج النص ". ينتصب النص مرآة كاشفة عن الطريقة التي بها يتعامل الكاتب مع الموضع الغريب باعتباره منفي أو لا يتعامل. والى هذه المرآة ينبغي أن تتوجه كل دراسة تتنطح لمهمة التأريخ للشعر المغترب المنفي منه والمهاجر.

-2-

لا شك أن الأصوات المعدودة من الشعر العربي المنفي أو المهاجر الى باريس، التي سأحاول الكلام عنها في هذا القسم من المداخلة تظل غير ممكنة المقاربة ولا تتخذ كامل معناها من دون بقية الأصوات الشعرية العربية المنتشرة في شساعة المعمورة.ولنن كنت سأتوقف عند من لا يزال المنفى أو المهجر الفرنسي يشكل موقع اقامتهم أو تغربهم منذ سنوات عديدة، فأنا لا أود أن أنسى ذكر شعراء آخرين أمضوا في فرنسا سنة أو أكثر وانتقلوا منها الى فضاء شتات أخر أو عادوا الى الوطن، بين هؤلاء نذكر اللبنانيين عباس بيضون وبسام حجار، والعراقيين هاشم شفيق الذي حط رحاله، بعد دورات عديدة في المنفى اللندني، وسركون بولص وشاكر لعيبي اللذين غالبا ما يزوران العاصمة الفرنسية ويقيمان فيها شهورا أو أسابيع طويلة، والعماني سيف الرحبي فهؤلاء وسواهم عاشوا في شعرهم بطريقة أو أخرى الحوار مع باريس كمكان آخر وزمن غريب.

في باب المعايشة الحقيقية أو الملآى للمنفى، يتذكر المرء أول ما يتذكر، شعر الفلسطيني محمود درويش المكتوب في السنوات العشر الأخيرة بين تونس وباريس وإذا صح المعيش الحق للنفي ينبغي أن يشكل انفتاحا على الآخر وليس مجرد معاناة لمأساة الاقتلاع فإن قراءة أولى لأعمال درويش العائدة الى هذه المرحلة لهي كافية للوقوف على إفادته الكبيرة من وسائل المنفى وروافده الثقافية وما يمد به من خزانات هائلة من الأحاسيس والمشاعر والرؤى لا يكاد الشاعر المتوطن أن يعرفها. في هذا الشعر، نلقى أنموذجا لمقاربة غاية في الجدية للمنفى كموسم طويل في الجحيم، وفي الأوان ذاته كانفتاح كريم على الغير. في باريس، وبفضل فضوله المعرفي الكبير، ومتابعاته الواسعة بالعربية والانجليزية ولفات أخرى، انفتح درويش على ما يجعل من الشعر منفى بالأصل، ومن الكتابة اختراقا للعالم أساسا تمسك الشاعر بمقولة رنيه شار في ضرورة تحويل "الأعداء الى خصوم صرحاء"، وراح يترك لسواه عمل الضغينة والوعي الشقي محولا القصيدة الى فضاء تراجيدي للتساؤل عما يجعل الانسان غريبا أنى كان في هذا العالم. ولنن كانت هذه الرؤيا تخترق عمله كله، فأنت واجد البيان الأوضح عنها في مجموعته حديثة العهد: "أحد عشر كوكبا" التي يتخطى فيها التجربة الفلسطينية، دون أن يتجاوزها بالطبع أو يتنكر لها، أقول يتخطاها الى مأساة الهنود الحمر وسر بقائهم في المعنى وانهيار تجربة الأندلس التعددية وما يجعل منها أنموذجا باقيا للجمال.

تقنيا يتجل هذا الانفتاح لدى درويش في مجموعاته الأربع الأخيرة التي تجمع، الى "أحد عشر كوكبا" الآنفة الذكر كلا من "ورد أقل " و " أرى ما أريد" و " لماذا تركت الحصان وحيدا؟" مجموعات يطور فيها تقنيات كان في الواقع قد بدأها في "هي أغنية، هي أغنية " بل حتى في عدد من قصائد "حصار لمدائح البحر".تصل العبارة الشعرية هنا درجة من التعقيد عالية مط&