نحو تحرير الروح العربية – الاسلامية من عقالها


هاشم صالح (كاتب ومترجم من سوريا يقيم في باريس)


  *1*

هناك صورة شائعة - وربما وهمية - عن الفكر تقول بأنه موجود في كل مكان أو متوافر في كل البلدان. فحيثما يوجد بشر أو شعب ما أو لغة ما يوجد فكر بالضرورة. وحيثما توجد جامعات ودراسات عليا وشهادات دكتوراة يوجد الفكر، في الواقع، إن الفكر أكثر ندرة مما نتوقع. بل إن الشيء الطبيعي هو الا يوجد الفكر، الشيء الطبيعي هو أن يسهى الناس عن الفكر، أن ينسوا الفكر، أن يعيشوا في غفلة وبحبوحة من العيش بعيدة عن حمأة الفكر. بالطبع إذا كان المقصود بالفكر الحد الأدنى من التفكير وتدبير شؤون المعاش والحياة اليومية - أو حتى كتابة - كاتب

رسالة دكتوراة ! - فإنه متوافر على كافة الأصعدة، وفي كل مكان. كل البشر يسرحون الى أعمالهم ويدبرونها ما استطاعوا الى ذلك تدبيرا. ولكن إذا كان المقصود بالفكر انبثاق تصور جديد للأشياء، أو انهيار تصور سابق، أو سقوط مرحلة وبداية مرحلة، فإن الفكر نادر جدا. ولكي يظهر الفكر - أي لكي يحصل ذلك الحدث الصاعق الذي يشبه "فلق الصبح _ - ينبغي أن تتوافر عدة شروط أولها الكارثة. بمعنى: ينبغي أن تحصل كارثة حقيقية لكي يولد الفكر، لكي ينبت الفكر في الأرض البوار.

الفكر نور ينبجس من رحم الظلام، وضد الظلام. ولكن الظلام لا تنفرج أساريره عن وضح الصبح إلا بعد أن يلفظ آخر أنفاسه: أي بعد أن يشهد آخر عتمة - العتمة التي تسبق مباشرة فلق الصباح.

هذا يعني أن الفكر عملية صعبة، مريرة لا تعطي نفسها بسهولة بمعنى أخر: لا يدخل ساحة الفكر من يشاء. وربما حاول أحدهم بكل الوسائل أن يصبح مفكرا يشار اليه بالبنان، وبذل من أجل ذلك الغالي والرخيص، وسهر عليه الليالي، ثم لم يتوصل في نهاية المطاف الى أكثر من دارس جيد أو أكاديمي مفيد. وربما حاول أحدهم أن يهرب من الفكر بكل الوسائل، وأن يكرس حياته لشيء آخر غير الفكر: للحب مثلا أو للمتن أو للعيش والنجاح في الحياة... فإذا به يجد كل ذلك يهرب من بين أصابعه. ويجد نفسه مقودا، كما لو غصبا عنا، الى أن يدخل حلبة الفكر الى أن يصبح مفكرا. الفكر غير مضمون النتائج سلفا، أو منذ البداية إنه مخاطرة كبرى لا يجرؤ عليها إلا أولئك الذين فقدوا كل شيء تقريبا -أولئك الذين وصلوا الى حافة الهاوية.

لا يجرؤ على الفكر إلا أولئك الذين أصيبوا بجرح عميق، أو في العمق هؤلاء هم وحدهم الذين يستطيعون أن يدخلوا حلبة الفكر أو معمعة الفكر. لماذا؟ لأنهم خسروا كل شيء تقريبا، ولأنهم كانوا قد دفعوا الثمن مسبقا، ودفعوه باهظا. كلما كبر الجرح كبر الفكر. كلما غار في الأعماق والأقاصي، كان الفكر يانعا، قويا، طيبا. وأكاد أراهن على أنه لولا مرضه لما أصبح نيتشه مفكرا. ولكن كان ينقصا شيء واحد لكي يصبح مفكرا: كان يلزمه أن يسقط صريع المرض، وأن يترك الجامعة، وأن يهيم على وجها وحيدا، هامشيا، ضائعا. كان يلزمه أن يدفع الثمن باهظا، و"من شخصه ". كانت تلزمه صدمات أو خيبات تكاد تهد الجبال –بما فيها خيبة الحب -. كان يلزما أن يصل الى نقطة حرجة، نقطة حدية تفرض عليه خيارين لا ثالث لهما: إما أن يفكر واما أن ينتحر.

* 2 *

إذا كان ذلك ينطبق على الأفراد والأشخاص فلماذا لا ينطبق على الأمم والشعوب ؟ الأمم أيضا ينبغي أن تدفع الثمن باهظا قبل أن تمسك بأول الخيط الذي يؤدي الى النور. الأمم أيضا تشعر أحيانا بأنها مهددة في وجودها في تماسكها وكينونتها. وينبغي أن تشهد كارثة حقيقية لكي تنبث فيها فكرة واحدة أو حتى نصف فكرة ذات معنى. لكي نستطيع أن نطرح سؤالا واحدا على الواقع ينبغي أن يحصل انهيار، أن ينفجر في وجهنا زلزال. ذلك أن السؤال محجوب في أعماق الواقع ومكبوت في تلافيفه وأحشائه، من يجرؤ على الاقتراب من السؤال مسافة أكثر من اللازم احترقت يداه، وربما عميت عيناه، ذلك أن السؤال محمي ومحروس بالأسلاك الشائكة، السؤال مقفل عليه بالرتاج. ممنوع أن تقترب من السؤال، ممنوع أن تنظر اليه، أن تحدق فيه، أن تطرح عليه علامة استفهام، ذلك أن السؤال مطموس منذ زمن طويل الى حد أنه لم يعد يبدو سؤالا لقد تحول الى جواب نهائي قاطع ومانع. لقد أصبح مسلمة بديهية لا تحتاج الى نقاش لقد فقد تاريخيته وغاص في أعماق الزمن السحيق، وخلع عليه الزمن المتطاول حلة التقديس.

يضاف الى ذلك أن السؤال محروس بالرجال. هناك قوى كاملة بعددها وعدتها مستعدة في كل لحظة للإنقضاض على من تسول له نفسا أن يقترب من منطقة السؤال. هناك جيوش من المراقبين والمخبرين والحراس والموظفين. هناك أمة بأسرها كانت قد بنت مشروعيتها، وأسست كيانها وهويتها على طمس السؤال على تقييد السؤال بالأغلال، على تحويل السؤال الى جواب، من يستطيع إذن أن ينبش السؤال من تحت الأنقاض، أن ينفض عنه الغبار، أن ينزع من حواليه الألغام؟ من يستطيع أن يحفر تحت السؤال ويل لمن تسول له نفسه أن يقترب من منطقة السـؤال (1).

الكارثة وحدها أو الزلزال قادرة على زحزحة السؤال. الكارثة وحدها قادرة على فضح بداهة السؤال، على إماطة اللثام عن وجه السؤال. لهذا السبب يبدو الفكر - في أوله - بمثابة فضيحة. كل فكر لا يفضح، لا ينبش لا يعري، ليس فكرا، لذلك فإن الفكر الذي قد يظهر في الساحة العربية - الإسلامية عما قريب سوف يبدو فضائحيا بامتياز. وربما راح يشتغل تحت العنوان العريض التالي: الحفر الأركيولوجي في الأعماق.

لماذا هذا الهوس بالحفر، بالتعرية، بالفضيحة لأن الأرض العربية الاسلامية عطشى للحقيقة.

* 3 *

لكي أوضح ما أقوله سوف أضرب بعض الأمثلة من التاريخ الأوروبي القريب أكثر مصا نعتقد. معظم المؤرخين متفقون على القول بأنه لولا تردي المسيحية في القرون الوسطى الى أسفل وهدة، ولولا جفاف نسفها وتحولها الى قوالب جامدة فاقدة للروح لما كان انفجار لوثر وولادة الإصلاح الديني في بداية القرن السادس عشر، فالواقع أن الإيمان المسيحي كان قد وصل في ذلك الحين الى درجة هائلة من التكلس بحيث إنه لم يعد ينفع معه أي ترقيع أو مجاملة. لقد فقد حيويته الأولى وبراء ته الأصلية وتحول الى مجرد تقليد اجتراري لا ماء فيه. لقد أصبح وسيلة للتكسب والضحك على العامة وجمع الأهوال الطائلة مع التظاهر بالورع والخشوع الكاذب. وأصبح كرادلة روما يرفلون بالدمستق والحرير ويبنون القصور الفخمة ويفرضون الزكوات الإجبارية (أي الضريبة بلغة هذا الزمان / على الشعب الطيب المسكين الذي انكسر ظهره تحت وطأة مطالبهم واحتياجاتهم التي لا تنتهي وكل ذلك باسم المسيح والإنجيل والدين الصحيح، وبلغ تسييس الدين درجة من الوقاحة لم يسبق لها مثيل. عندما وصلت الأمور الى مثل هذه الدرجة من التردي والإنحطاط انبثق لوثي وثورته العارمة. فلولا التردي لما كان الإصلاح، لولا الزيف والمتاجرة بالدين لما كانت الحقيقة – لما كان الجوع الى الحقيقة - (وكان لوثر في وقته يمثل اكبر فضيحة) (2)

أما المثل الثاني الذي أود أن أضربه هنا فهو أيضا من تاريخ أوروبا. وهو أيضا أو دلالة بالغة، بل ويمثل بشكل من الأشكال استمرارية للأول لأنه يعبر عن جوع للحقيقة والتعرية. فمن معروف أن أوروبا قد عانت كثيرا مما يدعونه بحرب الأديان (La guerre des religions).

في الواقع إنها كانت أساسا حرب المذاهب المسيحية، أي الحرب بين الكاثوليك والبروتستانت. حصل ذلك الى درجة أنها قد أصبحت شيئا يضرب به المثل. فعندما يختلف ساسة فرنسا الحاليون فيما بينهم حول مسألة ما نسمعهم يقولون: لا نريد أن نجعل منها حرب أديان أي مشكلة تستعصي على الحل، أو حرب أهلية داخلية)، هذا يعني أنها قد حفرت نفسها في أعماق الوعي - أو اللاوعي - الأوروبي الى حد أنها أصبحت ذكرى لا تمحى. وهكذا جاء عصر التنوير كرد فعل على تلك الجرائم التي ارتكبت باسم المسيحية والدين الحق (أو المذهب الصحيح). ودفعت المسيحية ثمن ذلك باهظا. فقد ثار عليها كل مفكري أوروبا الأحرار واتهموها بشتى أنواع التهم والنعوت وتبرأوا منها. وأصبح رجال الدين مدعاة للسخرية والإستهزاء، وفقدوا هيبتهم ومكانتهم بسبب قيادتهم أو تبريرهم لتلك الحروب والمذابح المذهبية.

وهكذا تساقطت دفعة واحدة، أو راحت تتساقط قطعة فقطعة، سماء اللاهوت القروسطية، فانقشعت عن وجه أوروبا سماء ملبدة بالغيوم السوداء، وانكشح الوجه المكشر للتأله عن سطح المسيحية الأوروبية. وانزاح عنها كابوس ثقيل كان قد ربض على صدرها، وشل طاقاتها، وأطفأ الفور في عينيها طيلة قرون وقرون، ويرى أحد كبار المؤرخين الفرنسيين المعاصرين، وهو مسيحي مؤمن (جان ديليمو)، أن صورة الله المنتقم الشديد العقاب كانت عاملا مهما في تراجع المسيحية عن وجه المجتمعات الأوروبية. فهي أحد الأسباب الأساسية في ثورة لوثر إن لم تكن السبب الأساسي (هنا يكمن اكتشافه اللاهوتي الكبير)، فقد كان يخشى هو الآخر أيضا هذا الوجه المكشر للتأله وكان يعتقد أنه لن يفلت من عقابه مهما فعل. ولم يتوصل الى طمأنينته الشخصية إلا بعد أن انعتقت روحه من هذه الصورة المرعبة والقروسطية لله وتوصل الى صورة أكثر تسامحا ومحبة وغفرانا (3).

ولكن كم دفع ثمن تلك الصورة حتى توصل اليها، وكم سهر الليالي من أجلها، وكم تقلب ذات اليمين وذات الشمال تحرقا لها؟ كم تقلب على الجمر وما هو أحر من الجمر وذاق الحلو والمر قبل أن يتوصل الى حل أو منفذ يؤدي الى الحل ؟ كم أشرف على الهلاك مرات عديدة وتمنى أنه لم يوجد: "ليتني كنت نسيا منسيا…" ذلك أن انعتاق الروح من أسر القيود وغياهب الماضي عملية صعبة جدا. ما إن تسقط الروح في بئر الظلام وتفل بالأغلال ويفلق عليها بالرتاج حتى تصبح عملية تحريرها شيئا عسير المنال. والروح – روح الفرد أو روح الأمة – تصاب بهذا المرض من حين لحين.كل الأمم أصيبت به، ن الأمة العربية ليست استثناء على القاعدة ولن تكون. ولذا يظهر الأنبياء أو المفكرون أو المصلحون الكبار لإنقاذها وتخليصها لذلك تظهر الحركات التاريخية الكبرى – كالإصلاح الديني، أو التنوير أو الثورات – لانتشال الأمة من وهدتها والانتقال بها من حال الى حال، من هو المفكر الكبير في نهاية المطاف ؟ إنه شخص يستيقظ قبل الآخرين فيرى ما لا يرونه، وما إن يكتشف نوعية المهمة وحجم أبعادها حتى يصاب بالجزع وترتعد فرائصه خوفا من مواجهتها. إنه شخص يستطيع أن يلخص في شخصه كل أمراض الأمة وعقدها واوجاعها. وفيما هو يبحث عن حل لمشاكله الشخصية وقيما هو يتخبط في تلك العقد والأوجاع يجد أنه من المستحيل أن يحل مشكلته الشخصية إن لم يحل المشكلة العامة ككل. عندئذ ينصهر في شخصه الخاص بالعام الى حد الذوبان وعندئذ يتوصل الى اكتشاف تلك الحلقة المفرغة، تلك الحلقة الضائعة التي يبحث عنها الجميع دون أن يجدرها. وقيما هو يحل خيوط عقدته خيطا خيطا يجد أنه قد حل عقدة الأمة ككل.

ما هي الشخصية الإستثنائية في نهاية المطاف:؟ !نها شخصية ضعيفة جدا، تكاد تئن تحت وطأة اوجاعها، وتنهار من شدة همومها وأوصابها. ولكنها في لحظة ما، وكأن بقدرة قادر، تستطيع أن تحول الضعف الى قوة، والتهالك الى تماسك والسلب الى ايجاب. إنها شخصية مريضة بالعصر ويحجم مهمتها. لذلك ينبغي أن نسقط من أذهاننا تلك الصورة المضخمة والكاريكاتورية عن المفكرين والمصلحين الكبار. تلك الصورة المثالية التي ركبت فيما بعد، بعد أن ضرب من ضرب ونجح من نجح. تلك الصورة التبجيلية والمثالية التي تشكلها الأجيال اللاحقة من المؤمنين التابعين لكي يعيشوا بها أو يناموا عليها فاذا ما نبشنا عن الصورة الحقيقية –أي التاريخية – وجدنا العجب العجاب (4). ما أكبر الفجوة بين المثال والواقع، وما أصعب الصحوة بعد طول استلاب.!

هل وصلت الأمة العربية الى مرحلة النبش عن الصورة الحقيقية ؛ هل يمكن اعتبار الكوارث التي حصلت مؤخرا – حرب الخليج مثلا – بمثابة الإنذار أو مؤشر الخطر على أننا قد اقتربنا من منطقة السؤال الأكبر؟ بمعنى آخر: هل كان ينبغي أن تنحصر كارثة بحجم حرب الخليج لكي نفتح أعيننا لكي نرى ما لم نكن نراه ؟ وهل نستطيع أن نقول: "وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ؟"..

يحق لنا أن نطرح هذا السؤال الآن، ولا يستطيع أحد أن يمنعنا من طرحه. نقول ذلك وبخاصة أن الخطابات المغامرة والحمقاء التي رافقت تلك الحرب قد تساقطت وانكشفت على حقيقتها. كما وتساقط أكبر خطاب سياسي معاصر: الخطاب الشيوعي السوفييتي. اذن حصلت أحداث بحجم التاريخ، أحداث تدل على تسارع حركة التاريخ، ولا يمكن لأي مفكر أن يتجاهلها. صحيح أن الفكر العميق مستقل عن حركة الأحداث العابرة والمتقلبة ولا يمكنه أن يكون انعكاسا له أو حصرا شموليا لها، ولكن لا يمكنه أن يتجاهل الأحداث الكبرى التي تحصل بشكل نادر في التاريخ والتي تنطوي على دلالات عميقة. ولو كان هيجل مكاننا "لفرح " كثيرا بما حصل – بالمعنى الفلسفي لكلمة فرح – أقصد لكان اعتبره حظا نادرا للتفلسف أو مادة ثمينة للتأمل واستخلاص العبر. ونحن نعلم مدى اهتمامه بالثورة الفرنسية كحدث تاريخي عظيم يدل على حركة التاريخ، أو كمؤشر على ريح التاريخ. وما يحصل الآن في وقتنا يمكن اعتباره مؤشرا عن حركة التاريخ وان يكن سلبيا ومأساويا الى حد كبير. فمن السلب يخرج الإيجاب، ومن رحم السقوط يخرج النهوض (5).

على أية حال كان يكفي بالأمة العربية أن تشهد هزيمتين ساحقتين خلال أقل من ربع قرن (1967- 1991) وأن يتساقط أكبر "حليف " تاريخي لها لكي تشعر بالجزع والهلع أمام احتمالات المستقبل. لأول مرة تشعر بأنها وحيدة في الساحة ومتروكة فريسة للأعداء. لأول مرة تهتز وترتعش كريشة في مهب الرياح. لأول مرة تشعر بمثل هذا الضعف والتفكك وفقدان الإرادة. ولأول مرة تفلت من يدها المبادرة التاريخية بشكل كلي، أو هكذا يبدو ظاهريا.

فهل يعني ذلك أن كل شيء قد انتهى، وأنه لا مجال لفعل أي شيء آخر؟ ثم – وهذا هو الأهم – هل يعني ذلك أننا قد وصلنا الى أسفل القعر، قعر الهاوية، أم أنه لا تزال تلزمنا صدمات أخرى أكثر هولا لكي نصل ونستريح ؟ من المرون أن من يفقد كل شيء يشعر بالراحة على الأقل، راحة اليأس الكامل، أما من يظل معلقا بين اليأس والرجاء، بين الموت والحياة، فيظل معذبا، قلقا، متوترا أعتقد أن الهزيمة الأخيرة التي أكدتها هزيمة 1967 كافية لإيقاظنا من سباتنا الفكري العميق. وأعتقد أن سقوط الخطابات السابقة التي سيطرت علينا – الخطاب القوموي والماركسوي وحتى الحداثوي الهش – سوف يحرر الساحة من عبء ثقيل وسوف يجعلنا نتنفس لاول مرة (6). جميل هو الفراغ، جميلة هي المساحات الشاسعة الخاوية، مريحة هي الحرية. فلنغتنم الفرصة إذن ولنطرح بعض الأسئلة التي كانت ممنوعة حتى ما قبل سنوات قليلة. الخراب عام والسقوط شامل، فلماذا نغلق أفواهنا الى ما لا نهاية ؟ لقد دفع الواقع ثمن طرح السؤال مسبقا، فلماذا لا نجرؤ نحن على طرح هذا السؤال ؟

من المعروف أنه بعد هزيمة يونيو 1967 برز خطابان أساسيان في الساحة: الأول يقول بأننا "تخلينا عن الله فتخلى الله عنا" وهزمنا. والثاني يقول بشكل ضمني (لأنه لم يكن يجرؤ على التصريح بذلك) بأننا لم "نتخل عن الله " بما فيه الكفاية ولم ندخل الحداثة والتكنولوجيا بما فيه الكفاية فهزمنا. خطابان متضادان بشكل مطلق كما هو واضح ظاهريا. ولكن هل هما متضادان الى مثل هذا الحد حقا؟ الا يشتركان في خصيمة واحدة هي: غياب البعد التاريخي أو الحس التاريخي عنهما كليا؟ واذا كان الخطاب المار كسوي قد شكل عزاء لقطاع عريض من الشبيبة بعد هزيمة 1967 واذا كان قد أوهمها بأنه الحل والمفتاح لكل شيء، فإن الخطاب الآخر الذي نافسه وخلفه على الساحة (أي الخطاب الاسلاموي) قد مارس ولا يزال يمارس نفس الدور. إنه شكل أيضا بعد حرب الخليج أو حتى قبلها عزاء لأعداد هائلة من الشبيبة الضائعة. الفرق الوحيد بينهما هو أن الأول يبدو جاهزا مستوردا أجنبيا، في حين أن الثاني يضرب على وتر العمق التاريخي للعرب. وهو فرق لا يستهان به بل إن انتقام الخطاب الإسلامي -إن لم نقل الاسلاموي - لنفسه كان مدويا وصارخا. وكان مشروعا في الواقع. ذلك أن تغييبه عن الساحة من قبل الخطابات الأخرى (القوموية والماركسوية والحداثوية الهشة) واتهامها لها بالرجعية والظلامية والطابور الخامس ما كان كافيا للقضاء عليه. لم يجرؤ أحد حتى الآن على مواجهة هذا الخطاب على أرضيته الخاصة بالذات، أقصد أرضية الفكر الإسلامي. ولو حصل تأويل أخر للاسلام -أي تأويل تاريخي نقدي - يواجه التأويل التقليدي الذي يحتل الساحة من أقصدها الى أقصدها لابتدأت الأمور بالتحليل فعلا. فالمواجهة بحد السيف لا تكفي. على العكس، كلما كبت هذا الخطاب، وكلما حورب بسلاح القوة فقط، كبر وتضخم وتفاقم. المحاولة الوحيدة التي أعرفها في هذا المجال هي محاولة محمد أر كون، ولكنها تتم في اللغة الفرنسية، هذا مع العلم أن عملية تحرير الإسلام الذي "نزل" في اللغة العربية لن تكون حاسمة إلا إذا تمت باللغة العربية. (من هنا ضرورة ترجمة هذا المفكر، ونقله كليا الى لغتنا).

مشكلتنا نحن العرب - وهنا يكمن الفرق الأساسي بيننا وبين الأوروبيين - هو أننا نعتقد بأن كبت المشكلة أو خنقها أو تأجيلها يعني حلها أو تجاوزها!.. كل المنهجية العلمية والخبرة التاريخية الحديثة تدل على عكس ذلك. ومع ذلك فنحن مصرون على المنهجية القديمة: منهجية الكبت والقمع والردع. هل هناك من أب يستشير أبناءه في مشكلة تخص وجودهم ؟ إذا فعل ذلك فذلك يعني أنه قد تنازل عن عرشه وتخلى عن كبريائه وفقد شيئا من هيبته ورجولته. هل هناك من حاكم يقبل بأن يستشير شعبه في مشكلة مهمة قد يتوقف عليها دماره أو بقاؤه ؟ حتى مسائل الحرب والسلم لا يستشار بها الشعب ! وهكذا يستطيع حاكم واحد مستبد أن يغامر بكل شعبه دون أن يرف له جفن !... ثم يصفق المفكرون العرب العظام لذلك ويقولون: ها قد فتح لنا التاريخ من أوسع أبوابه، هذا هو الطريق، هذا هو الحل !.. مأساة هي حالة الفكر العربي المعاصر، ومصيبة كبرى حقا. ذلك أنه إذا كان "المفكرون الكبار" قد عميت بهم الرؤيا الى مثل هدا الحد، فما بالك بالصحفيين العاديين أو حتى بعامة البشر؟! يحق لنا أن نتوقع كل شيء بعد الآن.

سوف لن انتهز الفرصة هنا لكي أعطي درسا في الديمقراطية للحكام والمحكومين كما يفعل الكثير من المثقفين بشكل سهل ومجاني وأحيانا رخيص. بل إني أخشى أن يحصل لكلمة "ديمقراطية " ما حصل لكلمة "الوحدة والحرية والإشتراكية " من قبل. فسوء الاستخدام أو أكثر الاستخدام بمناسبة وغير مناسبة تؤدي بالكلمة الى الإبتذال وفقدان المعنى، بل والتآمر على المعنى الأولي. ويلزمنا عندئذ أن نغسلها بثائي أكسيد الكربون قبل أن نستخدمها لم تعد هناك من كلمة واحدة في القاموس السياسي العربي قابلة لأن تستخدم. كل الكلمات تقريبا فقدت مصداقيتها. ذلك أني أعرف أن مسألة الديمقراطية

- أو الشورى أو الإستشارة، سمها ما شئت - مسألة طويلة جدا (7). وينبغي ان تتوافر عدة شروط لكي تصبح ممكنة. من هذه الشروط: ثقافة حديثة متغلغلة في أوساط واسعة من الشعب، وضع اقتصادي مريح نسبيا، تناقض الضغوط الخارجية. وهذه الشروط غير متوافرة حتى الآن، بل أن المتوافر هو عكسها تماما. يضاف الى ذلك أن خطر التفكك والتفتت يتزايد باستمرار. وشبح الدويلات المذهبية أو الطائفية أو العرقية أخذ يرتسم على الأفق المنظور أو غير المنظور. وهكذا بدلا من تحقيق "الوحدة العربية الشاملة " أصبحنا نخشى من تفكك الأقطار الموجودة، وأصبحنا نعتبر استمرارية وجودها كما هي نصرا ما بعده نمو. فكيف وصل بنا الأمر الى هذا الحد؟ الا ينبغي أن يدفع الخطاب القومي –أو بالأحرى القوموي – ثمن ذلك ؟ الا ينبغي مراجعته ومساءلته بقسوة ؟ نقول ذلك ونحن مؤمنون بأن الأفق العربي الواسع سوف يظلل مشروعنا المستقبلي. فالهدف نبيل بحد ذاته وله معقوليته ومشروعيته التاريخية، ولكن طريقة الوصول اليه ليست ناجحة، والخطاب الذي دعا اليه بكل شعاراته وبلاغيته الفجة أصبح الآن خارج قوس. فلأننا أردنا أن نأخذ الكل دفعة واحدة وبسرعة خسرنا الكل ! إني مؤمن بالأفق العربي الواسع، بل وزاد إيماني به بعد أن أقمت في أوروبا ثمانية عشر عاما والواقع أني لم أفهمه جيدا إلا بعد أن ابتعدت عنه ونظرت اليه من الخارج، وعن مسافة. ولكني مؤمن بأنه لن يتحقق إلا بشكل تدريجي،ومن تحت لا من فوق، ومن خلال مشاريع جزئية مصغرة تشمل كافة القطاعات. وبما أني اشتغل في القطاع الثقافي وأعرفه أكثر من غيره فإني سأقصر حديثي عليه (أترك للآخرين مهمة التحدث عن القطاع الإقتصادي، أو السياسي، أو الإجتماعي). إني أعتقد أن الوحدة الثقافية العربية شيء ممكن ومستحب، وربما كانت هي التي ستمهد للوحدة السياسية، ولكن الوحدة الثقافية لا تعني القضاء على الخصوصيات الثقافية لمختلف الأقاليم العربية الكبرى (المغرب الكبير، الخليج وشبه الجزيرة العربية، وادي النيل بلاد الشام والعراق). الوحدة الثقافية العربية لا تعني النمطية الأحادية، ولا تعني طمس الخصوصيات المحلية أو الخوف منها أو تكبير خطرها. فالعناصر المتنوعة والمختلفة مفيدة للأمة ونحن إذا ما حفظنا عليها فإنها ستغني الثقافية العربية الشاملة. هناك نقطة واحدة ينبغي الا نساوم عليها: هي أن لغة هذه الثقافة هي اللغة العربية، ما عدا ذلك كل شيء ممكن وكل شيء قابل للتفاوض، ولكن ماذا فعلنا للوحدة الثقافية العربية ؟ أين هي مراكز البحوث والترجمة العلمية ؟ أين هو إغناء اللغة العربية بالمنهجيات والمصطلحات الحديثة ؟ أين هو التنسيق بين الجامعات العربية أو مجامع اللغة العربية من أجل توحيد المصطلحات العلمية والطبية والهندسية والفلسفية والعلوم الإنسانية ؟.. وهل يمكن للغة العربية بوضعها الحالي أن تقاوم هجمة اللغات الأجنبية الحديثة وبخاصة الإنجليزية والفرنسية ؟ هل يمكن مقاومة هجمة التليفزيونات الأجنبية على المغرب العربي بشكل خاص ؟